الاثنين، 11 يناير 2016

في بلاد الأتراك (4)

ولأنّني أتيت لخوض تجربة بوهيميّة تبقى طويلاً في الذاكرة، لذا فقد كنت متلهّفاً للخروج ورؤية أكبر قدر من تلك المعالم التي تزخر بها هذه المدينة العظيمة، ولعلّ أوّل ما قرّرت القيام به هو اكتشاف المنطقة المحيطة بالفندق، والتجوال في شارع الاستقلال الذي كان قد بدأ يعجّ بروّاده من السيّاح وقاصدي المصالح المختلفة من أبناء البلد، قمت خلالها ببعض الأمور الروتينيّة كتغيير مجموعة من العملات التي كنت أحملها إلى ليرات تركيّة، وشراء شريحة هاتف اكتشفت بعد ذلك أنّني لم أكن بحاجة ماسّة إليها على الرغم من العرض (المذهل) الذي حصلت عليه، والذي يتضمّن الحصول على مكالمات دوليّة مع حزمة بيانات انترنت سعتها 6 جيجا بايت بسعر زهيد لا يتجاوز السّبعة ريالات (عرفت لاحقاً أن هناك شركات اتصالات أخرى تقدّم عروضاً أفضل) ذلك أنّ الانترنت متوافر بشكل مجّاني في أغلب الفنادق والمحلات والمطاعم والمقاهي وبسرعات عالية!

كانت بداية انطلاقة جولاتي في اسطنبول من أحد المقاهي الشرقيّة الذي تعجّ بها الشوارع الجانبيّة المتفرّعة من شارع الاستقلال، ووقع اختياري على أوّل مقهى لمحته عينيّ صباحاً، وكنت قد حدّدت موقعه سلفاً من خلال كتابة أسماء المعالم البارزة التي تحيط به على مفكّرة صغيرة كنت أحملها في جيبي، وكانت السّمة التي لاحظتها وهي سمة تميّز معظم المقاهي الشرقيّة في تركيا أنّ علب الشطرنج، والزهر، والدومينو موضوعة على كلّ طاولة من طاولات المقهى، كما أنّ قائمة الطلبات تتضمّن كافّة المشروبات الشرقيّة من شاي بأنواعه، وقهوة، وسحلب، وكركديه، وزعتر، ويانسون، وزنجبيل وغيرها، وكأنّني في أحد مقاهي القاهرة أو بغداد أو دمشق، وهو أمر لن أستغربه خلال الأيّام القادم عندما سألاحظ مدى التشابه الهائل في كثير من المفردات الثقافيّة بين تركيا والشّرق كعمارة المساجد، والبازارات، والحمّامات الشرقيّة، والمدارس الدينيّة، والخانات وغيرها، كيف لا وهناك قرون من التواصل الحضاريّ بين تركيا والشرق منذ عهد بيزنطة وحتّى أتاتورك، مروراً بفترات الحكم المملوكي، والعثماني وما تخلّلته من قنوات تواصل مختلفة!

على إحدى الطاولات الجانبيّة جلست، ومن كيس كنت أحمله أخرجت بضعة صحف مصريّة اعتاد رئيسي في العمل وهو شخصية تكاد تكون نادرة بما يملكه من صفات مذهلة، وملكات مختلفة، أن يهديها إليّ مع بداية كلّ أسبوع ذلك أنّنا نشترك في ذات الهواية، وهي العشق لمفردات المدن العريقة من شوارع، وصحف، ومقاهي، والانشغال بقضاياها الفكريّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة. 

وكأنّني أريد استعادة بعض من سوانح ذكريات كثيرة في مقاهي القاهرة المختلفة أخرجت إحدى الصّحف وبدأت في مطالعتها غارقاً في هموم المصريّين من مشاكل اقتصاديّة، وسرقة أراضي من قبل بعض الحيتان، ومعاناة يوميّة تعيشها الطّبقات الكادحة التي يحصد أفرادها أسوأ ما تخلّفه الثّورات المتكرّرة، فلا يكون نصيبهم إلا قعر الحلّة، بينما يفوز من قامت ضدّهم تلك الثورات بالنصيب الوافر من الهبر والمكسّرات التي تزيّنها، إلى أن أعادني إلى الواقع  صوت بائع (السّميت) أو السّميط كما يسمّيه العرب، وهو نوع من الخبز بالسّمسم تشتهر به تركيا، ويعدّ من المأكولات السّريعة رخيصة الثّمن، وهي وجبة الذين لا وقت لديهم لترف الإفطار اليوميّ بسبب انشغالات الحياة، وهو منظر تجده كذلك في كلّ شارع مصريّ، الأمر الذي يدفعك للتساؤل: ترى من نقل للآخر حضارته!

أزيح الصحيفة جانباً تاركاً عبد الحليم قنديل مع هموم بني جلدته من المصريّين، لأعبث بأحجار النّرد متمنّياً لو أجد من أغلبه في دور عشرة بلدي، ولكن هيهات من ذلك وأنا الماكث وحيداً في مكان كلّ تفاصيله غريبة عنّي، وتمنّيت وقتها لو أحضرت أحدهم معي على الأقل كي أغلبه في آخر السّهرة بعد أن نكون قد جبنا كثيراً من شوارع المدينة وأزقّتها، ولكن ما نيل المطالب بالتمنّي! بل هي كذلك. نعم كذلك! ليت أحلامنا تتحقّق بهذه السهولة، ذلك أنى لم أكن قد أفقت بعد من تمنّياتي لأفاجأ بشاب ممتلئ تبدو على ملامحه الطّيبة والوداعة يستأذنني بلغة انجليزيّة مكسّرة كي يلعب معي دور طاولة بعد أن رآني أعبث وحيداً بأحجار النرد!

كان الشابّ ايرانيّاً أتى لقضاء بضعة أيّام في تركيا كما يفعل في هذا الوقت من كلّ عام كما أخبرني ونحن نتحدّث لمدّة ساعتين مرّت وكأنّها دقائق، بالإنجليزي تارة، وبالإشارات تارة أخرى، وقد غلبني في دورين على الرغم من أنّه قد تعلّم للتوّ طريقتنا العربيّة في اللعب والتي تختلف كلّيّاً عن طريقة الايرانيّين والأتراك! كنت أقول لنفسي في خضمّ احتدام التنافس بيني وبينه: لو جلس الطرفين السّنّي والشيعي، أو العربي والايراني كما نجلس نحن الآن على أيّ مقهى، ولعبوا دور طاولة أو شطرنج، أو تطارحوا بعض الأدب لزال كلّ الاحتقان، ولما عدنا ننظر لبعضنا البعض كما يحدث الآن، ولما قاسى كثير من أبناء جلدتنا من نتائج ما يفعله بعض الساسة ورجال الدين بنا. ليت مشاكلنا تحلّ على طاولة قهوة، لا طاولة مستديرة!

بعد أن شربت أوّل فنجان قهوة تركيّة أصليّة، وبعد أن لعقت ما ترسّب أسفلها من بقايا بنّ محوّج وهي إحدى السيّئات القليلة التي أتيت بها من رحلتي حيث أنّني أدمنت بعدها شرب هذا النوع من القهوة، وأصبحت أبحث عن المقاهي التي تقدّمها بجودة مناسبة، وبعد أن ودّعت صديقي (الايراني الشّيعيّ) كانت الخطوة الثانية لي هي الخروج من محيط شارع الاستقلال لاكتشاف المتحف التاريخيّ الذي يدعى اسطنبول، وكانت اللوحة البانوراميّة المذهلة بكل ما تحويه من جسور، وجوامع، وأسواق، وقصور رابضة أمام عينيّ وأنا أتطلّع إليها من على شرفة ميدان عشبيّ صغير يطلّ عليه الشارع الذي أسكن فيه، فكان القرار هو محاولة التعرّف على ملامح هذه اللوحة وبأسرع وقت، فالوقت لا ينتظر، وكلّ دقيقة لها قيمتها، ولو حسبنا عدد الآثار والمعالم التي تحويها المدينة وقسّمناها على بقيّة الدقائق المتبقّية من عمر الرحلة لربّما فاقتها عدداً، إذاً لا وقت للخمول، وأهلاً برياضة المشي التي كنت قد هجرتها منذ فترة طويلة عندما كنت أجوب شوارع القاهرة الكثيرة على رجلي متنقّلاً من شارع لآخر دون أدنى شعور بما تعنيه لفظة إرهاق.

ومن منطلق المثل المصريّ القائل (آكلك منين يا بطّة) بدأت حيرتي وأنا أتطلّع إلى ما حولي من جسور وشوارع تخترق خليج القرن الذهبيّ الذي يربط بين طرفي اسطنبول الأوروبيّة، فهل أبدأ من جسر أتاتورك وصولاً إلى منطقة السلطان أيّوب، أم أنطلق من جسر غلاطا لأدخل بعدها حيّ أمينونو والسلطان أحمد حيث السّوق المصري، وحيث مساجد السلاطين المختلفة! ولعلّ القارئ قد يستغرب مدى معرفتي بتفاصيل الأماكن وأنا الذي لم أكمل يومي الأوّل بعد! وقد يزول هذا الاستغراب إذا ما علم أنّني كنت قد رسمت نسخة من خارطة المدينة في عقلي قبل وصولي إليها، كما أنّني كنت أحمل نسخة من إحدى الخرائط التفصيليّة للمدينة والتي يمكن أن تجدها في أيّ فندق بها، عدا أنّك بضغطة زرّ على جهازك المحمول يمكن أن تحدّد المكان الذي تقف فيه، وما يحيط به من معالم، بالإضافة إلى أنّني كنت أدوّن في مفكّرتي الصغيرة نهاية كلّ يوم ومن خلال البحث في مواقع الإنترنت المعالم التي لم أزرها بعد،  وأبرز ما تتميّز به، وكيفيّة الوصول إليها، ومدى مناسبة وقتي لزيارتها.

كلّ هذا وحقيبتي لم تصل بعد! أما بماذا بدأت جولتي، فهو حديث أؤجّله للجزء القادم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.