الاثنين، 19 أغسطس 2013

وترجّل.. السميط

( وترجّل.. السّميط)


بعد نيف وستين عاماً طاهرة، رحل (ماسح دموع أطفال أفريقيا وجابر عثرات شيوخهم). وكما أتى في صمت، ففي صمت رحل كذلك، وكأنّه آثر ألا يشغلنا عن متابعة الدراما السوداء التي نعيشها في أرجاء متفرقة من وطننا العربيّ الكبير.

تحكي الرّواية أنّه وفي ظل انشغال معشر العرب والمسلمين بخلافاتهم الدّاخليّة، وصراعاتهم السّلطويّة، ولهث شبابهم وبناتهم المحموم نحو التقليد الأعمى للغرب في كلّ ما هو غير مجد ومفيد، كان هناك فارس يدعى عبد الرحمن بن حمود السّميط أخذ على عاتقه همّاً من هموم أمّته، فخصّص له وقته وماله وجلّ حياته، ترك قصره الوثير وحياة الدّعة والترف الذي يعيشها بنو قومه، وارتضى بخيمة في مجاهل أفريقيا، مشاركاً أطفالها وشيوخها كسرة خبز يراها أطيب من ولائم أعراسهم ومناسباتهم، وجرعة ماء من بئر حفر لتوّه يتلذّذ بشربها وكأنّها الماء الزلال.

في مجتمع الزّمن الجميل والإحساس بالآخر نشأ السّميط، وتشرّب من قيم مجتمعه التي كانت تحث على فعل الخير دون انتظار المقابل. كثير من الروايات التي تتحدّث عن ممارسته لعمل الخير منذ نعومة أظفاره، ففي المرحلة الثانوية أراد مع بعض أصدقائه أن يقوموا بعمل تطوعي، فقاموا بجمع مبلغ من المال من مصروفهم اليومي واشتروا سيارة، وذلك لنقل العمال البسطاء إلى أماكن عملهم أو إلى بيوتهم دون مقابل. وفي الجامعة كان يخصص جزءاً من مصروفه لشراء الكتيبات الإسلامية ليقوم بتوزيعها على المساجد، وعندما حصل على منحة دراسية من حكومة بلده كان لا يأكل إلا وجبة واحدة وكان يستكثر على نفسه أن ينام على سرير رغم أن ثمنه لا يتجاوز دينارين معتبراً ذلك نوعاً من الرفاهية. وأثناء دراساته العليا في الغرب كان يجمع من كل طالب مسلم دولارًا شهريا ثم يقوم بطباعة الكتيبات ويقوم بتوصيلها إلى جنوب شرق آسيا وأفريقيا.  

بعد تخرجه من جامعة بغداد، وقبل أن يتّجه إلى المجال الخيري التّطوّعيّ، زاول مهنة الطبّ كطبيب متخصص في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، والتي استكمل فيها دراساته العليا، وحصل فيها على أعلى الدرجات العلميّة، وكان طوال عمله كطبيب مثالاً للطبيب الإنسان الذي لا يكتفي بتقديم العلاج لمرضاه، بل يتعدّى ذلك إلى متابعة ظروفهم وأحوالهم، وكان لهذا العمل تأثير كبير على مسيرته المستقبليّة في مجال العمل الاجتماعيّ فيما بعد.

لجان وهيئات ومنظّمات خيريّة شارك السّميط في تأسيسها وعضويّتها طوال تاريخه الحافل في مجال الدّعوة والإغاثة كجمعية الأطباء المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وجمعية الطلبة المسلمين في مونتريال، ولجنة مسلمي ملاوي في الكويت، واللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، وجمعية النجاة الخيرية الكويتية، وجمعية الهلال الأحمر الكويتي، ومنظمة الدعوة الإسلامية في السودان، كما تولّى رئاسة مجلس إدارة كلية التربية في زنجبار، وكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في كينيا، وكان رئيساً لتحرير مجلة الكوثر المتخصصة في الشأن الأفريقي، وكل ذلك يشير إلى مدى الدور الكبير الذي لعبه، والذي لم يقتصر على مجال تطوّعيّ بعينه بل كان شاملاً لكثير من المجالات الدينيّة والتربوية والفكرية والاقتصاديّة والاجتماعيّة.

بدأت علاقته بأفريقيا والتي استمرت لأكثر من ربع قرن عندما ذهب للإشراف على بناء مسجد لإحدى المحسنات الكويتيات في ملاوي، فتأثّر لرؤية الملايين الذين يقتلهم الجوع والفقر والجهل والتخلف والمرض، وتضايق عندما لمس عن قرب مدى النشاط التبشيري الذي تقوم به جهات غربية مستغلّة عوامل الجوع والفقر والجهل لدى أبناء هذا البلد وما حوله من البلدان المجاورة، بعدها عاهد نفسه على المضيّ قدماّ في الطريق الذي اختاره مهما كلّفه ذلك من وقت ومال، ومهما لاقى تجاهه من مصاعب وعوائق، فكانت رحلة عطاء امتدّت لأكثر من ربع قرن استحق من خلالها أن يطلق عليه "فاتح افريقيا"، و"خادم أفريقيا"، و"رجل من الزمن النبيل".

(من أجل أن تمسح دمعة يتيم مسلم)، (من أجل رعاية قرية مسلمة تعليمياً أو صحياً أو اجتماعياً)، (من أجل حفر أو صيانة بئر مياه للشرب)، (من أجل بناء أو صيانة مدرسة)، (من أجل رعاية الآلاف من المتشردين)، (من أجل مواجهة الخطر التنصيري الزاحف)، كلّها نماذج من الشعارات ومحدّدات الطريق التي سلكه السميط والتي من أجلها ركّز جلّ نشاطه الخيريّ، والتي تمخّض عنه آلاف المشاريع في مجال بناء المساجد والمستشفيات والمستوصفات والمدارس، ورعاية الأيتام، وحفر الآبار، ورعاية الدّعاة والمعلّمين، وتوزيع المصاحف والأغذية، وتنفيذ المشاريع الزّراعيّة والحيوانيّة، وتقديم المنح التعليمية للدراسات العليا.

حضوره الطاغي في أوساط الفقراء والمحتاجين عرّضه للكثير من محاولات القتل والتصفية، هذا عدا المعوّقات الأخرى والتي تمتلئ بها القارّة السمراء كلدغات الأفاعي السّامّة، والبعوض، وشحّ الماء، وانقطاع الكهرباء، وغيرها، ولكن كل ذلك لم يثنيه عن مواصلة، وكانت سلسلة رحلاته في أدغال أفريقيا وأهوال التنقل في غاباتها قصصاً تصلح كسيناريوهات لقصص وروايات ومسلسلات وأفلام تعرض نماذج رائعة من قصص التحدّي والكفاح والاصرار، وتحدّي المصاعب في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود.

كان طوال مسيرته في العمل الخيريّ ينادي الأثرياء العرب بالالتفات إلى مشاكل المسلمين في العالم، وعدم اقتصار تبرّعاتهم على مشاريع اقليمية محدّدة، وكان يرى أن زكاة أموال أثرياء العرب تكفي لسد حاجة 250 مليون مسلم في كلّ عام.

حقاً.. يرحل الكبار ولا يغادرون. يرحل الكبار ويبقون معنا.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.