الأربعاء، 31 ديسمبر 2014

عن قلعة البحراني..



عزيزي القارئ: إذا كنت تبحث عن موضوع تاريخي أو كتاب أعياك البحث عنه ولم تجده، أو أردت أن تستعيد ملامح جميلة لمدينتك قبل أن تغزوها غابات الاسمنت القبيحة، أو حاولت تصوّر نمط الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة في السّلطنة قبل السبعينات، فغالباً لن يكون أمامك سوى البحث في (قلعة التاريخ) لصاحبها ومؤسّسها الباحث عماد بن جاسم البحراني كملاذ يمكن أن تجد في أركانها ومخابئها كثيراً ممّا تبحث.

لم يكتف عماد مدرّس التاريخ سابقاً قبل أن ينتقل للعمل في مشروع المتحف الوطني بوزارة التراث والثقافة، ثمّ كباحث دراسات تاريخيّة، بالأمنيات فقط، بل حوّل حلمه الذي رافقه طوال سنوات عمره والخاص بالتعريف بالتاريخ العُماني محلياً وخارجياً إلى واقع متاح، وذلك من خلال إنشاء مدوّنته الشّخصيّة التي بدأها بنشر مقالاته الشّخصيّة، ثمّ ما لبثت أن توسّعت لتشمل أقسام عديدة كمكتبة قلعة التاريخ، وتاريخ عُمان المصور، وصور جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، والوثائق والخرائط التاريخية، والعملات والطّوابع والأفلام والمقاطع التاريخيّة العمانيّة النّادرة، بالإضافة إلى عدّة روابط هامة لمؤسسات ومراكز وجهات ومجلات تاريخية، كما أصبح لها صفحات مختلفة على مواقع التّواصل الاجتماعي العديدة من فيس بوك، وتويتر، وانستجرام، وواتساب وغيرها.

عند ولوجك لقلعة البحراني ستصاب بالذّهول وأنت تتجوّل بين كنوزها المختلفة، وسيراودك السؤال الآتي: كيف لشخص واحد أن يجمع كلّ هذه الكنوز، وبإمكانات شخصيّة بحتة، فكمّيّات الصّور النّادرة، والوثائق، والخرائط، والكتب، والعملات، والمقاطع البصريّة التي يحتويها الموقع، أو التي تعرض في صفحات التواصل الاجتماعي المختلفة التابعة للقلعة هي من الأمور التي بحاجة لفريق متكامل، تدعمه امكانات لوجستيّة كبيرة، فنيّة كانت أم مادّيّة، فما بالك بجهد شخص واحد!  

شخصياً أدين للصديق الباحث عماد البحراني بكثير من الأشياء الجميلة، ذلك أن انضمامي إلى مجموعته (الواتسابيّة) المتفرعّة من قلعته قد أضاف لي الشيء الكثير، وجعلني أستعيد وأراجع كثيراً من المعلومات التاريخيّة، كما عرفّني بعدد من الشباب العمانيّ المهتم بقضايا التّاريخ المحلّيّ في شتّى فروعه، وأتاح لي فرصة النّقاش والحوار في جوّ علميّ بتنا نفتقده في ظلّ قلّة الاهتمام بالقضايا العلميّة والتاريخيّة المختلفة، بعد أن حلّ الأدب وقضاياه في المرتبة الاولى من الاهتمام المؤسسي الفكري أو التعليميّ.

في قلعة البحراني تجادلنا كثيراً حول العديد من القضايا التي مازلنا نبحث لها عن تأكيد في مصادرنا التاريخيّة الشحيحة من قبيل إن كان مازن بن ابن غضوبه شخصيّة حقيقيّة أم لا! وهل تتّجه قبلة مسجد العقبة الكائن في ابراء نحو بيت المقدس أم أنّ الأمر لا يعدو خطأً في تصميم المحراب واتجاهه! وهل أطلق الفرس بالفعل تسمية (مزون) على عمان وتعني الأرض الخصبة! وماهي القبائل التي كانت تسكن عمان عند وصول مالك بن فهم بمن معه من الأزد! وماذا عن كرامات بعض الأئمة والعلماء! وقضايا جدليّة أخرى كثيرة أسهم شحّ المصادر في إثارتها، وهو أمر يجعلنا نفكّر كثيراً في إعادة كتابة التاريخ العماني، والعودة إلى كثير من المصادر كالوثائق التي تم الكشف عنها مؤخراً، وكتب الفقه والأدب العماني التي أشارت إلى أحداث ودلالات وقضايا تاريخيّة كثيرة بحاجة إلى من يمحّصها ويضعها في سياقها التاريخيّ الصحيح.

وفي قلعته كذلك تساءلت مع نفسي عن مصير العشرات من الباحثين الشّباب الذي تخصّصوا في جوانب مختلفة من التّاريخ العمانيّ، سواء من خلال التأليف أو الدراسات العليا، والذين لا يكادوا يسمعون بندوة أو محاضرة تتعلّق بتاريخ عمان هنا أو في الخارج دون أن يكون لهم نصيبهم من الحضور والمشاركة. ترى هل سيتمّ الاستفادة من إمكاناتهم وجهودهم البحثيّة في الكلّيّات والجامعات والمراكز البحثيّة المختلفة، أم سيعودون إلى وظائف مكتبيّة رتيبة أبعد ما تكون عن التخصّص الذي أفنوا فيه شبابهم وجهدهم!!  

في قلعته أيضاً ناقشنا الأسباب التي أدّت إلى جهل الكثير من شباب الوطن بمفردات تاريخهم، والخلط الحاصل في المعلومات التّاريخيّة المتعلّقة بالسّلطنة، وتحسّفنا على عدم وجود مركز تاريخيّ متخصّص يكون ملاذاً للدارسين والباحثين والمهتمّين، ويقع على عاتقه حفظ التاريخ المحلّي من خلال الاشراف على البحوث والدراسات التاريخيّة المتخصّصة، والقيام بأعمال الترجمة والتحقيق للوثائق المختلفة، وتبنّي مشاريع دعم طباعة الكتب والدراسات المتخصّصة في جوانب التاريخ العماني، وإقامة الندوات والمؤتمرات وورش العمل، أسوة بكثير من الدّول التي سبقتنا في إنشاء هذه المراكز لدرجة وجود أـكثر من مركز بحث تاريخيّ في بعض الدّول بعضها متخصّص في تاريخ مدن بعينها في تلك الدّول.

  في قلعته اقترحنا بعضاً من الحلول التي يمكن أن تسهم في التّعريف بالتّاريخ العماني، ودور ذلك في الحفاظ على الهويّة الثّقافيّة للسلطنة، كإيجاد أدوار أكثر أهمية للمناهج التعليمية في تقديم التاريخ المحلي بشكل يجعل الطلاب يقبلون على دراسته، ويكسبهم القدرة على تذوّقه، وحماية الموروث عبر تأسيس متاحف متخصصة في كافة مجالات الثقافة والتراث، والحفاظ على الشواهد المتبقية وتحويلها إلى مؤسسات ثقافية لا إزالتها تحت دعوى تحوّلها إلى ملجأ للحشرات والقوارض، ودعم الفولكلور المحلي بكافّة أشكاله، وتعزيز الحرف العمانية بشكل عصريّ تتواكب والتغيرات الاقتصادية الحاصلة، وإطلاق أسماء الشخصيات العمانية البارزة على بعض الشوارع والمؤسّسات، وتنظيم المؤتمرات والمسابقات والفعاليّات التي تتناول شخصيات أو قضايا تاريخية بعينها، واستلهام حياة بعض الشخصيات التاريخيّة في تنفيذ أعمال فنية وأدبية مختلفة كالمسلسلات والتمثيليات والروايات والقصص القصيرة، بالإضافة إلى تعريف العالم بملامح هذا التاريخ والثقافة من خلال تقوية التواجد الثقافي في الخارج، ووضع برامج مختلفة للتبادل الثقافي مع شعوب العالم المختلفة.

ترى هل ستصمد قلعة البحراني طويلاً وسط تحدّيات وظيفيّة وتكنولوجيّة ومادّيّة قد يعاني منها صاحبها! وماذا عن حقوق الملكيّة الفكريّة ونحن نرى كلّ من هبّ ودبّ يستفيد ممّا تحتويه هذه القلعة من كنوز مهمّة دون الإشارة أحياناً إلى مصدر ما أخذه! وهل ستجد هذه القلعة من يلتفت إليها أخيراً ويحاول أن يتبنّى جهود صاحبها، ويجعل منها نواة قادمة لمركز تاريخيّ متخصّص يمكن أن يكون أكثر تأثيراً في ظلّ وجود أرضيّة صلبة قامت عليها القلعة، وفي ظلّ وجود كثير من الباحثين والمؤرّخين الشّباب المؤهّلين والذين طال انتظارهم لهذا الحلم, سؤال إجابته مؤجلّة للمستقبل القريب.. أو البعيد!!

د. محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

مشاهد وتساؤلات 18

(1)
 
في كلّ مهرجان أو احتفاليّة تراثية أجدهم أمامي في كلّ ركن أذهب إليه وكأنّهم انتيكات وضعت للعرض، منهم من يمسك بخطام جمل أو بحبل حمار، ومنهم من يعجن دقيقاً ليعمل منه خبزاً على الفحم، ومنهم من ينشغل بشباك صيد أو بسفّة خوص وكأنّه يقوم بعمل حقيقي، وقس على ذلك أمثلة عديدة لبسطاء أجبرتهم ظروفهم على القبول بأعمال كهذه متحّدين رجاء أبنائهم، ومتحمّلين لنظرات الآخرين إليهم وكأنّهم في سيرك مفتوح، قبل أن يختفوا ليحضروا في العام أو المناسبة القادمة، وهكذا دواليك.

وقد يقول البعض: ولكنّنا من خلال هذه المهرجانات نحافظ على تراثنا، ونخلق فرص عمل لهؤلاء، ونعرّف الزوّار والأجيال القادمة بما نملكه من موروث حضاري.
  جميل كلّ هذا، ولكن أليس من طرق أخرى للمحافظة على هذا التراث عدا تعريض هؤلاء الحرفيّين البسطاء وأسرهم للإحراج في كلّ مرّة مقابل بضعة ريالات قليلة! ألم تضعوا في الحسبان شعور أبناء هؤلاء أو أقاربهم وهم يرون آبائهم أو أمّهاتهم، أو إخوانهم، أو أيّ قريب لهم بهذه الصورة! ألم تفكّروا في من تعدّى الستّين وأصبح في حاجة إلى أن يقضي بقيّة أيّامه في أمان نفسيّ وراحة بال مستفيداً من خدمات اجتماعيّة توفّر له الاستقرار النّفسي والاقتصاديّ، وتجنّبه العوز، وهل سيرضى المسئولون عن هذه الفعاليّات أن يحضروا أهلهم أو أقاربهم لعرضهم كأنتيكات في هذه المهرجانات، أم أنّ الشعارات الرّنّانة لا تطبّق سوى على فئات بعينها!
 أولا يمكن أن أحافظ على هذا التراث، وفي نفس الوقت أحافظ على كرامة هؤلاء من خلال توفير مصادر دخل دائمة لهم من خلال سنّ تشريعات اقتصاديّة تحميهم من منافسة الوافد الأجنبي الذي توغّل في كلّ الحرف وكاد أن يقصي المواطن من جلّها، أو عمل أسواق شعبيّة في القرى والولايات، وتمليك محلاتها لهم، أو دعمهم مادّياً وإداريّاً وتدريبيّاً في انشاء مشاريع اقتصاديّة خاصّة بهم، أو التعاقد معهم على شراء منتجاتهم بأسعار تشجيعيّة تضمن لهم الاستمراريّة، بل وتحفيز أبنائهم على العمل بهذه الحرف فيما بعد!
 
  (2)
في مصر (التي تعاني من مشكلات اقتصاديّة كبيرة) بدأ تطبيق مشروع شبابيّ رائد تقوم فكرته على تحويل زيت الطعام الذي تم استخدامه إلى وقود، حيث تقوم الأسر بتسليم بقايا زيت الطعام لأقرب محل بقالة، والذي بدوره يسلّمه إلى مركز لتجميع الزيت المستخدم.
المشروع سوف يؤدي إلى الاسهام في نظافة البيئة، وزيادة في دعم الأسرة لأن كل لتر زيت يقوم المواطن بتسليمه يأخذ مقابله دعماً خاصاً بشراء السلع الأساسيّة، كما سيسهم في إيجاد فرص عمل للشباب من خلال توفير مكائن لتحويل الزيت إلى سولار لإنتاج حوالي مليون لتر سنويا، علاوة على خفض فاتورة استيراد الدولة السنوي للوقود.

بالمناسبة.. ما هي أخبار مخترعينا الشباب من أمثال سلطان الصبحي، وأحمد الحتروشي وغيرهم!! وما مصير عشرات المشاريع الابتكاريّة التي نسمع عنها كلّ يوم في وسائل اعلامنا، ونشاهدها في المعارض العلميّة المختلفة!!
 
(3)
تقول الحكمة العمانيّة الحديثة "إذا أردت أن تعذّب أحداً فابعثه في مشوار إلى روي، أو اطلب منه أن يقف خلف آسيوي في بنك، أو اجعله ينتظر دوراً في مركز العامرات الصحي".

 أمّا لماذا العامرات، فلأنّ هذه الولاية التي تحسب (اسماً) ضمن ولايات محافظة مسقط، والتي أصبحت فعليّاً من أكثر ولايات السّلطنة اكتظاظاً بالسّكّان، لا يوجد بها سوى مركزين صحّيين يغلقان أبوابهما عند التّاسعة ليلاً في أيّام الدّوام الرسمي، وعند الرابعة عصراً أيّام العطل الرسميّة على اعتبار أنّه لا أحد يمرض بعد ذلك الوقت!
ولمن يجبره حظّه العاثر على مراجعة أحد هذين المركزين فعليه أن يستعين أوّلاً بالصبر والصلاة، وأن يجمّد أعصابه في ثلاجة منزله لمدّة كافية قبل الذّهاب، وأن يتأكّد من وجود شحن كاف بهاتفه، وحبّذا لو أخذ معه كتاب جيب، أو بعض المكسّرات لزوم عدم الشعور بالوقت. أمّا لو كان الموعد صباحيّاً فيفضّل أن يصّلي الفجر في أقرب مسجد للمركز، كي يحجز موعداً مبكّراً.

للتذكير.. هناك من الاقتصاديّين من يمتدح فكرة إقامة مركز طبّي خاص بالعامرات، بل ويعتبرها من أكثر المشاريع الاقتصاديّة المضمونة.
 
 (4)
نقلاً عن صفحة عبد الله العدوي في التويتر: "احصائية سويتها وأنا أسوق. من إجمالي ١٠ سيارات تجاوزت سيارتي؛ ٨ سائقين يستخدموا تلفوناتهم، والطامة واحد منهم باص نقليات كبير ٥٠ راكب"
لا تعليق!!
 
 (5)
 "نجح فريق جراحة القلب بمستشفى جامعة السلطان قابوس برئاسة الدكتور هلال السبتي في زراعة قلب صناعي لمريض يعاني من فشل في القلب في إنجاز يعد الأول في السلطنة".

 "حقق فريق جراحة القلب والصدر بمستشفى جامعة السلطان قابوس برئاسة الدكتور هلال بن علي السّبتي إنجازاً علمياً هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط، تمثّل في إجراء جراحة دقيقة تتمثل في زراعة ثلاثة شرايين في القلب عن طريق التدخل الجراحي المحدود للقلب النابض بطريقة فتح الصدر من الجانب وليس من الأمام مثلما هو حال العمليات التقليدية".

كم أنا فخور بك وبطاقمك الطبِّي أيّها الطبيب الحاذق. وبمثلكم وبإنجازاتكم تفخر عمان وترتقي وتطاول هامات السماء، وسلامي على البوتيكات ومراكز التجميل.

الأربعاء، 17 ديسمبر 2014

مشاهد وتساؤلات ( 17 )


(1)

تابعت خلال الفترة الماضية التراشق الفكريّ الحادث، ووجهات النّظر المتباينة حول تصوت مجلس الشورى العماني بالأغلبية على حظر تعاطي الخمور، وإيقاف تراخيص الشيشة، والذي أتمنّى ألا يكون مقدّمة لنسج شباك الغزل مع الناخبين مع اقتراب انتخابات المجلس للفترة القادمة، وألا يشغلهم عن قضايا اجتماعيّة واقتصاديّة مجتمعيّة لا تقلّ أهميّة عن هذا الموضوع.

برأيي أنّه قبل أن نفكّر في منع الخمور ووسائل التّدخين أو أيّ شيء سلبي يتعارض مع تعاليم الدين، علينا أوّلاً أن نعالج الأسباب التي أدّت إلى انتشارها، وذلك من خلال مراجعة المنظومة التعليميّة، ومناقشة التحدّيات التي تواجه أداء الأسرة العمانيّة لدورها التربويّ والاجتماعيّ، والتّحدّيات الفكريّة والتكنولوجيّة التي تواجه المجتمع بشكل عام، ومدى توافر البدائل الثقافيّة والسياحيّة المناسبة لقضاء أوقات الفراغ وتكوين الشخصيّة السويّة من مكتبات ومسارح ودور سينما وبيوت ثقافة وحدائق ومتنزّهات طبيعيّة أو صناعيّة، واقتراح القوانين والتشريعات التي تناقش ما سبق، وبعد ذلك يمكن لنا أن نجتمع لنصوّت على منعها بالأغلبيّة المطلقة، فمجرّد المنع لن يحلّ المشكلة، بل سيفاقمها، حيث سيلجأ متعاطوها إلى بدائل قد تكون أكثر سوءاً، ولنا في تجارب بعض الدّول المجاورة أبلغ دليل على ذلك.

قبل أن تفكّر في قطع يد السارق وفّر له فرصة العمل المناسبة، وظروف العيش الإنسانيّة، وشيئاً من العدالة الاجتماعية، ثمّ طبّق عليه قوانينك كما تشاء.

 (2)

وأنا أتأمّل واقع منظومة التّعليم لدينا بالسّلطنة تراودني أحياناً بعض التساؤلات: ترى هل نحن بحاجة بالفعل إلى مبنى يضم الألوف من الموظّفين يقومون بالعديد من الأعمال الإداريّة والفنّيّة التي يمكن القيام بها بطرق أكثر بساطة ونجاعة من الوضع الحالي! هل الوزير بحاجة إلى الاشراف المباشر على عشرات المكاتب والإدارات ، ومئات الموظّفين التّابعين لمكتبه، وترؤس اللجان الكثيرة، خاصّة وأنّه من المفترض ألا يقوم باختراع استراتيجيّات تربويّة جديدة، بل هو مشرف على تنفيذ رؤية الحكومة في مجال التعليم، والتي هي جزء من استراتيجيّة وبرنامج متكامل تقوم الحكومة بتنفيذه خلال فترة زمنيّة معيّنة، وذلك من خلال بعض الأدوات كالقوانين، ووسائل التمويل.

ماذا لو تحمّلت المجالس البلديّة مسئوليّة التخطيط لبناء المدارس في المدن والولايات المختلفة وفق احتياجات تلك المدن والولايات! ماذا لو كان هناك مكتب خاص مستقل لوضع معايير المناهج، وتقوم الشركات التجاريّة بطباعة الكتب الدراسية التي تعدّ جزءً من المنهج وليست كلّ المنهج وفق هذه المعايير! ماذا لو أعطينا المدارس استقلالها الإداريّ والماليّ، ولمديرها كافّة الصلاحيّات المتعلّقة بإدارة تلك المدارس، واختيار المناهج المناسبة، وتقييم أداء الطاقم الإداري والتدريسي دون الرجوع للمركزيّة المرتبطة بالبيروقراطيّة! ما ذا لو كان هناك مكتب خاص مستقل كذلك لمراقبة أداء المدارس وفق المعايير الخاصّة بها، ماذا لو كان هناك مكتب خاص بإعداد وثائق التقويم المختلفة، وتقويم ناتج العمليّة التعليميّة دون تدخّل مباشر من الوزارة!

بل ماذا لو كانت هناك نقابة أو جمعيّة للمعلّمين، تجمع التربويّين في كيان واحد، وتتبنى مطالبهم، وتحقق عدداً من المطالب الاجتماعية التي ستضيف الكثير لبيئة العمل، ليس أقلها المعاش التقاعدي، أو حق العلاج، أو تنظيم المناشط الاجتماعية، أو حماية حقوق المعلم والدفاع عنه ، وأشياء كثيرة لا يمكن حصرها في هذه المساحة.

أقول.. ماذا لو!

(3)

على الرّغم من وجود قرار وزاري قديم بمنع عمل العمالة الوافدة في محلات بيع المواد الغذائيّة، وقصرها على العمانيّين فقط، إلا أنّ هذه العمالة سرعان ما عادت إلى احتلال أماكنها القديمة في إدارة هذه المحلات بطرق كانت ملتوية كوظيفة المحاسب، ثم أصبحت مكشوفة بشكل أكثر فجاجة، ومعظمهم للأسف دخلاء على هذه المهنة، ولا يمكن مقارنتهم بالعمالة (الشاطرة) التي كانت تدير هذه المحلات خلال فترة ما قبل تطبيق القرار.

على الرّغم من تحفّظي على القرار لأسباب عديدة لعل من بينها أنّك لا يمكنك أن (تفرض) على شعب ما أن يعمل بحرفة معيّنة، وأنّ التجارة هي مزيج من الشطارة والمغامرة، إلا أنّه على الأقل علينا أن نتابع مدى تطبيق القرارات التي (نفرضها) من عدمها.

 (4)

في ظلّ الانتشار الكبير لظاهرة (العزب) والاستراحات التي غزت كثيراً من المواقع الطبيعيّة والسياحيّة في بعض ولايات السلطنة لدرجة الاستحواذ على أهمّ الأماكن التي اعتاد الناس الذهاب اليها أيّام العطل والاجازات، أخشى أن نضطرّ قريباً للسفر إلى بعض الدول المجاورة التي لم تتأثّر سيوحها وصحاريها ووديانها بعد بهوجة العزب، وذلك من أجل قضاء إجازة آخر الأسبوع، أو عمل "المشاكيك"، أو الاستمتاع بمنظر الطبيعة بعد هطول الأمطار.  

تبدأ هذه العزب ببناء بسيط من المواد غير الثابتة، ثم يتم عمل سور يحيط بها، وبعدها يضاف إليها غرفة أو اثنتان بمواد ثابتة، ثم المطالبة بتملكها القانوني تحت عدة دعاوي مختلفة، وكل المراحل السابقة تحدث في غفلة أو تجاهل أو لامبالاة من المسئولين.

فضلاً عن إنها تعتبر تحايلاً على القانون، فإنها قد تسهم في تشويه المنظر العام، واختلال البيئة الفطرية، وقد تؤثر على منظومة التخطيط السكاني مستقبلاً، عدا حرمان المواطن البسيط من أوقات جميلة يقضيها برفقة أسرته أو أصدقائه في ظل قلّة البدائل السياحيّة المتاحة.

(5)

الشرطي الذي ألمحه ينظّم حركة السير كلّ صباح عند دوّار العامرات يستحقّ تحيّة تقدير وامتنان، فبرغم البرد القارس الذي يجمّد الأطراف، وبرغم التزاحم الشديد في حركة المركبات، ومحاولات البعض في الخروج عن النصّ من خلال التجاوزات الخاطئة، والسّرعة الزائدة، إلا أنّه يتجاوز كلّ ذلك متّخذاً من ابتسامته العريضة وقوداً يتدفّأ به، ويعينه على استكمال رسالته تجاه الوطن.   

هذا الشرطي هو نموذج جميل لكلّ رجال الشرطة في عمان الذين نجدهم قبلنا في كلّ محنة، وفي كلّ موقف. تحيّة لهم من الأعماق وعساهم على القوّة.

 

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

 

 

 

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

مشاهدات وتساؤلات 16



(1)

من بين الأمور المهمّة التي أخرج بها في كلّ مرّة بعد متابعتي لتصريحات معالي الوزير المسئول عن الشئون الخارجيّة، وبين تصريحات بعض الوزراء الاخرين، هو مدى الفرق بين الوزير السياسيّ المتمرّس الذي يمكن أن يجيب على أكثر الأسئلة حساسيّة وحرجاً دون أن تمسك عليه زلّة واحدة، وبين الوزير الموظّف الذي تأتي تصريحاته متوافقة مع كونه كان موظّفاً في الوزارة أو غيرها قبل ذلك، وأدرك كذلك أهميّة وجود مكتب صحفي تابع لمكتب الوزير مهمّته الإعداد الجيّد للكلمات والبيانات التي سيلقيها، والمراجعة الدّقيقة للتصريحات التي يعتزم إطلاقها خوفاً من تأثيرها الاقتصادي والاجتماعيّ السّلبي على المستويين الدّاخلي والخارجي.

كذلك فعلى الرغم من أنّ منصب الوزير هو منصب سياسي في المقام الأوّل، لا يشترط التخصّص في من يتولاه، وعلى الرّغم من أنّ هذا المنصب يمكن أن يتغيّر مرات عديدة على مدار السنّة الواحدة في الدول المتقدّمة تبعاً لتغيّر المناخ السياسي بدون أن تشلّ حركة العمل في الوزارة المعنيّة، أو تتغيّر سياساتها الداخليّة، إلا إنّ الوزير في كثير من دولنا العربيّة يصرّ على أن يمسك بكلّ شاردة وواردة، جاعلاً من الآخرين مجرّد منفّذين للسياسات التي يضعها هو، والتي ستتغيّر هي (وطاقم المكتب بأكمله) مع مجيء وزير آخر يحلّ محلّه، وهكذا دواليك.

(2)

يأتي الصّباح في مطلع كلّ يوم عمل حاملاً معه بوادر كثير من الأمراض والعلل كالضغط والكوليسترول والسّكّري وغيرها، وذلك من جرّاء الدقائق الطويلة والتي تصل إلى السّاعات أحياناً التي نقضيها لقطع بضعة كيلو مترات للوصول إلى المشاوير اليوميّة المختلفة، وذلك بسبب الازدحام الرّهيب التي تعانيه معظم شوارع مسقط نتيجة تراكمات تخطيطيّة وتنظيميّة مختلفة، في الوقت الذي بحّت فيه الكثير من الأصوات على مدى سنوات طويلة محذّرة من أن تتحوّل مسقط إلى قاهرة جديدة في ظلّ تكديس كلّ شيء فيها.

في ظلّ الزحمة (الخانقة) التي تعاني منها شوارعها، وبعيداً عن كلّ الحلول الغير منطقيّة كإعادة توزيع التنمية والمشاريع على مدن السلطنة الأخرى لتخفيف الضغط عن مسقط، والتفكير في المشروعات الانتاجيّة التي تحدّ من الهجرة المتدفّقة من القرى والولايات بحثاً عن فرص العمل والعيش المناسبة، أقترح على المسئولين عن التخطيط أن يغلقوا العاصمة (بالضبّة والمفتاح) على ساكنيها الحاليّين، وعدم السّماح لأحد بدخولها إلا بعد الانتهاء من كافّة المشروعات المتعلّقة بتوسعة الطرق والمداخل، وانشاء المزيد من الجسور والكباري، والا لتحوّلت مسقط في القريب العاجل إلى علبة سردين ضيّقة، خاصّة ونحن نتحدّث عن فتح أبواب الاستثمار، ونلمح العشرات من الوافدين الذين يتزايدون كلّ يوم، عدا من يترك مسقط رأسه في داخليّة عمان أو شرقها وغربها، قادماً إلى مسقط بقضّه وقضيضه بحجّة أنّ كلّ شيء موجود هنا.    

(3)

على ناصية شارع مسقطيّ يقوم أحد الباعة المتجوّلين بعرض مجموعة من الخضروات والفواكه بسعر موحّد قيمته ريال عمانيّ لكلّ صنف من الأصناف المعروضة، والتي هي عبارة عن طبق بلاستيكي صغير عليه بضعة حبّات من كلّ صنف.

الغريب أنّ هناك اقبال كبير على هذا البائع من قبل سكّان الولاية والمستخدمين للشارع،  برغم أنّ محلات بيع الخضروات والفواكه لا تبعد سوى بضعة أمتار عن مكان وقوف هذا البائع، وعلى الرغم من أنّ البضاعة التي يعرضها هذا التاجر ليست بتلك الجودة العالية مقارنة بنظيراتها في المحلات القريبة، وعلى الرّغم كذلك من السّعر المضاعف (جدّاً) الذي يبيع به هذا التّاجر التجوّل بضاعته، علماً بأنّه لا يقوم بدفع أيّة رسوم أو ضرائب أو قيمة استئجار معيّنة.

بعيداً عن الدعوة إلى تدخّل الجهات الرّقابيّة المعنيّة، أو تنظيم عمل الباعة الجائلين، يظلّ السؤال المطروح والمتعلّق بوعي وثقافة المواطن الذي يقبل على الشراء من أمثال هؤلاء وهو مغمض العينين مسلوب الإرادة دون أن يترك لشيء يدعى العقل وهبه الله ايّاه دوناً عن بقيّة المخلوقات أن يتساءل ولو لمرّة واحدة حول الأضرار الاقتصاديّة والصحّيّة المترتّبة على الشراء من أمثال هؤلاء، أو حول أهميّة عمل مقارنة أوّليّة بين نوعية وأسعار المنتجات المعروضة لدى هذا البائع والمحلات المجاورة، ثمّ يتفرّغ بعد ذلك للشكوى من الممارسات الاقتصاديّة السّلبيّة التي يكون سببها الأول استهتاره وسذاجته التي تغري الآخرين بالقيام بكلّ تلك التصرّفات.       

(4)

ذهب شهر نوفمبر حاملاً معه الذّكرى الثامنة لوفاة أحد أجمل وأرقى من أنجبتهم صور والسلطنة في مجال الفكر والثقافة والأدب والتاريخ خلال المائة سنة الأخيرة. الشاعر الفذّ صاحب ديوان "حوريّة البحر"، والمؤرّخ صاحب كتاب "قبائل الجنبة وميناؤهم التاريخي صور"، والمثقّف الموسوعة، والانسان قبل كل ذلك في تعاملاته مع الآخرين. أتحدّث عن المرحوم الأستاذ ناصر بن علي البلال.

بعد مرور ثمان سنوات على رحيله، ترى ماذا تبقى من ذكراه!! وماذا فعلنا من أجله باستثناء بعض أمسيات خجولة، ومقال هنا وهناك ثمّ انتهى كلّ شيء كما نفعل مع كلّ الأشياء الجميلة، منذ متى لم نتذكره في محفل ثقافي أو إنساني معين، وهل قليل في حقّ هذا الرجل أن تخصّص إحدى الصّحف أو المجلات ملحقاً أدبيّاً يتناول ذكراه وما قدّمه! أو أن يطلق اسمه على أحد المهرجانات المختلفة التي تعنى بالأدب محلياً، أو أن يوضع اسمه على إحدى مدارس أو شوارع مدينته التي كانت حديث صباحه ومساءه، والتي خلّدها في كلّ نفس كان يخرج من صدره!

وإلى كثير من الشعراء والأدباء، بل والمسئولين الذين خرجوا من تحت عباءة هذا الرّجل، والذين منحهم الشيء الكثير من انسانيّته المفرطة، وتشجيعه اللامتناهي، وغزارة محصوله الفكريّ كمكتبة متنقّلة، ترى هل ما زلتم تتذكّرون رجلاً يدعى ناصر بن علي البلال!!

رحمك الله يا أبا عبد الله، وتحية من قلوب لن تنساك.

 

 

 

 

الأربعاء، 3 ديسمبر 2014

ممدوح كاسمه


إذا كنت من مرتادي القاهرة خلال السّنوات الأربع الأخيرة فلابدّ أنّك قد سمعت أو عايشت بعضاً من مواقف هذا الرّجل، وتواضعه الجمّ، وكرمه الحاتمي الذي يفوق الوصف والحدّ، وإذا كنت لم تزرها بعد فربّما وصلتك أخباراً عن بعض هذه المواقف يتناقلها عنه الذّاهب والقادم. أتحدّث عن الشيخ ممدوح بن سالم المرهون المستشار بسفارة السلطنة في القاهرة، والذي يعدّ أنموذجاً رائعاً للدّبلوماسيّ العماني، بل وللشخصيّة العمانيّة ذاتها بكل تفاصيلها الدقيقة من تواضع، وبشاشة استقبال، ورغبة صادقة في خدمة الآخر دون انتظار لمقابل، لكنّه سلوك نشأ وجبل عليه، وتشرّبه في بيته كعادة كلّ أسرة عمانيّة عريقة تحرص على أن يتحلّى أبنائها بالصّفات التي تؤهّلهم كي يكونوا رجالاً متكاملين في نظر الآخرين بأخلاقهم وصفاتهم الحميدة التي ترفعهم في عيونهم، وتؤهّلهم للحصول على درجة عالية في معايير تقييمهم. ثم ترسّخ هذا السلوك في مدرسة الخارجيّة العمانيّة التي أصبحت نموذجاً يحتذي في رعاية العماني أيّاً كان، بغضّ النظر عن وضعه ومكانته، فما دام عمانيّاً فهو يستحقّ كلّ رعاية واهتمام، بل ومن أجله تسخّر كافّة الجهود والإمكانات. زيارة لأقرب سفارة أو قنصليّة للسلطنة في الخارج يمكن أن تؤكّد ما أقول.

وبرغم أنّه لم تكن تربطني به أيّة علاقة أو معرفة سابقة سوى ما كنت أسمعه من زملاء عمل أو دراسة التقوا به وبهرهم ما كان يقوم به من خدمات تجاههم، خاصّة وأنّه التحق بالعمل في السّفارة بعد أشهر قليلة من مغادرتي القاهرة فور انتهائي من دراساتي العليا، إلا أنّه وفي المرّات التي قمت فيها بزيارة مصر بعد ذلك وتعرّفت على هذه الشخصيّة الفريدة عن قرب، أدركت أن كل انبهار الزملاء ما زال قاصراً عن التعبير الحقيقي عن مناقب هذا الرجل، بل إنّني عانيت على مدى شهور طويلة من عدم القدرة على كتابة جملتين على بعضهم عنه، وكم من المرّات التي كنت أذهب فيها للاختلاء في غرفتي كي أكتب مقالاً عنه فأعود إليهم بعد بضعة ساعات بخفّي حنين معلناً عجزي عن كتابة أيّ شيئ، فما سأكتبه قد لا يعبّر تعبيراً حقيقيّاً عمّا أودّ قوله، فماذا يمكن أن أكتب عن شخص يتردّد اسمه قبل سفرنا بأيّام، ثم أجده أمامنا في المطار كأول المستقبلين بدشداشته العمانيّة التي يرفض استبدالها بالبدلات الغالية كما يفعل البعض، ثم يكاد يكون محور حديث سائقي السفارة الوحيد في طريقنا إلى فندق الإقامة حول كرمه وشهامته ومواقفه مع الآخرين، ثمّ يقوم بنفسه بالاشراف على تخليص كافّة الإجراءات المتعلّقة بالإقامة برغم وجود موظّفي علاقات تابعين للسّفارة، ليتكرّر الامر في بقيّة الأيّام مع عشرات الإتّصالات التي تنشد الاطمئنان على الوفد، والسؤال عن أحواله ومتطلّباته. سيناريو كهذا يتكرّر في كلّ زيارة رسميّة نقوم بها، بل وفي كلّ زيارة تقوم بها جهات حكوميّة أخرى إلى القاهرة، وما أكثر هذه الزيارات، عدا الضيوف الآخرين، والمعارف، ومعارف المعارف، بل وأيّ عماني يقوده حظّه الحسن إلى الالتقاء به. وفي كلّ مرّة نتساءل أنا وبقيّة الزملاء المرافقين: متى يذهب هذا الرجل إلى بيته، متى يرى أولاده، ومتى ينام، بل كيف يستطيع قطع كلّ هذه المسافات في ظلّ زحمة القاهرة القادرة على تحطيم دواخل أعتى الشخصيات بروداً ؟ كان يمكن للرّجل أن يقوم بعمله تجاه الآخرين وفق ما تتطلّبه مهام وظيفته دون زيادة أو نقصان وبدون أن يلومه أحد، ولكنّ شخصيّة العماني الذي تربّى وسط مجتمع يعتبر الاهتمام بالضّيف أمراً مقدّساً، وبالتّالي فكلّ زائر لمصر هو في نظره ضيف، تحتّم عليه القيام بكلّ ذلك. للّه درّ من ربّاك، ومن تعلّمت في مدرسته، وتشرّبت من أخلاقه.

القصص التي تحكي عن مواقف هذا الرّجل أكثر من أن تعدّ أو تسرد، فكلّ دقيقة من حياته تكاد تشكّل موقفاً نبيلاً بحدّ ذاته، ولو فتحنا سجلاً يدوّن فيه كلّ من عرفه وعايشه عن قرب موقفاً معيّناً له فسنعاني كثيراً من أجل توفير السجلات الكافية، فكم من طالب تعرّض لضائقة معيّنة قام الشيخ بمساندته أو التفريج عن ضائقته دون أن يعلم بالأمر أحد غيرهما، وكم من عماني ضاق به الحال في مصر لسبب أو لآخر فكان الشيخ هو العون والملجأ، وكم من وفد عمانيّ رسمي كان قريباً منهم منذ لحظة وصولهم إلى المطار وانتهاء بمغادرتهم، ووقوفه الشّخصيّ على كل التفاصيل التي يمكن أن تسهم في تحقيق الأهداف المرجوّة من المهمّة أو الزّيارة.

  أتذكّر من بين المواقف العديدة له أنّه وبينما كان في المطار يودّع وفداً عمانيّاً رسميّاً في رحلة عودته إلى السلطنة، إذ ببعض الطّلبة العمانيّون يتناقشون بصوت عال مع موظّف إحدى خطوط الطّيران حول وزن الأمتعة التي بحوزتهم، فما كان من هذا الرّجل الكريم إلا أن قام من فوره ليسدّد كافّة المبالغ المترتّبة على زيادة وزن أمتعة أولئك الطّلبة من جيبه الخاص دون أن يدري أحد بما حدث، علماً بأنّ المبلغ المدفوع لم يكن بالرّقم البسيط، أمر كهذا تكرّر كثيراً مع أشخاص آخرين، وفي مواقف مشابهة مع عدم رغبة الشيخ في الحديث عنها، ولولا أنّ أصحاب الشأن هم من تحدّث عنها لما علم بالأمر أحد.  

الشّيخ ممدوح مثال لشيخ القبيلة الذي كنّا نسمع عنه وعن مواقفه النبيلة في جلسات سمر الرّجال، وحكاوي الجدّات قبل النوم، بحيث تكاد تتحوّل قصصهم إلى ما يشبه الأسطورة. الشّيخ الذي يضحّي بوقته وماله وبكلّ ما يملك من أجل الآخرين دون انتظار لمقابل، كسلوك يمتزج في شخصيّته كما يسري الدمّ في الشرايين، بل يرى أنّ عدم الوفاء به هو من المنقصة التي قد تجلب العار. الشيخ الذي قلّ نظيره هذه الأيّام وتم استبداله بشيوخ المال والمناصب من كذّابيّ الزفّة، ونموذج "عبده مشتاق" الذي يمكن أن يفعل أيّ شيء، وكلّ شيء، من أجل أن يصبح قريباً من وهج السّلطة والمال، فهناك من يبحث عن الألقاب والمناصب كي تجمّله وترفع من قدره، وهناك من يرفع اللقب ذاته بقدره ومكانته وأفعاله.

باختصار هو مثال للعماني الذي يضع العماني الآخر نصب عينيه أينما حل وأينما ارتحل دون أن يطلب المقابل لذلك. يا شيخ ممدوح لقد أتعبت من سيأتي من بعدك.

 

د.محمّد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

الأحد، 16 نوفمبر 2014

حليب بنكهة السّم!!

ملاك صغير يقوم من نومه باحثاً عن زجاجة الحليب الخاصّة به، تعطيه أمّه الزجاجة فيضعها في فمه بينما ينمّ ثغره عن ابتسامة جميلة توحي لمن يلمحها بأنّ الحياة ما زالت رائعة مادامت تحوي هذه الورود المتفتّحة، ويعاود استكمال نومه غير مدرك أو آبه بأنّ هناك أياد يمكن أن تفكّر – ولو لمجرّد التفكير- أن تؤذي ملاكاً مثله، من أجل حفنة أموال تجعل جيبها أكثر تضخّماً، وقلبها أكثر ساديّة وسواداً، فمهما كان الشّرّ موجوداً، فلا يمكن أن يصل لدرجة كهذه. أيّ شيطان هذا الذي يوحي للبعض أن يحقّق مآربه الدّونيّة على حساب طفل! تبّاً لمن يفكّر في أمر كهذا.

مجمل الحكاية والرّواية أّيّها القارئ الكريم أنّنا نعيش في مسرحيّة طويلة الفصول، ولكنّها ليست مسرحيّة خارجيّة هذه المرّة، بل هي (للأسف) محلّيّة يشترك فيها ضيوف شرف خارجيين يلعبون دور البطولة في كلّ مرّة، مع (سنّيدة) محلّيين. السيناريو ذاته، والمستهدف هو نفسه كما في كلّ فصل، ولكن مع تغيير طفيف في أسماء الأبطال، الأسماء فقط.
مسرحيّة تأبى أن تنتهي فصولها برغم صيحات جمهور الدّرجة الثانية وهتافاتهم واحتجاجاتهم المتكرّرة. والضحيّة وطن وبراءة أطفال مستهدفة.

ملخّص السيناريو: تفتح الستارة ليطلّ منها بضعة أشخاص عددهم يشكّل رقماً مشئوماً لدى بعض الحضارات، تقترب الكاميرا منهم وهم يتبادلون العبارات الآتية: الأول ويبدو من هيئته أنّه الزعيم والعقل المدبّر: فكّروا معي أبناء جلدتي في وسيلة سريعة للرّبح، فالسّنوات تمرّ والمثل يقول " اذا هبّت رياحك فاغتنمها"، ونحن لن نفني عمرنا في هذه البلد مقابل مبلغ معلوم نتقاضاه آخر الشهر.
يكمل الثاني: وهذا معناه أن نفكّر في خطّة جهنّميّة تحقّق لنا هذا الرّبح بأيّ ثمن.
يقاطعه الثالث: ولماذا ارهاق الوقت والذّهن في التّفكير! فلندع التفكير لأمور أخرى أكثر أهميّة. الحل سهل وبسيط ومضمون، فلنفعل كما يفعل كثير من أبناء جلدتنا الآخرين. هل تذكرون قضيّة الحلويّات الشهيرة؟ فلنفعل مثلهم ولكن لنكن أكثر حذراً هذه المرّة، بضاعة فاسدة أو موشكة على الانتهاء نأتي بها، ومع بعض الأكياس والأختام والملصقات تكتمل العمليّة، ولا من شاف ولا من درى.
يأخذ الرابع زمام الحديث قائلاً: دعونا نفكّر في بضاعة تنفع لهذا الغرض، الحلويات وجرّبت من قبل، الأرز أصبح موضة قديمة، اللحوم لا لا. وجدتها، ما رأيكم ببودرة حليب مجفّف قاربت على الانتهاء؟ أعرف لكم من يستطيع أن يوفّر لنا شحنات منها ولو من آخر الدّنيا، وزيادة في الحرص لن نأت ببضاعة منتهية، بل سنحضرها قبل انتهائها بشهر أو اثنين، ومن ثمّ نفرغها في أكياس أخرى، ولنزد سنة أو اثنتين في مدّة الصلاحيّة فأختام الطّباعة موجودة، و(حبايبنا) في الشركات الأخرى ذات الصّلة مستعدّين لخدمتنا على (حباب) عيونهم إذا كان في الأمر مصلحة مشتركة، أو حتّى بدون علمهم طالما أنّ التواريخ سليمة.

الأول مذهولاً وكأنّه وجد (التايهة): عفارم عليك يا واد يا رفيق، هذه هي الأفكار ولا بلاش. لن آخذ منك (كوميشناً) هذا الشّهر. الضمير كان نائماً وقتها، ولم يتمكّن من سماع حوارهم الشّيطانيّ هذا وكأنّهم مسوخ في جانب النّجوم.

إذاً ما فهمناه من الحوار السّابق هو تكرار لسيناريوهات سابقة ليس أقدمها قضيّة الحلويّات الشّهيرة، ولا قضيّة خلط الأرز وإعادة تعبئته، ولا إعادة تغليف وبيع لحوم مجهولة المصدر، ولا ولا ولا من قائمة طويلة بانتهاكات ضحيّتها الأساسيّة هو المستهلك العماني، وكأنّ تشريعات أو طقوس أو تعاليم دينيّة قديمة خاصّة بالفاعلين الرئيسيين في هذه القضايا أوصت بذلك!

والحل!! والحل!! لقد زهقت من ممارسات كهذه حتّى لأكاد أتقيّأ في كلّ مرّة أقرأ فيها عن خبر مشابه. هل حكم علينا أن نموت لمجرّد أن تنتفخ جيوب البعض! هل سيفرض علينا أن نمتنع عن الطّعام والشّراب ( وربّما عن التنفّس) مستقبلاً لأجل أن نبقى على قيد الحياة! وهل تبقّت دولة في العالم لم تصدّر لنا منتجاً منتهياً أو يكاد! ولماذا نكون نحن الحائط المائل الذي يستند عليه البعض، والسّلم المكسور الذي يحاولون تسلّقه للوصول إلى قمّتهم المزعومة!!

أولن تنتهي نظرة البعض المغلّفة بالرحمة والعطف، أو بالمصلحة أحياناً تجاه تلك الفئات، ودفاعهم الشّرس عنهم ضدّ أيّ نقد يطال أدوارهم وممارساتهم السلبية تجاه مجتمع آواهم من جوع، وسطوتهم الزائدة، وسيطرتهم على المفاصل الأساسيّة للسوق والاقتصاد بشكل عام على اعتبار أنّ هؤلاء يسهمون في دفع عجلة الاقتصاد، والمساهمة في بناء الوطن!!

أولا يمكن (للبعض) ممّن يقدّم الغطاء القانوني والرعاية لأمثال هؤلاء أن يفرّقوا ولو لمرّة واحدة بين (الجيب) العام والخاص، أو بين الجسد الكبير والصغير! أولا يمكن لجيبي أن ينتفخ إلا بثقب الجيب العام للدولة ككل من خلال استنزاف مواردها بتصرّفات (شيطانيّة) كهذه تستنزف مئات الملايين في فواتير العلاج طلباً للشفاء من أسقام وأمراض نتجت عن تصرّفات هذه الفئة التي يبدو أنّها خرجت إلى الحياة معدومة الضمير. أولا يعلم هؤلاء أنّ النّار قد تحرق الجميع دون تفرقة! وهل نخر الجسد الكبير للمجتمع بالأمراض الفتّاكة، وتدمير الطاقات الشبابية، وخلخلة الاقتصاد مبرّر كاف ومهم لتحقيق الرّبح السّريع والمضمون!

وإلى متى ستظل الهيئة العامة لحماية المستهلك هذا الفارس المغوار الذي يمتطي صهوة جواده ممتشقاً حسامه مدافعاً عن مجتمعه وأهله صامداً في ظلّ تحدّيات كهذه، وفي ظل تجاهل لمتطلبات أساسية تعينها على استكمال دورها المهم كالميزانيّة الكافية، والمختبرات العلميّة المجهّزة، ومراكز الفحص المتكاملة، والأعداد الكافية من الكوادر البشريّة المؤهّلة والمتخصّصة في مجال الفحص والدراسات والقانون والتوعية، والقوانين الرّادعة التي تعينها على أداء مهامها، وأشياء أخرى كثيرة أرى أنّه من العبث أن أعيد ذكرها في ظل إصرار البعض على النظر إلى الهيئة كمنافس سحب البساط من تحت أقدامهم لا كشريك حقيقي في حماية هذا الوطن.
يا سادة يا كرام.. ماذا تنتظرون بعد! لقد وقع الفأس في الرأس عشرات المرّات، ولقد شجّت رؤوس كثيرة، وخربت "مالطا"، فمتى ستتحرّكون!! كفانا تناقلاً للقوانين من مكتب لآخر وكأنّها أحجار نرد في لعبة طاولة.
شيئاً من الجدّيّة يرحمكم الله.

الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

لماذا يحبّون السّلطان

 هو سؤال وجّهه لي ابني ذات ظهيرة ونحن نتابع تقريراً عن احتفاليّة إحدى الولايات فرحاً بخطاب السلطان المطمئن لشعبه عن صحّته.

ما دمت قد سألت فاسمع مني ما سأرويه لك: كانت بلدك ذا تاريخ وحضارة موغلة في القدم تعود لآلاف السنين، وكان لأهلها منجزات كثيرة ساهمت في تغيير أوجه عديدة من العالم. تاجروا مع دلمون وسومر وأكّد وبابل وطيبة وملوخه وعيلام وأرض كنعان وحمير وسبأ، ووصلوا إلى الهند والصين وسرنديب وما حولهما، وعرفت تلك البقاع فضلهم في نشر الدين واللغة وما اشتمل عليهما من قيم كثيرة، وأقاموا امبراطوريّات واسعة امتدّت لمئات السنين، وابتكروا أنظمة اقتصاديّة وزراعيّة ومعماريّة وسياسيّة ما زالت تدرّس في كثير من الجامعات والمعاهد العلميّة، وخرّجت أعلام بارزين في مناحي مختلفة أضافوا الكثير إلى سجلّ الحضارة العربيةّ والإسلاميّة الزاخر. ثمّ تكالبت عليها ظروف مختلفة أعجزتها وأرجعتها سنوات طويلة إلى الوراء حتّى غدت أشبه ما تكون بأوروبّا في العصور الوسطى: تخلّف، وجهل، وأمراض فتّاكة، وانقسام وفرقة مجتمعيّة على أسس قبليّة ساذجة، بل إنّ البعض وصفها وقتها بقوله" هي قطعة من العالم القديم دجل وترّهات وخزعبلات، وظلام فوق ظلام، وأناس طيّبون يروحون ويغدون. الوقت هو أرخص السّلع في عمان، الناس يخلعون أسنانهم بالدوبارة، ويأكلون المكرونة بالسّكّر"، بينما صرخ  آخر مستغرباً " لماذا يريد النّاس أن يعيشوا هناك؟ ومن يستطع أن يخرج الحياة من هذه الجبال!!"

وفجأة.. وكما يقال في الأمثال "من رحم الظّلام يولد الأمل"، ظهر فارس يمتطي حصاناً أبيض، ولكنّه كان هذه المرّة حقيقة وليس حلماً. فارس شعر بحجم المعضلة التي تعانيها بلده، واستشعر المأساة والمعاناة التي يعيشها مواطنيها، فكانت الانطلاقة نحو تحقيق حلم أشبه بالخيال، حلم لا يفقه أسراره سوى من عايش الوضعين، وقارن بين الحالتين.

كانت المسئولية كبيرة، والتحدّيات أعظم، تخيّل نفسك في بلد بلا مؤسّسات أو قوانين، وبلا أدنى مستوى من البنية التحتيّة، وحدود مفتوحة لم يتمّ ترسيمها، وشعب نصفه إمّا غارق في وحل الأمراض والجهل، أو مهاجر يبحث عن لقمة عيشه بعيداً عن وطنه، عدا ذلك كلّه فهناك من يبحث عن الإنفصال، وعيون خارجيّة تراقب ما يحدث بدقّه بحثاً عن ثغرات تفرض من خلالها أجندة معيّنة. تحدّيات تجعل القضاء عليها يكاد من ضروب المستحيل، وحلماً من أحلام اليقضة والخيال.
برغك كل تلك التحدّيات إلا أنّ هذا القائد الفذّ قد تجاوزها جميعاً فاستطاع خلال أعوام أن يصنع عماناً جديدة تختلف عمّا كانت عليه. عاد العمانيّ إلى بلده كي يسهم في بنائها، وتطوّرت السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة لنصبح دولة ذات دستور ومؤسّسات، وتوحّدت البلاد تحت ظلّ قائد واحد وعاصمة واحدة، ورسّمت الحدود لتقضي على خطر قنابل موقوتة كانت يمكن أن تهدّد مستقبل أجيال قادمة، وقضي على كثير من الأعراف الإجتماعية التي ساهمت في تفرقة المجتمع، ووصلت التنمية إلى وهاد وقفار لم نكن لنسمع عنها من قبل، وأصبح العمانيّ يحاضر في جامعات أكسفورد ومونبيلييه والسوربون وغيرها، ولعبت السلطنة دور الراعي لتسوية الكثير من الملفّات العالميّة الشائكة، وغيرها الكثير من منجزات لا يمكن حصرها هنا، بل هي كامنة في داخل كلّ عمانيّة وعماني.

أي بنيّ: عندما يخرج الناس بالآلاف للإحتفاء بهذا الرجل العظيم فهم لا يقومون بذلك نتيجة ضغط أو اجبار، فلا حزب حاكم لدينا يسيطر على مقدّرات الدّولة وينشر صبيانه هنا وهناك ليحشدوا الناس وكأنهم مقاولي أنفار، ولا اتحاد قوميّ أو اشتراكيّ أو طليعي يمارس دعاية سياسيّة فاسدة، ولا أجهزة أمن قمعيّة تعدّ على النّاس أنفاسهم وتدسّ بمخبر أمام كل بيت لتحصي من خرج ومن لم يخرج. في عمان يخرج الناس طواعيّة يدفعهم ولاء وجميل يحفظونه تجاه هذا القائد الذي أعاد للبلد حضارتها وصنع مجدها من جديد. هو حبّ بني مما قدّمه للوطن، وكبر بحجم ما أعطاه له ولشعبه. باختصار.. هم يخرجون لأنهم ببساطة يحبّونه بصدق.

وقد تسألني بنيّ: هل كلّ هؤلاء صادقين في مشاعر الفرح التي يظهرونها؟ لم أدخل قلوب النّاس كي أقيس مشاعر فرحهم أو حزنهم، ولكن لابدّ في كلّ زمان ومكان من طبّالي زفّة يندسّون وسط البقيّة بحثاً عن مصالح أحاديّة ضيّقة الأفق من قبيل من يتباهى بنحر كذا رأس من الإبل أو البقر وهو الذي يتردّد مليون مرّة قبل أن يتبرّع بحفنة ريالات من أجل استكمال مبنى خدميّ، أو مساعدة محتاج لجأ إليه، وهو الذي كان يمكن أن ينفق نفس المبلغ في أعمال أكثر ديمومة واستمراراً ليس أقلّها بناء مكتبة أهليّة، أو رصف شارع داخليّ، أو فكّ كربة عدد من المساجين بسبب مبالغ زهيدة لم يستطيعوا سدادها، أو التبرّع لمؤسّسة خيريّة تخدم المجتمع، ومن قبيل المسئول الذي يتوشّح الشّال، ويتظاهر بالدّعاء وهو الذي يعطّل مصالح الناس، ويبطء من وتيرة عجلة التنمية بسياسات مؤسسته التي تجاوزها العصر، ومن قبيل من يلتقط صوراً لنفسه ودموعه تهطل مدراراً، ثمّ لا يترك موقعاً ولا وسيلة تواصل دون أن يظهر للناس دموعه، ومن قبيل من يغلّف سيّارته بصور السّلطان ثم يقطع الإشارة، أو يكسر حاجز السّرعة المحدّد، أو (يفحّط) في الشوارع، ونماذج أخرى متعدّدة.

هؤلاء يا بنيّ لا يشكّلون من المجتمع سوى أقلّه، فعمان الحقيقيّة أكبر من ذلك بكثير. عمان الحقيقيّة هي جدّتك التي برغم معاناتها مع المرض إلا أنّها لا تنس أن تسألني في كلّ مرّة أزورها عن حال السّلطان وصحّته، خاتمة سؤالها بكلّ أنواع الأدعية التي تحفظها من أجل أن يمنّ الله عليه بالشّفاء والعافية، عمان هي المرأة الأمّيّة التي قالتها بكلّ عفويّة وصدق" نعيتني يا قابوس"، عمان هي الشيخ الأعمى الطّاعن في السّن والذي برغم سنواته التي قاربت التّسعين إلا أنّ سماعه لصوت السلطان جعله يستعيد كثيراً من سنوات عمره التي مضت، ويتذكّر بندقيّة ربّما اعتقد أنّه لن يراها بقيّة عمره بعد أن حلّ الأمن والأمان محلّ القلاقل والفتن التي كانت تشكّل خبزاً يوميّاً في حياته وحياة الآخرين فأخرجها من (سحّارته) العتيقة، وانطلق لحوش بيته يمارس عملاً نسيه منذ سنين طويله بينما صدى الطلقات تجلجل الحارة بأكملها وهو الذي لا يرى، ولكنّها البصيرة، عمان هي الصيّاد البسيط الذي يخرج فجر كلّ يوم متحدّياً البرد والموج وتقلّبات الطّقس باحثاً عن بضعة سمكات يصطادها كي يبيعها سعيداً قنوعاً بما رزقه الله. هي المزارع الذي مازال متمسّكاً بأرضه، وهي الحرفي الذي مازال كالماسك على الجمر وهو يرى الوافدين يسرقون منه مهنته التي هي جزء من تاريخ هذا البلد، عمان هي هؤلاء وغيرهم من المخلصين من كلا الجنسين الذين يبنونها بكلّ صدق، والذين يؤمنون أنّ الاخلاص في عملهم، والمحافظة على مكتسبات هذه النهضة، والتمسّك بقيم هذا البلد وأصالته هي أفضل ردّ للجميل يقدّمونه إلى وطنهم، وإلى عاهل بلادهم وباني نهضتهم.
عمان هي أنت وأقرانك ممّن صدحتم عالياً "بالروح..بالدّم نفديك يا قابوس"، وأنتم الذين لم يجد الرياء أو التزلّف سبيلاً بعد إلى قلوبكم.

هل عرفت الآن لماذا يحبّ العمانيّون قائدهم!!


الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

ما بين المشهدين"بالروح ..بالدم.. نفديك يا قابوس"

أول مقال نشرته في علاقتي المتواضعة مع الكتابة الصحفية


كــان المشهد مهيباَ....حافلات مدرسية تمتلئ بطلاب في عمر الزهور، جلهم متوشحين شعارات وطنية متنوعة، ويهتفون بصوت عال مزلزل " بالروح ..بالدم...نفديك يا قابوس".

ترجل الطلاب من الحافلات التي تقلهم وانتظموا في صفوف، وبخطوات منظمة توجهوا نحو بوابة المديرية، ومازال الصوت يهدر "بالروح ..بالدم ..نفديك يا قابوس".

أعادني المشهد وقتها إلى صورة لصاحب الجلالة صورته مع والده وهو طفل لم يتجاوز الخامسة يلبس زي الأطفال التقليدي العماني. وقتها دققت في الصورة جيدا ...وأتاني هذا التساؤل:كيف لهذا الطفل أن يغير مصير أمة؟وهل كان يدري وقتها أن آمال شعب بأكمله سوف تتحقق من خلال عزمه..وطموحه....وإخلاصه..وتفانيه تجاههم؟؟وهل جال بخاطره لحظة الصورة أنه سيصبح شخصية يحتذي بها العالم في حسن الإدارة وحجم المنجزات؟

تذكرت تلك الصورة .. والتي لا أنكر أنها أسالت دمعة من عيني يوماً ما.تذكرتها وأنا أسمع صوت الطلاب الهادر يعاهدونه على الفداء.تذكرتها وأنا أرى البراءة...والصدق على محياهم وهم يرددون العبارة.

وتساءلت : أترى الصوت هو صوتهم أم إن هيبة الموقف وصدق الإحساس هو من جعله هادراً قويا ؟وهل تلك النضارة في وجوههم هي نضارة اعتيادية ...أم إنها نضارة الحب الحقيقي الخالص من الرياء والتزلف؟وهل تعرف تلك الورود اليانعة معنى الرياء والتزلف؟بالقطع لا...فهي لا تعرف سوى معاني البراءة...والحب ....والأمل.

قارنت بين المشهدين: إن البراءة والصدق لقاسم مشترك بينهما، كما أن من جعل براعم المستقبل وأملها الواعد يقومون بتلك المسيرة الصادقة المعبرة عن شيء بسيط مما يكنونه من مشاعر حب وولاء لصاحب الصورة الأخرى هو إخلاصه وصدقه.. وما فعله من أجلهم...ومن أجل وطنهم.

وتذكرت بين المشهدين عشرات المشاهد الأخرى لصاحب الصورة الثانية: أربعون عاماُ أتت متسلسلة بمنجزاتها.
تسلسلت صور منجزاته، وتضحياته من أجل وطن قدر له أن ينتظر فارسه طويلاً..فأتى في الوقت المناسب، وكان على الموعد.
توالت صور التعليم ما بين ظل شجرة..وما بين أحدث الجامعات وأرقاها.وأتت صور الصحة ما بين سيارات متنقلة..وبين مستشفيات يحسدنا عليها الغرب.وكذا توالت باقي المنجرات.

تذكرت مدى الزهو الذي كان يغمرني عند سفري ومعيشتي بعدد من الدول، وكيف كانت البسمة الممزوجة بالفخر تغمرني عندما يقال لي : أنت من بلد السلطان قابوس ..كم نحن نغبطكم عليه.

وتذكرت المرات العديدة التي كنت أنسى سيارتي مفتوحة وباب البيت كذلك ولا يفكر أحد أن يقترب منهما، وتخيلت الأجيال القادمة ومدى الأمان الذي سيستمر بعد ترسيم الحدود مع دول الجوار.

كثير من الصور جالت بخاطري ....المشاهد عديدة والمغزى واحد " انجازات تتوالى ..بخطى مرسومة بدقة".
وقتها هتفت بلا شعور "بالروح ..بالدم..نفديك يا قابوس"

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

حماية بنكهة عالميّة

"حصلت السلطنة ممثلة في الهيئة العامة لحماية المستهلك مؤخراً على جائزة القمّة العالمية كأفضل تطبيق حكومي للهواتف الذكية على مستوى العالم لعام 2014م، وجاء فوزها ضمن المسابقة السنوية التي تنظمها منظمة الأمم المتحدة بالتعاون مع هيئة اليونيسكو واليونيدو والاتحاد العالمي لتقنية المعلومات والاتصالات والتنمية بمشاركة لجنه تحكيمية تضم 60 خبيرا  يمثلون 50 دوله".

خبر صحفيّ قرأته قبل بضعة أيّام في بعض صحفنا المحلّيّة مع تجاهل اعلاميّ كالعادة لتحليل أبعاده ومضامينه ودلالاته المختلفة، وكأنّ تحقيق انجاز عالميّ في مجال كالتكنولوجيا هو أمر اعتيادي يجب أن يمرّ مرور الكرام، ونحن الذين نملأ الدنيا صراخاً طوال الوقت حول تأخرنا التكنولوجي، وحول الغرب الذين سبقونا بمراحل في هذا المجال، ثمّ عندما يأتي أحدنا فرداً كان أم مؤسّسة ليقدّم تجربة مهمّة، أو يحصل على سبق أو انجاز معيّن نصاب فجأة بالخرس الإعلاميّ، وكأنّ شيئاً لم يكن، وكأنّ إنجازاً لم يقدّم، أو وكأنّه لابدّ أن تكون انجازاتنا جميعها في مجالات الرياضة أو الفنّ (مع احترامي الكبير لها) كي نرى (الفزعات)، وكي نتابع الشيخ فلان وهو يتبرّع بكذا ألف صوت، والشيخ علان وهو يقدّم آلافاً من الرّيالات دعماً لهذا أو ذاك، مع ابتسامة عريضة للشيخ بينما صورته تنتشر في وسائل التواصل كانتشار النار في الهشيم، وكلّ هذا تحت مظلّة الوطنيّة وحبّ البلد طبعاً، بينما نفس هؤلاء الشيوخ قد يتردّدون ألف مرّة قبل التفكير في التبرّع لبناء مجلس عام أو منزل يأوي أيتاماً أو معوزين. بالمناسبة ما أخبار المخترع العماني سلطان الصبحي؟   

 نعود لحديثنا عن الجائزة التي حصلت عليها هيئة حماية المستهلك، فالأمر أصابني بشيء من الحيرة والاستغراب، فأنا أتفهّم مثلاً أن يتمّ اختيار الهيئة ضمن أفضل ست هيئات وأفراد بإقليم الشرق الاوسط لمنظمة الصحة العالمية في مكافحة التبغ، ولم أفاجأ عندما تم اختيار تجربة الهيئة كأفضل خمس انتصارات كبرى للمستهلكين في العالم، ولا أستغرب عندما أسمع عن زيارات تقوم بها شخصيّات عالميّة مهمّة في مجال حماية المستهلك لمقرّ الهيئة للتعرّف على تجربتها الرائدة بحسب وجهات نظرهم، أو أن دولاً ومؤسسات عريقة توقّع معها اتفاقيّات تفاهم للتعاون المشترك وتبادل الخبرات والبرامج، وغيرها من الانجازات، فهي تصبّ في النهاية في صميم عملها في مكافحة الظواهر الاقتصاديّة السلبيّة، وتعريف المستهلكين بحقوقهم وواجباتهم، والدّفاع عن هذه الحقوق، حتّى لو أسلنا كثيراً من الحبر حول الأدوار الاستثنائيّة التي تقوم بها الهيئة في هذا المجال، والمياه الراكدة الكثيرة التي حرّكتها، ولكنّنا سنقول إن الإنجاز هو أمر ينبغي أن يكون، لا أن يستغرب حدوثه.  ولكن أن تفوز بجائزة عالميّة، وفي مجال كالتقنية وهو مجال ثانويّ مساعد بالنسبة لبرامجها وأنشطتها الأخرى، فهذا أمر يدعو للتوقّف والتساؤل وبعضاً من التحليل والاستنتاج.

برأيي أنّ فوز الهيئة بهذه الجائزة يعني أمراً مهمّاً ألا وهو أنّ الشّعار الذي ترفعه     "الجودة لا التّعدّديّة" هو شعار حقيقي وواقعي وليس مجرّد كلام انشائي لأجل الشو، فما دمنا نتحدّث عن حماية مستهلك فلا مجال لأنصاف الحلول، فإمّا الجودة وإلا، فالأمر يتعلّق بأبعاد صحيّة وبيئيّة واقتصاديّة لا مجال للمزاح أو التهاون فيها، وعندما تعزّز الهيئة جهودها بأفكار تكنولوجيّة كهذه فهي تعي بالفعل أهميّتها في توعية المستهلك وتعزيز ثقافته الاستهلاكيّة.

أستنتج كذلك أنّ فوز الهيئة بجائزة عالميّة كهذه أنّها ترسّخ لصناعة "ثقافة حماية مستهلك" لدى أفراد المجتمع، فبدلاً أن تقتصر معارفهم على الدين، أو الشعر، أو الأدب، أو الفكر بمختلف أشكاله، فلماذا لا تكون لدينا ثقافة خاصّة بحماية المستهلك من حيث صحّته، وسلامته، وحقوقه وواجباته، في ظلّ تسارع تكنولوجيّ واقتصاديّ  رهيب يفرض علينا كثير من التّحدّيات، وصناعة ثقافة كهذه لا تأتي من خلال بضعة أخبار صحفيّة هنا وهناك عن ضبطيّات أو أحكام قضائيّة، ولا من خلال نشرات ورقيّة بين الحين والآخر، ولكن بمخاطبة المستهلك عن قرب، والوصول إلى كافّة الشرائح، ولكلّ المستويات. وفي ظلّ إعلام بديل أصبح يفرض نفسه كلّ يوم على الساحة العالميّة والمحليّة كان لزاماً على أيّ مؤسّسة ناجحة أن تتواكب مع هذا التطوّر، وأن تطوّر من أساليبها لمواكبته. ولعلّ ما قامت به الهيئة من خلال انشاء صفحات لها في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة ، واليوتيوب، وجوجل بلس، ومدى التفاعل الكبير الذي تشهده هذه الصفحات والوسائل لهو دليل على هذه الرغبة، وهذا الجهد.

أفهم أيضاً أنّ "الدماغ" عالية لدى مسئولي الهيئة، فالأمر لا يتعدّى مجرد إصدار الأوامر، أو الإشراف العام على البرامج المنفّذة، بل يتعدّاها إلى الاشتراك الحقيقي في صنعها كأحد أفراد الفريق، والجلوس على طاولة واحدة مع المشرفين على تنفيذها، وعصف الذهن، لذا فليس غريباً أن تأتي هذه البرامج إعلاميّة كانت أم تكنولوجيّة مختلفة في طرحها وتنوّعها.

إنّ وجود مسئول يعي أهميّة التجديد والابتكار وتقديم المختلف، والبحث عن أفكار غير مسبوقة، والاشتراك مع الآخرين على طاولة واحدة لممارسة أنواع مختلفة من العصف الذّهني للخروج بأكبر قدر من هذه الأفكار أمر أفضل بكثير من مسئول كلّ يسخّر جلّ امكاناته الفكريّة في ممارسة دور الرّقيب لمجرّد الحفاظ على المساحة الفاصلة بين الخطّين الأحمر والأخضر، وكي يتأكّد أنّ كرسيّه لن يتأثّر بأفكار كهذه، أو أنّ " كل شيء تمام".

بعيداً عن الجائزة فالتطبيق يحوي أشياء كثيرة مهمّة قد تفيدك في حياتك اليوميّة، فمن خلاله يمكن أن تتحقّق من أسعار السلع الأساسيّة من خلال المرصد الموجود به، ويمكنك كذلك التعرّف على استدعاءات السيارات، فقد تكون طراز سيّارتك إحدى الطرازات التي شملها الاستدعاء لمعالجة عيب تصنيع ما، وينبّهك إلى أبرز التحذيرات المتعلّقة بسلعة ما، كما يدّلك على أقرب منفذ للبيع يمكن أن تتوجّه له، ويعرّفك على كيفيّة تقديم شكوى في حالة اضطرارك لذلك، كما يقترح لك خطّة استهلاك يمكن أن تناسب وضعك الاقتصاديّ، إضافة إلى مجموعة من الأخبار والنصائح والإرشادات التي يقدّمها لك والتي يمكن أن تعرّفك بكثير من الحقوق والواجبات التي قد نتناساها أو نتجاهلها في زحمة الفوضى التي نعيشها أحيانا.

في ظلّ وجود كثير من البرامج التي تحفل بها هواتفنا الذكيّة، والتي تتضمّن عروضاً ودعوات لشراء أشياء كثيرة قد لا نحتاجها، فإنّ وجود تطبيق المستهلك الإلكتروني بجانب تلك التطبيقات قد يكون جدار حماية لك يحميك من الإصابة بأعراض الهوس الشرائي، وقد يجعلك تفكّر كثيراً قبل الانسياق خلف أيّ إعلان مضلّل يستهدف جيوبنا وعقولنا كذلك.

 

 

الأربعاء، 29 أكتوبر 2014

تساؤلات حول الدعم.. وأشياء اخرى

بين الفينة والأخرى تطلّ علينا تصريحات حكوميّة من هنا وهناك برفع الدعم جزئيّاً عن الطاقة بسبب انخفاض أسعار النفط، وأنّ خطوة كهذه يمكن تطبيقها بحلول العام الميلادي القادم.

كمواطن بسيط لا يفقه الكثير في القضايا الاقتصاديّة لا يوجد لديّ أدنى اعتراض على قيام الحكومة برفع الدعم كلّيّاً كان أم جزئي ما دام هذا الأمر يصبّ في المصلحة العامّة للبلد، ويحقّق لها الاستقرار المنشود. ولكنّي (كمواطن) كذلك يحقّ لي أن أطرح التساؤلات الآتية، والتي طرحها غيري من خلال سلسلة من المقالات والتغريدات التي تناقش النقاط ذاتها، من منطلق الاطمئنان على وضع بلدي الاقتصادي كونه يؤثّر بشدّة على بقيّة الأوضاع، وللإطمئنان كذلك على وضعي المعيشي المستقبلي، ولعلّني سأبدأ بالتساؤل البديهيّ التالي: إلى متى سنعيش تحت هاجس الخوف من انخفاض أسعار النفط أو معدّلات  انتاجه في أيّ لحظة، ونظلّ نتابع كلّ صبح وعشيّة أسعار النفط في الأسواق العالميّة كي نتأكّد أنّنا ما زلنا بخير، وأنّه لم يحن بعد التفكير في التقاعد والبحث عن أيّة وظيفة أخرى في القطاع الخاص خوفاً من تأثّر رواتبنا جرّاء أيّ انخفاض يطرأ على سعر البرميل!!

ومادامت الحكومة تعلم جيّداً أنّ الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للدخل قد يجعل استقرار البلد الاقتصادي تحت رحمة هذا المصدر والتقلّبات التي تطرأ عليه، فلماذا لا تبحث عن مصادر دخل أخرى تردفه وتعزّزه، ونحن البلد التي تمتاز بمقوّمات مهمّة ليس أقلّها الاستقرار السياسي، ولا السواحل الطويلة، ولا التنوّع الجغرافي والمناخي والثقافي والسّياحي الهائل، وأين هي استثماراتنا في مجالات مهمّة كالزراعة والسيّاحة والصناعات البتروكيماويّة وغيرها! بل أين هي رؤية (عمان 2020) بكلّ المشاريع والخطط التي تضمّنتها، ولماذا لم نصل بعد إلى تنويع مصادر الدخل برغم مرور حوالي 19 عاماً على اعتماد تلك الرؤية!

تساؤل آخر يتعلّق بالشّركات والمصانع العاملة في البلد وبعضها غير مملوك للحكومة: ماذا عن دعم الطّاقة المخصّص لهذه الشركات!! هل سيتم رفع جزء منه أم لا! وهل أحصل أنا كمواطن على أسعار مناسبة للمنتجات والخدمات التي أشتريها أو تقدّم لي من بعض هذه الشركات نتيجة للدّعم الذي قدّمته الحكومة لها بحجّة تشجيعها ودعم الاستثمار وخلافه! وفي المقابل بماذا تسهم هذه الشركات في الإقتصاد الوطني!

وهل يعقل مثلاً أن تعطي الحكومة أحدهم قطعة أرض لاستثمارها سياحيّاً وتقدّم له الدّعم الكامل من أسعار طاقة مخفّضة، ورسوم انتفاع بسيطة ..ألخ بحجّة أنّه مواطن صالح يسعى لتشجيع اقتصاد بلده، وأنّ مشروعه سيسهم في فتح بيوت لعدد من المواطنين، ثم أفاجأ كمواطن أن هذا المشروع لم يقدّم لي كمواطن من الأساس، بل يستهدف السيّاح الأجانب، وأنّ أسعار الخدمات من غرف، ومأكولات وغيرها مبالغ فيها بشكل خرافي، مّما يضطرّني للمكوث في عراء أحد الأودية أو السواحل، أو انفاق (تحويشة) العام في دولة أخرى برغم كلّ السّلبيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والفكريّة التي قد تنتج عن خطوة كهذه!

تساؤل ثالث : عندما تصرّح الحكومة من وقت لآخر بأنّها سترفع الدّعم أو خلافه من الخطوات التي ستقوم بها، فهل ترتكز على سند معيّن في تطبيق خطوات كهذه، هل تكون هذه القرارات نتيجة مقترحات مرفوعة من قبل أعضاء المجالس البرلمانيّة بصفتهم ممثّلين للشعب والأدرى بأوضاعهم وتطلّعاتهم، وكونهم  يفترض أن يمارسوا الدور الرقابي على أداء الحكومة في مختلف المجالات! وهل تكون كذلك نتيجة توصيات دراسات وأبحاث واستطلاعات رأي قامت بها مراكز بحثيّة مستقلّة أو تابعة لمجلس الوزراء مهمّتها دعم اصدار القرار الحكومي بعد دراسة تأثيراته المختلفة، وردود فعل المجتمع تجاهها، أم إنها هي صاحبة القرار الأوّل والأخير!!

تساؤل رابع: لو اضطررت أنا (أو غيري) إلى بيع سيّارتي فيما لو تمّ تطبيق قرار رفع الدّعم بسبب عدم  القدرة على تحمّل أعباء ماليّة إضافيّة من جرّاء ارتفاع أسعار الوقود، خاصّة وأنّ مشاويري العمليّة والعائليّة كثيرة، والمسافات متباعدة، فهل ستضمن لي الحكومة وسيلة مواصلات مناسبة تقلّني إلى عملي أو بيتي أو مدينتي البعيدة في نهاية كلّ أسبوع! وهل لدينا من الأساس شبكة مواصلات متكاملة تبدأ من مترو الأنفاق وتنتهي بالقطار مروراً بمواصلات النّقل الجماعي المختلفة من ميكرو وميني وسوبر باص! بل أين هي شركة النقل الوطني التي تملكها الحكومة، وهل صحيح أنّها تحقّق خسائر سنويّة!!

أوليس من الأجدر بالحكومة قبل الحديث عن أيّة توجّهات تخص أيّ قطاع أن توفّر البدائل المناسبة لكل شريحة اجتماعيّة معيّنة سواء كان الحديث عن قطاع الإسكان أم المواصلات أم السياحة أم التعليم أم الصّحّة أم غيرها، أم أنّنا نفترض دائماً أنّ الشعب عبارة عن طبقة اجتماعيّة واحدة لا تؤثّر عليها المتغيّرات الاجتماعيّة والاقتصاديّة المختلفة!!

تساؤل خامس: كيف يمكن للحكومة أن تحقّق العدالة في موضوع رفع الدّعم في ظل التباين الواضح المتعلّق باقتناء المواطنين لوسائل النّقل المختلفة، من حيث حجمها وسعتها اللتريّة، وعدم اقتناء البعض من الأساس لأيّ وسيلة نقل؟ وماذا عن المتقاعدين، أو صغار الموظّفين، أو العاملين في القطاع الخاص، أو الذين لا يعملون من الأساس ويملكون وسيلة نقل خاصّة بهم. وهل ستقوم الحكومة مثلاً بتقديم دعم مادّي محدّد لشرائح اقتصاديّة معيّنة لمساعدتهم على تحمّل تبعات رفع الدعم ما لو تم تطبيقه!

تساؤل عاشر: معظم سيّارات الدّفع الرباعي والتي تستهلك طاقة أكثر من غيرها في البلد تملكها الحكومة سواء كانت سيّارات مسئولين أو سيّارات خدمات، فهل سيتم رفع الدّعم عنها أسوة بغيرها! وماذا كذلك عن دعم الطاقة الكهربائيّة الذي تمتص كثيراً من المباني الحكوميّة الفخمة جزءاً منه!

تساؤلي قبل الأخير: ماذا عن أسعار السلع والمنتجات أساسيّة كانت أم كماليّة والتي بلا شك سترتفع كقاعدة اقتصاديّة ثابتة؟ وقتها سيكون ارتفاع كلفة الإنتاج بسبب رفع الدعم عن الطّاقة (لو حدث بالفعل) هو الشّمّاعة التي ستعلّق على مدخل كل محلّ وشركة، حتّى لو لم يكن هذا هو السّبب الحقيقي والفعلي. ماذا عن التطمينات التي ستقدّمها الحكومة في هذا الجانب، وهل سيتزامن رفع الدّعم مع اصدار حزمة قوانين وتشريعات يمكن أن تحدث التوازن المطلوب! وهل ستعزّز قدرات هيئة حماية المستهلك وسيتم دعمها بالوسائل التي يمكن أن تعينها على التحدّي المستقبلي الهائل خاصّة في مجالات الرّقابة والتوعية، أم أن الأمر ليس في الحسبان من الأساس!!

ما سبق هي بضعة تساؤلات يمكن أن يطرحها أيّ مواطن مهموم بهذه القضيّة ويخشى تبعاتها على مستواه المعيشي، فهل لدى المختصين أيّة أجوبة بشأنها!!

 

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2014

(ابحث عن العمانيّة)


د.محمد بن حمد العريمي

أعرف أنّ مقالاً كهذا قد يدخلني عشّ الدّبابير، ويثير عليّ عاصفة من السّخط، وسيل من الإتّهامات بالرّجعيّة والانغلاق، وتهميش دور المرأة العمانيّة، والتقليل من الإنجازات (العظيمة) التي قامت بها.

أمّا الحكاية يا إخوان فهي حالة (الإسهال) التي أصيبت بها بعض وسائل الإعلام المحلّيّة وهي تحتفل بيوم المرأة العمانيّة ودورها في المجتمع، فهذه مجلّة قد وضعت على غلافها مربّعاً يضمّ عشرين شخصيّة نسائيّة عمانيّة وتحتها كتب بالخطّ العريض (شكراً لك)، وكأنّه لا نساء أخريات في الوطن يستحقّنّ الشكر كذلك! وتلك شركة قامت بنشر إعلان يتضمّن فكرة مشابهة للسّابقة مع التركيز على عدد من موظّفات الشركة، بينما ركّزت تلك الصحيفة على كيفيّة تمكين المرأة من الوصول إلى المناصب العليا في الدّولة، وكأنّه هو المطلب الأساسي الذي معه سوف تحلّ كلّ قضايا المرأة وتحدّياتها!! وتحدّثت وسيلة إعلاميّة أخرى عن تطلّعات بعض النساء المستقبليّة (وأغلبهن من صاحبات الأعمال)، ولم ينسن أن يتوجّهن بالشكر لصناديق الدعم المختلفة على مساندتها لهنّ في مشوارهنّ العملي في مجال الأعمال والتجارة، وغيرها من التغطيات والتحقيقات المشابهة.

ومع كلّ تقديري واحترامي الكبيرين للأدوار التي قامت بها تلك الشخصيّات، ومع أن عدد منهنّ قد شققن طريقهنّ بمثابرة عالية متحدّيات لظروف قادرة على إحباط أعتى الرجال، ومع أنّ بعضهنّ يشغل وظائف غاية في الأهميّة لم يصلن إليها إلا من خلال مشوار طويل من الكفاح والصبر، إلا أن السؤال المطروح بناء على كثير ممّا أراه في وسائل اعلامنا حول تناولها لقضيّة المرأة العمانيّة : لماذا الإصرار على تصدير مشهد واحد للمرأة العمانيّة، ألا وهو مشهد المرأة المنفتحة الراقية الشيك التي يمكن أن تمارس كافّة الأنشطة، وكأنّنا نقول للعالم: أنظروا إلى أين وصلت المرأة العمانيّة! ولماذا تركّز أغلب أغلفة المجلات النسائيّة المحليّة على وضع صور للفتاة العمانيّة التي تلبس أغلى العبايات والشيل، وتضع على وجهها مساحيق تكفي لتلويث محيط بكامله، بينما تنساب خصلات شعرها على وجهها في تماوج عجيب! ولماذا تركّز أغلب المشاريع المدعومة على مصمّمات الأزياء، وصاحبات البوتيكات، ومراكز التصوير، وبيوت التجميل، ومعامل تنسيق الزهور، وكأنّ البلد خلت من مشاريع أكثر جدوى وأهميّة يمكن أن تقوم بها المرأة العمانيّة، وكأنّه كذلك لا يوجد خلف كل صحراء، أو وراء كلّ تلّة أو جبل فتاة أو امرأة عمانيّة تمارس أنشطة فتحت بيوتاً، وعاش من ريعها أجيال متعاقبة، مازلن ينتظرن من يقدّم لهن يد العون والدّعم حتّى ولو لم يكنّ من صاحبات الابتسامات الجذّابة، وحتى لو لم يكن يفقهن شيئاً في علم "ثقافة الروج".

بحثت كثيراً في تلك التغطيات عن وجه غابر لعجوز ذهب ماء عينها وهي تسهر على حياكة كمّة قد يعيل ريع بيعها أسرة ذهب عائلها إلى رحمة ربّه، بحثت كذلك عن وجه لا تبقّعه الألوان لمعلّمة أو ممرّضة أو طبيبة أو حتّى لامرأة لم تتلقّ الكثير من الشهادات، ولكنّها ما تزال محتفظة بقيم وعادات تشرّبتها من مبادئ دينها، وما غرسه فيها أب أو أمّ صالحة، وهاهي تغرسه في نفوس صغارها ليشبّوا أبناء صالحين لوطنهم، بارّين بأهلهم ومجتمعهم. بحثت عن خبر أو لقاء مع فتاة أدركت أنّ في القرآن نوراً وحياة فحفظت أجزاءه الثلاثين غير مبالية بعينها التي أحاطت بها هالات سواد من جرّاء القراءة والحفظ. بحثت عن خبر يخصّ معاقة لم تستسلم لعجزها فتحدّته بمزيد من التفاؤل والإصرار، بحثت عن مخترعة أو مبتكرة أو كاتبة لم تعرف وهج الفلاشات بعد. بحثت عن زينب ومريم وفاطمة وغيرهنّ من بنات البلد الحقيقيّات في مختلف المجالات فلم أجدهن... وقد لا أجدهنّ مستقبلاً كذلك.

عذراً.. لن تجدوا العمانيّة على أغلفة المجلات والصحف، ابحثوا عنها في القرى والبوادي والسيوح قبل أن تفتّشوا عنها في كبار المدن، ابحثوا عنها في غرف العمليّات ليلاً وهي تشارك في انقاذ روح ما كان لها أن تعيش لولا رحمة الله، وسهر أمثالها. ابحثوا عنها في أقاصي البلاد وهي تترك طفلاً رضيعا،ً وأمّاً مسنّة، وزوجاً شابّاً ربّما لم تكمل معه عيد زواجهما الأوّل بعد، بل تركت كلّ هؤلاء وذهبت هناك بعيداً كي تقوم بدورها كمعلّمة ومربّية أجيال، وغارسة مبادئ. ابحثوا عنها في المعامل ووسط أكوام الكتب. ابحثوا عنها في فرق العمل الخيريّة وهي تتطوّع لخدمة أسرة فقيرة، أو للاعتناء بيتيم، أو وهي تبيع مصاغها من أجل ستر فتاة في مثل سنّها. ابحثوا عنها في مراكز التوحّد ودور المعاقين، وهي تحاول جهدها كي تزرع بسمة مفقودة، وتنحت طريقاً من التفاؤل في قلوب من أغلق اليأس كثيراً من منافذ قلوبهم وعقولهم من جرّاء ابتعاد البعض الآخر عنهم واعتبارهم عالة على المجتمع.

ابحثوا عنها خلف أستار الخيام في صحراء قد لا يعرف الكثيرين اسمها وهي تشارك زوجاً عاجزاً أو مسنّاً في الاعتناء ببضعة قطعان من الغنم أو الإبل قد يكن ثمن بيعها كلّ موسم سبباً في جلب فرحة صادقة لأطفال لم تتوسّخ أيديهم بعد بكثير من أدران التطوّر التكنولوجيّ والحياتي. ابحثوا عنها في أماكن كثيرة في هذا الوطن قد يصعب عليكم إدراكها الآن، ولكنّه سيكون سهلاً يسيراً مالو توافرت الإرادة والرغبة لذلك.

المرأة العمانيّة ليست فقط الوزيرة أو الوكيلة، وليست فقط الشاعرة أو الأديبة أو الممثّلة، وليست كذلك صاحبة دار الأزياء أو محلّ التصوير أو مركز التجميل أو معمل تنسيق الورود، وليست أيضاً فقط لاعبة التنس أو الإبحار الشراعي أو غيرها من الألعاب المستحدثة. وليست فقط من ترتاد الفيس والتويتر والسينما وتشيليز ومقاهي الموج وجراند. المرأة العمانية ليست هؤلاء فقط، بل هي كذلك الأم الأميّة، والأرملة، والمعلّمة، والطّبيبة، وملاك الرّحمة، وراعية الغنم، والخيّاطة، والمحامية، وكلّ عمانيّة تعيش على أيّ شبر من هذا الوطن.

كما أنّ حقوق هذه المرأة لا تأتي فقط بتمكينها من المناصب العليا، أو فرضها في كلّ وظيفة أو مهمّة يقوم بها الرجل حتّى لو لم تتوافق مع طبيعتها وفطرتها، ولا تأت بالاحتفالات والأمسيات والبهرجة التي تتحوّل لعرض أزياء أكثر من كونها مناسبات فكريّة واجتماعيّة، ولا بالحديث فقط عن المساواة في كلّ شئ وتذكيرنا في كلّ لحظة بأن المرأة نصف المجتمع، وأنّها لابد أن تتساوى معه في كلّ شئ.

حقوق المرأة تأتي من خلال احترامها وتقدير ذاتها ودورها ومكانتها التي حفظتها لها الأديان والشرائع السماويّة. تأتي كذلك من خلال الحرص على تمكينها من نيل حقوقها الشرعيّة والفكريّة دون تهميش أو تعسّف أو فرض رأي، تأتي من خلال مناقشة القوانين المتعلّقة بها في كافّة المجالات، تأتي من خلال دعم دورها الاقتصادي الحقيقي كمنتجة، تأتي من خلال تذكيرها بأنّها أساس المجتمع، وأهمّ عنصر من عناصره، وأنّ الدور الأكبر في تربية الجيل وتنشئته يقع عليها في وقت أصبح حلم الزواج وتكوين أسرة صالحة متماسكة من أواخر الأولويّات التي تفكّر فيها كثير من بنات هذا الجيل.

باختصار.. المرأة شيئ ثمين ودرّة غالية فلنحافظ عليها دون تقييد أو انفتاح مبالغ فيه. فلتأخذ حقوقها كاملة، ولكن في ظلّ الحفاظ على مبادئ وقيم لن تتغيّر مهما تعاقبت السنين، وتغيّرت الأحوال. لتأخذ كافّة حقوقها ولكن دون المساس بتلك القيم مهما كانت الذرائع والحجج.

 

 

الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

التمثيل المشرّف

لطالما سمعت هذه العبارة كثيراً وعلى مدى سنوات طويلة قبل كلّ مشاركة خارجيّة لأحد منتخباتنا أو أنديتنا في الألعاب المختلفة. وبرغم توالي السنوات، وتعاقب المشاركات إلا أنّنى لم أفهم حتّى الآن مغزى هذه العبارة أو المقصود منها، إلا إذا كنّا نعتبر المراكز الأخيرة وما قبلها تمثيلاً مشرّفاً في وقت يحاسب فيه الآخرون رياضييهم وقبلهم المسؤولين عن إعدادهم لو اكتفوا بالفضّة أو البرونز، أو خرجوا صدفة من بطولة ما، بينما نكتفي نحن بالإشادة بمستوى لاعبينا لأنّ اللاعب الفلاني قد كسر رقمه القياسيّ برغم حلوله في المركز الخامس عشر قبل الأخير، أو لأنّ اللاعب الآخر تجاوز الدور الأول لأوّل مرّة، ونتائج رياضيينا في دورة الألعاب الآسيويّة الأخيرة تشهد بذلك، فأقصى ما حقّقناه هو (كالعادة) تحقيق لأرقام شخصيّة دون أيّة مراكز متقدّمة، وقد تكون أفضل الإنجازات التي تغنّينا بها في هذه الدورة هو حصول منتخب اليد على المركز السادس!! أمّا الجولف فقد تألّق (هكذا كتبت الجريدة) وحقّق المركز السادس عشر، وبقيّة منتخباتنا الوطنيّة حقّقت خسائر بالجملة في مشاركتها!

والغريب أن منحنى الإنجازات لدينا يسير عكس الإتّجاه، فمحمّد المالكي الذي تابعناه بقلوبنا وهو يحقق الإنجاز تلو الآخر قبل حوالي ثلاثين عاماً لم يأت من يخلفه، ومنتخب القدم الأول بعد بطولة الخليج التاسعة عشرة يمشي للخلف دُر، ومنتخبات الأولمبي والشباب والناشئين التي حققت قبل سنوات متفاوتة إنجازات كبيرة على المستويات الإقليميّة والقاريّة أصبحت تخرج من الأدوار الأولى، وبعد حنظل الحارثي لم يظهر لاعب في الملاكمة، وقس على ذلك بقيّة الألعاب والمشاركات.

لِمِا سبق أجدني مضطرّاً لطرح السؤال الآتي: هل الميداليّات (القليلة) التي حقّقناها في بضع مسابقات كانت نتيجة تخطيط مسبق وقتها أم أنّها أتت بالبركة وبدعاء الوالدين، والأهم من ذلك: هل الرياضة لدينا بخير أم أنها تعاني من أزمة حقيقية، وهل نعتني بالرياضة لمجرد أن نسدّ خانة في بند الخطط الحكومية المختلفة أم لإيمان حقيقيّ بأهميّتها ودورها المجتمعي، ورغبة في صناعة البطل الرياضي الذي يمثل السلطنة في مختلف المحافل، ويكون سفيراً ايجابياً لها يجعل صدى اسمها يتكرر في آذان وأذهان المتابعين، وهل الأندية والاتحادات والمؤسسات الرياضية المختلفة تقوم بالدور المطلوب في هذا المجال أم أنها مخصصة للعبة أو اثنتين، ولعدد محدود من الأفراد!!

برأيي أنّ النتائج السلبيّة التي يحقّقها رياضيّونا في مختلف المجالات هي نتيجة حتميّة وطبيعيّة لمدى نظرتنا إلى الرياضة وترتيبها ضمن أولويّات الحياة المجتمعيّة، فلا أعتقد أنّ لدينا استراتيجيّة أو رؤية واضحة تجاهها، فلا أكاديميّات متخصّصة يمكن أن تصنع أبطالاً حقيقيّين، ولا دورا واضحا للأندية كذلك، فمن يطلع على أحوال كثير من الأندية لدينا يجد أن اهتمامها يكاد ينحصر في لعبات محددة، وعلى رأسها كرة القدم، أي أنّ الأندية تخدم عدداً محدوداً من المجتمع لا يتجاوز المائة شخص هم عداد أفراد الفرق الكروية بتلك الأندية، كما إنّ القاعات المخصصة لممارسة الأنشطة الرياضيّة إما غير موجودة من الأساس، أو مهملة، أو مخصصة كمخازن للأدوات الرياضية، كما إنّ مباني العديد من الأندية غير مصممة بشكل يتناسب وقيام النادي بدوره المنشود، فكثير من هذه المباني إما أنّها قديمة الإنشاء، أو صغيرة الحجم بما لا يتوافق مع الأنشطة التي ينبغي أن تمارس فيها، لذا فليس من الغريب أن نفقد العشرات من المواهب المتنوعة في مختلف المجالات بسبب ضعف دور الجهات التي ينبغي عليها البحث عن تلك المواهب واحتضانها وتأهيلها.
أضف إلى ذلك ضعف البنية التحتيّة والاهتمام (الخجول) بها، ففي كثير من الدول المتقدّمة رياضيّاً يأتي الأبطال من مدن وقرى صغيرة قد لا يكون لها وجود على خارطة ذلك البلد، أمّا نحن فما زالت عشرات المدن، ومئات القرى بلا ملاعب آدميّة لكرة القدم، ومازال البعض يستخدم الشواطئ أو مواقف السيّارات كمكان لممارسة نشاطه الكروي، وإن وجد المكان على استحياء فأين هم الكشّافون؟ أمّا بقيّة الألعاب فحدّث ولا حرج! ويمكن للمتتبّع أن يلحظ سيطرة أندية بعينها على مسابقات هذه الألعاب لأنّ الأندية الأخرى، وحتّى الفرق الأهليّة تفتقر إلى تلك المنشآت، وحتّى إن وجدت بضعة ملاعب ثلاثيّة في بعض الأندية فغالباً ما تحوّل إلى نشاط كرة القدم لأنّه لا ميزانيّات تستوعب توفير مدرّبين أو أخصائيين في تلك الألعاب. ولي أن أسرد مثالاً واحداً على سبيل المثال لا الحصر، فبرغم السواحل الطويلة التي تتميّز بها السلطنة، ووقوع الكثير من المدن والقرى على تلك الشواطئ إلا أنّه يندر أن تجد سبّاحاً يمثّل المنتخبات الوطنيّة من تلك المناطق عدا بعض مناطق العاصمة، فهل يعقل ألا تجود تلك الشواطئ برياضيّ واحد في هذا المجال وهم الذين رضعوا حبّ تلك الهواية منذ نعومة أظافرهم؟!

وقد يقول لك البعض إنّ هناك أنشطة كثيرة تنفّذها الجهات المختصّة بهذه الأنشطة في الصيف، وأنّ هناك مسابقات متعدّدة تجرى طوال أيّام السنة فلماذا كلّ هذا التشاؤم؟ والرد على هذا الرأي هو أنّه ينبغي قبل أن تطرح هذه المسابقات فالمفترض أن يكون لها وجود حقيقي، وممارسة واسعة، وبنية تحتيّة ملموسة، لا أن أطرحها لمجرّد رغبة البعض في الحصول على مبالغ ماليّة قد تضاف لبند فريق الكرة بالنادي، أو بحثاً عن جوائز بسيطة هنا وهناك.

إنّ دولاً كثيرة قد أولت الرياضة اهتماماً حقيقيّاً لإدراكها للدور الكبير الذي تحققه في تكوين وصقل شخصية الفرد، وكذلك في التعريف بالبلد في مختلف المجالات، ولنا في دول أوروبّا الشرقيّة، وشرق آسيا، وأمريكا الوسطى، وكوبا وغيرها المثل الواضح على ذلك، فهذه الدول وبرغم ظروفها المادّيّة التي قد تكون أسوأ عنّا في كثير منها إلا أنّها ونتيجة للتخطيط السليم، وبناء قاعدة رياضيّة متينة، قد تفوّقت وحجزت مكاناً دائماً لها على منصّات البطولات، فالرياضي لديهم يهيّأ منذ نعومة أظافره من خلال أكاديميّات رياضيّة متخصّصة، واستراتيجيّات طويلة المدى، ومن خلال خطّ زمني واضح، بحيث يمكن أن تتنبّأ بالانجازات التي يمكن أن يحقّقها مستقبلاً.

إنّ المبالغ التي صرفت وستصرف على المشاركات الخارجيّة تكفي لإنشاء بنية تحتيّة رياضيّة نستطيع من خلالها صقل وتخريج أفضل المواهب الرياضيّة في مختلف المجالات، وستمكّننا من المنافسة المشرّفة مع دول العالم المختلفة، وقبل هذا وذاك تتيح للفرد منّا ممارسة هواياته وأنشطته المحبّبة، وقضاء وقت مفيد بعيداً عن المقاهي التي أدمنّاها نتيجة غياب هذه المؤسسات وغيرها من المؤسسات الفكريّة والاجتماعيّة.

كما إنّ الاهتمام بهذا المجال لا يقع على كاهل مؤسّسة بعينها فقط، بل يحتاج أولاً إلى قرار سياسي، ثم عمل تكاملي تشترك فيه مؤسسات مختلفة كالتربية بمناهجها وأنشطتها وملاعب وقاعات مدارسها المجهّزة، ومسؤولي العمل البلدي حكوميّين كانوا أم متطوّعين بايجاد مساحات لممارسة الأنشطة الرياضيّة المختلفة في كلّ حيّ وقرية وحارة، والصحّة ببرامجها التوعويّة في هذا المجال، والشئون الرياضيّة كجهة مشرفة ومسؤولة عن وضع استراتيجيّات طويلة المدى تشمل خططاً ومنشئات ومراكز صقل وتأهيل بالتعاون مع المختصّين من أكاديميين ورياضيين سابقين والجهات سابقة الذكر.

وقديماً قالوا: "العقل السليم في الجسم السليم".