الاثنين، 17 أبريل، 2017

(في بلاد القدّيس جورج)

بعد فترة تردّد استمرّت لأكثر من عامين؛ قررت أخيراً الذهاب إلى جورجيا عروسة بلاد القوقاز بعد عمليّة مفاضلة مع دول أخرى شبيهة حسمت لصالح بلاد العم جورج لأسباب عدّة من بينها رغبتي في تغيير وجهتي الشخصيّة والعائليّة من شرق آسيا والبلاد العربيّة إلى أوروبّا، وقرب المسافة الزمنيّة، ورخص تذكرة السفر، وعدم الحاجة إلى تأشيرة دخول، بالإضافة إلى شهادة عدد من المعارف والمهتمين بالسفر ممن زاروا هذا البلد وكتبوا عن تجربة ايجابيّة شجعتني على أن (أعقلها وأتوكّل) كما يقول المثل العربيّ.

وعلى الرغم من تطمينات العديد ممن زار هذه الجمهورية الجبلية التي تقع على الساحل الشرقي للبحر الأسود ومّمن يعيش فيها كذلك؛ إلا أنني كنت أشعر بقلق خفيّ من التجربة، فأنا أعلم الأوضاع والظروف في بلدان جنوب شرق آسيا علم اليقين، وأحفظ بعض بلدان السياحة العربيّة ككفّ يدي، وسبق لي أن زرت تركيا القريبة وتوغّلت في مجاهل إسطنبول وبورصه ويلوا، أما جورجيا وما جاورها فمازالت معلوماتي عن أوضاعها الداخليّة شحيحة، وما زالت فكرة تأثير الفترة الاشتراكية التي امتدت لأكثر من 80 عاماً جاثمة على أفكار صدري، وما زلت أعتقد أنني سأجد مباني سكنيّة كئيبة، وحافلات نقل عموميّة عفا عليها الزمن، وأشجارٍ عارية، ورجال بشوارب كثيفة يرتدون الجاكيتات الرماديّة الطويلة، ويتلحّفون البيرية وغطاء الرأس المصنوع من الفرو ويحتسون الفودكا على الدوام!

وبرغم كل هذا التخوّف وذاك القلق؛ إلا أنّني قررت المضيّ قدماً إلى النهاية، وأن أخوض التجربة كاملة، فماذا يعني السفر دون مغامرة؟! وماذا سأترك لذكرياتي إن لم أعاني؟! ثم أليست الحياة ذاتها سوى رحلة قد تطول أو تقصر؟! و"أقدارنا بيد السماء يا نهر البنفسج" على رأي الأديب زكريّا الحجاوي!
وكعادتي في كل سفرة شخصيّة إلى بلدٍ أزوره لأول مرّة؛ حملت حقيبتي على كتفي تاركاً كل شيء للظروف برغم اطّلاعي على كثير مما يتعلق بالبلد فكرياً واقتصادياً واجتماعيّاً، وبرغم محاولتي تكوين فكرة شاملة عن الأوضاع المعيشيّة هناك، فما أروع أن تكتشف كل شيء بنفسك، وما أجمل أن تقوم بعمل المقارنات بين ما كنت تعتقده وتراه وبين ما وجدته على الحقيقة!

عند وصولي ليلاً إلى مطار تبليسي لم تستغرق مدة الانتهاء من إجراءات الدخول أكثر من خمسة دقائق بالتمام والكمال قسّمت ما بين عبوري الممرّ الواصل بين باب الطائرة إلى (كاونتر) ختم الجوازات، ثم الهبوط في السلّم الكهربائي إلى منطقة أخذ الحقائب، ثم التوجّه ناحية بوّابة الخروج! دائماً كنت أقول لنفسي إن المطارات هي عناوين الدول، و"المكتوب يُقرأ من عنوانه"، وهناك من المطارات ما يجعلك تعود أدراجك حاجزاً أقرب تذكرة إلى بلدك بعد أن تعاني الأمرّين من "رذالة" موظّفيها، وعمّالها، وسائقي تكاسيها، وهناك من المطارات من يفتح لك أحضانه مستقبلاً، وترى ثغره الواسع هاشّاً باشّاً، مما يجعلك متشوّقاً لرؤية ما خلف ستار هذا المطار من بشر وكائنات وجماد، فمادام استقبال المطار هكذا، فكيف هو استقبال أصحابه لي؟!! 

وأنا في طريقي من المطار الذي يقع خارج المدينة إلى الشقّة التي حجزها لي أحد الأصدقاء في شارع جانبيّ متفرّع من شارع (روستافيللي) الذي يعدّ أحد الشوارع الرئيسة في المدينة لفت انتباهي هدوء الشوارع المبالغ فيه، وتلاشي الصّخب الذي يميّز العواصم ليل نهار، فلا تكاد تسمع صوتاً لنفير مركبة، ولا رائحة لعادم حافلة قديمة ملّت من الأنين واعتادت حمولتها الثقيلة من أكوام البشر، ولا ضجيج لموكب دراجات بخاريّة يقودها شباب يعتقدون أنهم في طريقهم إلى المرّيخ لا إلى أقرب حانة أو زقاق، وأن مهمّتهم الأساسيّة في هذا العالم هي ضخّ المزيد من المصابين بالصمم. هنا بدأ مؤشّر القلق الداخلي ينحدر أكثر فأكثر، وحذري يقلّ، وأن أيامي القادمة ستكون على الأقل هادئة إن لم تكن جميلة!


وخلال رحلة وصولي إلى الشقّة التي سأسكنها طوال مدّة إقامتي في تبليسي العاصمة، وتحديداً في أحد شوارع حيّ (فيرا) الراقي لفت انتباهي عدّة أمور ستسهم في أن تجعلني أكثر تفاؤلاً بقضاء أوقات جميلة في هذا البلد، وأكثر تحفّزاً وانطلاقاً لاستغلال كل دقيقة هنا، فالشارع الذي تقع فيه والمتفرّع من (روستافيللي) هو شارع هادئ كعجوزٍ سبعينيّ، مبلّط بحجر الإسكافي حتى اعتقدت أنني في أحد شوارع إسطنبول لا تبليسي، تتناثر على جوانبه عدداً من الأشجار بأوراقها المتساقطة التي تذكّرك بمشاهد الخريف في الأفلام الأجنبية، ويحتوي على كافّة الخدمات التي يحتاجها السائح والمقيم كالصيدليات، والبقّالات التي تعمل طوال اليوم، أما البناية التي تقع فيها الشقّة فهي بناية حديثة وسط عدد من البنايات ذات الطابع الكلاسيكيّ القديم، تدخلها برقم سرّي لا يعرفه سوى سكّانها ممّا يعطيك شعوراً بالأمان والاطمئنان في بلدٍ تزوره لأوّل مرّة، وصاحبتها سيّدة جورجيّة مبتسمة دائماً تحمل الجنسيّة الأمريكيّة عادت إلى بلدها بعد أن قضت أكثر من عشرين عاماً في نيويورك لتقضي بقيّة أيّامها في بلدها الأم التي هربت منه يوماً ما لتعمل ممرضة في أمريكا الرأسماليّة بعد أن كانت معلّمة في جورجيا الإشتراكيّة!! استقبلتني السيّدة بابتسامة ودودة وعرّفتني على مرافق الشقّة ثم غادرتها بعد ثلاث دقائق فقط من لقاءنا بعد أن تركت عنوان الشقّة، وأكواد (الواي فاي) والبوّابة، وهاتفها الشخصيّ مكتوبة على ورقة معلّقة في ركنٍ بارزٍ من الصالة، ولم تلقِ عليّ سيلاً من النصائح والاشتراطات والتهديدات والغرامات إذا ما كسرت هذه الفازة، أو عبثت بتلك المزهريّة، أو مسست ذلك البيانو كما يفعل سماسرة الشقق في دول عربيّة أعرفها جيّداً مما يجعلك متوتّراً كقطً، قلقاً كالنابغة الذبيانيّ، تودّ لو كنت مدرّب تنمية ذاتيّة لتنام معلّقاً على الهواء خوفاً من أن تكسر السرير، بل تمنّت لي طيب الإقامة في بلدها، وأن أعتبر الشقّة كبيتي. أما الشقّة ذاتها فهي واسعة كخارطة روسيا، نظيفة كقلب مؤمن، دافئة كحضن أم على الرغم من برودة الأجواء في بلد أصرّ شتاؤه على انتظاري وهو الذي كان يعدّ العدّة للمغادرة! 

الاثنين، 3 أبريل، 2017

في مقهى الفتوّة (3-2)

أقف أخيراً في قلب المشهد الحسيني وخان الخليلي، حيث قلب القاهرة الفاطميّة وحيث يكاد يُختَزل هنا تاريخ مصر بكامله، وحيث يختلط البشر فقيرهم وغنيّهم في تناقضٍ مؤلم؛ هؤلاء من أجل رغيف عيشٍ حاف، أو أملاً في بضعة جنيهات قد يحنّ أحدهم بتركها لهم، أو طلباً لبركة سيّدنا الحسين في تزويج يتيمة أو شفاء مريض بعد أن أوصدت أبواب الأرض في وجوههم، وأولئك لتصريف بعض ما تكدّس من مالٍ قد ينفقونه في شراء تحفة، أو ثمناً لكوب شاي تكفي قيمته لتعديل مزاج روّاد مقهى شعبيّ في حيّ الشرابيّة بأكمله!

 المشهد الحسيني وخان الخليلي حيث العبق الشرقي الأصيل، ورائحة البخور الذي لن تشمّه إلا في قاهرة المعزّ، وكأنه ماركة مسجّلة باسمها، وحيث الأزهر الشريف قبلة العلماء والمتعلّمين على مدى قرون طويلة، وحيث مرقد الإمام الحسين، والمحلّات الشرقية التي مازال أصحابها يتوارثون المهن اليدويّة من نحاسيات وجلود وعطور وغيرها في إصرار عجيب على استمراريتها وكأنّها جزء من حياة، وحيث قهوة شعبان التي يصرّ صاحبها على أنها تأسست عام 1919، والدهان القديم حيث أحلى كباب ونيفه، والعهد الجديد بكوارعه وفتّته وورق عنبه. المشهد الحسيني حيث فرحات الأزهر وحمامه المحشي الذي تبكي قبل أن تطعمه وتبكي مرة أخرى بعدها من لذّته وطعامته، وحيث طعميّة الحلّوجي، وبسيمة عمّ محمد، ومهلّبيّة المالكي وقشدته التي لا مثيل لها. وحيث المكتبة التوفيقيّة، ودار التراث العربي، ودار التأليف، ومكتبة الثقافة العربية، والمكتبة الإسلاميّة وسلسلة من المكتبات التي ساهمت في حفظ التراث العربيّ والإسلاميّ.

متجاهلاً الدعوات التي توالت عليّ من صبيان المقاهي المواجهة لساحة الحرم للجلوس في مقاهيهم خاصّة وأنهم لا يتقاضون رواتب معلومة بل يترزّقون (التبس)، والبقشيش، ومدى قدرتهم على (تهليب) الزبائن ببيع المشروبات بسعر أعلى من المتفق عليه مع صاحب المقهى، أكمل طريقي إلى مقهى الفيشاوي الذي اخترته لقضاء الساعة القادمة فيه وسط أزقة ضيقة زيّنت جنباتها بقطع ديكور شاهدة على حضارة مصر الفرعونية الضاربة في عمق التاريخ، لأسباب من بينها عراقته، وسمعته، وهدوءه وأسعاره الثابتة مقارنة بمقاهي الواجهة، كما أن قهوة (نجيب محفوظ) الذي يعد مقهاي المفضّل هنا والذي يبعد أمتاراً بسيطة لا يصلح للجلوس نهاراً بعكس ليله حيث أجواء ألف ليلة وليلة، وحيث العود والقانون والسلطنة، وحيث الكوارع والفتّة بالثوم والممبار، وحيث السحلب الأصلي بمكسراته التي تكاد تقسم أنها قطفت وحمّصت للتوّ، والشاي الأحمر الذي تكفي نكهته لإنعاش شارعٍ بأكمله يقدمه لك ولدانٌ يلبسون الطربوش، في أباريق من نحاس مذهّبة الجوانب والأطراف!

ها هو المكان أخيراً، زقاقٌ ضيّقٌ اصطفت على جانبيه طاولات وكراسي خشبية امتلأت بعشرات السيّاح الأجانب، وبعضٌ من أبناء البلد. ولوحات خشبيّة عدّة كتب عليها بالأزرق والأبيض والذهبي اسم المقهى الذي أسّسه فهمي الفيشاوي عام 1797 من خلال ركن صغير ما لبث أن توسّع ليضم ثلاث غرفٍ يوماً ما قلّصتها المحافظة بعد ذلك إلى حجمه الحالي، تعرّف بالمكان وكأنه بحاجة إلى من يعرفه أو يسأل عنه بعد أن طغت شهرته أرجاء المعمورة، وسار بذكره الركبان، وقلّد اسمه المقلّدون في كل بقعة يوجد بها مصري، لكن شتّان بين الأصل والنجاتيف!

أختار مكاني على ركن جانبيّ داخل المقهى طلباً لبعض الهدوء، وهرباً من زحام الممر وعبارة "وسّع يا باشا" التي تتكرر 67584 كل دقيقة، و(رزالة)المتسوّلين وعارضي الكتب والحقائب والجلود والمسابح والعطور الرديئة وكل ما تنتجه مصانع (بير السلّم) الذي يتميّزون بثقل دم ولا خرتيت هنديّ، وإلحاحهم الشديد ولا إلحاح بخيل يطلب ماله!

 أتأمّل المكان بكل ما يحتويه من تحف وآثار وكأنه مُتحف شرقيّ. كان المقهى يجسّد بشكل حقيقيّ حضارة المكان الذي أقيم عليه، وكأنّه مصبّ لكل ما تنتجه مصانع وورش ومحلات خان الخليلي والموسكي والغوريّة،  هناك أربعة أبواب مفتوحة، وأقواس ملوّنة بالأبيض والبنّي تفصل أركان المقهى عن بعضها، ومشربيّات من خشب أسود كأنّه المسك، وأرابيسك ومشغولات خشبيّة تنمّ عن مدى الرقيّ الذي وصل إليه فنّ عمارة الخشب في مصر، وفوانيس ونجف وثريّات ضخمة يبدو أنها كانت يوماً ما تزيّن قصر أمير تركيّ، في الرفّ علّقت أواني قديمة يبدو أنها كانت تستعمل في المقهى يوماً ما، في حين تزيّن المقهى من جوانبه مرايا بلجيكيّة كبيرة يقال إن الحاج فهمي حصل عليها من القصور الملكية التي كانت تجدد مفروشاتها وأثاثها، ويقال كذلك أن الحاج كان يراقب من خلالها عماله! بينما توزّعت على جدرانه عدداً من الصور لصاحب المقهى ولشخصيات عديدة من سياسيين وفنّانين وأدباء فهذه صورة الملك فاروق، وتلك أخرى لنجيب محفوظ أحد أشهر روّاد المقهى والذي خلّده في رواياته الشهيرة، وثالثة لفريد الأطرش، ورابعة وخامسة وعاشرة لفريد شوقي، ومحمد فوزي، وكمال الشناوي، وعادل إمام، وغيرهم، وهناك صورة كبيرة للحاج فهمي الفيشاوي وهو يمتطي حصانه. أتخيّل الحاج بجلبابه الصعيديّ أزرق اللون وعباءته الحريريّة، وعمامته الكشميريّة، وعصاه الأبنوسيّة التي تكفي ضربة منها لتخدير بغلٍ استراليّ ضخم، قادماً يوزّع سلاماته على كل من يصادفه في الأزقّة المجاورة بعد أن أنهى (خناقة) بين بعض الفتوّات، أو استرجع حق عرب لأحدهم، كيف لا وهو الذي كان يعد من فتوّات القاهرة المعدودين عندما كان مصطلح الفتوّة مرادفاً للرجولة والشجاعة وإغاثة الملهوف، وعندما كان الفتوّة يقع على عاتقه حماية الحارة، وإرجاع المظالم، وإشاعة الأمن قبل أن تتبدّل الأحوال وتتغيّر الأزمان، ويحدث انقلاب في منظومة القيم في المجتمع تفضي إلى ظهور مصطلحات غريبة على المجتمع كالبلطجة التي تحل محل الفتْوَنة!!


يأتيني الشاي في إبريقٍ زجاجيّ أزرقٍ داكن موضوع على صينيّة مذهّبة كعلامة جودة تميّز المقهى عن غيره، بينما وضع السكّر وأوراق النعناع في أكواب بيضاء. أصبّ لنفسي بعضاً منه وقد تداعت أمامي رزمة من الذكريات، ذكريات رحلة غزّة وزيارتي الأولى إلى المكان، ذكريات زيارات أخرى متوالية كتوالي الهموم على قلب مهاجرٍ سوريّ. ذكريات رفاق وأصحاب بقي بعضهم وغاب أكثرهم وسط طوفان الحياة الجارف. ولكن تلك حكاية أخرى.

الاثنين، 27 مارس، 2017

في مقهى الفتوّة (1-2)

يونيو 2008.. كنّا في الصيف، والفصول في مصر كما يقول العجوز رفعت إسماعيل بطل روايات (ما وراء الطبيعة) الأصلع النحيل الذي يدخّن كقاطرة قديمة، والشبيه بدودة الإسكارس " تتشابه، وقد تختلط، ولكن شيئاً واحداً يميّزها هو الرائحة.. رائحة الأسفلت المبتل في الشتاء، رائحة حبوب التفاح وزهور البرتقال القادمة من أرض محروثة في الربيع، روائح العرق وأنسام الليل الرحيمة في الصيف". كنّا في الصيف، حيث الأنسام التي تهبّ عليك من المجهول تدغدغ مشاعرك كما تدغدغ أمٌ رؤوم طفلها، وتفتح في داخلك كتاباً من الذكريات يعجز هرقل عن حمله، ويقسم تايسون أن هناك قوّة هائلة تمنعه من محاولات غلقه. وحيث اقتراب موعد العودة إلى الوطن نهاية كل عامٍ دراسيّ محمّلاً ببعض الهدايا، وكثيرٍ من.. الشوق واللهفة. 

 كنت لا أزال في شقّة جسر السويس التي سأغادرها بانتهاء الفصل إلى بقعة أخرى في محاولاتي المستمرة لاكتشاف كل شبرٍ في المحروسة كعهدٍ قطعته على نفسي في أول يوم داست فيه قدماي تراب القاهرة، حيث أحمد موظّف هيئة الاستعلامات السابق ووكيل الشقّة الحالي ما زال يتردّد على شقّتي كل مساء كفرسِ نهر، وحيث صبحي صبيّ فرن العيش الذي ينتظرني بعد الساعة الواحدة ليلاً لتسليمي حصّتي اليوميّة من عيش الفينو الساخن ومعمول العجوة بالسمسم بعد أن يكون قد طاب واستوى، وعمّ مجدي الحلاق الطيّب الذي كلّما رأيته أتذكّر السّاعي في مسرحيّة "شاهد مشافش حاجة" وحواره الشهير مع عادل إمام و "خد.. بالك من نفسك"، وعمّ عبده (سكيوريتي) الأمن الطيّب بقميص الشركة الأزرق الفاتح كزرقة ماء النيل عند مغادرته للمنبع قبل تحوّله إلى السواد قرب المصبّ، وابتسامته الصافية كنقاء شاشة إل أي دي برغم ظروفه القاسية كمزاج مراهقة، السوداء كقلب الكافر، و(ماهيّته) التي قد لا تكفي لتغطية أجرة انتقاله اليوميّ من مصر الجديدة حيث يعمل إلى شبرا الخيمة حيث يسكن، وحيث محمود الشاب العشريني خريج الجامعة العمّالية الذي يعاونه في مهمّة حراسة البناية بعدما فقد الأمل في وظيفة تليق بمسمى الجامعة التي تخرّج منها. الجامعة التي راهن عليها عبد الناصر لتخريج أجيال من العمّال المهرة عندما كانت هناك مصانع وانتهى بها الحال إلى (أنتيكة) تزيّن شارع النصر وتنفث سيارات النقل والسيرفس والملاكي بعوادمها السوداء في واجهتها كل ثانية، والتي كان يمكن (وهبها) لأحد الحيتان كي يحوّلها إلى برجٍ سكنيّ عال، أو مقر لإحدى شركاته لولا بعضٌ من حياء. في كل مرّة ألمح مبناها وأنا في طريقي راجلاً أو راكباً إلى شارع عباس العقّاد أو مول سيتي ستارز القريب كنت أسأل نفسي: متى سيأتي اليوم الذي يحنّ فيه قلب أحدهم على مرايا المبنى ويقوم بتلميعها وإزالة أطنان الغبار والسواد المتراكم! شقّة جسر السويس حيث البن البرازيلي، وأولاد رجب، وحاتي الحرّيف، وإشارة الطاهرة، وقصرها الشهير، وميدان النعام، وميدان روكسي، والعبّودي، وأشياء كثيرة جميلة ما زالت بقاياها تعلق بالذاكرة كذكريات طفل، أو كبقايا بنّ عبد المعبود الشهير في فنجان قهوة سوداء مضبوطة بجروبّي مصر الجديدة.

كنت في شقّتي صباحاً وهي من المرات النادرة التي أصحو فيها مبكّراً ما لم أكن مرتبطاً بموعد دراسيّ أو اجتماعيّ ما، فمن ذا الذي يتهوّر وينام مبكراً تاركاً ليل القاهرة الصيفيّ حيث المقاهي المفتوحة التي تختلط فيها ضحكات الصبايا المائعة بنكهة المعسّل وكليبّات قنوات ميلودي ومزّيكا، أو أغنية (الأماكن) التي تعاد 657894 مرّة في الكافيهات التي يرتادها (الخلايجة) والعرب، وحيث الشوارع التي تظلّ ساهرة حتى مطلع الفجر،  وحيث جلسات البلكونة التي تحلو صيفاً مع (شقّة) بطّيخة مثلّجة، وبرّاد شاي أحمر، وصوت كلاسيكي من بقايا الزمن الجميل.    

وبينما كنت أتلذّذ بارتشاف كوب الشاي بالفتلة وقراءة (الدستور)جريدتي الأثيرة وقتها قبل أن تتحوّل إلى صحيفة شديدة الاصفرار تصلح لكلّ شيء عدا القراءة، شدّني خبرٌ عن مقاهي الحسين في زاوية كانت الجريدة تخصّصها للتعريف بالمقاهي والأماكن التي تصلح للزيارة في القاهرة، وهي الزاوية التي اتخذت منها في تلك الفترة دليلاً لزيارة العديد من المقاهي والأماكن التي كانت وقتها في عداد المجهول بالنسبة لمعلوماتي عن خبايا القاهرة. هنا قلت لنفسي: إنني قد زرت القاهرة الفاطميّة ليلاً ملايين المرات قبل اليوم، وأكاد أحفظ عن ظهر قلب تفاصيل الأحداث الليليّة هناك، وأسماء صبيان مقاهيها، وملامح متسوّليها، فلماذا لا أجرّب زيارتها نهاراً، فلعلّي ألمح بشراً آخرين يختلفون عمّن رأيتهم هناك على مدى تلك الزيارات، ولعلّي أعيش أحداثاً وتجارب تختلف عن تلك التي عايشتها ليلاً! ولا بأس من جلسة جميلة تنعش الذكريات في قهوة الفيشاوي.

وكأني لم أكذّب خبراً، فما هي إلا دقائق كنت قد انتهيت خلالها من ارتداء قميصي الأخضر المشجّر الذي ابتعته ذات نهارٍ أغبر من أحد المحلات الصغيرة المنزوية في حارة من حارات المهندسين، والذي يذكّرني بسيّاح هاواي، فقط شورت ضيّق، ونظارة سوداء، وسيجار كوبيّ ضخم ويكتمل المشهد!

(أخذت بعضي) في طريقي الذي حفظته رجلاي عن ظهر قلب كحفظ طالب نحوٍ مدرعمٍ لألفية ابن مالك، إلى محطّة سرايا القبّة القريبة مخترقاً شارع جسر السويس، فميدان سليم الأول، حتى وصلت إلى المحطة موزّعاً سلاماتي وتحيّاتي هنا وهناك. يعشق المصريّ النكتة والابتسامة والفرفشة والمناقشة والمناغشة كما يعشق الياباني عمله، وسيردّ على تحيّتك بأفضل منها، وعلى ابتسامتك بأعرض منها، وعلى نكتتك بأسوأ منها، و(تفضّل معانا شاي)، لكنّه قد يكرهك كما يكره المقدسيّ الصهاينة لو قابلته متجهّماً مكشّراً، فالمصري قد يستحمل الضنك وضيق الحال، وقد يتقبّله بصدرٍ رحب، لكنّه لا يتقبل ثقلاء الدم وأصحاب (السِّحَن) الضيّقة!

أنزل في العتبة حيث (سرّة) القاهرة ومنتصفها، وحيث أكبر كميّة من البشر يمكن أن تراها في حياتك، ومنها أسير راجلاً باتجاه شارع الأزهر حيث محطّتي الأخيرة في قلب المشهد الحسينيّ وسط سيمفونيّة من أصوات المطارق النحاسية، ورائحة البهارات والتوابل، وسباب سائقي التكاسي لبعضهم البعض، متسلّياً بمحاولة استحضار تاريخ المكان المحيط حيث الموسكي، وحارة اليهود، والغوريّة، والدرب الأحمر، والباطنيّة، والمشهد الحسيني، ودرب البادستان، والصنادقية، وسوق التبليطة ، وشارع ربع السلحدار، والمقاصيص، والصالحية، وخان جعفر، وأم الغلام، والحمزاوي، وأماكن أخرى كل حجرٍ بها شاهدٌ على حقب، وأحداث، وشخوص عديدة عجنت تاريخ المكان بفكرها وثقافتها حتى غدا خليطاً عجيباً أو مكبّاً لتفاعلات تلك الثقافات المتباينة!


أصل أخيراً إلى الحسين وأقترب من الخان، وألامس المئذنة الشامخة، وأشم رائحة عبق البخور القادم من زقاق قريب، وهنا ستكون لي حكاية. ويا لها من حكاية!

الاثنين، 20 مارس، 2017

(نفحاتك يا نقشبندي)

كنت قد اتّخذتُ مكاني على ناصية البهو الخارجي للقهوة الأحمديّة التي سميت بذلك تيمّناً بالمسجد الأحمدي والتي استمدت من جواره شهرتها وعراقتها وصيتها. يأتيني أحد (صبيان)المقهى كي يرى ماذا يشرب (الباشا)، وهي الكلمة التي تلاحقني في كل مقهى أدخله، فأطلب سحلباً بالمكسّرات وكأس ماء مثلّج، لأتفرّغ لمتابعة تأمّلاتي لمن حولي ومطالعة الصحف التي شدّتني عناوين بعضها. كان العنوان الرئيس لأغلب (المانشتات) الصحفيّة وقتها هو اضراب 6 ابريل الذي حدث قبل بضعة أيّام والذي كانت قد دعت إليه فئة من المدوّنين الشباب سيكون لهم شأن في الحياة السياسيّة المصرية، وذلك تضامناً مع إضراب دعا إليه عمّال شركة المحلّة للغزل والنسيج إحدى قلاع الصناعة المصرية المتبقيّة، واعتراضاً على الغلاء والفساد، والذي تحوّل فيما بعد إلى إضراب عام وشابته أحداث شغب كبيرة. وسيتحوّل هذا التاريخ من مجرّد رقم إلى اسم لحركة سياسيّة سيبرز دورها بشكل كبير خلال فترة ما قبل أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير وما بعدها، وستنقسم فيما بعد إلى جبهتين كعادة أصيلة ارتبطت بالأحزاب والحركات والجمعيّات السياسيّة المصريّة! وسيتحوّل بعض رموزها من أبطال إلى خونة، ومن ضيوف دائمين في كل برامج (التوك شو) إلى نزلاء سجون بحسب الهوى والمزاج السياسي القائم! الطريف أن شعار الإضراب الذي تبنّته الحركة وقتها حمل عنوان أغنية شهيرة للرائعة نهاد حدّاد أو فيروز كما يعرفها سكان كوكب الأرض والكواكب المجاورة، وكان الشعار "خليك بالبيت"! والغريب أن بعض حركات وأحزاب المعارضة حاولت تنظيم إضراب يوم الرابع من مايو من نفس العام وهو اليوم الذي يصادف عيد ميلاد الرئيس مبارك، ولكنه فشل. هكذا هي الشخصية المصريّة، تفعل كل شيء بمزاجها لا بمزاج الآخرين، وفي الوقت الذي تحب وتشاء لا كما يحب الآخرين!

أقلّب الصحف بادئاً بالصفحة الأخيرة كعادتي عند قراءتها. أطالع في (اليوم السابع) تصريحاً للسيد صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى يقول فيه إن الأحداث التي شهدتها مدينة المحلة الكبرى جاءت تحريضاً منظماً ومخططاً من جانب فئة غير واعية وغير مسئولة وفاقدة للحس الوطني! في خبر آخر أبو العز الحريرى نائب رئيس حزب التجمع السابق يدين موقف قيادة الحزب من الإضراب. خبر ثالث في (الشروق) يتحدث عن مقاطعة جماعة الإخوان لانتخابات المحلّيّات بعد أن سمح لها بالتنافس على 20 مقعد فقط من بين 52000!

وسط زخم السياسة أطالع أخباراً طريفة مثل (الناس في إضراب أم "هربانة" من التراب؟!) وذلك تعليقاً على العاصفة الرمليّة التي ضربت العاصمة يوم الدعوة للإضراب. و(جزارو الحمير يعتدون على الصحفيين)! يذكرني الخبر الأخير بحكايات بيع لحوم الحمير وترويجها كلحوم مفرومة في المطاعم، التي انتشرت في تلك الفترة والتي امتنعت بعدها نهائياً عن شراء اللحم أيّاً كان مصدره كما امتنعت قبلها مجبراً عن شراء (الفراخ) بعد ظهور انفلونزا الخنازير!

أترك الصحف جانباً كي أعطيها لاحقاً إلى أحد العاملين بالمحل كما أفعل في كل المقاهي لأبدأ الجزء الثاني من السهرة وهو ممارسة التأمل الذي يقطعه صوت يأتي من الداخل متسللاً كما يتسلّل الحبّ إلى قلب مراهقة خجول. صوت لا يمكن وصفه أو تصنيفه أو تحليل طبقاته وسلالمه، إنه صوت (أسمهان) يلعلع: فرّق ما بينّا ليه الزمان.. ده العمر كلّه بعدك هوان. ما الذي أتى بأسمهان هنا! كنت أعتقد أن (السماع) في هذه القهوة مقتصر على التواشيح والأذكار والقراءات بحكم الجيرة والجوّ المحيط فما الذي أتى بالطرب هنا. نسيت أننا في مصر، حيث لا يمكن للمقهى أن يكون بلدياً شعبياً صميماً دون تكايا خشبيّة، ونصبة، ومعلّم بشنبٍ ولغد، وحجر معسّل، وعشرة بلدي، وروحٌ جميلة، وطرب أصيل! 

تعيدني أسمهان إلى الأيام الخوالي، حيث كنت (خُلْوٌ مِنَ الْهَمِّ إلا هَمَّ خَافِقَةً.. بَيْنَ الْجَوَانِحِ أَعْنِيهَا وَتَعْنِينِي) على رأي شيخنا الجواهريّ العظيم. إلى ذكريات السنة الأولى لي في الجامعة، ومغامرات الفتى الأسمر النحيل مع روايات إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، والتي تبعها بالقطع اقتناء أغاني حليم ونجاة وفايزة، وأحلام اليقظة التي لم تكن تختلف قصصها عمّا ورد في تلك الروايات. كانت هذه الأغنية ضمن مجموعة أول وآخر (كاسيت) أشتريه لأسمهان في حياتي قبل أن تنتشر أغانيها وأغاني غيرها على مواقع النت كانتشار الوباء في قرية أفريقيّة، وكان يحوي كذلك أغنية تفيض من الشجن كما يفيض سد وادي ضيقه بماءه بعد كل منخفض. كان اسم الأغنية "ليت للبرّاق عيناً"، وكانت أسمهان تؤديها بطريقة تجعلك ترى ليلى العفيفة وهي متكوّمة في سرداب قلعة فارسيّة مكبّلة بالسلاسل والقيود، ووهج حرارة الصحراء يلفحك بينما ابن عمّها البرّاق هائماً على فرسه يبحث عن أثر يدلّه على مكانها. ذكرتني كذلك بحواراتي اليوميّة وقتها مع (سالم) قرب مطعم الوحدة السكنيّة أو ونحن خارجون من قاعة التلفاز وأسئلته الدائمة لي: ترى من الأفضل أم كلثوم أم أسمهان؟ وماذا لو لم تمت أسمهان في وقت مبكر من عمرها؟ سالم تمّان المعشني الفيلسوف الذي خلط بين بوّابتي كلية الهندسة والآداب فدخل الأولى اعتقاداً أنها الثانية! الشاب الذي كان يتعامل مع قواعد النحو وإعراب الأبيات والجمل كما يتعامل ميسّي عند انفراده بحارس نيبال. والذي كان يتحدث في علوم الفلسفة والمنطق والتاريخ كما يتحدّث عبد الوهّاب المسيري عن الصهيونيّة. والذي كان يفهم في خبايا الطرب العربيّ الأصيل كما يفهم عاملٌ ياباني ماهر في أسرار صناعة الأدوات الكهربائيّة. ترى أين ألقت بك رياح الحياة يا سالم!

أصحو من ذكرياتي على صوت شاب أسمرٍ نحيف يقف بجواري حاملاً على رأسه جبلاً من الخبز يكاد يصل السقف يرجوني أن أشتري (العيش) الذي يحمله كي يفرّقه على (الغلابة) الذين يفترشون صحن الجامع. أعرف هذا النوع من النصب والتحايل واكتويت بناره مراراً في الحرم الحسيني والسيدة زينب. هو في الغالب سيقتسم النقود مع آخرين يمارسون ذات العمل، وسيأخذ الخبز لشخص آخر يعتقد أنّه يمكن استغفاله باسم الغلابة. الكل يتاجر باسم الغلابة، والكل يكسب عدا الغلابة!!

أطالع ساعتي لأكتشف أنها تقترب من الحادية عشر حيث موعد القطار الذي يعود بي إلى قاهرة المعزّ. أغادر المقهى باتجاه ميدان المحطّة بينما نفحات سلطان التواشيح وملكها المتوّج سيّد النقشبندي تهبّ على روحي قادمة من مكانٍ ما قريب:
تَحلو مرارة عيشٍ في رضاكَ ومَا.. أطيق سخطاً على عيشٍ من الرغدِ
أدعوكَ يَا ربّ فاغفر زلَّتي كَرماً.. واجعَل شَفيعَ دُعائي حُسنَ مُعْتَقدي
وانّظُرْ لحالي في خَوفٍ وفي طَمعٍ.. هَل يَرحمُ العَبد بَعْدَ الله من أحدٍ؟



الاثنين، 13 مارس، 2017

بائع الجمال

قبل خمسة أعوام من الآن، وعند انتقالي إلى المؤسسة التي أعمل بها حالياً كان من ضمن ما شدّني من بين أشياء كثيرة جذبتني بها وأعطتني تصوراً مبدئياً عن أيام جميلة قادمة تنتظرني بها، وجود لوحات معلّقة على جدران وممرّات المؤسّسة ومكاتبها وزواياها المختلفة. لوحات كانت تحمل صوراً وعبارات تبعث التفاؤل، وتغذّي الأمل في الأرواح، ويعرّف عديدٌ منها بملامح عمانيّة تاريخيّة واجتماعيّة وسياحيّة مختلفة. الأمر الآخر الذي أثار انتباهي هو أن عدداً من هذه اللوحات كانت تحمل اسم شخص يدعى سيف بن ناصر الرواحي!

 بعدها بفترة عرضت عليّ إحدى طالباتي بالكليّة التي أقوم بالتدريس المسائي فيها كتاباً بعنوان "العزوة في فنجا" كي يكون مشروعاً لبحثها الفصليّ، ومرّة أخرى يتردد اسم سيف الرواحي حيث كان هو مؤلّف الكتاب! وبدأ العقل الباطن في محاولات التذكّر والربط والتخيّل، وطرح السؤال الذي سيستمر لفترة قادمة بعدها: من هو سيف بن ناصر الرواحي؟!

 تشاء إرادة الله بعدها أن ترحمني من تساؤلي ذاك بعد أن انتقل هذا (السّيف) إلى نفس المؤسسة كزميل عمل، لذا بدأت محاولاتي السريعة في التعرّف عليه عن قرب، وأدركت منذ الوهلة الأولى أنني أعرف هذا الشخص منذ سنوات عديدة على الرغم من أنها المرة الأولى التي يقع بصري عليه، ذلك أن ابتسامته التي لا تكاد تفارق محيّاه، وروحه المرحة، وضحكته المميّزة وكأنها سيمفونيّة عاشرة نسي بيتهوفن توثيقها كانت جواز مرورٍ سريعٍ إلى قلوب المحيطين به، واكتشفت بعدها بفترة أن هذا (الانسان) يكاد يرتبط بعلاقات صداقة مع كل سكّان الأرض فلا تكاد سيرته تأتي في أي محفل إلا وأجد الجميع يعرفه، ولا أكاد كذلك أسأله عن أيّ إنسيّ او (جنّي) إلا ويفاجئني بمعرفته به! أي قلبٍ هذا الذي يحتوي العالم بأسره بين أوردته! 

  وخلال خمسة أعوام هي عمر زمالتنا وصداقتنا، كان مكتبه المنزوي كمعمل رسّام سيرياليّ هو المحطّة الأولى التي يبدأ منها يومي، وكثيرة هي أكواب القفشات وفناجين المداعبات التي كنا نرتشفها صبح كل يوم لمست خلالها مدى عشقه للكاميرا، وأدركت كذلك الجهد الكبير الذي يبذله في سبيل حبّه لفنّه، وكنت أتابع من خلال رسائله الواتسابيّة كل جمعة رحلاته المكّوكيّة في هذه الولاية أو تلك بحثاً عن مشاهد يوثّق من خلالها بعضاً مما يتمتع به هذا الوطن العظيم من مكنونات وعناوين متفرّدة في التميّز والإبداع، وكنت أسأل نفسي في كل مرة: ألا توجد ارتباطات تحول بينه وبين فنّه ورحلاته وبحثه عن اللقطة أيّاً كان موقعها؟! ثم أدركت أن العاشق لا تحول بينه وبين محبوبته موانع أو عقبات، فما بالكم لو كانت تلك المحبوبة لوحة رائعة صنعتها إلتقاطة جميلة من عدسة بشريّة تعوّدت على انتقاء الجمال.. واقتناءه!

وعندما أهداني (أبو ناصر) كتابه الأخير (محافظة الوسطى.. الحياة والطبيعة) الذي سيدشّن مساء اليوم الثلاثاء أدركت أنني أمام عملٍ منفرد، فهو ليس بالكتاب العاديّ بقدر ما هو سيمفونيّة من الألحان الجميلة، أو باقة من الورود النضرة، فالكتاب باذخٌ بمعلوماته، زاهٍ بصوره، أنيقٌ بإخراجه، مثيرٌ بقضاياه التي يطرحها!

يفسّر الرواحي أسباب اشتغاله بكتابه في مقدّمته بقوله" أحاول في هذا الكتاب أن أنقل جزءاً من خيال الواقع وجمال الحقيقة الذي رأيته رأي العين متجسّداً في محافظة الوسطى. إن التنوّع البيئي ما بين سهلٍ وجبلٍ وبحرٍ وصحراء، وتنوّعٍ في الموروث التقليديّ والفنون الشعبيّة والصناعات اليدويّة يغدو سمةً مميّزةً لهذه المحافظة، يدفع الإنسان إلى البحث عن غواية المجهول فيقع أسير هذه الطبيعة، وهو ما دفعني إلى أن أكتب كتابي مُضَمّناً ما التقطته عدستي، وما جادت به مصادر البحث المختلفة"، ولعمري فإن المؤلف محقٌ فيما ذهب إليه، ومعذورٌ إن تولّع في حبّ فاتنة كالوسطى، فمن ذا الذي لا يعشقها من أول نظرة فما بالكم بمن عاش بها بضعة سنوات من عمره!

يضمّ الكتاب الذي يعدّ الثالث في سلسلة إصدارات المؤلف بعد كتابيّ (العزوة في فنجا)، و(روعة الأمكنة) بين دفّتيه أحد عشر فصلاً ، توزّعت على 240 صفحة من الحجم الكبير تناول الأول جواهر الوسطى الأربعة هيما ومحوت والدقم والجازر، وسلّط الثاني الضوء على الطبيعة الجيولوجية للمحافظة ومكامن أسرارها عبر الزمان، بينما تحدّث الثالث الحقف وبدايات الإنسان القديم، وركّز الرابع على النباتات والأشجار التي تتميز بها المحافظة وقصّة تكوين الطبيعة، بينما أخذنا الفصل الخامس في جولة بين أرجاء محميّة الكائنات الحيّة والفطريّة حيث يكون للطبيعة معنى، وغاص بنا السادس في أعماق البيئة البحريّة وأسرارها الدفينة، وعرض السابع والثامن لتراث وأصالة أبناء المحافظة من خلال أبرز المهن التقليديّة والصناعات الحرفيّة، والفنون العمانيّة المغنّاة، بينما نقلنا الفصل التاسع إلى المستقبل من خلال الحديث عن منطقة الدقم الاقتصادية ذلك الرافد الاقتصاديّ الواعد، وتناول العاشر كنوز الطبيعة في باطن أرض الوسطى من خلال الحديث عن الذهب الأسود، ومفجّر التنمية في السلطنة والخليج بشكل عام، وعاد بنا الفصل الحادي عشر والأخير إلى الماضي من خلال تجوالنا مع الرحّالة الذين زاروا المحافظة وأرّخوا لها، ودوّنوا ملاحظاتهم المختلفة عنها أمثال برترام توماس، وويلفرد ثيسجر، وإدوارد هندرسون وغيرهم.

إنّ المتأمّل لهذا (السِّفر) سيدرك مدى الجهد الكبير الذي بذله الباحث في سبيل إعداده، وهو جهد مكمّل لجهود سابقة وحاليّة مازال الباحث يقوم بها في مجال التعريف بالمعالم العمانيّة المتنوّعة، جهد بدأ كحلم ثمّ تحوّل إلى واقع متاح، وذلك من خلال المعارض الشخصيّة والعامّة، والمطبوعات التوثيقيّة، والبرامج الإعلاميّة المرئيّة والمسموعة، والاشراف على عدّة صفحات فنيّة متخصّصة في مجال التصوير الفوتوغرافي بالصحف والمجلات المحلّية، إضافة إلى صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي التي يمكن أن نعدّها معارض مصغّرة لإبداعات هذا الفنّان الجميل.
كما أن مساحات الإبهار في هذا الكتاب واسعة، فهو لم يكتف بعرض الصور كما يفعل البعض، بل نقلنا في سياحة شاملة تعرفنا من خلالها على أبرز مكنونات الجمال في هذه المحافظة الواعدة، وطاف بنا في تجوال سهلٍ وممتنع بين محطّات جيولوجيّة وتاريخيّة وجغرافيّة وفلكلوريّة شاملة، ثم نقلنا بعدها في قطار المستقبل الواعد لنستشرف مستقبل المحافظة، فكأننا في بستان مليئ بالورود اليانعة، وكأننا فراشات نتقافز بين هذه الوردة وتلك، نشمّ عبيرها ونلثم شذاها. فهو كما وصفه الكاتب والصحفي والناشر محمد بن سيف الرحبي في قراءته للكتاب " يختار اللغة الأصعب حينما يتحدّث مع عدسته، فالصورة التي هي ابنة المدينة لا تشبه تلك الساكنة بين رمال الصحراء، خلال تلالها الغامضة، ويجازف بالوقت ترقّباً أن يراه في عينيْ مهاة يسكب في عينها قصيدته فتكون "عين المها" بين حافّة اللحظة ومهارة الاقتناص لصورة يضعها المصوّر في سيرته الذاتيّة.."

إن سيف الرواحي ليس مجرّد ناقل لصوره، بل هو بائعٌ شاطرٌ للجمال. أنا منحاز لهذا الفنّان وفخور به، وقد يكون مهمّاً لـه أن تحبّوا هذا الكتاب أو تعجبوا به ولكنّه أمر قد لا يهمّني كثيراً. الذي يهمّني أكثر هو أن.. تقتنوه!


الأحد، 12 مارس، 2017

في عيدها السادس..

ربّما لم تكن صدفة أن يتوافق موعد الإعلان عن فوز الهيئة العامّة لحماية المستهلك بجائزتين في مجال التطبيقات الذكيّة ضمن جوائز درع الحكومة الذكيّة التي تنظّمها أكاديميّة التميّز للمنطقة العربيّة خلال الاحتفال التي نظّمته الأكاديميّة في القاهرة تحت رعاية وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري بجمهوريّة مصر العربيّة يوم السابع والعشرين من فبراير، مع الإحتفال بمضيّ ستّة أعوام على إنشاء الهيئة تدفّقت خلالها إنجازات متوالية، وتحقّقت من خلالها أهداف متعدّدة.  

ما بين 28 فبراير 2011 تاريخ صدور المرسوم السلطانيّ السامي بإنشاء الهيئة، و27 فبراير 2017 تاريخ فوز الهيئة بجوائزها رقم 15 و16 على التوالي مسيرة قصيرة زمنيّاً، طويلة عمليّاً استطاعت الهيئة خلالها تحقيق تقدم نوعي وملموس على مختلف الاصعدة التشريعيّة والتنظيمية والميدانية من خلال رؤية صادقة، واستراتيجيّة طموحة تتوافق مع الاستراتيجية الوطنية للبلاد، تجلّى ذلك في أن تصبح خارطة طريق يشار لها بالبنان في كافة المحافل الدولية، ويطرق بابها العديد من المؤسّسات الإقليميّة والدوليّة للإستفادة من تجربتها الصادقة، ولسان حالهم يقول: كيف استطعتم إنجاز كل هذا خلال تلك الفترة الوجيزة!

كان الوطن هو الهاجس الأول لدى منتسبي الهيئة موظفين وقيادات منذ اليوم الأول لإنشائها، وكان توفير الحماية اللازمة للمستهلك وكفالة حصوله على أفضل الخدمات هو التحدّي الذي أصرّوا على كسبه، فكان الحرص على وضع وتطبيق السياسات والآليات التي تهدف إلى توفير بيئة استهلاكيّة سليمة وآمنة، من خلال سنّ التشريعات التي تحفظ حقوقه، وأعمال الرقابة على الأنشطة التجاريّة للحدّ من الممارسات السلبيّة التي يمكن أن تضرّ بصحّته وسلامته، وتنفيذ البرامج والأنشطة التوعوية التي تسلّط الضوء على حقوقه وواجباته، وتسعى لغرس ثقافة استهلاك سليمة.
وخلال مسيرتها الزمنيّة القصيرة والحافلة سعت الهيئة لخلق بيئة عمل اجتماعيّة مناسبة من حيث الاهتمام بتوفير المرافق التي قد تعين الموظّف على أداء مهمّته الوظيفيّة، والتقليل من مظاهر البيروقراطيّة التي هي سمة العديد من المؤسسات في الوطن العربي، كما حرصت على الاستفادة من التجارب الخارجيّة لدول وأجهزة ومنظّمات كان لها السبق في مجال حماية المستهلك، وأدركت أهميّة الشراكات المجتمعيّة مع مؤسّسات علميّة رائدة في مجال الدراسات والبحوث، وأدركت كذلك أهمّيّة المسئولية المجتمعية، والإيمان بالرسالة المنوطة التي تسبق الأداء الوظيفي، وأيقنت أن أهدافها لا تقتصر على الأهداف النمطيّة المتمثّلة في مجرّد الرقابة والتشريع وفرض المخالفات فقط، بل تتعدّاها إلى المسئوليّة والشراكة المجتمعيّة، والاهتمام بمنظومة القيم، فاتجهت إلى المجتمع منذ أوّل يوم لنشأتها، وسعت لدعم المبادرات المجتمعيّة ، وما حملة (خير الناس أنفعهم للناس)، أو مقترح (غذّ نفسك)، سوى أنموذج بسيط لذلك.

وخلال مسيرتها كذلك أدركت الهيئة أهميّة الإعلام كعامل رئيس ومهم في اختصار تحقيق الأهداف المنوطة، فكانت المطبوعات والكتيّبات التوعوية، وصفحة (المستهلك) الأسبوعية، ومجلة (المستهلك) الدوريّة، وصفحات الهيئة في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، ونافذتها في موقع (سبلة عمان)، والمحاضرات التي تستهدف شرائح مجتمعيّة متنوّعة ابتداء برياض الأطفال وانتهاء بالمجالس العامّة، والتقارير الإخباريّة المصوّرة والمسموعة، والفقرات التلفزيونيّة والاذاعيّة المباشرة، بالإضافة إلى معرض السلع المقلدة ، والمعرض المتنقّل، وإعلانات الطرق والأماكن العامّة، تمكنت الهيئة بفضلها من تنفيذ قائمة طويلة من المواد والبرامج التوعويّة التي أثّرت ايجاباً في نسب إحصائياتها وبياناتها ومؤشراتها السنويّة.

قد لا تمتلك الهيئة العديد من الإمكانات المادّيّة التي تعينها على تحقيق كافّة أهدافها، فلا يزال هناك نقص في أعداد الكوادر الفنيّة المؤهّلة، ولا تزال المختبرات المتخصّصة غائبة عن خارطة مبنى الهيئة، وما زالت التشريعات المعينة على تطبيق العقوبات غير مكتملة، وقد لا تكفي الاعتمادات الماليّة المخصّصة لتنفيذ البرامج التدريبيّة والتوعويّة المختلفة، لكنّها سعت لتعويض كل ذلك بالروح المتوقّدة، والإرادة الصادقة، وبالتفكير خارج الصندوق، وهي الخلطة السرّيّة لما تحقّق من نجاح، فلم تقف عاجزة أمام كلّ تلك المصاعب والتحدّيات، بل مضت قدماً في تحسين وتطوير أعمالها وأهدافها من خلال مواكبة التطورات الحديثة في مجال التكنولوجيا، والاستفادة من أحدث ما تم التوصل إليه في هذا المجال في كافّة المجالات التي تخدم عملها، وتشجيع روح الابتكار والإبداع والتطوير اللامحدود، فتم توفير قنوات للتواصل مع الهيئة وتقديم البلاغات والشكاوى كمركز الاتصالات، وقاعات الشكاوى، والبوّابة الإلكترونيّة، وصفحات التواصل الاجتماعي، والبريد الالكتروني، وتم استخدام العديد من الأجهزة والتطبيقات والبرامج كتطبيق المستهلك الذكي، والجهاز الكفّي (ميدان)، ومرصد أسعار السلع، والموقع الالكترونيّ للاستدعاءات والتحذيرات، وغيرها من البرامج التي استطاعت اختصار الكثير من الجهد والمال.

عندما تفوز الهيئة العامة لحماية المستهلك بستّة عشر جائزة خلال مسيرتها الزمنيّة القصيرة، وعندما تضبط أكثر من خمسة ملايين سلعة مخالفة ما بين المقلّدة، والمزوّرة، والمغشوشة، والمخالفة للمقاييس وعندما تحلّ أكثر من ثمانين ألف شكوى وبلاغ، وعندما ينخفض عدد الشكاوى والبلاغات من 37408 في عام 2013 إلى 22091 في عام 2016، وعندما يبلغ رضا المستهلك أكثر من 80%بحسب آخر دراسة أعدّتها دائرة البحوث والدراسات في الهيئة حول مدى رضا المستهلك عن الخدمات التي تقدمها الهيئة، وعندما يتجاوز عدد المتابعين لصفحات الهيئة على مواقع التواصل الاجتماعي ما مجموعه أكثر من نصف مليون متابع متوزعين على حسابات وصفحات الهيئة المختلفة، قياساً بعدد السكّان، ونسبة متابعي الإعلام البديل في السلطنة، فإن كل هذا يعدّ دليلاً على مدى الثقة والعلاقة الوطيدة بين الهيئة والمستهلك، بعد أن راهنت عليه كخط دفاع أوّل، وكشريك لها في أداء عملها المجتمعيّ، ووجّهت له العديد من برامجها الإعلاميّة المختلفة، فأصبح كثير من المستهلكين أكثر حرصاً على حقوقهم المختلفة، وأشدّ رغبة في التعاون والمشاركة في تحقيق أهداف الهيئة بشكل مباشر أو غير مباشر .

تحيّة للهيئة العامة لحماية المستهلك في عيدها السادس، ومزيد من العطاء في قادم الأيام.



(في رحاب العارف بالله)

أصل أخيراً إلى شارع محمود علي البنّا وهو شارع خلفيّ مطلّ على المسجد الأحمديّ، أو على وجه الدّقّة يقع إلى اليمين من بوّابة المسجد الرئيسة. والبنّا هو أحد مشاهير القرّاء في مصر، المنوفيّ الأصل الذي ارتبط بطنطا وبجامعها الأحمديّ طالباً في مقتبل عمره، ثم قارئاً لأكثر من عشرين عاماً، وهو الذي استقبلته المدينة في احتفال رسميّ مهيب حضره الآلاف من محبّيه ومريديه و(سمّيعته)، وهو الذي كانت الشوارع المحيطة بالجامع تفيض بالسائرين عليها أيّام الجُمَع للحصول على موطئ قدم كي لا تفوتهم تجلّيات شيخهم وهو يصدح بآيات الله في صوتٍ ملائكيّ رخيم، لذا لم يكن غريباً تسمية الشارع باسمه، وشوارع أخرى بأسماء قرّاء كبار آخرين اعترافاً بفضلهم، وإشادة بعطائهم، كيف لا وهي المحطّة التي طاف عليها رموز وقامات من أمثال الشيخ الشعراوي، ومحمد أبو زهرة، وعبد الفتاح الشعشاعي، والشيخ مصطفي إسماعيل، ومحمود البنّا، ومحمود خليل الحصري، وغيرهم.

حاملاً زادي الفكريّ من صحفٍ مختلفة التوجّهات كنت قد ابتعتها من رصيف محطّة مصر، أتجوّل في الشارع الذي يغصّ بروّاده وهم خليط من مترددين على المؤسسات الحكوميّة القريبة، ومريدين قادمين طلباً لنفحات شيخ العرب، وباعة حلويّات وملابس جائلين، وسكّان قاطنين في الحارات التي يتفرّع منها الشارع كحارة قيصريّة الجزّار، فهذا سوق الفاكهة بنداء باعته المميّز، وهذه محلات عدلي، وشهد، والفلاح تعرض منتجاتها من حمّصيه، وسمسميه، وفوليّه، وملبن، وبسبوسه، وكنافة، وغيرها من الحلويّات التي اشتهرت بها عروس الدلتا، وتلك مقاهي تناثرت كراسيها الخشبيّة على الرصيف بانتظار زبائن لا ينقطعون.

ها أنا أقف الآن أمام بوّابة المسجد الأحمدي أكبر وأشهر مساجد مصر بعد الأزهر والحسين، المسجد الذي كانت بدايته كزاوية صغيرة بجوار قبر العارف بالله أحمد البدوي، الفاسي أصلاً ومولداً، الحسيني نسباً، السطوحيّ لقباً، الذي لبّى النداء بالهجرة إلى مصر، ما لبثت أن تحوّلت تلك الزاوية إلى مؤسّسة دينيّة وتعليميّة جامعة لها سبعة أبواب. المَعْلَم الذي تبارى مماليك، وأمراء، وخديويّات، وسلاطين، وملوك، ورؤساء مصر في عمارته وتجديده والاعتناء به طلباً للبركة، ورغبة في نيل الثواب حتى عُدّ تحفة معماريّة رائعة، وقبلة لشيوخ العلم وطلبتهم ومريديهم، ومكاناً لإقامة الموالد الكبيرة التي يحضرها القاصي والداني من صعيد مصر الجوّاني حتى ساحل دمياط، ومن أحراش السودان حتّى سهول فاس وتطوان.

أدخل الجامع مخترقاً باحته الخارجيّة حيث العشرات قد تجمّعوا، فهذا مجذوب يلبس أسمالاً وكأنّه عائد من أحد العصور القديمة يهذي بأبيات شعر غير مفهومة، وذاك متسوّل يمسك بمبخرة وهو يدعو عباد الله أن يعينوا المحتاج في صوت جهوريّ رخيم يدلّ على أن صاحبه قد أصابته نفحات المكان، أو أنه كان تلميذاً لدى أحد القرّاء قبل أن يتركه لسبب ما، وتلك امرأة تحتضن طفلة يبدو من هيئتها أنها أصيبت بمسّ وأتت تبحث لدى سيّدها العارف بالله عمّا يزيله، وذاك رابع يعرض بضاعة تناثرت من شوال أزرق مهترئ، وخامس على ما يبدو أنه صبيّ يعمل في القهوة المجاورة يدور بأكواب العنّاب والكركديه على الزائرين والمقيمين،  لأجد نفسي أمام صحن واسع تحيط به الأروقة، وتغطّيه قبّة مرتفعة، ويبدو أثر العمارة الإسلامية جليّاً من خلال الزخارف، والزجاج الملوّن، والأعمدة العالية، والنجف النحاسيّ في إشارة واضحة إلى مدى الجهد المبذول، والتنافس الكبير على عمارة المسجد والاهتمام به.

في إحدى زوايا المسجد ألمح زحاماً شديداً، وبشراً يحمل بعضهم طفله، وآخر حذاءه وهم خارجون من غرفة يشع منها لوناً أخضر، ورائحة بخور مميّزة. يدفعني فضولي لاستكشاف المكان فأجد نفسي في حضرة مقام شيخ العرب وسط العشرات الذين تزاحموا طلباً لحاجات كثيرة ليس أقلّها طلب الشفاء من مرض عضال، أو الرغبة في تزويج البنت البكر، أو برّاً بنذر كانوا قد نذروه يوماً ما، اعتقدوا أن وقوفهم على ضريح (سيّدهم)، وتمسّكهم بأستار قبره، وبكاؤهم في حضرته قد يحقّقها، وتبدو في المنتصف لوحة كبيرة تؤرّخ لسيرته، بينما يعلو المكان لوحة أخرى نقش عليها بخط عربيّ جميل الآية القرآنيّة "وكان فضل الله عليك عظيما".

بعد ركعتين أديتهما في صحن المسجد تحية له أعود الخطى مرّة أخرى إلى باحته الخارجيّة طلباً لبعض الراحة، لأجد نفسي مرّة أخرى في شارع محمود البنّا، وبالتحديد على كرسيّ خشبيّ قديم داخل مقهى تاريخيّ تجاوز عمره العشرين بعد المائة من السنوات منذ أن أسّسه صاحبه علي بخيت في منتصف العقد الثامن من القرن التاسع عشر مقتبساً من الجامع الأحمديّ المجاور بعضاً من ملامحه وفنّه وكأنّه يغري زوّار المكان وطالبي قضاء الحاجات بالتردّد عليه، والمكوث فيه.

ولأن الوقت لا يزال مبّكراً حيث لم ينتصف النّهار بعد، ولأننا في منتصف الربيع حيث الجوّ لا يزال بديعاً، وأصوات نداء الباعة المختلط بأصوات المجاذيب والمتسوّلين والنساء والأطفال تشكّل سيمفونيّة جميلة محبّبة إلى النفس سمعتها مراراً أثناء تجوالي في أماكن عدّة مشابهة كالحرم الحسيني، وساحة أبو العبّاس المرسي، أختار مكاني في الجزء الخارجيّ من المقهى حيث يمكنني مراقبة المكان، ورصد حركة البشر، وهي العادة التي أمارسها في كلّ مقهى أجلس عليه، بجواري دكّة خشبيّة صغيرة، وطاولة قديمة فرش عليها ملاءة زرقاء أضع عليها زادي من الصحف، وبالقرب منّي طاولة يجلس عليها رجل يرتدي جلباباً صعيديّاً أزرق اللون منسجماً مع لون فراش الطاولة التي يضع رأسه عليها، وقد أغلق جفنيه غارقاً في نومٍ عميق ربما كان سببه إرهاقاً حل به بعد أن قطع رحلة طويلة من قريته النائيّة الغائصة في أعماق الريف أو الصعيد كحال الكثيرين من بني جلدته!

أتأمل المقهى الواسع والمزدحمة كراسيه العتيقة بالبشر عن آخره مع أننا ما زلنا في بدايات الصباح، فرحلتي المبكّرة من القاهرة إلى طنطا لم تستغرق أكثر من ساعة ونصف، ولكن يبدو أن زيارة السيّد لا تعرف مواعيداً محدّدة، ولا تلتزم بأعدادٍ معيّنة، فالمقام مفتوح، والخلوة حاضرة. تشدّني الأبواب الكبيرة المفتوحة التي تشكّل بهواً يربط الجزء الداخلي من المقهى مع جزئه الخارجيّ، وثمّة لوحات متناثرة على جدران المقهى كتبت عليها عبارات وحكم وآيات قرآنيّة، وأخرى عليها صوراً للحرم الأحمديّ، وآيات قرآنيّة منقوشة على زجاج النوافذ العليا، وعمال وصبيان يتنقّلون في حركة دائبة تلبية لطلبات الزبائن المتعدّدة، وعدداً من الباعة الجائلين الذين يعرضون لبضاعة متنوعة ابتداء بالساعات الرديئة والفلايات والأمشاط، وانتهاء بالسميط والحمّصيّة والفوليّة، وبعض ماسحي الأحذية الذين ينتهزون فرصة دخول زبون جديد من غير أصحاب الجلابيّات كي يعرضوا عليه مسح حذاءه وتلميعه.  

أما ما حدث معي منذ لحظة طلبي لكوب السحلب بالمكسّرات، وحتى تركي للمقهى باتجاه ميدان المحطة فتلك حكاية مؤجّلة.    


الاثنين، 20 فبراير، 2017

مدد يا سيدي البدوي

إبريل 2008.. كنت قد انتقلت للإقامة في شقّة تقع في شارع جسر السويس، قريبة من شقّتي السابقة المطّلة على حديقة الميرلاند بشارع نهرو المجاور، وإن كان الأخير محسوباً على مصر الجديدة! وما أدراك ما مصر الجديدة! وآه من مصر الجديدة! في مصر يمكن أن يفصل شارعٌ واحد بين حيّين متجاورين لكن كلّ منهما يعبّر عن مستوى اجتماعيّ واقتصاديّ وفكريّ مختلف تماماً! وعادي أن تجد كليو (البرتقان) بجنيهين على هذا الرصيف وبخمسة على الرصيف المجاور مع أنّه نفس البرتقال!

 ما جعلني أصرّ على الانتقال للشقّة الجديدة برغم ثقل دمّ وكيلها وتردّده شبه اليومي عليها بسبب أو بدونه وكأنّه قد غرس مسماراً بها هو موقعها الوسيط بين أماكن أحبّها فهي تتوسّط المسافة بين ميدان روكسي من جهة حيث تسكّعي كلّ مساء، وبين ميدان النعام، وشارع سليم الأول، وقصر الطاهرة، ومحطة مترو سرايا القبّة حيث الهرب من (تناحة) أصحاب التكاسي في مشواري الأزليّ إلى وسط البلد، ومقاهي وسط البلد، وسينمات وسط البلد، وفاترينات وسط البلد، وكلّ شيء جميل في وسط البلد! كما أنّها على مسافة (فركة كعب) من بوّابة كلّيّتي من ناحية جسر السويس، إضافة إلى توافر أشياء مهمّة أحرص عليها في كل مرة أقرّر السكنى فيها، من أوّل مقهى البنّ البرازيلي حيث ألذّ عصير موز يمكن أن تشربه، إلى محل أولاد رجب وذكريات الفراخ بانيه رفيقة العشاء المنزلي حيث أولى خطواتي في عالم الطبخ، إلى المخبز الصغير أسفل البناية حيث العيش الفينو السّاخن، ومعمول عجوة التمر الشهيّ الذي لا يحلو لي شراؤه سوى بعد الواحدة ليلاً حيث يكون قد خرج من فرنه واستوى، إلى حاتي (الحرّيف) وروائح مشاويه الشهيّة التي تدغدغ خياشيمي مع كل رحلة ذهاب وإيّاب من وإلى الشقّة!

كنّا في إبريل حيث الدنيا ربيع والجو بديع على رأي المرحومة سعاد حسني، وأنا عاشق لإبريل مصر كما أعشق خريف اسطنبول، وشتاء مسقط، وصيف بونشاك. كان الليل قد تجاوز منتصفه، وما أحلى ليالي الربيع على البلكونة وأنيسة سهري تبوحني جديدها وقديمها كعادتها كلّ أمسية بعد أن تفرّق الأحباب ومضى كلّ في طريق! كنت أتنقّل مع مؤشّرها كتنقّل تلميذ مجتهد مع أسئلة اختبار نهائيّ حاسم، فمرّة مع إذاعة الأغاني من القاهرة وشعارها الأزليّ "قليل من الكلام.. كثير من الطرب"، وتارة مع إذاعة القرآن الكريم وصوت ملائكيّ ينبعث من حناجر نادرة ذهبت بذهاب أصحابها، وثالثة مع حكاوي ألف ليلة وليلة للرائع طاهر أبو فاشا، وبقيّة الوقت أقضيه مع تمثيليّات وبرامج تعود إلى زمن الفنّ الجميل قبل أن يتلوّث بفضلات العولمة، وقبل أن يختلط الحابل بالنّابل، وتطفو على السطح كائنات طفيليّة علاقتها بالإبداع كعلاقتي بنظريّة الصاروخ!   

من إذاعة الشرق الأوسط يأتي صوته من بعيد، عذباً فخيماً يتسلّل إلى القلوب كابتسامة طفلة، يدغدغ المشاعر كريحِ صباً هبّت فجأة وسط أتون صيف العامرات، يلامس الوجدان كنصيحة أمٍ اختصرت العالم كلّه في ابنها:
مولاي إنّي ببابك قَد بَسطتُ يَدي.. مَن لي ألوذ به إلاك يا سَندي؟
أقُوم بالليّل والأسّحار سَاجيةٌ.. أدعُو وهمسُ دعائي.. بالدموع نَدي
بنُور وجهك إني عائذ وجل.. ومن يعُذ بك لَن يَشقى إلى الأبدِ

أيّ صوت ملائكيّ هذا الذي يرفرف! وأيّ حنجرة ذهبيّة تلك التي تخرج كل هذه الطاقة من النور! إنّه (سيّد النقشبنديّ) أستاذ المدّاحين وكبيرهم، أذربيجانيّ الأصل، مصريّ الطينة والنشأة والتشكيل، صاحب الثماني طبقات، ابن الدقهليّة الذي استهواه مقام السيّد البدوي فعاش بقيّة حياته قريباً منه، ولا عجب فمثله لا يمكن أن يجد مكاناً للعيش أفضل من طنطا حيث روحانيّات العارف بالله أحمد البدوي، أو (شيخ العرب) كما يطلق عليه تهفهف على المكان!

 لم أشعر إلا وأشعّة الصباح تخترق نافذة غرفتي، وما دام الصباح قد حلّ فلا نوم، وغداً الخميس حيث لا يوجد التزام دراسيّ لديّ. ما الحلّ إذاً؟! وماذا أفعل ببقايا شجو النقشبنديّ التي طبقت على روحي بحيث لا تكاد تفارقها! لا حل سواه، مادامت روح النقشبنديّ قد نادتني فلأذهب إليها. إلى طنطا، وبالتحديد إلى جامعها الأحمديّ، قبلة الزوّار والمريدين، ومهوى كثير من النفوس الحائرة.
إلى محطّة مصر برمسيس حالياً و(باب الحديد) سابقاً أوجّه رحالي، حيث آلاف البشر يغدون ويروحون، وحيث تبدأ رحلة وتنتهي أخرى، وحيث العابرون والتائهون والغرباء، وحيث الوجوه التي تراها لمرّة واحدة فقط وتنساها بعد ذلك وكأنّها تذكرة سينما تنتهي صلاحيتها بانتهاء عرض الفيلم!

أستقلُّ مقعداً في الدرجة الثانية بالقطار الإسباني كعادتي في كلّ رحلة، وكنت كعادتي كذلك قد تزوّدت بمجموعة من الصحف تكفي لتوزيعها على سكّان دولة كالصّين، وكعادتي أيضاً كما في كلّ مرة طلبت كوباً من الشاي الأخضر الذي لن تشرب مثله في مكان آخر، ورغيفاً من عيش الفينو المحشوّ بالجبنة الرومي، معتمداً في قضاء الوقت المتبقّي على الوصول في الاستمتاع بمنظر الريف الأخضر المحيط تارة، ومطالعة عناوين الصحف تارة أخرى مؤجّلاً قراءة معظمها لجولة أخرى تنتظرني في أحد مقاهي طنطا التي استقبلتني بعد حوالي ساعة وربع بروحانيّة وعبق بخور مساجدها، ونفحات أولياءها الصالحين وما أكثرهم! ليست المرّة الأولى التي أزور فيها طنطا واسطة عقد الدلتا وعاصمتها وملتقى طرقها، ومدينة (البدوى) كما يطلق عليها، فكثيراً ما توقّفت بها لشراء شيء من (حلاوة المولد) التي تشتهر بها وبالأخص محلات البشبيشي، أو لأتذوّق بعضاً من الحمّص والمشبّك والهريسة والسمسميّة وأنا في طريقي إلى الإسكندريّة، كما زرتها مرّة لغرض علميّ في جامعتها، وأخرى وأنا متّجه إلى المنصورة لزيارة كوكب الشرق في مقهاها الذي يقع بالقرب من المحطّة القديمة، وشرب الشاي عصراً في جزيرة الورد، وكثيراً ما تجوّلت في شوارعها الرئيسة كالبحر، والجلاء، والنحّاس، وسعيد وشارع المديرية، وجلست مرّة أحتسي (العنّاب) في مقهاها النوبيّ، ورابعة لزيارة أسرة أحد معارفي في (بسيون) القريبة منها، يومها اشتريت عسلاً كأنّه الشّهد المصفّى! كان عسل برسيمٍ ابتعته من أحد الفلاحين في كفرٍ صغيرٍ يتبع بسيون لم أجد للذّته شبيهاً، عسلٌ تبكي من فرط لذّته قبل أن تذوقه، وتبكي مرّة أخرى بعدها خوفاً من نفاده!

أخرج من محطّة طنطا متأملاً الميدان المحيط، ثم أستفتح يومي بطبق هريسة من محلّ (أولاد رزق) القريب، لأستدير في طريقي إلى شارع السكّة الحديد الذي أواصل السير فيه متأملاً حركة الجماد والبشر وهي العادة التي أمارسها مليون مرّة كل يوم كسجين أشغال شاقّة حكم عليه بتكسير حجارة جبل صلد، قبل أن أنتقل إلى محطّتي الأخيرة في شارع محمود علي البنّا أحد الشوارع المحيطة بالمسجد الأحمدى.. أمّا ما حدث بعد ذلك فتلك حكاية أخرى!