الاثنين، 20 مارس، 2017

(نفحاتك يا نقشبندي)

كنت قد اتّخذتُ مكاني على ناصية البهو الخارجي للقهوة الأحمديّة التي سميت بذلك تيمّناً بالمسجد الأحمدي والتي استمدت من جواره شهرتها وعراقتها وصيتها. يأتيني أحد (صبيان)المقهى كي يرى ماذا يشرب (الباشا)، وهي الكلمة التي تلاحقني في كل مقهى أدخله، فأطلب سحلباً بالمكسّرات وكأس ماء مثلّج، لأتفرّغ لمتابعة تأمّلاتي لمن حولي ومطالعة الصحف التي شدّتني عناوين بعضها. كان العنوان الرئيس لأغلب (المانشتات) الصحفيّة وقتها هو اضراب 6 ابريل الذي حدث قبل بضعة أيّام والذي كانت قد دعت إليه فئة من المدوّنين الشباب سيكون لهم شأن في الحياة السياسيّة المصرية، وذلك تضامناً مع إضراب دعا إليه عمّال شركة المحلّة للغزل والنسيج إحدى قلاع الصناعة المصرية المتبقيّة، واعتراضاً على الغلاء والفساد، والذي تحوّل فيما بعد إلى إضراب عام وشابته أحداث شغب كبيرة. وسيتحوّل هذا التاريخ من مجرّد رقم إلى اسم لحركة سياسيّة سيبرز دورها بشكل كبير خلال فترة ما قبل أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير وما بعدها، وستنقسم فيما بعد إلى جبهتين كعادة أصيلة ارتبطت بالأحزاب والحركات والجمعيّات السياسيّة المصريّة! وسيتحوّل بعض رموزها من أبطال إلى خونة، ومن ضيوف دائمين في كل برامج (التوك شو) إلى نزلاء سجون بحسب الهوى والمزاج السياسي القائم! الطريف أن شعار الإضراب الذي تبنّته الحركة وقتها حمل عنوان أغنية شهيرة للرائعة نهاد حدّاد أو فيروز كما يعرفها سكان كوكب الأرض والكواكب المجاورة، وكان الشعار "خليك بالبيت"! والغريب أن بعض حركات وأحزاب المعارضة حاولت تنظيم إضراب يوم الرابع من مايو من نفس العام وهو اليوم الذي يصادف عيد ميلاد الرئيس مبارك، ولكنه فشل. هكذا هي الشخصية المصريّة، تفعل كل شيء بمزاجها لا بمزاج الآخرين، وفي الوقت الذي تحب وتشاء لا كما يحب الآخرين!

أقلّب الصحف بادئاً بالصفحة الأخيرة كعادتي عند قراءتها. أطالع في (اليوم السابع) تصريحاً للسيد صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى يقول فيه إن الأحداث التي شهدتها مدينة المحلة الكبرى جاءت تحريضاً منظماً ومخططاً من جانب فئة غير واعية وغير مسئولة وفاقدة للحس الوطني! في خبر آخر أبو العز الحريرى نائب رئيس حزب التجمع السابق يدين موقف قيادة الحزب من الإضراب. خبر ثالث في (الشروق) يتحدث عن مقاطعة جماعة الإخوان لانتخابات المحلّيّات بعد أن سمح لها بالتنافس على 20 مقعد فقط من بين 52000!

وسط زخم السياسة أطالع أخباراً طريفة مثل (الناس في إضراب أم "هربانة" من التراب؟!) وذلك تعليقاً على العاصفة الرمليّة التي ضربت العاصمة يوم الدعوة للإضراب. و(جزارو الحمير يعتدون على الصحفيين)! يذكرني الخبر الأخير بحكايات بيع لحوم الحمير وترويجها كلحوم مفرومة في المطاعم، التي انتشرت في تلك الفترة والتي امتنعت بعدها نهائياً عن شراء اللحم أيّاً كان مصدره كما امتنعت قبلها مجبراً عن شراء (الفراخ) بعد ظهور انفلونزا الخنازير!

أترك الصحف جانباً كي أعطيها لاحقاً إلى أحد العاملين بالمحل كما أفعل في كل المقاهي لأبدأ الجزء الثاني من السهرة وهو ممارسة التأمل الذي يقطعه صوت يأتي من الداخل متسللاً كما يتسلّل الحبّ إلى قلب مراهقة خجول. صوت لا يمكن وصفه أو تصنيفه أو تحليل طبقاته وسلالمه، إنه صوت (أسمهان) يلعلع: فرّق ما بينّا ليه الزمان.. ده العمر كلّه بعدك هوان. ما الذي أتى بأسمهان هنا! كنت أعتقد أن (السماع) في هذه القهوة مقتصر على التواشيح والأذكار والقراءات بحكم الجيرة والجوّ المحيط فما الذي أتى بالطرب هنا. نسيت أننا في مصر، حيث لا يمكن للمقهى أن يكون بلدياً شعبياً صميماً دون تكايا خشبيّة، ونصبة، ومعلّم بشنبٍ ولغد، وحجر معسّل، وعشرة بلدي، وروحٌ جميلة، وطرب أصيل! 

تعيدني أسمهان إلى الأيام الخوالي، حيث كنت (خُلْوٌ مِنَ الْهَمِّ إلا هَمَّ خَافِقَةً.. بَيْنَ الْجَوَانِحِ أَعْنِيهَا وَتَعْنِينِي) على رأي شيخنا الجواهريّ العظيم. إلى ذكريات السنة الأولى لي في الجامعة، ومغامرات الفتى الأسمر النحيل مع روايات إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، والتي تبعها بالقطع اقتناء أغاني حليم ونجاة وفايزة، وأحلام اليقظة التي لم تكن تختلف قصصها عمّا ورد في تلك الروايات. كانت هذه الأغنية ضمن مجموعة أول وآخر (كاسيت) أشتريه لأسمهان في حياتي قبل أن تنتشر أغانيها وأغاني غيرها على مواقع النت كانتشار الوباء في قرية أفريقيّة، وكان يحوي كذلك أغنية تفيض من الشجن كما يفيض سد وادي ضيقه بماءه بعد كل منخفض. كان اسم الأغنية "ليت للبرّاق عيناً"، وكانت أسمهان تؤديها بطريقة تجعلك ترى ليلى العفيفة وهي متكوّمة في سرداب قلعة فارسيّة مكبّلة بالسلاسل والقيود، ووهج حرارة الصحراء يلفحك بينما ابن عمّها البرّاق هائماً على فرسه يبحث عن أثر يدلّه على مكانها. ذكرتني كذلك بحواراتي اليوميّة وقتها مع (سالم) قرب مطعم الوحدة السكنيّة أو ونحن خارجون من قاعة التلفاز وأسئلته الدائمة لي: ترى من الأفضل أم كلثوم أم أسمهان؟ وماذا لو لم تمت أسمهان في وقت مبكر من عمرها؟ سالم تمّان المعشني الفيلسوف الذي خلط بين بوّابتي كلية الهندسة والآداب فدخل الأولى اعتقاداً أنها الثانية! الشاب الذي كان يتعامل مع قواعد النحو وإعراب الأبيات والجمل كما يتعامل ميسّي عند انفراده بحارس نيبال. والذي كان يتحدث في علوم الفلسفة والمنطق والتاريخ كما يتحدّث عبد الوهّاب المسيري عن الصهيونيّة. والذي كان يفهم في خبايا الطرب العربيّ الأصيل كما يفهم عاملٌ ياباني ماهر في أسرار صناعة الأدوات الكهربائيّة. ترى أين ألقت بك رياح الحياة يا سالم!

أصحو من ذكرياتي على صوت شاب أسمرٍ نحيف يقف بجواري حاملاً على رأسه جبلاً من الخبز يكاد يصل السقف يرجوني أن أشتري (العيش) الذي يحمله كي يفرّقه على (الغلابة) الذين يفترشون صحن الجامع. أعرف هذا النوع من النصب والتحايل واكتويت بناره مراراً في الحرم الحسيني والسيدة زينب. هو في الغالب سيقتسم النقود مع آخرين يمارسون ذات العمل، وسيأخذ الخبز لشخص آخر يعتقد أنّه يمكن استغفاله باسم الغلابة. الكل يتاجر باسم الغلابة، والكل يكسب عدا الغلابة!!

أطالع ساعتي لأكتشف أنها تقترب من الحادية عشر حيث موعد القطار الذي يعود بي إلى قاهرة المعزّ. أغادر المقهى باتجاه ميدان المحطّة بينما نفحات سلطان التواشيح وملكها المتوّج سيّد النقشبندي تهبّ على روحي قادمة من مكانٍ ما قريب:
تَحلو مرارة عيشٍ في رضاكَ ومَا.. أطيق سخطاً على عيشٍ من الرغدِ
أدعوكَ يَا ربّ فاغفر زلَّتي كَرماً.. واجعَل شَفيعَ دُعائي حُسنَ مُعْتَقدي
وانّظُرْ لحالي في خَوفٍ وفي طَمعٍ.. هَل يَرحمُ العَبد بَعْدَ الله من أحدٍ؟



الاثنين، 13 مارس، 2017

بائع الجمال

قبل خمسة أعوام من الآن، وعند انتقالي إلى المؤسسة التي أعمل بها حالياً كان من ضمن ما شدّني من بين أشياء كثيرة جذبتني بها وأعطتني تصوراً مبدئياً عن أيام جميلة قادمة تنتظرني بها، وجود لوحات معلّقة على جدران وممرّات المؤسّسة ومكاتبها وزواياها المختلفة. لوحات كانت تحمل صوراً وعبارات تبعث التفاؤل، وتغذّي الأمل في الأرواح، ويعرّف عديدٌ منها بملامح عمانيّة تاريخيّة واجتماعيّة وسياحيّة مختلفة. الأمر الآخر الذي أثار انتباهي هو أن عدداً من هذه اللوحات كانت تحمل اسم شخص يدعى سيف بن ناصر الرواحي!

 بعدها بفترة عرضت عليّ إحدى طالباتي بالكليّة التي أقوم بالتدريس المسائي فيها كتاباً بعنوان "العزوة في فنجا" كي يكون مشروعاً لبحثها الفصليّ، ومرّة أخرى يتردد اسم سيف الرواحي حيث كان هو مؤلّف الكتاب! وبدأ العقل الباطن في محاولات التذكّر والربط والتخيّل، وطرح السؤال الذي سيستمر لفترة قادمة بعدها: من هو سيف بن ناصر الرواحي؟!

 تشاء إرادة الله بعدها أن ترحمني من تساؤلي ذاك بعد أن انتقل هذا (السّيف) إلى نفس المؤسسة كزميل عمل، لذا بدأت محاولاتي السريعة في التعرّف عليه عن قرب، وأدركت منذ الوهلة الأولى أنني أعرف هذا الشخص منذ سنوات عديدة على الرغم من أنها المرة الأولى التي يقع بصري عليه، ذلك أن ابتسامته التي لا تكاد تفارق محيّاه، وروحه المرحة، وضحكته المميّزة وكأنها سيمفونيّة عاشرة نسي بيتهوفن توثيقها كانت جواز مرورٍ سريعٍ إلى قلوب المحيطين به، واكتشفت بعدها بفترة أن هذا (الانسان) يكاد يرتبط بعلاقات صداقة مع كل سكّان الأرض فلا تكاد سيرته تأتي في أي محفل إلا وأجد الجميع يعرفه، ولا أكاد كذلك أسأله عن أيّ إنسيّ او (جنّي) إلا ويفاجئني بمعرفته به! أي قلبٍ هذا الذي يحتوي العالم بأسره بين أوردته! 

  وخلال خمسة أعوام هي عمر زمالتنا وصداقتنا، كان مكتبه المنزوي كمعمل رسّام سيرياليّ هو المحطّة الأولى التي يبدأ منها يومي، وكثيرة هي أكواب القفشات وفناجين المداعبات التي كنا نرتشفها صبح كل يوم لمست خلالها مدى عشقه للكاميرا، وأدركت كذلك الجهد الكبير الذي يبذله في سبيل حبّه لفنّه، وكنت أتابع من خلال رسائله الواتسابيّة كل جمعة رحلاته المكّوكيّة في هذه الولاية أو تلك بحثاً عن مشاهد يوثّق من خلالها بعضاً مما يتمتع به هذا الوطن العظيم من مكنونات وعناوين متفرّدة في التميّز والإبداع، وكنت أسأل نفسي في كل مرة: ألا توجد ارتباطات تحول بينه وبين فنّه ورحلاته وبحثه عن اللقطة أيّاً كان موقعها؟! ثم أدركت أن العاشق لا تحول بينه وبين محبوبته موانع أو عقبات، فما بالكم لو كانت تلك المحبوبة لوحة رائعة صنعتها إلتقاطة جميلة من عدسة بشريّة تعوّدت على انتقاء الجمال.. واقتناءه!

وعندما أهداني (أبو ناصر) كتابه الأخير (محافظة الوسطى.. الحياة والطبيعة) الذي سيدشّن مساء اليوم الثلاثاء أدركت أنني أمام عملٍ منفرد، فهو ليس بالكتاب العاديّ بقدر ما هو سيمفونيّة من الألحان الجميلة، أو باقة من الورود النضرة، فالكتاب باذخٌ بمعلوماته، زاهٍ بصوره، أنيقٌ بإخراجه، مثيرٌ بقضاياه التي يطرحها!

يفسّر الرواحي أسباب اشتغاله بكتابه في مقدّمته بقوله" أحاول في هذا الكتاب أن أنقل جزءاً من خيال الواقع وجمال الحقيقة الذي رأيته رأي العين متجسّداً في محافظة الوسطى. إن التنوّع البيئي ما بين سهلٍ وجبلٍ وبحرٍ وصحراء، وتنوّعٍ في الموروث التقليديّ والفنون الشعبيّة والصناعات اليدويّة يغدو سمةً مميّزةً لهذه المحافظة، يدفع الإنسان إلى البحث عن غواية المجهول فيقع أسير هذه الطبيعة، وهو ما دفعني إلى أن أكتب كتابي مُضَمّناً ما التقطته عدستي، وما جادت به مصادر البحث المختلفة"، ولعمري فإن المؤلف محقٌ فيما ذهب إليه، ومعذورٌ إن تولّع في حبّ فاتنة كالوسطى، فمن ذا الذي لا يعشقها من أول نظرة فما بالكم بمن عاش بها بضعة سنوات من عمره!

يضمّ الكتاب الذي يعدّ الثالث في سلسلة إصدارات المؤلف بعد كتابيّ (العزوة في فنجا)، و(روعة الأمكنة) بين دفّتيه أحد عشر فصلاً ، توزّعت على 240 صفحة من الحجم الكبير تناول الأول جواهر الوسطى الأربعة هيما ومحوت والدقم والجازر، وسلّط الثاني الضوء على الطبيعة الجيولوجية للمحافظة ومكامن أسرارها عبر الزمان، بينما تحدّث الثالث الحقف وبدايات الإنسان القديم، وركّز الرابع على النباتات والأشجار التي تتميز بها المحافظة وقصّة تكوين الطبيعة، بينما أخذنا الفصل الخامس في جولة بين أرجاء محميّة الكائنات الحيّة والفطريّة حيث يكون للطبيعة معنى، وغاص بنا السادس في أعماق البيئة البحريّة وأسرارها الدفينة، وعرض السابع والثامن لتراث وأصالة أبناء المحافظة من خلال أبرز المهن التقليديّة والصناعات الحرفيّة، والفنون العمانيّة المغنّاة، بينما نقلنا الفصل التاسع إلى المستقبل من خلال الحديث عن منطقة الدقم الاقتصادية ذلك الرافد الاقتصاديّ الواعد، وتناول العاشر كنوز الطبيعة في باطن أرض الوسطى من خلال الحديث عن الذهب الأسود، ومفجّر التنمية في السلطنة والخليج بشكل عام، وعاد بنا الفصل الحادي عشر والأخير إلى الماضي من خلال تجوالنا مع الرحّالة الذين زاروا المحافظة وأرّخوا لها، ودوّنوا ملاحظاتهم المختلفة عنها أمثال برترام توماس، وويلفرد ثيسجر، وإدوارد هندرسون وغيرهم.

إنّ المتأمّل لهذا (السِّفر) سيدرك مدى الجهد الكبير الذي بذله الباحث في سبيل إعداده، وهو جهد مكمّل لجهود سابقة وحاليّة مازال الباحث يقوم بها في مجال التعريف بالمعالم العمانيّة المتنوّعة، جهد بدأ كحلم ثمّ تحوّل إلى واقع متاح، وذلك من خلال المعارض الشخصيّة والعامّة، والمطبوعات التوثيقيّة، والبرامج الإعلاميّة المرئيّة والمسموعة، والاشراف على عدّة صفحات فنيّة متخصّصة في مجال التصوير الفوتوغرافي بالصحف والمجلات المحلّية، إضافة إلى صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي التي يمكن أن نعدّها معارض مصغّرة لإبداعات هذا الفنّان الجميل.
كما أن مساحات الإبهار في هذا الكتاب واسعة، فهو لم يكتف بعرض الصور كما يفعل البعض، بل نقلنا في سياحة شاملة تعرفنا من خلالها على أبرز مكنونات الجمال في هذه المحافظة الواعدة، وطاف بنا في تجوال سهلٍ وممتنع بين محطّات جيولوجيّة وتاريخيّة وجغرافيّة وفلكلوريّة شاملة، ثم نقلنا بعدها في قطار المستقبل الواعد لنستشرف مستقبل المحافظة، فكأننا في بستان مليئ بالورود اليانعة، وكأننا فراشات نتقافز بين هذه الوردة وتلك، نشمّ عبيرها ونلثم شذاها. فهو كما وصفه الكاتب والصحفي والناشر محمد بن سيف الرحبي في قراءته للكتاب " يختار اللغة الأصعب حينما يتحدّث مع عدسته، فالصورة التي هي ابنة المدينة لا تشبه تلك الساكنة بين رمال الصحراء، خلال تلالها الغامضة، ويجازف بالوقت ترقّباً أن يراه في عينيْ مهاة يسكب في عينها قصيدته فتكون "عين المها" بين حافّة اللحظة ومهارة الاقتناص لصورة يضعها المصوّر في سيرته الذاتيّة.."

إن سيف الرواحي ليس مجرّد ناقل لصوره، بل هو بائعٌ شاطرٌ للجمال. أنا منحاز لهذا الفنّان وفخور به، وقد يكون مهمّاً لـه أن تحبّوا هذا الكتاب أو تعجبوا به ولكنّه أمر قد لا يهمّني كثيراً. الذي يهمّني أكثر هو أن.. تقتنوه!


الأحد، 12 مارس، 2017

في عيدها السادس..

ربّما لم تكن صدفة أن يتوافق موعد الإعلان عن فوز الهيئة العامّة لحماية المستهلك بجائزتين في مجال التطبيقات الذكيّة ضمن جوائز درع الحكومة الذكيّة التي تنظّمها أكاديميّة التميّز للمنطقة العربيّة خلال الاحتفال التي نظّمته الأكاديميّة في القاهرة تحت رعاية وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري بجمهوريّة مصر العربيّة يوم السابع والعشرين من فبراير، مع الإحتفال بمضيّ ستّة أعوام على إنشاء الهيئة تدفّقت خلالها إنجازات متوالية، وتحقّقت من خلالها أهداف متعدّدة.  

ما بين 28 فبراير 2011 تاريخ صدور المرسوم السلطانيّ السامي بإنشاء الهيئة، و27 فبراير 2017 تاريخ فوز الهيئة بجوائزها رقم 15 و16 على التوالي مسيرة قصيرة زمنيّاً، طويلة عمليّاً استطاعت الهيئة خلالها تحقيق تقدم نوعي وملموس على مختلف الاصعدة التشريعيّة والتنظيمية والميدانية من خلال رؤية صادقة، واستراتيجيّة طموحة تتوافق مع الاستراتيجية الوطنية للبلاد، تجلّى ذلك في أن تصبح خارطة طريق يشار لها بالبنان في كافة المحافل الدولية، ويطرق بابها العديد من المؤسّسات الإقليميّة والدوليّة للإستفادة من تجربتها الصادقة، ولسان حالهم يقول: كيف استطعتم إنجاز كل هذا خلال تلك الفترة الوجيزة!

كان الوطن هو الهاجس الأول لدى منتسبي الهيئة موظفين وقيادات منذ اليوم الأول لإنشائها، وكان توفير الحماية اللازمة للمستهلك وكفالة حصوله على أفضل الخدمات هو التحدّي الذي أصرّوا على كسبه، فكان الحرص على وضع وتطبيق السياسات والآليات التي تهدف إلى توفير بيئة استهلاكيّة سليمة وآمنة، من خلال سنّ التشريعات التي تحفظ حقوقه، وأعمال الرقابة على الأنشطة التجاريّة للحدّ من الممارسات السلبيّة التي يمكن أن تضرّ بصحّته وسلامته، وتنفيذ البرامج والأنشطة التوعوية التي تسلّط الضوء على حقوقه وواجباته، وتسعى لغرس ثقافة استهلاك سليمة.
وخلال مسيرتها الزمنيّة القصيرة والحافلة سعت الهيئة لخلق بيئة عمل اجتماعيّة مناسبة من حيث الاهتمام بتوفير المرافق التي قد تعين الموظّف على أداء مهمّته الوظيفيّة، والتقليل من مظاهر البيروقراطيّة التي هي سمة العديد من المؤسسات في الوطن العربي، كما حرصت على الاستفادة من التجارب الخارجيّة لدول وأجهزة ومنظّمات كان لها السبق في مجال حماية المستهلك، وأدركت أهميّة الشراكات المجتمعيّة مع مؤسّسات علميّة رائدة في مجال الدراسات والبحوث، وأدركت كذلك أهمّيّة المسئولية المجتمعية، والإيمان بالرسالة المنوطة التي تسبق الأداء الوظيفي، وأيقنت أن أهدافها لا تقتصر على الأهداف النمطيّة المتمثّلة في مجرّد الرقابة والتشريع وفرض المخالفات فقط، بل تتعدّاها إلى المسئوليّة والشراكة المجتمعيّة، والاهتمام بمنظومة القيم، فاتجهت إلى المجتمع منذ أوّل يوم لنشأتها، وسعت لدعم المبادرات المجتمعيّة ، وما حملة (خير الناس أنفعهم للناس)، أو مقترح (غذّ نفسك)، سوى أنموذج بسيط لذلك.

وخلال مسيرتها كذلك أدركت الهيئة أهميّة الإعلام كعامل رئيس ومهم في اختصار تحقيق الأهداف المنوطة، فكانت المطبوعات والكتيّبات التوعوية، وصفحة (المستهلك) الأسبوعية، ومجلة (المستهلك) الدوريّة، وصفحات الهيئة في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، ونافذتها في موقع (سبلة عمان)، والمحاضرات التي تستهدف شرائح مجتمعيّة متنوّعة ابتداء برياض الأطفال وانتهاء بالمجالس العامّة، والتقارير الإخباريّة المصوّرة والمسموعة، والفقرات التلفزيونيّة والاذاعيّة المباشرة، بالإضافة إلى معرض السلع المقلدة ، والمعرض المتنقّل، وإعلانات الطرق والأماكن العامّة، تمكنت الهيئة بفضلها من تنفيذ قائمة طويلة من المواد والبرامج التوعويّة التي أثّرت ايجاباً في نسب إحصائياتها وبياناتها ومؤشراتها السنويّة.

قد لا تمتلك الهيئة العديد من الإمكانات المادّيّة التي تعينها على تحقيق كافّة أهدافها، فلا يزال هناك نقص في أعداد الكوادر الفنيّة المؤهّلة، ولا تزال المختبرات المتخصّصة غائبة عن خارطة مبنى الهيئة، وما زالت التشريعات المعينة على تطبيق العقوبات غير مكتملة، وقد لا تكفي الاعتمادات الماليّة المخصّصة لتنفيذ البرامج التدريبيّة والتوعويّة المختلفة، لكنّها سعت لتعويض كل ذلك بالروح المتوقّدة، والإرادة الصادقة، وبالتفكير خارج الصندوق، وهي الخلطة السرّيّة لما تحقّق من نجاح، فلم تقف عاجزة أمام كلّ تلك المصاعب والتحدّيات، بل مضت قدماً في تحسين وتطوير أعمالها وأهدافها من خلال مواكبة التطورات الحديثة في مجال التكنولوجيا، والاستفادة من أحدث ما تم التوصل إليه في هذا المجال في كافّة المجالات التي تخدم عملها، وتشجيع روح الابتكار والإبداع والتطوير اللامحدود، فتم توفير قنوات للتواصل مع الهيئة وتقديم البلاغات والشكاوى كمركز الاتصالات، وقاعات الشكاوى، والبوّابة الإلكترونيّة، وصفحات التواصل الاجتماعي، والبريد الالكتروني، وتم استخدام العديد من الأجهزة والتطبيقات والبرامج كتطبيق المستهلك الذكي، والجهاز الكفّي (ميدان)، ومرصد أسعار السلع، والموقع الالكترونيّ للاستدعاءات والتحذيرات، وغيرها من البرامج التي استطاعت اختصار الكثير من الجهد والمال.

عندما تفوز الهيئة العامة لحماية المستهلك بستّة عشر جائزة خلال مسيرتها الزمنيّة القصيرة، وعندما تضبط أكثر من خمسة ملايين سلعة مخالفة ما بين المقلّدة، والمزوّرة، والمغشوشة، والمخالفة للمقاييس وعندما تحلّ أكثر من ثمانين ألف شكوى وبلاغ، وعندما ينخفض عدد الشكاوى والبلاغات من 37408 في عام 2013 إلى 22091 في عام 2016، وعندما يبلغ رضا المستهلك أكثر من 80%بحسب آخر دراسة أعدّتها دائرة البحوث والدراسات في الهيئة حول مدى رضا المستهلك عن الخدمات التي تقدمها الهيئة، وعندما يتجاوز عدد المتابعين لصفحات الهيئة على مواقع التواصل الاجتماعي ما مجموعه أكثر من نصف مليون متابع متوزعين على حسابات وصفحات الهيئة المختلفة، قياساً بعدد السكّان، ونسبة متابعي الإعلام البديل في السلطنة، فإن كل هذا يعدّ دليلاً على مدى الثقة والعلاقة الوطيدة بين الهيئة والمستهلك، بعد أن راهنت عليه كخط دفاع أوّل، وكشريك لها في أداء عملها المجتمعيّ، ووجّهت له العديد من برامجها الإعلاميّة المختلفة، فأصبح كثير من المستهلكين أكثر حرصاً على حقوقهم المختلفة، وأشدّ رغبة في التعاون والمشاركة في تحقيق أهداف الهيئة بشكل مباشر أو غير مباشر .

تحيّة للهيئة العامة لحماية المستهلك في عيدها السادس، ومزيد من العطاء في قادم الأيام.



(في رحاب العارف بالله)

أصل أخيراً إلى شارع محمود علي البنّا وهو شارع خلفيّ مطلّ على المسجد الأحمديّ، أو على وجه الدّقّة يقع إلى اليمين من بوّابة المسجد الرئيسة. والبنّا هو أحد مشاهير القرّاء في مصر، المنوفيّ الأصل الذي ارتبط بطنطا وبجامعها الأحمديّ طالباً في مقتبل عمره، ثم قارئاً لأكثر من عشرين عاماً، وهو الذي استقبلته المدينة في احتفال رسميّ مهيب حضره الآلاف من محبّيه ومريديه و(سمّيعته)، وهو الذي كانت الشوارع المحيطة بالجامع تفيض بالسائرين عليها أيّام الجُمَع للحصول على موطئ قدم كي لا تفوتهم تجلّيات شيخهم وهو يصدح بآيات الله في صوتٍ ملائكيّ رخيم، لذا لم يكن غريباً تسمية الشارع باسمه، وشوارع أخرى بأسماء قرّاء كبار آخرين اعترافاً بفضلهم، وإشادة بعطائهم، كيف لا وهي المحطّة التي طاف عليها رموز وقامات من أمثال الشيخ الشعراوي، ومحمد أبو زهرة، وعبد الفتاح الشعشاعي، والشيخ مصطفي إسماعيل، ومحمود البنّا، ومحمود خليل الحصري، وغيرهم.

حاملاً زادي الفكريّ من صحفٍ مختلفة التوجّهات كنت قد ابتعتها من رصيف محطّة مصر، أتجوّل في الشارع الذي يغصّ بروّاده وهم خليط من مترددين على المؤسسات الحكوميّة القريبة، ومريدين قادمين طلباً لنفحات شيخ العرب، وباعة حلويّات وملابس جائلين، وسكّان قاطنين في الحارات التي يتفرّع منها الشارع كحارة قيصريّة الجزّار، فهذا سوق الفاكهة بنداء باعته المميّز، وهذه محلات عدلي، وشهد، والفلاح تعرض منتجاتها من حمّصيه، وسمسميه، وفوليّه، وملبن، وبسبوسه، وكنافة، وغيرها من الحلويّات التي اشتهرت بها عروس الدلتا، وتلك مقاهي تناثرت كراسيها الخشبيّة على الرصيف بانتظار زبائن لا ينقطعون.

ها أنا أقف الآن أمام بوّابة المسجد الأحمدي أكبر وأشهر مساجد مصر بعد الأزهر والحسين، المسجد الذي كانت بدايته كزاوية صغيرة بجوار قبر العارف بالله أحمد البدوي، الفاسي أصلاً ومولداً، الحسيني نسباً، السطوحيّ لقباً، الذي لبّى النداء بالهجرة إلى مصر، ما لبثت أن تحوّلت تلك الزاوية إلى مؤسّسة دينيّة وتعليميّة جامعة لها سبعة أبواب. المَعْلَم الذي تبارى مماليك، وأمراء، وخديويّات، وسلاطين، وملوك، ورؤساء مصر في عمارته وتجديده والاعتناء به طلباً للبركة، ورغبة في نيل الثواب حتى عُدّ تحفة معماريّة رائعة، وقبلة لشيوخ العلم وطلبتهم ومريديهم، ومكاناً لإقامة الموالد الكبيرة التي يحضرها القاصي والداني من صعيد مصر الجوّاني حتى ساحل دمياط، ومن أحراش السودان حتّى سهول فاس وتطوان.

أدخل الجامع مخترقاً باحته الخارجيّة حيث العشرات قد تجمّعوا، فهذا مجذوب يلبس أسمالاً وكأنّه عائد من أحد العصور القديمة يهذي بأبيات شعر غير مفهومة، وذاك متسوّل يمسك بمبخرة وهو يدعو عباد الله أن يعينوا المحتاج في صوت جهوريّ رخيم يدلّ على أن صاحبه قد أصابته نفحات المكان، أو أنه كان تلميذاً لدى أحد القرّاء قبل أن يتركه لسبب ما، وتلك امرأة تحتضن طفلة يبدو من هيئتها أنها أصيبت بمسّ وأتت تبحث لدى سيّدها العارف بالله عمّا يزيله، وذاك رابع يعرض بضاعة تناثرت من شوال أزرق مهترئ، وخامس على ما يبدو أنه صبيّ يعمل في القهوة المجاورة يدور بأكواب العنّاب والكركديه على الزائرين والمقيمين،  لأجد نفسي أمام صحن واسع تحيط به الأروقة، وتغطّيه قبّة مرتفعة، ويبدو أثر العمارة الإسلامية جليّاً من خلال الزخارف، والزجاج الملوّن، والأعمدة العالية، والنجف النحاسيّ في إشارة واضحة إلى مدى الجهد المبذول، والتنافس الكبير على عمارة المسجد والاهتمام به.

في إحدى زوايا المسجد ألمح زحاماً شديداً، وبشراً يحمل بعضهم طفله، وآخر حذاءه وهم خارجون من غرفة يشع منها لوناً أخضر، ورائحة بخور مميّزة. يدفعني فضولي لاستكشاف المكان فأجد نفسي في حضرة مقام شيخ العرب وسط العشرات الذين تزاحموا طلباً لحاجات كثيرة ليس أقلّها طلب الشفاء من مرض عضال، أو الرغبة في تزويج البنت البكر، أو برّاً بنذر كانوا قد نذروه يوماً ما، اعتقدوا أن وقوفهم على ضريح (سيّدهم)، وتمسّكهم بأستار قبره، وبكاؤهم في حضرته قد يحقّقها، وتبدو في المنتصف لوحة كبيرة تؤرّخ لسيرته، بينما يعلو المكان لوحة أخرى نقش عليها بخط عربيّ جميل الآية القرآنيّة "وكان فضل الله عليك عظيما".

بعد ركعتين أديتهما في صحن المسجد تحية له أعود الخطى مرّة أخرى إلى باحته الخارجيّة طلباً لبعض الراحة، لأجد نفسي مرّة أخرى في شارع محمود البنّا، وبالتحديد على كرسيّ خشبيّ قديم داخل مقهى تاريخيّ تجاوز عمره العشرين بعد المائة من السنوات منذ أن أسّسه صاحبه علي بخيت في منتصف العقد الثامن من القرن التاسع عشر مقتبساً من الجامع الأحمديّ المجاور بعضاً من ملامحه وفنّه وكأنّه يغري زوّار المكان وطالبي قضاء الحاجات بالتردّد عليه، والمكوث فيه.

ولأن الوقت لا يزال مبّكراً حيث لم ينتصف النّهار بعد، ولأننا في منتصف الربيع حيث الجوّ لا يزال بديعاً، وأصوات نداء الباعة المختلط بأصوات المجاذيب والمتسوّلين والنساء والأطفال تشكّل سيمفونيّة جميلة محبّبة إلى النفس سمعتها مراراً أثناء تجوالي في أماكن عدّة مشابهة كالحرم الحسيني، وساحة أبو العبّاس المرسي، أختار مكاني في الجزء الخارجيّ من المقهى حيث يمكنني مراقبة المكان، ورصد حركة البشر، وهي العادة التي أمارسها في كلّ مقهى أجلس عليه، بجواري دكّة خشبيّة صغيرة، وطاولة قديمة فرش عليها ملاءة زرقاء أضع عليها زادي من الصحف، وبالقرب منّي طاولة يجلس عليها رجل يرتدي جلباباً صعيديّاً أزرق اللون منسجماً مع لون فراش الطاولة التي يضع رأسه عليها، وقد أغلق جفنيه غارقاً في نومٍ عميق ربما كان سببه إرهاقاً حل به بعد أن قطع رحلة طويلة من قريته النائيّة الغائصة في أعماق الريف أو الصعيد كحال الكثيرين من بني جلدته!

أتأمل المقهى الواسع والمزدحمة كراسيه العتيقة بالبشر عن آخره مع أننا ما زلنا في بدايات الصباح، فرحلتي المبكّرة من القاهرة إلى طنطا لم تستغرق أكثر من ساعة ونصف، ولكن يبدو أن زيارة السيّد لا تعرف مواعيداً محدّدة، ولا تلتزم بأعدادٍ معيّنة، فالمقام مفتوح، والخلوة حاضرة. تشدّني الأبواب الكبيرة المفتوحة التي تشكّل بهواً يربط الجزء الداخلي من المقهى مع جزئه الخارجيّ، وثمّة لوحات متناثرة على جدران المقهى كتبت عليها عبارات وحكم وآيات قرآنيّة، وأخرى عليها صوراً للحرم الأحمديّ، وآيات قرآنيّة منقوشة على زجاج النوافذ العليا، وعمال وصبيان يتنقّلون في حركة دائبة تلبية لطلبات الزبائن المتعدّدة، وعدداً من الباعة الجائلين الذين يعرضون لبضاعة متنوعة ابتداء بالساعات الرديئة والفلايات والأمشاط، وانتهاء بالسميط والحمّصيّة والفوليّة، وبعض ماسحي الأحذية الذين ينتهزون فرصة دخول زبون جديد من غير أصحاب الجلابيّات كي يعرضوا عليه مسح حذاءه وتلميعه.  

أما ما حدث معي منذ لحظة طلبي لكوب السحلب بالمكسّرات، وحتى تركي للمقهى باتجاه ميدان المحطة فتلك حكاية مؤجّلة.    


الاثنين، 20 فبراير، 2017

مدد يا سيدي البدوي

إبريل 2008.. كنت قد انتقلت للإقامة في شقّة تقع في شارع جسر السويس، قريبة من شقّتي السابقة المطّلة على حديقة الميرلاند بشارع نهرو المجاور، وإن كان الأخير محسوباً على مصر الجديدة! وما أدراك ما مصر الجديدة! وآه من مصر الجديدة! في مصر يمكن أن يفصل شارعٌ واحد بين حيّين متجاورين لكن كلّ منهما يعبّر عن مستوى اجتماعيّ واقتصاديّ وفكريّ مختلف تماماً! وعادي أن تجد كليو (البرتقان) بجنيهين على هذا الرصيف وبخمسة على الرصيف المجاور مع أنّه نفس البرتقال!

 ما جعلني أصرّ على الانتقال للشقّة الجديدة برغم ثقل دمّ وكيلها وتردّده شبه اليومي عليها بسبب أو بدونه وكأنّه قد غرس مسماراً بها هو موقعها الوسيط بين أماكن أحبّها فهي تتوسّط المسافة بين ميدان روكسي من جهة حيث تسكّعي كلّ مساء، وبين ميدان النعام، وشارع سليم الأول، وقصر الطاهرة، ومحطة مترو سرايا القبّة حيث الهرب من (تناحة) أصحاب التكاسي في مشواري الأزليّ إلى وسط البلد، ومقاهي وسط البلد، وسينمات وسط البلد، وفاترينات وسط البلد، وكلّ شيء جميل في وسط البلد! كما أنّها على مسافة (فركة كعب) من بوّابة كلّيّتي من ناحية جسر السويس، إضافة إلى توافر أشياء مهمّة أحرص عليها في كل مرة أقرّر السكنى فيها، من أوّل مقهى البنّ البرازيلي حيث ألذّ عصير موز يمكن أن تشربه، إلى محل أولاد رجب وذكريات الفراخ بانيه رفيقة العشاء المنزلي حيث أولى خطواتي في عالم الطبخ، إلى المخبز الصغير أسفل البناية حيث العيش الفينو السّاخن، ومعمول عجوة التمر الشهيّ الذي لا يحلو لي شراؤه سوى بعد الواحدة ليلاً حيث يكون قد خرج من فرنه واستوى، إلى حاتي (الحرّيف) وروائح مشاويه الشهيّة التي تدغدغ خياشيمي مع كل رحلة ذهاب وإيّاب من وإلى الشقّة!

كنّا في إبريل حيث الدنيا ربيع والجو بديع على رأي المرحومة سعاد حسني، وأنا عاشق لإبريل مصر كما أعشق خريف اسطنبول، وشتاء مسقط، وصيف بونشاك. كان الليل قد تجاوز منتصفه، وما أحلى ليالي الربيع على البلكونة وأنيسة سهري تبوحني جديدها وقديمها كعادتها كلّ أمسية بعد أن تفرّق الأحباب ومضى كلّ في طريق! كنت أتنقّل مع مؤشّرها كتنقّل تلميذ مجتهد مع أسئلة اختبار نهائيّ حاسم، فمرّة مع إذاعة الأغاني من القاهرة وشعارها الأزليّ "قليل من الكلام.. كثير من الطرب"، وتارة مع إذاعة القرآن الكريم وصوت ملائكيّ ينبعث من حناجر نادرة ذهبت بذهاب أصحابها، وثالثة مع حكاوي ألف ليلة وليلة للرائع طاهر أبو فاشا، وبقيّة الوقت أقضيه مع تمثيليّات وبرامج تعود إلى زمن الفنّ الجميل قبل أن يتلوّث بفضلات العولمة، وقبل أن يختلط الحابل بالنّابل، وتطفو على السطح كائنات طفيليّة علاقتها بالإبداع كعلاقتي بنظريّة الصاروخ!   

من إذاعة الشرق الأوسط يأتي صوته من بعيد، عذباً فخيماً يتسلّل إلى القلوب كابتسامة طفلة، يدغدغ المشاعر كريحِ صباً هبّت فجأة وسط أتون صيف العامرات، يلامس الوجدان كنصيحة أمٍ اختصرت العالم كلّه في ابنها:
مولاي إنّي ببابك قَد بَسطتُ يَدي.. مَن لي ألوذ به إلاك يا سَندي؟
أقُوم بالليّل والأسّحار سَاجيةٌ.. أدعُو وهمسُ دعائي.. بالدموع نَدي
بنُور وجهك إني عائذ وجل.. ومن يعُذ بك لَن يَشقى إلى الأبدِ

أيّ صوت ملائكيّ هذا الذي يرفرف! وأيّ حنجرة ذهبيّة تلك التي تخرج كل هذه الطاقة من النور! إنّه (سيّد النقشبنديّ) أستاذ المدّاحين وكبيرهم، أذربيجانيّ الأصل، مصريّ الطينة والنشأة والتشكيل، صاحب الثماني طبقات، ابن الدقهليّة الذي استهواه مقام السيّد البدوي فعاش بقيّة حياته قريباً منه، ولا عجب فمثله لا يمكن أن يجد مكاناً للعيش أفضل من طنطا حيث روحانيّات العارف بالله أحمد البدوي، أو (شيخ العرب) كما يطلق عليه تهفهف على المكان!

 لم أشعر إلا وأشعّة الصباح تخترق نافذة غرفتي، وما دام الصباح قد حلّ فلا نوم، وغداً الخميس حيث لا يوجد التزام دراسيّ لديّ. ما الحلّ إذاً؟! وماذا أفعل ببقايا شجو النقشبنديّ التي طبقت على روحي بحيث لا تكاد تفارقها! لا حل سواه، مادامت روح النقشبنديّ قد نادتني فلأذهب إليها. إلى طنطا، وبالتحديد إلى جامعها الأحمديّ، قبلة الزوّار والمريدين، ومهوى كثير من النفوس الحائرة.
إلى محطّة مصر برمسيس حالياً و(باب الحديد) سابقاً أوجّه رحالي، حيث آلاف البشر يغدون ويروحون، وحيث تبدأ رحلة وتنتهي أخرى، وحيث العابرون والتائهون والغرباء، وحيث الوجوه التي تراها لمرّة واحدة فقط وتنساها بعد ذلك وكأنّها تذكرة سينما تنتهي صلاحيتها بانتهاء عرض الفيلم!

أستقلُّ مقعداً في الدرجة الثانية بالقطار الإسباني كعادتي في كلّ رحلة، وكنت كعادتي كذلك قد تزوّدت بمجموعة من الصحف تكفي لتوزيعها على سكّان دولة كالصّين، وكعادتي أيضاً كما في كلّ مرة طلبت كوباً من الشاي الأخضر الذي لن تشرب مثله في مكان آخر، ورغيفاً من عيش الفينو المحشوّ بالجبنة الرومي، معتمداً في قضاء الوقت المتبقّي على الوصول في الاستمتاع بمنظر الريف الأخضر المحيط تارة، ومطالعة عناوين الصحف تارة أخرى مؤجّلاً قراءة معظمها لجولة أخرى تنتظرني في أحد مقاهي طنطا التي استقبلتني بعد حوالي ساعة وربع بروحانيّة وعبق بخور مساجدها، ونفحات أولياءها الصالحين وما أكثرهم! ليست المرّة الأولى التي أزور فيها طنطا واسطة عقد الدلتا وعاصمتها وملتقى طرقها، ومدينة (البدوى) كما يطلق عليها، فكثيراً ما توقّفت بها لشراء شيء من (حلاوة المولد) التي تشتهر بها وبالأخص محلات البشبيشي، أو لأتذوّق بعضاً من الحمّص والمشبّك والهريسة والسمسميّة وأنا في طريقي إلى الإسكندريّة، كما زرتها مرّة لغرض علميّ في جامعتها، وأخرى وأنا متّجه إلى المنصورة لزيارة كوكب الشرق في مقهاها الذي يقع بالقرب من المحطّة القديمة، وشرب الشاي عصراً في جزيرة الورد، وكثيراً ما تجوّلت في شوارعها الرئيسة كالبحر، والجلاء، والنحّاس، وسعيد وشارع المديرية، وجلست مرّة أحتسي (العنّاب) في مقهاها النوبيّ، ورابعة لزيارة أسرة أحد معارفي في (بسيون) القريبة منها، يومها اشتريت عسلاً كأنّه الشّهد المصفّى! كان عسل برسيمٍ ابتعته من أحد الفلاحين في كفرٍ صغيرٍ يتبع بسيون لم أجد للذّته شبيهاً، عسلٌ تبكي من فرط لذّته قبل أن تذوقه، وتبكي مرّة أخرى بعدها خوفاً من نفاده!

أخرج من محطّة طنطا متأملاً الميدان المحيط، ثم أستفتح يومي بطبق هريسة من محلّ (أولاد رزق) القريب، لأستدير في طريقي إلى شارع السكّة الحديد الذي أواصل السير فيه متأملاً حركة الجماد والبشر وهي العادة التي أمارسها مليون مرّة كل يوم كسجين أشغال شاقّة حكم عليه بتكسير حجارة جبل صلد، قبل أن أنتقل إلى محطّتي الأخيرة في شارع محمود علي البنّا أحد الشوارع المحيطة بالمسجد الأحمدى.. أمّا ما حدث بعد ذلك فتلك حكاية أخرى!



الثلاثاء، 14 فبراير، 2017

مشاهد وتساؤلات 32

(1)
مع استمرار ارتفاع أسعار مشتقّات الطاقة، وفرض رسوم جديدة أو رفع أسعار رسوم بعض الخدمات، فإنّني للمرّة المليون أدعو إلى دراسة وتوقّع ردّة فعل قطاعات اقتصاديّة مهمّة كمقاولات البناء، وأصحاب سيّارات نقل المياه، وسيارات الأجرة، وسيارات توزيع الغاز، وغيرها من القطاعات المرتبطة بالخدمات المختلفة، وماذا لو قام هؤلاء برفع أسعار خدماتهم بشكل مبالغ فيه وتأثير ذلك على المواطن؟!
وللمرّة المليون كذلك أعيد وأقول إن مشكلة هذه القطاعات أنّها قطاعات غير منظّمة، بمعنى أنّه لا يوجد كيان قانوني ينظّم آليّة عملها، أو يتحدّث باسمها، أو يطالب بحقوق العاملين بها، وبالتالي من الصعوبة التحكّم في ردّة فعل العاملين بها تجاه أيّة أزمة أو قضيّة اقتصاديّة قد تحدث مستقبلاً، وهو أمر لاحظناه سابقاً في مواقف مختلفة.
الإشكالية أنّه عندما يقدّم أحدهم طرحاً كهذا يأتي بعضهم بكل ما أوتي من طاقة على الكلام ليتحدّث عن إشكاليات تنظيم هذه القطاعات، متناسياً كافّة الأضرار والتبعات التي يمكن أن تلحق بالمواطن جرّاء استمرار عشوائيّة العمل فيها، متجاهلاً أن إنشاء هذه الكيانات الاقتصاديّة المنظّمة حتى ولو كانت على هيئة شُعَب تابعة لغرفة التجارة والصناعة يخدم الاستقرار بكافة أشكاله في المقام الأول؛ حيث ستجد الحكومة من تتفاوض معه مستقبلاً في حالة رغبتها في إجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية، أو تحرير أسعار بعض الخدمات والسلع.
(2)
ارتفعت حرارة ابني ليلاً بحيث لم تجدِ معه أيّة مسكّنات أو مخفّضات للحرارة، لذا كان لزاماً عليّ أخذه إلى أقرب مركز صحّي. ولمّا كانت المراكز الصحّيّة الحكوميّة ملتزمة بالحكمة الخالدة التي تقول (نم مبكّراً تصح مبكّراً)، ولما كان أقرب قسم طوارئ يبعد مسافة حوالي نصف ساعة عن البيت فقد اضطررت ككلّ مرّة إلى أخذه لمركز صحّيّ خاص كنت أحفظ عن ظهر غيب اجراءاته التي سيتّخذها!
ومع أن حالة ابني كانت تستدعي إعطاؤه خافضاً للحرارة، وحقنة مسكّنة، إلا أن الطبيب وكالعادة طلب من الممرضة عمل تحليل للدم لم يتكرّم بعد ذلك بشرح تفاصيله لي برغم إلحاحي، ثم أمر بمغذّ وريديّ، ثم أمر بعد ذلك بصرف كمّيّة من الأدوية التي تشرب وتبلع وتمصّ تكفي لتخدير ثورٍ تنزانيّ، على أن نعاود الرجوع بعد أسبوع للاطمئنان، ودفعت في ربع ساعة ما قيمته خمسة وعشرين من الريالات ما بين رسوم علاج، واستشارة، وتحليل، وأدوية!!
لست معترضاً أو متضايقاً من المبلغ الذي دفعته، فقد يتطلّب الأمر أحياناً أن ندفع مقابل خدمة قد لا تتوفّر في مكان آخر، أو لأن الأمر يستدعي بالفعل ما ندفعه، ولكن مكمن ضيقي واعتراضي هو تساؤلي حول جدوى ما دفعته! وهل استدعى الأمر بالفعل لكل ذلك، أم أن الأمر لا يعدو عن كونه (حلباً) لجيوب المرضى على اعتبار أنّهم لن يناقشوا ما سيأمر به الطبيب! وهل تعمَد (بعض) هذه المراكز الخاصّة إلى حيل كهذه من أجل الحفاظ على كياناتها قائمة!
وماذا لو قررت الحكومة أن تسحب يدها عن الخدمات الصحّيّة المقدّمة مجّاناً شيئاً فشيئاً! هل سيكون المواطن وقتها تحت رحمة لوبي جديد متمثّل في المراكز الصحّية ومعامل التحليل الخاصّة! إنني أتخيّل المواطن البسيط وهو حائر متنقّل بين هذا المركز وذلك المعمل، وهات يا أشعة وكشوف وتحاليل، وهات يا تخويف وتشكيك!
كلّي أمل وثقة أن حكومتنا لن تضعنا تحت رحمة هؤلاء مطلقاً مهما كلّفها الأمر.
(3)
بعد أن أعلنت إدارة معرض مسقط الدولي للكتاب الذي سيتم افتتاحه بعد أيام قليلة عن مواعيد زيارة المعرض، وفي ظل الإصرار الكبير منها على تخصيص الفترة الصباحيّة (عدا الجمعة والسبت) لطلبة المدارس، فإني أقترح على البعض خاصّة ممّن هو مرتبط بدوام مسائيّ أن يقوم بإعداد قائمة للكتب التي يحتاجها ويوصي أحد أقاربه من النساء أو طلبة وطالبات المدارس بشرائها!
حقيقة لم أستطع فهم سبب إصرار المسؤولين عن المعرض على تخصيص أغلب الفترات الصباحيّة (باستثناء السبت) لطلبة المدارس، على الرغم من كثرة الملاحظات والشكاوي الواردة من أصحاب دور النشر الذين يشتكون من قلّة حركة البيع والشراء صباحاً على اعتبار أن هؤلاء الطلبة لا يمثّلون قوّة شرائية كبيرة، فهذا ليس معرضاً خيريّاً أو تعريفيّاً أو توعويّاً بحتاً، بل هو معرض تجاريّ تدخل حسابات الربح والتجارة ضمن أهدافه الرئيسة، والمشاركون فيه يدفعون مبالغ كبيرة مقابل تنقّلاتهم وتذاكر سفرهم، ورسوم الإقامة والشحن واستئجار المكان! كما أنّ هناك من الباحثين والمهتمّين من تمنعه ظروفه العمليّة أو المكانيّة من الحضور مساءً فيسعى إلى استعاضتها صباحاً، أو هو بحاجة إلى فترة زمنية إضافيّة للتجوّل والانتقاء!
في كل المعارض الخارجيّة التي قمت بزيارتها لم أمنع مرة واحدة من دخول أيّ معرض بحجّة أنّه مخصص للنساء أو طلبة المدارس، وقضيت في آخر معرض قمت بزيارته قبل أسابيع قليلة ثلاثة أيام متوالية في زيارات تبدأ الساعة العاشرة صباحاً وتنتهي في السابعة مساءّ دون أن أجد لوحة تحدّد وقتاً لهذا أو تمنعها على ذاك، بل كنت أرى الجميع صغاراً وكباراً، إناثاً وذكورا، كل مشغول بانتقاءاته من الكتب المختلفة.
(4)
من منطلق (مكرهٌ أخاك لا بطل) قرّرت جلب عاملة منزل تساعد زوجتي في مهامّها المنزليّة بعد أن فاض الكيل واندلق، وعندما ذهبت لأقرب مركز سند للسؤال عن الشروط التي أنساها في كل مرة أقرر جلب عاملة كان من بينها تفعيل البطاقة الشخصية، وعندما عاودت سؤاله عن كيفيّة تفعيلها أخبرني أنه يمكنني ذلك إما بزيارة أقرب فرع للأحوال المدنيّة، أو بتفعيلها من خلال الأجهزة التي وفرتها هيئة تقنية المعلومات ضمن مبادرة "عمان الرقميّة"!
ارتحت للحل الأخير، وقررت الذهاب لأقرب مركز تجاريّ لتفعيل بطاقتي خاصة أن الخطوات كما تتبّعتها في شبكة البحث العالمي سهلة وبسيطة، فكانت الجولة على حوالي سبعة مراكز تجاريّة متفرّقة في أنحاء العاصمة مسقط، وفي كل مركز أدخله يكون الجواب من قبل مكتب الاستعلامات أنهم سحبوا الجهاز!
حاولت الاتصال بالرقم المجاني للهيئة فاكتشفت أنه لا يرد سوى في أوقات الدوام الرسمي! جرّبت توجيه سؤال لهم على (تويتر) فلم يأتيني ردٌ فوريّ! حرت واحتار دليلي معي. ماذا أفعل فأنا لا أعرف وشوشة الوَدَع، ولا أستطيع الذهاب إلى عرّاف من كهنة اليمن كي يدلّني على جهاز يعمل، ولم يكن أمامي سوى الاستعانة بالصبر والصلاة إلى أن انقضى اليوم وانتظرت الدوام الرسميّ بفارغ الصبر كي أعاود الاتصال بنفس الرقم المجّاني كي يجيبني أحدهم على سؤالي الملحّ: لماذا تم سحب الأجهزة، وأين ذهبت؟! وبعد محاولات عديدة كانت الإجابة أنّه تمّ سحبها لوجود أعطال عديدة بها، ولعدم تجاوب الشركة المشرفة على تشغيلها وصيانتها!!
وماذا عن شعارات الحكومة الإلكترونيّة؟! وماذا عن عمان الرقميّة؟!

الثلاثاء، 26 أبريل، 2016

مشاهد وتساؤلات (31)

(1)
في تمام الساعة الواحدة من ظهر يوم الأحد الفائت دخلت مبنى خدمات الشرطة بولاية العامرات كي أستخرج جواز سفر جديد لطفلتي الرضيعة، وأثناء تخليص المعاملة أخبرتني الموظفة أن بطاقتي الشخصيّة بحاجة إلى تحديث للبيانات، وأن عليّ تحديثها كي يتسنّى لها إنهاء الإجراءات اللازمة للحصول على الجواز، فانتقلت إلى المكتب الآخر لتحديث بيانات البطاقة، ثم ذهبت لاستلامها، وعدت بعدها إلى الموظّفة التي طلبت مني مرة أخرى العودة إلى المكتب السابق لتحديث بيانات شهادة ميلاد ابنتي، ثم العودة لاستكمال معاملة الجواز، وأخيراً الذهاب لاستلامه من المكان المخصّص لذلك.
في حوالي الساعة الواحدة وسبعة عشر دقيقة كنت قد خرجت من المبنى وأنا حاملاً معي جواز سفر ابنتي، وشهادة ميلادها، وبطاقتي الشخصيّة الجديدة بعد تحديث بياناتها!
شكراً لشرطة عمان السلطانيّة.
(2)
يوم الخميس 9 فبراير 2012 كتبت في مدوّنتي السطور الآتية:" فاعل خير يتبرع بمبلغ 50 مليون ريال عماني لبناء مستشفى تخصصي لطب الأطفال. خبر أعلنه معالي وزير الصحة، وتفاعلت معه عدد من مواقع الحوار الالكترونية المحلية، في ظل تعاطي إعلامي متواضع مع الخبر. لابد لخبر كهذا أن يأخذ حقه من التغطية الإعلامية، فبدون الشراكة المجتمعية الفاعلة لن نتمكن من تحقيق كل ما نصبو إليه، وعمان زاخرة بكثير من رجال الأعمال الذين أعطتهم البلد الشيء الكثير، وبالتالي فإن عليهم المساهمة الفاعلة والإيجابية في خدمة هذا الوطن، ليس فقط بدعم فريق كروي معين، أو رعاية حفل فني ساهر، وإنما بالالتفات إلى مجالات اجتماعية قد تكون أكثر أهمية، لعل من بينها إنشاء مراكز طبية أو تبني رعاية بعض مراكز الأيتام، أو تقديم منح دراسية لبعض الفئات المحتاجة".
كانت هذه السّطور قبل أكثر من أربع سنوات من الآن، وحتى الآن لا أعلم مصير هذا المستشفى، وإن كان قد تمّ بناءه أم لا، وما إن كان فاعل الخير قدّم مبلغ التبرّع أم لا.
هل من جهينة ما لتنبأني بالخبر اليقين!!
(3)
اتصل بي أحد أصدقائي من سكّان الخوير مستنجداً تكاد العبرة تخنق صوته" تصور!! الحديقة التي كانت متنفّساً لنا ولأسرنا سيتم تحويلها إلى فندق! كنا نجد في تلك الحديقة ملاذاً جميلاً لنا كلما ضاقت بنا حوائط بيوتنا، وكانت مكاناً مناسباً لممارسة رياضة المشي في ظلّ ازدحام الشوارع المحيطة بها بالمشاة والمركبات، وكان مشهداً مألوفاً أن تجد طفلاً يلعب هنا، وعاملاً بسيطاً غافياً هناك تحت ظل شجرة وارفة وهو يحلم بمستقبل تغرّب من أجله، وشيخاً كبيراً يتجوّل على كرسيه المتحرّك بينما حفيده يدفعه بكل حنان، وبعض الجارات من الحارة المجاورة قد تجمّعن في أحد أركانها يتبادلن فناجين قهوة العصر بينما أعينهنّ مثبّتة على أطفالهنّ المنتشرين هنا وهناك تميّز كل منهم ابتسامة طفولة بريئة. اعطني سبباً واحداً فقط لإزالتها في الوقت الذي يصرخ فيه العالم أجمع منادياً بضرورة الاهتمام بإنشاء المتنزّهات والمساحات الخضراء بعد أن تحوّلت المدن إلى كتل خرسانيّة قبيحة أصبح منظرها والتلوّث الناجم عنها سبباً لقائمة تطول من الأمراض المعروفة وغير المعروفة!"
قلت لك سابقاً يا صديقي، هم لا يجدون أيّة بقعة أخرى في عمان تصلح لإقامة الفنادق والنزل السياحيّة سوى في قلب العاصمة، فكل تلك الشواطئ البكر، والأودية الخضراء، والرمال الذهبيّة، والجبال الزاهية، ليست جديرة بالاستثمار فيها، وبالتالي وصول الخدمات لها، وتوطين أهلها، والمحافظة على الإرث الفكريّ الخاصّ بها، والحدّ من الهجرة الداخليّة وما يتبعها من ضغط على الموارد، ومشاكل اجتماعيّة واقتصاديّة وفكريّة متعدّدة!
صدقني يا صديقي.. لا مكان يصلح لإقامة الفنادق، والمجمّعات، والمتنزّهات، والأنشطة، والمشاريع سوى في العاصمة، وفي قلبها بالذات، ولا يهم إن يتم إزالة كل الحدائق الموجودة واستبدالها بكتل خرسانيّة سوداء ورماديّة. لا يهم.

(4)
في ظلّ سيطرة الوافدين على نسبة كبيرة من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومع تخيّلنا لحجم الدخل الذي تدرّه هذه المشاريع عليهم في ظلّ ركون (البعض) من المواطنين إلى الحصول على الفتات من خلال قيامه بكفالة هؤلاء، واستخدام اسمه كواجهة قانونيّة لأعمالهم، وفي ظلّ توجّه العديد من الدول المجاورة لإعادة النظر في قانون (الكفيل) لأسباب انسانيّة واقتصاديّة مختلفة، فالسؤال المهم هنا: لماذا لا يسمح للمستثمر الأجنبي بممارسة عمله في ضوء النهار مقابل أن يدفع ضريبة معيّنة لخزينة الدولة بغض النظر عن نسبة العائد، وبالتالي يحافظ على حقوقه المالية والقانونية، ويدرّ على الدولة عائداً مناسباً يسهم في تنويع مصادر دخلها، وفي نفس الوقت  تسهم في الحدّ من انتشار ظاهرة التجارة المستترة والمنتفعين من وراءها!
حتى الآن، وبرغم سيطرة الوافدين على كثير من المشاريع والمؤسسات الاقتصادية بالسلطنة بعيداً عن اللافتات العريضة التي تزيّن مداخل تلك المؤسسات والتي تحمل أسماء عمانيّة، إلا أن كثيراً من هؤلاء التجّار والمستثمرين ما زالوا يشعرون بالخوف والقلق خوفاً من أيّة تصرّف قد يقوم به الكفيل، وبالتالي يقومون بتحويل كل (بيسة) يحصلون عليها إلى الخارج!
من المهم أن يشعر المستثمر بالأمان، وهو في كل الأحوال سيكون موجوداً  بالقرب من استثماراته صغيرة كانت أم كبيرة، ولن يغامر بتركها، فلنجعله يتوسّع في استثماراته، وبالتالي عائداً أكبر لخزينة الدولة.


الثلاثاء، 5 أبريل، 2016

مشاهــد وتساؤلات (30)

(1)

أثلج صدري الخبر الذي طالعته في بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حول عقد اتفاقيّة بين بلديّة مسقط وإحدى الشركات لاستثمار أرض البلديّة بالخوير لبناء فندق ومنتزه عصري، ذلك أنّ الخوير مكان رائع لإقامة الفنادق أو المجمّعات تجاريّة أو المتنزّهات، فالمنطقة هادئة وبعيدة عن قلب المدينة حيث الازدحام والتكدّس، ومشاريع كهذه لن تسهم بتاتاً في ارباك الحركة المروريّة، أو حدوث اختناق سكّاني!

جميل أن يتم التفكير في نقل المشاريع من الأطراف للقلب، فإلى متى يستمر التركيز على المحافظات التي تشبّعت من الخدمات والمشاريع الاقتصاديّة والسياحيّة والخدميّة، وإهمال العاصمة التي قد تفرّغ من سكّانها نتيجة هجرتهم الداخليّة بحثاً عن فرص عمل وخدمات في المحافظات الأخرى!

آن الأوان للالتفات إلى العاصمة، وكفانا اهتماماً بالمحافظات!!

(2)

عندما تم الإعلان عن رغبة الحكومة في تعديل أسعار بيع المنتجات النفطيّة، ومع عدم وجود تفاصيل كافية تتعلّق بآليّة تطبيق القرار، ساد القلق أوساط كثير من الشرائح المجتمعيّة، فلم يكن التفكير وقتها في ارتفاع أسعار الوقود الخاص بالسيّارات الخاصّة فقط، بل امتد القلق ليشمل التخوّف من ردّة فعل قطاعات اقتصاديّة مهمّة كسيّارات نقل المياه، وسيارات الأجرة، وسيارات توزيع الغاز، وماذا لو قام هؤلاء برفع أسعار خدماتهم بشكل مبالغ فيه!

مشكلة هذه القطاعات أنّها قطاعات غير منظّمة، بمعنى أنّه لا يوجد كيان قانوني ينظّم آليّة عملها، أو يتحدّث باسمها، أو يطالب بحقوق العاملين بها، وبالتالي من الصعوبة التحكّم في ردّة فعل العاملين بها تجاه أيّة أزمة أو قضيّة اقتصاديّة قد تحدث مستقبلاً، وهو أمر لاحظناه سابقاً في مواقف مختلفة كردّة فعل بعض أصحاب صهاريج نقل المياه في تعاطيهم مع أزمات انقطاع المياه عن بعض الأحياء والولايات، وقيامهم برفع الأسعار بشكل جزافي لدرجة أنّهم هدّدوا بالتوقّف عن تزويد أصحاب تلك المناطق بالمياه في حالة وجود أيّ تدخّل حكومي يلزمهم بسعر معين!

ما أتمنّاه مستقبلاً أن يتم انشاء كيانات قانونيّة خاصّة بهذه القطاعات كأن تنشأ جمعيّة لكل قطاع، أو أن يكون لها شعب معيّنة تابعة لغرفة التجارة والصّناعة، بحيث تجد الحكومة في حالة رغبتها بإحداث بعض الإصلاحات الاقتصادية، أو تحرير أسعار بعض الخدمات والسلع مستقبلاً أن تجد من تتفاوض معه، بحيث يلتزم البقيّة ببنود الاتّفاق بعد سماع آرائهم ومطالبهم، كما أن من شأن هذه الجمعيّات أو الشّعب أن تقوم بالعديد من الخدمات المختلفة لمنتسبيها من العاملين في هذه القطاعات كخدمات التأمينات الاجتماعية، والاستشارات القانونيّة، واطلاعهم على المستجدّات الاقتصاديّة أو التشريعيّة المتعلقة بعمل قطاعاتهم، وغيرها من الخدمات التي تجعلها أكثر تنظيماً، وتجعل شرائح المجتمع الأخرى أكثر اطمئناناً. 

 (3)

في ظلّ حديثنا عن الرغبة في توفير الطّاقة، والحديث الدائر أحياناً عن احتماليّة رفع أسعارها نتيجة الهدر الكبير في استخدامها، وانخفاض عوائد أسعار النفط، وارتفاع فاتورة الدعم الحكومي للطاقة وخلافه، أقترح (من ضمن عدّة مقترحات في هذا الشأن) أن يصدر قرار يلزم المؤسّسات والمحلات التجاريّة المختلفة بغلق أبوابها ليلاً في ساعة محدّدة كالثامنة مساءً مثلاً على أن يستثنى من القرار بعض المؤسّسات التي يحتاج المجتمع إلى خدماتها طيلة الوقت كالصيدليّات المناوبة، والمطاعم، ومحلات التجزئة في محطّات الوقود.

قرار كهذا مطبّق في كثير من الدول الرأسماليّة قبل النامية، وهو يوفّر بالإضافة إلى تقليل العبء  الوظيفي على أعداد كبيرة من العمالة التي تعمل لساعات طويلة في اليوم دون أوقات راحة كافية، قدراً كبيراً من الطّاقة المدعومة المهدرة في تشغيل وإنارة عدد كبير من الأجهزة والمعدّات وأضواء الإنارة وغيرها.

الفكرة قد تجد معارضة كبيرة في البداية من قبل شرائح مجتمعيّة عديدة كونهم قد تعوّدوا على أن تفتح هذه المؤسّسات أبوابها أغلب الوقت، ولكن يمكن للمجتمع بمرور الوقت أن يتقبّل الفكرة خاصّة لو لجأ إلى تنظيم جدوله اليومي ومواعيد تسوّقه، ويمكن له أن يحصل على الاحتياجات الكماليّة أو الثانويّة طوال أوقات الصباح والمساء، أو يؤجّل شراؤها للغد لو لم يتمكّن من ذلك في يوم بعينه لظرف ما، أما الأساسيّات فهناك منافذ تسويقيّة توفّرها طوال اليوم.

لماذا لا نجرّب تطبيق الفكرة!

(4)

 في زيارتي الأخيرة لتركيا وقبلها لدول أخرى، كنت ألاحظ عند زيارتي للمعالم الأثريّة المختلفة من مساجد، وكنائس، ومدارس، وقلاع، وغيرها من المعالم وجود اسم المهندس الذي قام بتصميم هذا الممعلم وبناءه، وحفظت لنا كتب التاريخ أسماء العديد من المعماريّين البارزين في هذا المجال على المستوى العالمي والإسلامي والعربي.

ولكن الأمر مختلف بالنسبة للتاريخ العماني، فتكاد لا تجد ذكراً لمهندس أو معماريّ على الرغم من كثرة المعالم المتنوّعة التي خلّفتها الحضارة العمانيّة عبر العصور إلا في إشارات متناثرة هنا وهناك. ترى هل فينا من لديه أيّة معلومات عمّن قام بوضع تصميم قلعة نزوى، أو تنفيذ خارطة حصن جبرين، أو بناء جامع نخل، أو شقّ فلج الملكي أو دارس أو السمدي! ولماذا تجاهلت أغلب كتب التاريخ العماني أسماء هؤلاء الأعلام في الوقت التي ركّزت فيه على أسماء الأئمّة والحكّام الذين تم في عهدهم بناء هذه المعالم وغيرها!!