الثلاثاء، 8 مايو 2012

مشاهد وتساؤلات (3)


(1)
تطالعنا وسائل الإعلام المحلية يومياً بأخبار متنوعة عن الجهود التي تبذلها الهيئة العامة لحماية المستهلك في ضبط واكتشاف المخالفات التي يقوم بها بعض التجار أو المؤسسات، وكم من مرة قرأنا أو سمعنا عن منتجات وبضائع تم اكتشافها بعد سنوات عديدة من انتهاء مدة صلاحيتها، أو عن ضبط لحيوانات نافقة يتم ذبحها وبيع لحومها، وغيرها من المخالفات المتعددة.
بعض التساؤلات التي تدور في ذهني من قبيل: ألم تكن هناك جهود سابقة في هذا المجال من قبل الجهات المختصة بهذا الشأن قبل إنشاء الهيئة العامة لحماية المستهلك؟ وإذا كانت هناك بالفعل جهود مبذولة فأين هي عن وسائل الإعلام؟ ولماذا تصبح هذه الأخبار الآن حديث قطاع عريض من الشارع، بينما ربما لم تكن لتأخذ نفس الحيز من الاهتمام المجتمعي سابقاً؟ هل الأمر يتعلق بتقصير أدائي وإعلامي من قبل تلك الجهات في ذلك الوقت، أم إن الاحترافية الواضحة للأداء التنفيذي والإعلامي للهيئة هي من جعلت لمثل هذه الأخبار أهميتها ، وبالتالي تفاعل قطاع مهم من المجتمع المحلي معها؟   
(2)
على الرغم من التطور (المذهل) في وسائل الإعلان التكنولوجية الحديثة، وانتشار أساليب مختلفة للدعاية والإعلان، إلا أن البعض ما زال مصراً على تعليق إعلاناته المختلفة في الشوارع العمومية والفرعية، ووسط الدوارات.
قد تكلفك محاولة قراءة محتوى إعلان عن ندوة أو احتفالية تتعلق بالسلامة المرورية مثلاً، مكتوب على لوحة قماشية أو بلاستيكية معلقة وسط الدوار المزدحم أساساً بالسيارات أن ترتكب حادثاً أو أن تزعج من حولك من السائقين.
الرسائل النصية القصيرة، ومواقع التواصل الإجتماعي كالفيس بوك والتويتر، والمنتديات الإلكترونية المختلفة، هي بعض المنافذ التي يمكن من خلالها الترويج لفعالياتنا المختلفة، بعد أن أصبحت هذه الوسائل متناولة لدى شريحة كبيرة من المجتمع.
كفانا استهلاكاً للبيئة وهدراً للأموال العامة من خلال الأطنان اليومية من الورق والملصقات البلاستيكية والقماشية والمعدنية، ولنكن أكثر تواكباً مع مستجدات التكنولوجيا الحديثة.
(3)
مساء الجمعة ضحكت حتى القهر ( على وزن حتى الثمالة )، وأنا أطالع اللوحة السيريالية القبيحة التي شكلتها أعمدة الإنارة الممتدة على طول الطريق من قريات إلى مسقط ، فبالرغم من حداثة عمر الطريق، وبالرغم من أنه عادة ما يكون مزدحماً بالعابرين القادمين إلى مسقط بعد إجازة نهاية الأسبوع، إلا أن هذه الأعمدة كانت تعمل وفق متوالية هندسية عبثية ، بحيث تجد مثلاً أن هناك خمسة أعمدة مضاءة، تتبعها عشرة أعمدة لا تعمل، وهكذا حتى تصل إلى مدخل العامرات.    
بدلاً من بقاء هذه الأعمدة بدون فائدة تذكر، أقترح أن يتم بيعها على الشركات المتخصصة في شراء الخردة، أو أن يتم استغلالها في إنشاء عدد من مصانع الصلب والحديد، والتي بدورها ستستقطب عدداً لا بأس به من العمالة المحلية، وتمكننا من دخول عالم الصناعات الثقيلة.
ترى لو كانت هذه الأعمدة منصوبة في أحد الشوارع الفرعية البعيدة في مسقط هل كنا سنشاهد مثل هذا المنظر؟
(4)
الساعة الواحدة ظهراً من أحد أيام فصل الربيع حسب تسميته الفلكية، وهي تسمية مجازية لا علاقة لها بواقع الحال. عدد من العمال يقومون بتخطيط أحد الشوارع الفرعية في المدينة. الجو حار لا يطاق، ودرجة الحرارة تقترب من منتصف الأربعينيات.  
سيارة شبابية تمر بالقرب من هؤلاء العمال ويهبط منها اثنان من الشباب العماني لا تتجاوز أعمارهم العشرين، ويبدو من هيئتهم أنهم ذاهبون إلى رحلة صيد ربما هرباً من (فظاعة) الجو. يتوجه الشابان إلى العمال حاملين معهم كيساً يحتوي على بعض زجاجات المياه المعدنية، وعدداً من علب المياه الغازية، وشيئاً من البسكويت والكعك، ربما كان ما حملوه هو زادهم في رحلتهم التي لم تبدأ بعد.
كم أنت رائع وايجابي أيها الشاب العماني.
(5)
تتحدث النكتة عن إحدى ربات البيوت المصرية التي أوصت زوجها بشراء بعض الحاجات الأساسية للبيت ، فرجع إليها بعد ساعة وهو يحمل أكياساً تحتوي على سمك ولبن وتمر هندي، وعند عتاب الزوجة له أجابها: هذا الذي وجدته في السوق.
ما يحدث على الساحة المصرية حالياً هي فوضى سياسية  أشبه بـخليط من السمك واللبن والتمر الهندي، فبعد أكثر من عام على ثورة 25 يناير إلا أن الأوضاع في مصر يمكن تلخيصها في أمن غائب، وأوضاع اقتصادية واجتماعية متردية، وسجالات ومناوشات فكرية عقيمة هنا وهناك. تركت مصلحة البلد وأهداف الثورة الحقيقية، وأصبح الكل يبحث عن أكبر قطعة من التورتة، والخاسر هو بقية الشعب المحكوم عليه بأن ينتظر طويلاً كي يأتي من ينتشله من همومه الكثيرة.
عام ونيف مضى من عمر الثورة وما زالت البلد بدون دستور ولا رئيس منتخب، ولا وزارة حقيقية، والبرلمان مهدد بالحل، والتيارات الفكرية المختلفة تحولت إلى أبواق تتصارع فيما بينها على مصالح شخصية بحتة.
البلد التي أنجبت رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وسعد زغلول وحسن البنا ومصطفى النحاس وجمال عبد الناصر والسنهوري باشا، عاجزة حتى الآن عن تدارك أمورها وتصحيح مسارها، وتعديل أوضاعها.  
الأمر الذي يدعوك للتساؤل: ترى ما الذي يحدث في مصر؟
(6)
متعة اللقاء والحوار مع شخصية مثقفة كالمفكر والأديب الموسوعي والإعلامي والشاعر أستاذ الجيل أحمد بن عبد الله الفلاحي لا توازيها سوى متعة القراءة في إحدى كتاباته المتعددة والمتنوعة.
عشرات القصص كنت أسمعها عنه من بعض المقربين منه كلها تتحدث عن علاقته بالكتب والأدب، ودوره المهم في المسيرة الثقافية العمانية المعاصرة،وتشجيعه الدائم للمثقفين، فكنت أتحرق شوقاً للقائه، وهذا ما كان مؤخراً.
تدخل مجلسه العامر فلا يدهشك ترحيبه الحار، وتواضعه الجم، وكرمه المعهود. تكاد تتعثر في عشرات الكتب والدراسات المتناثرة في كل ركن فتعرف أن مضيفك رجل عاشق من نوع خاص. تحاوره في أي موضوع كان فتشعر أنك أمام متخصص وليس مجرد شخص مطلع. يبهرك حديثه العذب فتناجي الليل في سرك (يا ليل بعض اللي مضى منك يكفي)، وتود لو يستمر حواركما إلى ما لانهاية.
سيرته الذاتية مليئة بكثير من جوانب الإبداع، وما مساهمته في تأسيس الإذاعة العمانية، أو النادي الثقافي ، أو مجلة الغدير ، أو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء سوى شواهد يسيرة على مدى تأثيره الحقيقي في الحركة الثقافية والفكرية في السلطنة.
 ما يثير استغرابي هو قلة تواجده على وسائل الإعلام المحلية المختلفة،  ولو كنت مسئولاً عن إحداها لصدرت مقالاته في الصفحة الأولى من الجريدة ، أو لخصصت له برامج إذاعية وتلفزيونية أسبوعية كي يتواصل بها مع مريديه الكثر، ومع الأجيال القادمة التي هي بحاجة ماسة إلى أمثاله كي يستلهمون منه ما يعينهم على مواجهة كثير من التحديات، ويرون فيها القدوة الإيجابية، في زمن اختلطت فيه كثير من القيم بتحديات العولمة .
باختصار..أحمد الفلاحي قيمة وطنية كبيرة، ورجل من الزمن الجميل.
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.