الأحد، 23 أغسطس 2015

ظفار.. حيث للإبهار حكاية

عندما قرّرت قضاء بضعة أيّام للنقاهة بعد انهاك سنة متواصلة ما بين العمل والتدريس ومشاغل أخرى متفرّقة كان السفر إلى الخارج هو الأولويّة التي اخترتها لولا أنّ جدول التدريس الصيفيّ لم يسمح لي بفسحة طويلة من الوقت فكان الخيار الجاهز هو الذهاب إلى أرض الجنوب، حيث كلّ شيء أخضر..حتى القلوب.
وعلي الرّغم من أنني قد زرت ظفار من قبل أكثر من مرّة، وعلى الرغم من انبهاري بأشياء كثيرة جميلة بها في كلّ مرّة إلا أنّني كحال كثيرين غيري ننسى أو نتناسى كل ذلك البذخ والجمال التي تحبى به هذه (الجنّة) الأرضيّة، وتسيطر علينا عقدة (الخواجة)، ويكون التفكير في السّفر إلى الخارج هو همّنا مبرّرين ذلك بأسباب قد يكون بعضها حقيقيّاً، والبعض الآخر من صنع أوهامنا كالخدمات، وأماكن السّكن المناسبة، ووسائل النّقل، والترفيه، وغيرها.
عندما هبطت الطائرة في مطار صلالة الجديد كان انبهاري الأوّل في هذه الزيارة، حيث وبالاضافة إلى اعجابي بالتّحفة المعماريّة الرائعة المتمثّلة في مرافق المطار فإنّ انتظاري لم يدم سوى لدقائق أخذت بعدها حقائبي مغادراً المطار الجميل لتبدأ أولى عناوين موسوعة الكرم الظّفاري في استقبالي متمثّلة في زخّات المطر الخفيفة التي يبدو أنّها كانت تنتظرني لتزيل شيئاً من بقايا العرق الذي خلّفه حرّ العامرات والذي تضرب به الأمثلة، وتسير بذكره الرّكبان، وهي موسوعة ظللت أتنقّل بين فصولها طوال فترة إقامتي القصيرة في المحافظة، وليتها لم تنته!

وبينما أغادر بوّابة (التّحفة) كان (أبو سالم) وهو شابّ جعلانيّ سمح المحيّا، بشوش الطّلّة في انتظاري بابتسامته الودودة التي افتقدتها منذ أسبوعين كاملين، وهي مدّة طويلة لم أعتدها كونه زميل عمل، وصديق حياة، ورفيق جلسة، كي يأخذني لا إلى مقرّ السّكن، ولكن إلى بيتهم العامر كي ألتقي بوالده وإخوته الكرام، فكان اللقاء الحميميّ الذي بدّد شيئاً من وحشة مفارقة الأهل بالرغم من أنّنا في وطن واحد متوحّد. على الرغم من أنّ حمد الصوّاعيّ وأسرته يسكنون صلالة منذ فترة طويلة إلا أنّ بيتهم يكاد يكون قبلة لكثير من الأهل والأصدقاء والأقارب والمعارف الزائرين لصلالة، ولا يكاد مجلسهم يخلو من ضيف داخل أو خارج، ولا يكادون يسمعون بأحد يحتاج لخدمة ما أو يتعرّض لمأزق معيّن إلا ويكونون أول الناس تقديماً للعون والمساعدة دون منّة أو مباهاة.

في ظفار وجدت أشياء كثيرة جميلة ورائعة: وجدت همّة العمانيّ حكومة وأفراداً في أن يجعلوا من المحافظة جميلة نظيفة متطوّرة مواكبة لمدن العالم السياحيّة، فالعمران في كلّ مكان، والمنشئات السياحيّة والاقتصاديّة والترفيهيّة تتضاعف كلّ عام، وعمّال النظافة في كلّ بقعة حتّى فوق مستوى الغيم، ورجال الشرطة البواسل يتحدّون كلّ الظروف من أجل توفير الأمن والأمان للزائر والمقيم.

في ظفار وجدت بقاع العالم الجميلة كلّها على موعد لقاء وسط ربوعها، فعلى سفوح دربات وطوي عتير ومدينة الحقّ تخيّلت مشهد الريف الأوروبّيّ الذي يتحفنا البعض بتصويره عبر صفحاتهم على مواقع التّواصل الاجتماعي، ولن أنسى ما حييت وأنا جالس على تلك الشرفة التي تطلّ على دربات منظر السّهل الأخضر الممتد بينما (نهير) صغير يجري وسطه، ولم يتبقّ سوى بضعة أكواخ هنا وهناك كي يكتمل المشهد. وفي ايتين تذكّرت سهول وجبال شيانغماي التايلانديّة، وعند مزارع النارجيل وأكشاك بيع المشلي تخيّلت جنوب الهند وسريلانكا حيث البحر، وحيث أشجار النارجيل الباسقة، وحيث الهنود بلباسهم التقليديّ، وتأسّفت كثيراً على (الألوف) التي ضيّعتها برفقة العائلة في آخر رحلة لتايلند، وحمدت الله أنّني غيّرت قرار السّفر إلى جنوب آسيا في آخر لحظة، فما رأيته هنا كان أجمل بكثير، وما لم أره سيكون بالتأكيد أكثر جمالاً وروعة.

في ظفار وجدت البساطة والكرم وطيبة النّفس والقناعة متجسّدة في تصرّفات الكثير من أبناء المحافظة والمقيمين بها، وكأنّهم اقتبسوا هذه الصّفات من أهلها، ففي الفندق اللطيف الذي نزلت به كانت الابتسامات تلاحقني عند دخولي وخروجي، والناس في الشارع على استعداد لتقديم أيّ عون ترغبه، والشيخ سالم بن محمد الصوّاعي وأبناءه الكرام، ومحمّد غوّاص وهو نموذج للشابّ الظفاريّ الأصيل كانوا حاضرين معي في كلّ لحظة، وكانت طلباتي تجاب قبل أن أتحدّث بها، وكان يكفي الحديث عن أيّ شيء أرغب به أو أسأل عنه لأجد السيارة جاهزة لأخذي إلى المكان المطلوب، أو لأجده بعد ذلك في غرفتي إن كنت أسأل عن غرض ما حتّى لكدت أن أدّعي البكم كي لا أبدو ضيفاً ثقيلاً، وفي الوقت ذاته فقد بهرني رخص الأسعار ومناسبتها في كل مكان أذهب إليه، فلكم أن تتخيّلوا أنّ أماكن خرافيّة ساحرة كالمقاهي التي في أحضان الضباب والتي يمكن أن يدفع المرء ما يشاء من النقود كي يدخلها ليستمتع بالجلوس في إحدى شرفاتها، أنّ حساب طاولة بأكملها لا يتجاوز ثمن كوب عصير في أحد مقاهي المدن الأخرى، ولكم أن تتخيّلوا كذلك أنّ ثمن وجبة غداء كاملة في أحد المطاعم المتوسّطة لا تتجاوز الريال، وقيسوا على ذلك محلات الملابس والهدايا والكماليّات وغيرها، حتّى لكدت أصرخ في وجه أحد مرافقي: ألا يعلم هؤلاء القوم أننا في موسم سياحيّ، وأن الأسعار في كثير من المدن السياحيّة تتضاعف كثيراً، فما بال أسعار هؤلاء القوم هكذا!! إنّها البساطة والقناعة التي مازال سكّان هذه البقعة الاستثنائيّة يحتفظون بمفرداتها حتى الآن! 

في ظفار أعدت الاستمتاع بالفن الجميل الذي افتقدته منذ زمن وسط (هوجة) ما يعرف بالأغاني الشبابيّة، ولأنّ أبا سالم كان يعرف ذوقي جيّداً، ويعرف مطلوبي كذلك، فقد استعدّ ببضعة اسطوانات لمسلّم علي عبد الكريم، وأحمد مبارك غديّر، وسالم علي سعيد، وآخرين، ولكم أن تتخيّلوا حالتي أنا المنهك نفسيّاً، المتوتّر عصبيّاً من جرّاء الحرّ، والرطوبة، وزحمة الشوارع، وطول ساعات العمل اليوميّة هنا وهناك، وأنا أستمع إلى مسلّم علي وهو يشدو: (ساعة مرّت بي زمان..والعين لك تشتكي..يا ساكن الدار متى الحبيب يجي)، بينما أنا فوق الغيم، والضباب يحيط بي، ونسمات الهواء الباردة تتسلّل إلى السيّارة من هنا وهناك. وقتها لم أتمالك نفسي، وصرخت بلا شعور: أين أنا بالضبط!! ووقتها فقط عرفت لماذا كل هذا الكمّ من الابداع الذي ينبعث من أعمال هؤلاء! ولماذا تتكرّر كلمات كالغيوم والخضرة والخريف والجمال والندى في أغنياتهم، ولماذا أشعر بابتسامتهم وثغرهم المفتوح وهم يغنّون! بالتأكيد فمن يعيش في أجواء كهذه لا يمكنه إلا أن يبتسم طوال الوقت.

في ظفار عرفت معنى التّكافل الاجتماعيّ الذي نادى به الاسلام على حقيقته، وعلى أن تكون جزءاً مهمّاً من المجتمع، متفاعلاً مع قضاياه، سنداً للآخرين، ولعل أمراً كهذا يظهر في كثير من المناسبات لعل من بينها ما يحدث في الأفراح عندما يبادر كثير من الأشخاص بتقديم بعض المبالغ أو التكفّل بتوفير بعض المستلزمات كلّ على قدر استطاعته مساعدة منهم للعريس على تحمّل تكاليف زواجه كعادة ظفاريّة أصيلة، حتّى ليكاد بعض الشّباب لا يدفعون ريالاً من جيوبهم تجاه تلك المصاريف وهو الأمر الذي يتكرّر في حالات العزاء، أو حاجة البعض للعلاج، أو لمعاونة بعض الحالات الاجتماعية كالأرامل والأيتام والعجزة فاقدي العمل وغيرها من الحالات، وأمر جميل كهذا لا يقتصر على الموسرين فقط، بل يتعدّاه للآخرين، بل إنّ بعضهم يتسلّف أحياناً مقابل أن يساهم في أمور مجتمعيّة جليلة كهذه! وموضوعات كهذه بحاجة إلى سلسلة مقالات كاملة لا بضعة سطور هنا
في ظفار وجدت أشياء كثيرة جميلة، ترسّخت قناعات، وتبدّلت أخرى، واقتنعت كما في كلّ مرّة أن هذه البقعة الجميلة تغني عن السّفر إلى بقاع أخرى نتكبّد من أجلها الحال والمال، وأنّ كثيراً مما يطلبه الفرد من مباهج الدنيا الحلال موجوده بها، فالأمن، والأمان، والسكن المناسب، والجو المريح للأعصاب، ورخص الحياة، وقناعة الناس، وأشياء كثيرة لا تعد كلها موجودة في هذا المكان. فقط هو الاقتناع وتبديل الصور النمطيّة الذهنيّة المرسومة مسبقاً.

وإن كان هناك من شيء آلمني ونغّص عليّ رحلتي فهو نفس الشيء الذي يؤلمني في كل زيارة لي لولايات السلطنة ألا وهو إهمال البيوت الأثريّة، وكم كان أسفي بادياً وأنا أرى حارات كاملة وسط صلالة ببيوتها الأثريّة التي تحكي تاريخ طويل مجيد من النشاط البشريّ الذي ميّز المنطقة وهي تتحوّل إلى مأوى للعمالة الوافدة، وبعضها تهدّم أو يكاد!!

بينما أغادر أرض الأصالة عائداً إلى العامرة مسقط كان صوت الجميل أحمد مبارك غديّر ينساب هادئا من طرف قريب :هزّني الشوق لظفار الغالية.. للحبايب والزوامل والفنون.


عن "بيوت شباب" الأشخرة

حالة من المرارة والألم والكآبة أصابتني بعد آخر زيارة لي إلى "بيوت الشباب" في الأشخرة، ذلك الصّرح المعماري الذي توقعت كما توقّع الكثيرون أن يشكّل نقلة نوعيّة كبيرة في خارطة السياحة المحلّيّة بالأشخرة وما جاورها في ظل عدم وجود بنية تحتيّة سياحية بالمنطقة، و"يسهم في تعزيز البنية التحتية السياحية في السلطنة، وسيصبح وجهة سياحية داخلية تستقطب مختلف فئات المجتمع ومشروعا ناجحا يفضي في نهاية المطاف لبلوغ اهدافه وغاياته" كما أتى ذلك في كلمة وزارة السياحة عند افتتاحه في يونيو 2004، ذلك أن هذا (المعلم) السياحيّ المهم كان في حالة يرثى لها من الإهمال واللامبالاة التي وصلت إلى درجة إغلاق حوالي نصف الشقق التي يتكوّن منها المبنى، وإلى درجة عدم تغيير أثاث بعض الغرف والمرافق منذ افتتاحه قبل إحدى عشر سنة من الآن!!

هذا المشروع الذي هو في الأساس مكرمة سامية من مكارم جلالته المتعدّدة لأبنائه الشباب ليكون مكاناً يوفّر لهم الاقامة المناسبة بأسعار زهيدة، كما هي فكرة بيوت الشباب في كثير من دول العالم، وليحتضن مناشطهم الثقافيّة والاجتماعيّة المتنوّعة، أخذ منحى آخر، فبدلاً من أن يتبع الجهة المعنيّة بالشباب وكان في وقتها الهيئة العامّة للأنشطة الثقافيّة والرياضيّة أصبح الإشراف عليه من طرف وزارة السياحة، وأصبح الهدف منه هو "تحفيز العائلات العمانية على التنقل في ربوع البلاد، وتشجيع السياحة الداخلية، والافادة من الاسعار المدعومة من الحكومة بهدف تقليل الأسعار العالية للفنادق خصوصاً في المواسم السياحية"، وأصبح مسمى "بيوت الشباب" مجرّد تسمية لا علاقة لها بالفكرة!

في البداية سلّمت البيوت تسليم اليد بأثاثها ومرافقها المتكاملة لأحد المستثمرين العرب المقيمين في السلطنة وقد قام بتوظيف بعض العمالة غير المدرّبة من أبناء المنطقة في أعمال التنظيف والحراسة وإعداد الوجبات وغيرها على أمل أن يتم تدريبهم مستقبلاً، وكان الإقبال على المبنى الأنيق الذي تحيط به رمال الصحراء والقريب من بحر العرب كبيراً لدرجة أنّ هذا المستثمر كان يحدّثني باستمرار عن الاتصالات التي تأتي للبيت من قبل شخصيات كبيرة من أجل حجز إحدى شقق المشروع التي كانت تتكوّن من غرفة واسعة وأمامها صالة أوسع، ومطبخ على النّظام الغربي، وارتفعت تكلفة الليلة لتصل إلى ما يقارب 30 ريالاً بدلاً من السّعر السّابق الذي قرّرته الوزارة والمقدّر بحوالي 12 ريالاً! وبعد فترة من الزّمن فوجئت بسحب المشروع من هذا المستثمر وإغلاق البيوت لفترة من الزّمن، وبالطّبع لم يتم تدريب أحد من أولئك الشّباب الذين كانوا يعملون به.
تعاقدت وزارة السياحة بعدها مع إحدى الشركات العاملة في مجال السّياحة على إدارة المشروع مقابل مبلغ سنويّ تدفعه الوزارة نظير هذه الإدارة، ولم تفلح هذه الخطوة كذلك في إنقاذ المشروع من فشل الإدارة، وبحسب ما سمعته من بعض المسئولين القريبين من هذا الشأن ووما قرأته في إحدى الصحف فإن الحكومة تقوم حالياً بدراسة إحالة "بيوت الشباب سابقا" للاستثمار من قبل القطاع الخاص، حيث تم تكليف الشركة العمانية للتنمية السياحية "عمران" بإعداد هذه الدراسة".

أذكر أنّه في نهاية حفل افتتاح هذا المبنى الذي حضرته كمراسل لاذاعة وتلفزيون سلطنة عمان في ذلك الوقت صرّح وزير الاقتصاد الوطني وقتها "أن هذه البيوت سوف تساعد بشكل كبير الشباب العماني على السياحة الداخلية وذلك للمستوى الراقي والذي شيد به هذا المشروع والذي يباهي مستويات فنادق الاربع نجوم، كما أنّ تسعيرة هذه البيوت ستكون رخيصة للغاية بحيث يصل سعر الجناح الواحد الى 13 ريالا!! كما سوف يساهم بشكل كبير في انفاق المبالغ داخل البلاد من خلال تفعيل دور السياحة في السلطنة، وسيقوم بتطبيق نسبة التعمين للشباب العماني الراغب في العمل حيث تصل هذه النسبة الى 65% من كافة مناطق هذه النيابة الساحلية والمناطق المجاورة لها".
والآن، وبعد مرور أحد عشر سنة على إنشاء هذا المشروع، وعلى الرغم من كل التصريحات الورديّة التي سمعناها من قبل المسئولين عنه في حفل افتتاحه، إلا أنّ كل ما قيل بقي حبراً على ورق، ومجرّد تصريحات للاستهلاك الإعلامي، فما زال المبنى مجرد مبنى معزول في منطقة بعيدة في أطراف نيابة الاشخرة ومعظم شققه غير صالحة للسكن، وما زالت الخدمات تنقصها الكثير، فلا شباب عماني مؤهّل ومدرّب للعمل به، وإن وجدوا فالمعوّقات كثيرة، ولا حوض سباحة مناسب، ولا مطعم أو مقهى خارجيّ، ولا حديقة يمكن أن تعطي للمكان روعة وجمال، ولا أيّة بنية تحتيّة يمكن أن تخدم مرتادي المكان كمحلات التسوّق أو محلات الحلاقة وتنظيف الملابس وغيرها، ولا خدمات نقل، ولا عروض سياحيّة أو فنّية، ولا ملاعب أطفال، على الرغم من أن توفير كلّ هذا ليس بالأمر الصّعب، وعلى الرغم من أن المنطقة تحتوي كثيراً من المقوّمات التي يمكن أن تجعل المكان أكثر أهميّة ونشاطاً.

إنّ مشروعاً كهذا كان يمكن أن ينجح بكل سهولة ويسر، بل ويتوسّع في منشآته ومرافقه لو وجد الإدارة الجيّدة بعيداً عن المحاباة في ارساء مناقصة إدارته على هذا أو ذاك، وبعيداً عن البيروقراطيّة في إدارته، فنيابة كالأشخرة بها من المقوّمات السياحيّة ما يجعل أيّ مشروع سياحيّ ينجح بها دون بذل كثير من الجهد، فجوّها معتدل طوال العام فما بالك بصيفها الجميل! وكثير من مرافق البنية التحتيّة من كهرباء، وطرق، وهاتف، ومحلات تجاريّة متوافرة، والسياح يفترشون الأرض على امتداد شاطئها بحثاً عن شبه غرفة مناسبة يمكن أن تأويهم، فما بالكم بمشروع كهذا!! وأنا كشخص قد لا أفقه كثيراً في السّياحة يمكن لي وبشيء من العمل البسيط أن أجعل هذا المكان قبلة للسيّاح بحيث لا يكادون يجدون موطأ قدم من التزاحم الذي سيحدث على حجز ولو ليلة فيه، فتغيير الأثاث واستبداله بأثاث عصريّ، وزراعة بعض الشتلات هنا وهناك، وتصميم حوض سباحة تحيط به جلسات خارجيّة ومقهى يديره شباب متخصّص، وغيرها من هذه الأفكار ليس بالأمر المستحيل، خاصّة وأنّ هناك ملايين النماذج العالميّة لمشاريع مشابهة يمكن بضغطة زرّ الاطّلاع عليها والتعرف على تجربتها، ومن ثمّ يبقى التسويق المناسب وكيفيّة جذب الأفواج السياحيّة مع الاستفادة من أبناء المنطقة في تقديم العروض الفنّيّة والثقافيّة من خلال الفرق المنتشرة، وتوفير رحلات سياحيّة للمناطق السياحيّة المحيطة. أي أن المشروع باختصار يمكن أن يسهم في فتح بيوت كثيرة، ويشجع الآخرين على إنشاء مشاريع مماثلة مستقبلاً وهو الأمر الذي نراه في مناطق أخرى مشابهة في العالم، أما أن آتي بشركة لتدير المشروع وكأنّهم موظفين بيروقراطيين في مؤسّسة فهذا يمكن أن يصلح في أيّ نشاط عدا السياحة، ذلك أنّ السياحة في المقام الأوّل صناعة تعتمد على الأفكار الخلاقة، وعلى الاحترافيّة في إداراة أنشطتها، وعلى الابتكار في تقديم الخدمات التي يرغب فيها السائح، لا مجرّد توفير مبنى ووضع موظفين بيروقراطيّين كل مهمّتهم تنفيذ أعمال روتينيّة.


بعيداً عن كلّ هذا يبقى تساؤلي المهم: أين الجهات المسئولة من حكومة، وجهاز رقابة، ومجلس شورى وغيرها من مشروع حكوميّ كهذا طوال أحد عشر عاماً؟! ومن يتحمّل مسئوليّة فشل إدارته؟! وما مصيره في قادم الأيّام؟!

قراءة في واقع انتخابات مجلس الشورى القادمة

(1)
أظهرت القوائم النهائية للمرشحين لعضوية مجلس الشورى للفترة الثامنة تقدّم (674) مرشحاً لنيل (85) مقعداً لعضوية المجلس، وهو عدد يقل بحوالي (459) مترشّحاً عن الدورة السابعة التي شهدت ترشّح (1133) شخصاً، وقد تكون هناك عدّة أسباب وراء هذا الانخفاض لعلّ من بينها عدم انطباق بعض الشّروط على كثير من المترشّحين التقليديّين في المراحل السّابقة وبالأخص شرط المؤهّل العلمي، واستبعاد بعض المترشّحين لأسباب مختلفة، وربّما يأس البعض وخاصّة من أصحاب الشهادات العليا بعد أن أدركوا أن الشّهادة والثّقافة لوحدها قد لا تكون عاملاً مهماً لحصد الأصوات، إضافة إلى اختلاف الظروف الحاليّة عن تلك التي صاحبت الترشّح للدورة السّابقة، والتي شجّعت البعض وقتها على الترشّح أملاً في تحقيق مكاسب معيّنة.
من الملاحظ كذلك انخفاض عدد النساء المترشحات للتنافس على مقاعد عضوية المجلس للدورة القادمة حيث بلغ عدد النساء المترشّحات (21) امرأة، مقارنة بـ (77) امرأة نافسن على الترشح لعضوية مجلس الشورى للفترة السابعة، وفازت منهن امرأة واحدة فقط، وهو أمر غريب خاصّة ونحن نتحدّث عن فارق يبلغ (56) امرأة، علماً بأن كثير من المترشّحات في العادة هن من اللواتي تنطبق عليهنّ شروط الانتخاب خاصّة فيما يتعلّق بالمستوى العلمي، وكثير من المترشّحات كذلك هنّ من اللواتي لهنّ إسهام ملموس في الحياة المجتمعيّة من خلال عضويّة عدد من الجمعيّات التطوّعيّة، أو من خلال دورهنّ الوظيفي في المؤسّسات التربويّة والخدميّة، فهل هو اليأس من النّجاح في ظلّ ضعف قدرة بعضهنّ على حشد أصوات الناخبات على الأقل؟! وهل هي النتيجة المخيّبة للآمال التي ححصلت عليها المرأة العمانيّة في الدورة السابقة من خلال الفوز بمقعد واحد فقط؟! هل السبب يكمن في المجتمع الذي مازال ينظر قطاع منه للمرأة على أنّها غير قادرة على تحمّل المسئوليّات الجسام، أم هي ضعف قدرة المرأة على التسويق الجيّد لنشاطها وبرامجها وقدرتها على اثبات نفسها كلاعب مجتمعيّ مهم لا يقل قدرة عن الرجل، أم هي أسباب مشتركة؟!!
 (2)
هل ما زال طموح (البعض) من خلال ترشّحه لعضويّة المجلس في دورته القادمة هو الوصول إلى أحد المناصب العليا، خاصّة بعد اختيار عدد من أعضاء مجلس الشورى في المرحلة السّابقة لتولي مسئولية بعض الوظائف العليا، وأمله في أن يصبح مسئولاً كبيراً يشار إليه بالبنان؟!
هل لدينا بالفعل نماذج من "عبده مشتاق" في مجتمعنا؟!!
(3)
مع ملاحظة تكرار ترشح بعض الأسماء التي لم يحالفها النجاح في الدورات السابقة، ومع كل التقدير لعدم يأس هؤلاء، ومحاولاتهم الدءوبة للنجاح كل مرة، إلا أن السؤال المطروح هو : هل حاول هؤلاء تقييم الأسباب التي أدّت إلى فشلهم في المرات السابقة، وتقديم أنفسهم بشكل يشعر فيه المجتمع أنهم يستحقون الوصول إلى المقعد البرلماني، أم أنهم تركوا الأمر لظروف الانتخابات القادمة؟!
(4)
يبالغ (البعض) من المترشّحين الجدد في التفاؤل بالنّجاح في الدورة الانتخابيّة القادمة، وسبب تفاؤلهم وثقتهم الكبيرة هي حصولهم على الدعم المعنوي والوعد بالترشيح من قبل عدد من الفاعلين في مجالات السياسة والثقافة والعمل التطوّعيّ، وقيامهم بالتواصل الفكريّ وعرض برامجهم على عدد من الاشخاص والمؤسسات الفاعلة في هذه المجالات.
 ومع وجود أسماء تستحق بالفعل دخول المجلس، إلا أنه لا يمكن المراهنة أو الاعتماد على أصوات هذه الشّرائح لوحدها، وأحياناً قد لا يكفي الصوت المفوّه، والفكر المتّقد، والحماس العالي، فالانتخابات لعبة سياسية معقّدة لها أساليبها وخباياها، وقطاع كبير من المنتخبين (بكسر الخاء) هم من الأغلبية الصامتة، الذين قد يكون اطلاعهم السياسي ضعيف، ورؤيتهم للأحداث مختلفة، وقد لا تشغلهم العملية الانتخابية بالشكل الذي يجعلهم يبدون اهتماماً جدياً بها وبعملية اختيار المرشح المناسب، وأحياناً يطبّقون مبدأ (القريب من العين قريب من القلب)، لذا فإن الاشتغال الحقيقي على هذه الشريحة أمر مهم للنجاح في العمليّة الانتخابيّة.
(5)
هل مجرد الاعتقاد بكون الفرد مواطناً له حقوق سياسية تكفل له الترشّح يعني قطعاً أحقيته في ذلك! أم إن الحصول على العضوية البرلمانية يتطلب إمكانات وقدرات فكرية وسياسية واجتماعيّة تتناسب والدور الذي ينبغي أن يمارسه البرلمان، وبالتالي على المرشّح التفكير ألف مرّة قبل اتّخاذه قرار خوض الترشّح ؟!
في بلدان العالم المتقدمة والتي تلعب فيها البرلمانات دوراً واضحاً في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصاديّة بها، يتقدم المرشّح متسلّحاً بالعديد من الانجازات الخدمية المجتمعية، ومجهزاً لبرنامج انتخابي واضح الملامح ودقيق الخطوات، وقابلاً للتطبيق، ويكون ملتزماً بتطبيقه متى ما تحقق له النجاح، وأساس الانتخاب هناك هو البرنامج وليس الشخص، فمتى كان البرنامج الانتخابي ملامساً لواقع المجتمع، معبراً عن تطلعاته واحتياجاته بعيداً عن التركيز على الأعمال الخدميّة التي هي من صميم جهات أخرى حكوميّة وبلديّة كتب له النجاح، وهذا الوعي لم يأت بين يوم وليلة، بل أتى بعد مخاضات عسيرة، وتجارب طويلة خاضتها برلمانات تلك الدّول.
(6)
خلال الدّورة الحاليّة التي ستكمل الأربع سنوات يلحّ عليّ سؤال مهم: ترى هل اشتغلنا خلال المرحلة السّابقة على توعية المجتمع بكافّة شرائحه بثقافة الانتخاب؟! وهل قامت الجهات المختلفة ابتداء من المدرسة وانتهاء باللجنة الوطنيّة للشباب مروراً بمؤسسات مختلفة كالاعلام والأندية والمؤسسة الدينيّة ومؤسسات المجتمع المدني كلّ بدوره في هذا المجال من خلال البرامج المختلفة التي ليس أقلّها انشاء البرلمانات الطلابيّة المصغّرة في المدارس والكلّيات، وتنظيم الورش العمليّة للشباب في مجال التنشئة السياسيّة، وتقديم برامج اعلاميّة تركّز على الحوار والنقاش حول قضايا مهمّة كالمواطنة وتعزيز الهويّة يشارك فيها الشباب جنباً إلى جنب مع المختصين؟! وهل قمنا بعمل استطلاعات رأي تقيس مدى وعي المجتمع بدور المجالس البرلمانيّة كسلطة مهمّة ضمن السلطات الثلاث التي تشكّل النظام السياسي، والمقارنة بين الآراء المجتمعيّة المختلفة لواقع أداء المجلس خلال الفترة السّابقة والحاليّة؟! وهل، وهل، وهل؟!! 

(7)
توقعاتي الخاصة لشكل المجلس في دورته القادمة هي أنه لن يحصل ذلك التغيير الكبير في تشكيلته، وسيكون النجاح حليف عدد لا بأس به من الأعضاء الحاليين، ذلك أن خبرتهم الانتخابية السابقة، وتوافر الإمكانات المادّيّة والاجتماعية لدى كثير منهم، وحداثة عهد كثير من المرشحين الجدد بأساليب العملية الانتخابية قد تكون عوامل رئيسة لنجاحهم، بالإضافة إلى عدم ترشّح بعض أصحاب الكتل الأنتخابيّة وبالأخص من المشايخ والرشداء والأعيان في المناطق التي ما زالت (القبليّة) تشكّل تأثيراً كبيراً في سير العمليّة الانتخابيّة، واستبعاد بعض المترشّحين من الحاليّين أو الجدد الذين كان (يعتقد) أنّهم سيكونون مرشّحين أقوياء، لأسباب مختلفة.


الخميس، 23 يوليو 2015

عن لائحة تنظيم استيراد المركبات


تابعت كغيري من المواطنين بنود اللائحة التنظيمية لاستيراد المركبات والدراجات الآلية المستعملة التي أصدرتها وزارة التجارة والصناعة مؤخّراً، وإحقاقاً للحق فاللائحة بها العديد من البنود الايجابيّة خاصّة فيما يتعلّق بالسّماح للمواطنين، وللمنشآت التجارية والتي تمارس نشاط بيع المركبات المستعملة كمعارض السيارات أو المؤسسات والشركات التي تقوم بإعادة التصدير أو البيع في السوق المحلي، وكذلك المنشآت التجارية والصناعية والخدمية باستيراد المركبات الخاصّة، والحافلات، والشاحنات، والمعدّات، والدراجات الآلية المستعملة بدون تحديد لعددها خلال سنة دون الدخول في تفاصيل كلّ مادّة.

  وسأركّز حديثي حول المادة السابعة التي حظرت استيراد المركبات ‏الخاصة والتي يتجاوز عمرها 7 سنوات من تاريخ صنعها، وكذلك ‏الشاحنات والحافلات التي يتجاوز عمرها 10 سنوات، و‏المعدات التي يتجاوز عمرها 15 سنة من تاريخ صنعها.

ولأنّي أحرص على معرفة مبرّرات الجهات الحكوميّة المختلفة حول أسباب إصدارهم لتشريعات معيّنة، أو تطبيقهم لسياسات تتعلّق بآليّة تنظيمهم لأعمال جهاتهم قبل نقد هذه السياسات أو التّشريعات أو مناقشتها وتحليلها، فقد وجدت أنّ مبرّرات الوزارة المعنيّة باصدار هذه اللائحة تكمن في "أن دول مجلس التعاون ‏الخليجي قد حظرت دخول المركبات التي يبلغ عمرها خمس ‏سنوات لأراضيها وبالتالي حظرت استعمالها وحظرت أيضا ‏دخول الشاحنات والمعدات وفقا لأوزان وأعمار معينة، كما اتضح من خلال الإحصائيات أن الكثير من السيارات التي ‏تتجاوز هذه الفترة تصبح غير آمنة عند استعمالها، كما أنّ كثيراً من تلك السيارات قد دخلت الى السلطنة وهي معابة وأدت ‏الى إزهاق الكثير من الأرواح، كما أدت أيضا إلى الكثير من ‏الحوادث والإصابات البشرية جراء عدم صلاحيتها للاستخدام ‏أصلا، كما أنّ أضرارها على البيئة باتت واضحة للعيان نظرا لما ‏تخلّفه من تأثير جراء سيرها في الشوارع أو ما ينعكس سلباً على ‏صحة الإنسان جراء تخزينها أو رميها في الأماكن العامة وتلويث ‏مخلّفاتها كالزيوت مثلا، بحيث أصبح التخلص منها عبئاً على ‏كاهل الدولة أو حتى المنشآت الخاصة نظراً لأن التخلص منها ‏ومن تأثيرها يساوي ضعف قيمتها".‏

ومع كامل تقديري لهذه المبررات وتفهّمي لحرص الجهة المعنيّة على الصالح العام من وجهة نظرهم إلا أن ذلك لا يمنع من طرحي لبعض التساؤلات المتعلّقة بهذه المادّة رغبة في فهم أكثر لمبررات اصدارها، وتساؤلي الأوّل يتعلّق بقضيّة عدم أمان هذه المركبات عند تجاوزها للفترة الزمنيّة المحدّدة في القرار، فأنا أراه مبرراً غير كاف، فما هي الاحصائيّات التي رجعت إليها الوزارة عند اتخاذها لهذا المبرّر، وهل هذا بالفعل سبب حقيقي للحوادث التي تحصل في شوارعنا؟! فأنا شخصيّاً كانت لديّ مركبة قمت ببيعها بعد ستّ سنوات من شرائها ومازلت نادماً على ذلك، حيث أنّ تلك المركبة لم تدخل كراجاً للإصلاح من أيّ عطب خلال تلك الفترة عدا تغيير بعض الأشياء البسيطة، ولم أشتك خلال تلك السنوات الست من أيّ مشكلة فنّيّة كبيرة بها علماً بأنّها من ماركة متوسّطة القيمة والجودة، وعلماً بأنّني أقطع بها مسافات طويلة تتجاوز المائة كيلو يوميّاً بحكم ظروف عملي عدا المسافات الطويلة في نهاية كل أسبوع عندما أذهب إلى البلد، كما أنّني لم أخف انبهاري بنظافة وقوّة أداء مركبة أحد زملاء عملي، ولم أصدّق كلامه وهو يقسم لي أنّها موديل 2006 بعد أن اعتقدت أنّ طرازها لم يتجاوز السنتين أو الثلاث بالكثير، وأعرف زميلاً آخر لم تتجاوز الكيلو مترات التي قطعتها مركبته التي يعود تاريخ صنعها إلى 2010 حاجز الخمسة والأربعين ألف كيلو وما زالت مقاعدها الخلفيّة (بقراطيسها)، لأنّ لديه مركبة أخرى يستخدمها بالتناوب مع المركبة السّابقة، ثم إنّه إذا سلّمنا بأن المركبات لا تكون آمنة بعد سبع سنوات من تاريخ صنعها وقد تؤدي إلى وقوع حوادث فلماذا لا يتم فحصها عند التجديد السنوي سوى بعد مرور عشر سنوات لا سبع؟!

إذاً ومن وجهة نظر متواضعة وغير متخصّصة في مجال الميكانيكا لا أعتقد أنّ قدم المركبة بالضّرورة له علاقة بعدم أمانها، فهي أمور لها علاقة بنوعيّة المركبة ونوعيّة الإستخدام، ومدى التزام السائق بقواعد السياقة الآمنة، ومدى اهتمامه بمركبته، ويمكن أن تكون المركبة من طراز حديث وغير آمنة لأسباب مختلفة.

تساؤلي الآخر حول المبرر القائل "بدخول بعض تلك السيارات وهي معابة ممّا يودّي ‏الى إزهاق الكثير من الأرواح، كما تؤدّي أيضا إلى الكثير من ‏الحوادث والإصابات البشرية جراء عدم صلاحيتها للاستخدام ‏أصلاً"، وتساؤلي هنا: هل كل المركبات المعابة هي من طرازات تجاوزت السّبع سنوات؟! وهل كلّ السيارات التي تتجاوز تلك المدّة تكون معابة؟! أوليست هناك مركبات أكثر حداثة وتعاني من عيوب فنّيّة مختلفة؟!

وبدلاً من منع دخول كل تلك المركبات التي تجاوزت هذه الفترة المحدّدة في القرار أليس من الأولى والأجدى إنشاء مراكز لفحص السيارات والتأكّد من مدى صلاحيّتها في مراكزنا الحدوديّة والنقاط الجمركيّة قبل إصدار أحكام عامّة بدلاً من منعها جميعاً؟! وماذا لو دخلت مركبات أقلّ عمراً وتعاني من عيوب ما قد تكون كارثيّة على أصحابها فهل يتم السّماح بدخولها لمجرّد أنّها لم تتجاوز الفترة المحدّدة في القرار؟!

تساؤلي الثالث حول مبرّر الأضرار البيئيّة التي تخلّفها تلك المركبات، فهل حماية البيئة من مسئوليّة الجهة التي أصدرت هذه اللائحة أم إنّها مسئوليّة جهات أخرى معنيّة بقضايا البيئة والتلوّث في السلطنة؟! وهل هناك دراسات علميّة قامت بها تلك الجهات وأثبتت من خلالها تأثير تلك المركبات التي تجاوزت الفترة المحدّدة في اللائحة على البيئة؟! ومرّة أخرى ماذا عن المركبات التي تعدّت الفترة المحدّدة ومازال أصحابها يحافظون عليها؟! وماذا عن مركبات أخرى أكثر حداثة وتعاني من الإهمال؟!

وإذا ما أخذنا في الحسبان المبررات السابقة جميعاً فماذا عن المركبات الموجودة في السلطنة وقت إصدار اللائحة والتي تجاوزت حاجز السّبع سنوات فهل ستسري عليها اللائحة أم ستترك كما هي؟! وماذا عن حركة بيع وشراء تلك المركبات في داخل السلطنة؟! أولا ينبغي أن تؤدي تلك المركبات إلى الحوادث بحجّة عدم أمانها كذلك، وإلى الإضرار بالبيئة أيضاً أم أنّ الأمر يتعلّق فقط بالمركبات المستوردة فقط؟!

وماذا عن التبعات الاجتماعيّة والاقتصاديّة لهذه المادّة من حيث القوّة الشرائيّة للمجتمع، والوضع الإقتصادي الذي يجعل البعض يلجأون لشراء مركبات تناسب دخلهم أو مشاريعهم الصّغيرة، خاصّة للموظّفين الجدد أو من ذوي المرتّبات المنخفضة، في ظل ارتفاع أسعار المركبات الجديدة، وفي ظلّ وجود التزامات وتبعات اقتصاديّة واجتماعيّة متعدّدة تمنعهم من اقتناء مركبات جديدة أو دفع أقساط قد تثقل كاهلهم مقابل الحصول عليها؟! وهل لدينا سوق مركبات يعرض خيارات متنوّعة تجعلنا لا نلجأ للبديل المتمثّل في الاستيراد؟!

وماذا لو قرّر الكثيرون وخاصّة من سكّان المحافظات الحدوديّة اللجوء لشراء مركباتهم من دول مجاورة وتسجيلها وتأمينها واستخراج أوراقها الثّبوتيّة في تلك الدّول، فهل يمكن منع تلك المركبات من دخول السّلطنة؟! وهل يمكن وقتها تلافي الآثار المشار إليها في المبرّرات خاصّة مع استقرار كثير من هؤلاء داخل البلد؟! وماذا عن المبالغ التي سيدفعونها مقابل تسجيل وتأمين وتجديد مركباتهم، وكانوا يدفعونها في السابق داخل السلطنة؟!

أخيراً، وإذا ما اعترفنا بحق هذه الجهة الحكوميّة أو غيرها في إصدار لوائح وتشريعات لتنظيم العمل في بعض القطاعات التي تشرف عليها، أولم يكن من المهم إشراك بعض الجهات ذات الصلة كمجلس الشورى مثلاً للاسئناس برأيهم كونهم يمثّلون المجتمع الذي ستسري عليه تلك المواد؟! أو لم يكن من المناسب كذلك قياس رأي المجتمع حول هذه القرارات كونهم المستفيد أو المتضرّر الأول منها؟! أم أننا نصدر تشريعاتنا دون الاهتمام بكل ذلك؟!





الأربعاء، 8 يوليو 2015

مشاهد وتساؤلات (24)


(1)

قال لي: أتمنى وقوفكم معي فأنا لم أترشّح سوى لخدمة الجماعة! (والمقصود بالجماعة هنا أفراد القبيلة أو العشيرة)، قلت له: وكيف ستخدمهم؟!

أجاب: سأساعدهم في الحصول على الأراضي، وسأتوسّط لدى المسئولين من أجل توفير فرص العمل لأبنائهم، وسأعمل جاهداً على ايصال الخدمات لهم، وسأشاركهم في التزامات المناسبات المختلفة، وأشياء كثيرة يمكن أن أقوم بها.

سألته: وما علاقة هذه الأعمال بترشّحك للمجلس! وهل هي من صميم عمله ودوره في الأساس! أوليست هذه الأعمال هي خليط من أدوار العمل التطوّعي والمجالس البلديّة أكثر من كونها أعمال خاصّة بعضو مجلس الشورى؟! ثمّ هل تحتاج خدمة (الجماعة) إلى أن تكون عضواً بالمجلس!! ألا يمكن أن تقوم بكل هذه الأعمال وغيرها من باب المسئوليّة الاجتماعيّة وفق الإمكانات التي أتيحت لك؟! وماذا لو لم يكتب لك النجاح في العمليّة الانتخابيّة، فهل ستختفي كل هذه الوعود وستؤجّل للانتخابات القادمة، أم ماذا؟!

لماذا لا تحدّثني عن القوانين والتشريعات التي ستقترح تعديلها أو الغائها أو استبدالها؟! وأين أنت من الملفّات المجتمعيّة المهمّة التي تنتظر من يحنو عليها ويتبنّاها؟! ماذا عن مناقشة كثير من الأمور الدقيقة كمشروعات مشروعات خطط التنمية، والميزانية السنوية للدولة، والاتفاقيات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتزم الحكومة إبرامها أو الانضمام إليها؟! وماذا عن استجواب أي من وزراء الخدمات في الأمور المتعلقة بتجاوز صلاحياتهم بالمخالفة للقانون؟ ألا تهمّ كلّ تلك الأمور الجماعة وتيسّر سبل حياتهم! ثمّ ألا يعدّ أبناء الوطن جميعاً من الجماعة كذلك!


 (2)

انطلقت قبل أيّام مرحلة الدّعاية الانتخابيّة للمترشّحين لعضويّة مجلس الشورى في دورته القادمة، وإن كان من أمر ايجابي يتعلّق بهذه العمليّة فهي أنّها ستسهم في فتح باب رزق لعشرات من الشّباب من أصحاب مكاتب التّصميم والتغليف والطّباعة وأعمال الدّعاية الإعلانيّة بفضل سيل الطّلبات التي ستنهمر عليهم من أجل الترويج والخروج بأزهى حلّة قبل موعد العمليّة الانتخابيّة.

الأمر الايجابي الآخر هو أنّنا سنشهد حراكاً مجتمعيّاً سيقوم به كثير من هؤلاء المترشّحين من حيث المشاركة الفاعلة في دعم الأنشطة المجتمعيّة المختلفة، وحالة التواصل الاجتماعي الغير معهود من حيث الحرص على حضور المناسبات، وإشاعة ثقافة الابتسامة والبشاشة من منطلق "تبسّمك في وجه أخيك صدقة"، والتواضع الجمّ، والوقوف مع البعض وتلبية مطالبهم، حتى لو كان ذلك من باب الدعاية الانتخابية لا غير.

(3)

في ظل التنامي الكبير لأعداد المحلات التجارية الكبيرة ( الهايبر ماركت )، ومحلات الهدايا والتي تحمل في الغالب أسماءً غير عمانية، والتي غزت كثيراً من المدن والولايات، وتعود ملكيّة معظمها إلى عدد من المستثمرين الغير عمانيين ، يلحّ عليّ السّؤال الآتي: ترى ما هو مصير المحلات الصغيرة التي تعود ملكيتها إلى مواطنين عمانيين غامر كثير منهم بطلب التقاعد المبكر، وضحّى بعضهم بمكافأة نهاية خدمته، أو باع أرضاً وحيدة يمتلكها، أو استدان كي يجد له مصدر دخل يعينه على مصاعب الحياة وتحدياتها المختلفة من خلال قيامه بفتح (بقالة) صغيرة، أو محل هدايا متواضع، أو منفذ لبيع الخضروات والفواكه، معتقداً أنه سيحظى برعاية واهتمام المسئول من خلال تشريعات اقتصادية توفر له الحماية، وتضمن له الاستمرارية في العمل، وعدم الخوف من تحديات المستقبل؟!

ترى كم من المحلات الصغيرة  أقفلت أبوابها أو عرضها أصحابها للبيع جرّاء عدم قدرتها على منافسة تلك المحلات الكبيرة التي انتشرت كانتشار النار في الهشيم وأصبحت سمة تميّز المجتمع؟! وهل سنشهد خلال الفترة القادمة طرحاً أوسع لمثل هذه القضية، وحلولاً مهمة تطمئن البقية؟

ما يصيبك بالألم والقهر عدا ما ذكر سابقاً أنّ بعض هذه المحلات الكبيرة تحمل أسماء لها قدسيّتها الدينيّة وقد لا تتناسب بعض بضائعها وسلعها مع قدسيّة هذه الأسماء!!

(4)

عند رغبة بعض الجهات البلديّة أو الاقتصاديّة في تطبيق قرار يخصّ نشاط فئة اقتصاديّة معيّنة كالحلاقين أو أصحاب الورش بمختلف أنواعها، أو أصحاب المطاعم أو المحلات التجاريّة وغيرهم، فهل يتم مناقشة العاملين بهذه الأنشطة في فحوى أو آليّة تطبيق هذا القرار أم يكون الأمر واجب النفاذ بمجرد توقيعه من قبل المسئول؟! وهل هناك شعب أو نقابات خاصة بهذه الأنشطة التجاريّة في غرفة تجارة وصناعة عمان أو الاتحاد العام للعمّال تتبنّى مطالب العاملين بها، وتتولّى الحديث باسمهم عند وجود أيّة تحدّيات تتعلق بأنشطتهم؟!

أكتب هذا الكلام من وحي قضيّة أدوات الحلاقة البلاستيكيّة الجديدة التي تستخدم لمرّة واحدة مع كلّ زبون والتي (فرض) على أصحاب محلات قصّ الشعر والتجميل في مسقط الالتزام بها.

 (5)

ما إن أتابع مسلسلاً إذاعياً محلّياً إلا وأفاجأ بحرص القائمين عليه على حشر الشخصية البدويّة ضمن أحداثه، حتى لو كان هذا المسلسل يناقش قضية أخرى لا تستدعي أحداثها وجود مثل هذه الشخصية، وذلك  من خلال دور أصبح ثابتاً في هذه المسلسلات، ويذهب غالباً إلى ممثل بعينه، يحمل أسماء غريبة قد لا تمت للبيئة البدوية الحقيقية بصلة، وكأنّه حرام على البدويّ العمانيّ أن يكون اسمه من ضمن الأسماء المعتادة! ويزيد القائمين على مثل هذه المسلسلات في فضلهم علينا فيجعلون الممثل يتكرّم علينا كل خمس ثواني بأن يعتزي بأنّه (صاحب الركاب) كي يذكرنا بأنّه بدوي، وكأن البدوي شخصية خيالية هبطت من إحدى الكواكب القريبة، لا تلك التي نعرفها بحكم معايشتنا لها.

هل نهتم في مسلسلاتنا بالفكرة والمضمون، أم بالمؤثرات التي نعتقد أنها ستضفي شيئاً من الفكاهة حتى لو لم تكن لها علاقة بفكرة المسلسل، أم أنه لا توجد أساساً فكرة واضحة تم بناء سيناريو المسلسل على أساسه؟!

الثلاثاء، 30 يونيو 2015

رمضان في ذاكرتي

أثناء إعدادها لبرنامجها الإذاعيّ الرمضانيّ "رمضان في ذاكرتهم" طلبت مني المذيعة المتألّقة نايلة بنت ناصر البلوشية أن أسرد شيئاً من ذكرياتي البسيطة مع الشهر الفضيل، ومع أنّني حاولت الاعتذار كون أنّ هناك من هم أقدر منّي على سرد ذكرياتهم إلا أنّ إصرارها كان أقوى، وهي ثقة أعتزّ بها من مذيعة مثقّفة بحجمها.

الحديث عن ذكريات رمضان بالنّسبة لي أمر قد يلامسه شيء من الحيرة في تحديد البداية والنهاية، ذلك أنّني قضيت رمضان في أكثر من بيئة تمتاز كلّ منها بعبق خاص قد يختلف قليلاً أو كثيراً عن الأخريات ابتداءً بالقرية وانتهاء بدولة مثل مصر، مروراً بالعاصمة وعدّة ولايات، ولكنّها في مجملها كانت ذكريات جميلة وأليمة وطريفة عايشتها في هذا الشهر كما عايشها غيري من أبناء جيلي ومن سبقه وتلاه ما زالت حاضرة في الوجدان ولا يمكن البوح بها جميعاً في هذه العجالة، ويمكنني القول إنني من الجيل الذي لحق على متعة رمضان الحقيقية بلمّته الجميلة، ولياليه الروحانيّة، وسهراته الرائعة، وبقيمة الإحساس بالآخر برغم المصاعب التي كانت تطرأ أحياناً لظروف مختلفة كالجو والامكانات وغيرها.

أنا من الجيل الذي كان يعتقد فعلاً أن رمضان شيء مقدّس لا يجوز فيه الكذب أو ترك الصلاة او سماع الأغاني، أو حتى بلع اللّعاب، وكان ارتيادنا للمسجد منذ الصباح الباكر وكل منّا يمسك بمصحفه خاصة لو صادف دخول الشهر وقت عطلة من الأمور التي لا يمكن نسيانها، وكثيراً ما كنّا نتحدى بعض بقدرة تحملنا على الاستمرارية في صيام اليوم. 

من الجيل الذي حظي بمتعة الافطار في الحارة مع النّساء والأطفال عندما كانت هذه العادة لا تزال باقية، وفي المسجد مع الكبار عندما كان الجميع يحرص على ذلك، والذي كان يتسابق مع أقرانه على من يصل بالافطار المرسل من منزله إلى المسجد أو إلى بيوت الجيران أولاً، وعلى من يقوم بتقديم القهوة للكبار بعد الانتهاء من أداء صلاة المغرب.

من الجيل الذي عايش شراء قوالب الثلج عندما لم تكن الثلاجات متوفرة كما هي اليوم، والذي كان يسدل الشراشف المبللة على جسده عندما كانت الكهرباء تنقطع أحيانا أو بسبب عدم تغطيتها لكافّة الأماكن وقتها، والذي كان ينتظر بلهفة قدوم الشّهر كي يتذوّق طعم الفيمتو، ويحلّي بلقمة القاضي في وقت لم يكن المجتمع قد عرف بعد الوصفات التلفزيونيّة الغريبة، والمأكولات الجاهزة كما هو الحال الآن! والذي طالما تلذّذ برائحة الكاستر وهي تفور في النار، واختلف مع أخيه الأكبر منه على من يظفر ببقاياها في القدر كي يتناولها وهي مازالت ساخنة، وما ألذّه من طعم.

من الجيل الذي تعلم الذهاب وهو طفل لأداء صلاة التراويح وكثيراً ما كان النوم يغالبه على رجل والدته، ثم حرص على أدائها مع الكبار عندما شبّ قليلاً، ولا بأس بأداء نصفها ثم استكمال الوقت المتبقي أمام باب المسجد أو في الساحة القريبة منه لممارسة بعض الألعاب الشعبيّة التي اندثرت أو كادت، والتي قد لا يعرف عنها بعض من أبناء الجيل الحالي الشيء الكثير. وقتها كانت طقوس الصلاة تمتد لقراءة القرآن والأدعية، وتختتم بصواني الفوالة ووجبات العشاء التي كان يحرص كل بيت على إرسالها للمسجد.

من الجيل الذي رافق صالح زعل وسعود الدرمكي في مسيرة دراميّة رمضانيّة طويلة منذ الشايب خلف في مسافر خانه مروراً بجحا وحماره وعايش زمانه (وتبقى الأرض),(اباء وأبناء),(جمعه في مهب الريح),(سعيد وسعيده),(قرائه في دفتر منسي)، وغيرها من الاعمال الدرامية الاذاعية والتلفزيونية التي مازالت حاضرة في الوجدان، وحفظ أسماء من أمثال صالح شويرد، والمرحوم سعد القبان، والاخوان ماهر ومهران البرواني، وأمينة موسى،  وجمعه هيكل، وطالب محمد، وأمينة عبد الرسول، وصالح محفوظ، وهادي السرحاني، وايمان محمد وغيرهم ممن أسهموا في خارطة الدراما العمانية، والذي اختفى بعضهم فجأة تاركاً تساؤلات مختلفة حول أسباب هذا الاختفاء!

من الجيل الذي ارعبه غانم الصالح كامل الأوصاف اللي يخوّف وما يخاف، والذي كره خالد العبيد أو علقم علقم مر ومدلقم في (مدينة الرياح)، والذي مازال يحفظ بعضاً من أغنية المقدمة لمسلسل (خالتي قماشه). الجيل الذي لم يفهم وقتها عمّ كانت تتحدث فوازير نيللي، والذي مازال يتذكر دور سعود الدرمكي ملك ليون، وصالح زعل في دور ابن عبّاد حاكم اشبيليه في (الشعر ديوان العرب) ذلك العمل الدرامي العماني الرائع الذي أتمنى أن يعاد عرضه مرّات ومرّات. الجيل الذي استمتع بمسلسلات خالدة من نوعيّة (الشهد والدموع)، و(ليالي الحلميّة)، و(أرابيسك)، و(أيام شامية)،و(الجوارح) وغيرها من المسلسلات الباقية أحداثها في الذاكرة عندما كان تلفزيون سلطنة عمان هو الوسيلة الإعلاميّة المرئيّة الوحيدة التي تتوجّه إليها الانظار قبل أن نبتلى بإسهال البرامج والمسلسلات كما هو الحال الآن.

من الجيل الذي عايش فوازير "حميد" أو الفنّان هاني القاضي وقتها، والجرّاح المعروف حاليّاً وتنقّل مع كاميرته بين ملامح عمانية جميلة، وكان يهتم بحلّ الفوازير المتنوّعة التي كانت تقدم في الاذاعة والتلفزيون، وأسئلة المسابقات المطروحة في الصحف المحلّيّة والتي أضافت الكثير من المعلومات المتنوّعة، أملاً في ظفر جائزة كانت تعدّ ثمينة بمقاييس تلك الأيّام.

أنا من الجيل الذي أسعده القدر بأن يعايش رمضان في لحظاته الجميلة الأخيرة وأن يلحق على شيء من ذلك الجمال وتلك الرّوحانيّة والصدق التي حظي بها قبل أن تجتاحه حمّى التناقضات التي نراها حاليّاً والتي طغت على كثير من الممارسات والسّلوكيّات بحيث لم يعد من روحانيّات الشهر ونقاءه سوى القليل، فحلّت المقاهي والدّورات الكرويّة محلّ المساجد، واستبدلت البرامج والمسلسلات الهادفة بأخرى لا همّ لها سوى لهف الجيوب والتّسابق على الاعلانات، وكادت البساطة في الشراء وإعداد الوجبات أن تختفي أمام هوس الشراء العبثي الذي أصبح سمة تميّز الشهر، وأصبح (الآي باد) و(التاب) بديلاً للألعاب الشعبيّة التي كان الأطفال يمارسونها كلّ ليلة حتّى تدركهم إغفاءة النوم، وأصبح الكثير يتحرّج من ذهابه للإفطار في المسجد، وقس على ذلك تناقضات أخرى في الملبس والإعلام وغيرها، فهل ستعود لهذا الشهر شيئاً من جماليّته وروحانيّته ونقاءه يوماً ما؟!!

 

مشاهد وتساؤلات (23)

(1)

اعتدنا خلال الفترة الأخيرة على انقطاع المياه عن بعض الولايات والأحياء حاملة معها العديد من الإشكاليّات المتعلّقة بآليّة الحصول على الماء في ظل التصرّفات السلبيّة من قبل (بعض) مورّدي المياه من أصحاب الناقلات رغبة منهم في استغلال الأزمة، مع ما يصاحب هذه الأزمات من تساؤلات تتعلق بأسباب تكرار هذه الإنقطاعات، وبآليّة إدارة الأزمة من قبل الجهات المعنيّة، وببرامج التخطيط العمراني.

وتساؤلي هو: لماذا لا تقوم الجهة المعنيّة بتوزيع عدد من الكوبونات على أصحاب منازل المنطقة المتأثرة بالانقطاع بعدد الأيام المتوقّع فيها انقطاع الخدمة، بحيث يتم القضاء على العشوائيّة في التعامل مع أصحاب هذه الناقلات، وضمان الحصول على الماء، وعدم التلاعب في الأسعار، بحيث تكون المنفعة متبادلة بين الطّرفين، فيضمن المواطن حصوله على الماء بذات القيمة التي سيحصل عليها جاره، ودون القيام بالبحث عمّن سيجلب له الماء بأسعار قد لا تتناسب وظروفه الماليّة، وفي نفس الوقت لن يلجأ صاحب النّاقلة إلى محاولة رفع السعر لأن قيمة الكوبونات ستكون موحّدة ومناسبة كذلك للظرف الاستثنائي.

(2)

في عاصمة إحدى الدّول الخليجيّة لم تتجاوز فاتورة جلوسنا نحن الأربعة على أحد المقاهي الراقية العشرة ريالات، وفي فرانكفورت بألمانيا التي تصنّف ضمن إحدى أغلى الدول في العالم كانت قيمة الغرفة التي حجزها أحد الأصدقاء في الفندق ذو الأربع نجوم حوالي خمسة وأربعين ريالاً وهو قريب من القيمة التي دفعها صديق آخر في أحد فنادق نيودلهي الراقية، علماً بأنّ أصحاب تلك المنشآت السياحية في تلك الدول يدفعون ضرائب باهضة، ويحصلون على الطاقة بسعر يختلف عمّا يحصل عليه المواطن العادي، وعلماً بأن طاقم العمل في تلك المنشآت يمتاز بالحرفيّة العالية وبحصوله على شهادات ودورات متخصّصة.

وفي عمان تبلغ قيمة الجلوس على العديد من المطاعم التي يصنّفها أصحابها على أنّها من فئة الخمسة نجوم علماً بأنها غير ذلك وتنقصها العديد من الخدمات أضعاف قيمتها في الدول الأخرى، ويتجاوز سعر بعض الغرف الفندقيّة حاجز المائة ريال، بل انها تصل إلى حوالي ألف ريال في الليلة الواحدة قيمة اسئجار بعض الفلل التابعة لأحد الفنادق التي تملكها الدولة في ظل تساؤلات حول قيمة الإيجار السنوي لبعض الأراضي والمنشئات المملوكة أساساً للدولة، وقيمة الضرائب التي تدفعها هذه المنشآت، وقيمة الطّاقة التي يحصلون عليها، ومستوى تأهيل العاملين في كثير من تلك المنشآت!

(3)

إذا ما تحدّثنا عن كثير من الأغنياء والموسرين ورجال الأعمال الذين فتحت لهم الأبواب المشرعة نحو تكوين ثرواتهم، سواء بالجهد الشخصي لدى البعض، أو بممارسة الاحتكار لدى البعض الآخر، أو باستغلال الفرص الوظيفية أو المكانة الاجتماعية أو القرب من مراكز صنع القرار لدى فئة أخرى من هؤلاء، وإذا ما استثنينا البعض فأين البقيّة من المبادرات الإنسانية الخيرية، وما مدى مساهماتهم (الحقيقية) في هذا المجال، وهل هناك تحقيق فعلي لمبدأ الشراكة المجتمعية  الفعالة؟!

ولنطرح السؤال بشكل آخر: كم عدد الجمعيات الخيرية التي يتبناها الأغنياء لدينا، وكم مركز طبي متخصص تم التكفل بتجهيزه من قبلهم، وكم مركز أيتام تمت رعايته، وكم أسرة معوزة تمت كفالتها، وكم مقعد دراسي جامعي تم توفيره، وكم بعثة تعليمية تم إرسالها، وكم صاحب ابتكار أو موهبة تم تبنيه، وكم مكتبة عامة تم انشائها، وكم شارع تم سفلتته، وكم من هؤلاء من يفتح بابه للناس فيستقبلهم ويستمع إلى مطالبهم ويسعى إلى تذليل الصعاب التي يعانونها في سبيل توفير الحياة الكريمة لأسرهم، أو فك أزمة يعانون منها؟!

تخيلوا كيف سيصبح حال بلدنا لو تبرع أحدنا بكفالة يتيم، وقام الآخر ببناء مسكن لمعوز، وتكفل الثالث بمقعد دراسي لمعاق، وقام الرابع بشراء جهاز طبي يحتاجه مستشفى مدينته، وتبنى الخامس تنفيذ مشروع حيوي عجزت ميزانية البلدية عن تنفيذه، وغيرها من المشاريع المماثلة؟!!

 

 

(4)

عند اطّلاعي على المشاريع المدعومة من قبل بعض برامج الدّعم الحكومي للأنشطة التجاريّة الصغيرة والمتوسّطة لفت انتباهي سيطرة مشاريع بعينها على الدعم المقدّم كمشاريع تصفيف الشعر والتجميل، وتنظيم وتصوير حفلات الأعراس والمناسبات، وتغليف الهدايا، وتفصيل العباءات، وتنسيق الزّهور، وتحضير العطور!!

ومع تقديري لكل تلك المشاريع إلا أنّني أعتقد أن هناك مشاريع أخرى (حقيقيّة) بحاجة إلى جزء من هذا الدعم خاصّة وأنّ أصحاب المشاريع السّابقة قادرون على الترويج لمشاريعهم وضمان الحصول على العائد المناسب خاصّة في ظلّ التغيير الحاصل في أنماط الحياة المجتمعيّة، ورغبة البعض في مواكبة التحدّث والتمدّن.

ماذا لو ركزت مثل هذه البرامج على حقيقة هامة وهي أنه في كل قرية من قرى عمان توجد أسر منتجة، بحاجة إلى من يقف معها ويوجّهها، ويطوّر من قدرتها، ويسوق إنتاجها بشكل واقعي بحيث يجعل منهم مشاركين في عمليّة التنمية، ويضمن تمسّكهم بحرفهم، وعدم تحوّلهم إلى عالة على المجتمع، وكذلك الحفاظ على المجتمع الذي يعيشون فيه بكل ارثه الثقافيّ والحضاريّ والاجتماعيّ ؟

أقول ماذا لو؟!!

(5)

برأيي أن شهر رمضان هو بمثابة محطّة توقّف لمسافر في طريق طويل، يقف لكي يراجع خارطة طريقه، إن كان في الاتجاه الصحيح أم لا، بمعنى أنّنا في خضم أمواج حياتنا المتلاحقة نحتاج إلى فترة توقّف نراجع فيها كثيراّ من سلوكيّاتنا الدّينيّة والاجتماعية والاقتصادية والصحيّة وغيرها، ونحاول تعديل بعض هذه السلوكيّات بحيث تتعدّل بوصلة مسارنا، ونطمئن أننا في المسار الصحيح.

أليس كذلك، أم أنّ لسلوكيّات البعض في هذا الشّهر الفضيل رأي آخر؟!

الأربعاء، 17 يونيو 2015

مشاهد وتساؤلات (22)


(1)

وأنا أتصفّح كتاب "ذاكرة عمان" الصّادر عن مؤسّسة عمان للصحافة والنّشر، والذي يوثّق لتاريخ الصّحافة العمانيّة عبر الفترة من 1970-2001 من خلال أربع مراحل مهمّة، لفت انتباهي عدد من الأسماء الصحفيّة التي ساهمت في صنع هذه المسيرة خلال مراحل التأسيس المختلفة أمثال أمين أبو الشّعر، وسليمان القضاة، وأحمد بن سالم آل جمعة،  ومحمّد ناجي عمايره، وحمود بن سالم السيابي، وسعيد بن سالم النعماني، وسعود السالمي، ومسلّم الجعفري وأسماء أخرى عديدة لا يتّسع المقال لسردها بعضهم ما زال يعيش بيننا، وبعضهم انتقل إلى رحمة الله.

والسّؤال المهم : أين هذه الأسماء من عمليّات التوثيق والتكريم تجاه ما قدّموه لمسيرة الصحافة العمانيّة؟! وهل نالوا من التّكريم ما يستحقّون تجاه تلك الجهود؟! وهل يمكن أن نرى مسابقة أو ندوة أو قاعة صحفيّة تحمل اسم أحدهم؟

تساؤلي لا يحمل الاستنكار بقدر ما يحمل التّذكير بجهودهم مع ثقتي الكبيرة بحرص الجهات المعنيّة على أمر كهذا، كما أنّه لا يوجّه لمؤسّسة بعينها بل هو أمر يعني المؤسّسات الصحفيّة، وجمعيّة الصحفيّين، وكلّيّات الإعلام، والباحثين كذلك.

(2)

من بين الأسئلة التي لم أجد إجابة شافية أو مقنعة لها حتّى الآن رغم قيامي بطرحه على العديد من المختصّين ممّن يعنيهم الأمر هو نسبة 3% التي يدفعها المواطن كرسوم لبعض الخدمات الإسكانيّة كشراء أرض أو منزل خاصّة إذا كان الهدف من شراء هذه الأرض أو المنزل هو الاستقرار الأسري وليس لغرض الاستثمار!

لا مشكلة لديّ في دفع رسوم إداريّة معقولة مقابل بعض الخدمات التي تقدّمها الجهة المعنيّة بمجال الإسكان والتي لا تشكّل عبئاً كبيراً على كاهل المواطن، ولكن المشكلة تكمن في قيمة الرّسوم العالية التي ترتبط بالحصول على عقار ما مقابل مبلغ كبير، وبالتالي ترتفع قيمة النسبة المقررة عليه، فلنتخيّل أنّ مواطناً ما أراد أن يشتري أرضاً أو منزلاً جاهزاً يأويه وأسرته في مسقط أو إحدى المدن الكبرى في ظلّ ارتفاع مبالغ الإيجارات للشقق والمنازل، ولنفترض أنّ هذا المواطن قام بأخذ قرض بنكيّ لا تقلّ قيمته عن سبعين أو ثمانين أو مائة ألف ريال مقابل الحصول على الأرض أو المنزل الجاهز في ظلّ غلاء المعروض واضطراره للسكن في تلك المدن لظروف مختلفة، فمن أين سيأتي بمبلغ الرّسوم التي سيدفعها للوزارة المعنيّة للحصول على تلك الأرض أو المنزل خاصّة وأنّ القرض الذي سيحصل عليه سيذهب مقابل قيمة الحصول على العقار فقط وليس لأغراض أخرى، فهل سيتحمّل ارهاقاً مادّيّاً آخر لا يقل عن ألفين أو ثلاثة آلاف ريال كي يدفعها مقابل تلك الرسوم؟! ناهيك عن المبالغ الأخرى التي سيدفعها مقابل رسوم الوساطة العقاريّة للمكتب الوسيط، أو لتأثيث المنزل الجديد!!

أوليست الجهة المعنيّة بالاسكان هي جهة حكوميّة ينبغي أن تقدّم التسهيلات التي تجعل المواطن يحصل على منزله بطرق أكثر سهولة ويسراً من خلال برامج كثيرة سبق لنا طرحها عشرات المرات؟ وهل تقدّم هذه الجهة للمواطن خيارات أخرى تجعله يبتعد قدر الإمكان عن اقتراض المبالغ الكبيرة من أجل الحصول على منزل أو قطعة أرض خاصّة عند انتقاله للسكنى في مدينة أخرى لظروف العمل مثلاً؟ بل أوليس بطء بعض الخدمات مثل القروض الميسّرة، أو عدم وجود برامج اسكان مرنة ومحافظ اسكانيّة وطرح وحدات سكنيّة للتملّك من ضمن الأسباب التي تؤدّي إلى ارتفاع أسعار العقارات لدينا؟! ثم ألا يمكن أن نفترض أن تلك الأرض أو ذلك المنزل الذي يرغب المواطن في شرائه قد تم دفع الرسوم الإسكانيّة المقرّرة عليه مسبقاً إذا ما علمنا أن بعض الأراضي والمنازل قد تنتقل ملكيّتها بين أكثر من مشتري وفي كل مرة يتم دفع الرسوم المتعلّقة بها!! أوليست بعض الأراضي والبيوت تقع ضمن مخططّات لا تتوافر بها بعض الخدمات المهمّة التي من أجلها ندفع الرّسوم كخدمات المياه والصّرف الصّحّي وغيرها؟!

هل الأمر يتعلّق بتشريعات قديمة آن الأوان لإعادة النظر فيها، أم أننا بحاجة لإعادة النظر في قطاع الإسكان الحكومي بشكل عام بحيث يتحاوز أدواره الحاليّة إلى أدوار أكثر واقعيّة وملائمة لحياة الناس، وبحيث لا ينحصر في تخطيط وتوزيع الأراضي السكنيّة وهي المهمّة التي ينبغي أن تقوم بها المجالس البلديّة في المحافظات!!

(3)

وسط الجدل الدائر حول مجلس الشّورى ووضعه وأدواره المجتمعيّة وخلال محاولتي استقراء بعض الأمور المتعلّقة به، ونظرة المجتمع إليه فإنّ من بين النّقاط التي تلفت انتباهي الخلط الدائم لدى شريحة مجتمعيّة كبيرة بين أدوار مجلس الشّورى وأدوار المجالس البلديّة، وهو خلط يقع فيه كذلك كثير من المترشّحين أنفسهم لهذا المجلس، بحيث تحمل برامجهم الانتخابيّة أعمالاً ومشروعات هي من صميم أعمال المجالس البلديّة.

ما زلت أحلم بمترشّحين ينادون ببرامج انتخابيّة واضحة ومحدّدة يمكن تنفيذها وقياسها بدلاً من البرامج الوهميّة الفضفاضة التي يتم وضعها إما بسبب جهل لأدوار المجلس الحقيقيّة، أو لدغدغة مشاعر الكتل الانتخابيّة للحصول على أصواتهم.

ماذا لو تبنّى أحدهم قضيّة التراث المادّي بالسلطنة من حيث المحافظة عليه والاستفادة منه من خلال مراجعة التشريعات الحاليّة، واقتراح تشريعات جديدة تهدف إلى الحفاظ عليه واستغلاله الاستغلال الأمثل، وماذا لو تبنّى آخر قضيّة التعليم، وركّز برنامج ثالث على الاسكان، ورابع لقضايا الشباب، وخامس للسياحة، وسادس، وهكذا بحيث تكون القضية المتبنّاة من قبلهم هي شغلهم الشاغل طوال مدة الدورة البرلمانيّة!!

للمجلس دورين مهمّين هما التشريع والرّقابة، وبدون مراجعة التشريعات الحاليّة المتعلّقة بالخدمات المقدّمة للمجتمع ومحاولة اقتراح تشريعات أكثر حداثة وملائمة وبالتالي أكثر تسهيلاً لحياة الناس، وبدون القيام بأعمال الرقابة المطلوبة على أداء الحكومة في ظل الصلاحيّات المعطاة لهؤلاء الأعضاء والتي من بينها الحصول على نسخ من التقرير السنوي لجهاز الرقابة، ونسخ من مشاريع الوزارات الخدميّة، فلن يحقق المجلس اهدافه المرجوّة، ولن يشعر النّاس بأهميّة المجلس بالنّسبة لهم.

ولمن يخلط بين مفهومي الدولة والحكومة وبالتالي يعترض على (صراخ) بعض الأعضاء، أو (تجرأهم) على مناقشة بعض الوزراء، وهو طرح بدأ يكثر خلال هذه الأيام أقول له إن مصطلح الدولة أوسع من مصطلح الحكومة، فما الحكومة إلا سلطة ضمن ثلاث سلطات مستقلّة لا (تغوّل) لأحدها على الأخرى: تشريعيّة، وتنفيذيّة، وقضائيّة، فعضو الشورى، والوزير، والقاضي كل منهم يمثّل سلطة مستقلة، وتكامل أدوار هذه السلطات هو من يضمن انسيابيّة الأداء، وإذا كانت هناك من معايير خاطئة يراها البعض عند القيام بانتخاب أعضاء مجلس الشورى المناسبين فالأمر يتم علاجه بمزيد من التوعية والتّثقيف بأهمّيّة الاختيار المجتمعي المناسب لهؤلاء كي يقوموا بالأدوار المأمولة منهم مستقبلاً بعيداً عن متلازمتي المال والقبيلة.

سيأتي اليوم الذي نختار فيه البرنامج الانتخابي لا النّاخب، ولكنّ أمنية كذلك لن تتحقّق في غضون سنوات بسيطة بل ستكون محصّلة لسنوات كثيرة من الحوار والنقاش والجدل والتّجارب والممارسات والتثقيف والتوعية.     

الأحد، 14 يونيو 2015

(مركز ثقافي!!)

"أكد الدكتور عبد الواحد النبوي وزير الثقافة المصري أن الوزارة وضعت خطّة فعّالة لإنشاء بيوت ثقافة بالقرى المحرومة على مستوى الجمهورية باستثمارات تبلغ 100 مليون جنيه, وذلك للمساهمة في تنمية المواهب الثقافية"

خبر قرأته صبيحة هذا اليوم بأحد المواقع الإخباريّة يتناول توسعة خريطة النّشاط الثّقافي بمصر والتي تجاوزت أكثر من (550) موقعاً ثقافيّاً متنوعاً ما بين قصر وبيت وقصر طفل ومكتبة تغطّى جميع أنحاء الجمهورية، تهدف إلى المشاركة في رفع المستوى الثقافي وتوجيه الوعي القومي للجماهير في مجالات السينما والمسرح والموسيقى والفنون الشعبية والتشكيلية ونشاط الطفل وخدمات المكتبات في المحافظات وتشكل ملتقى للإبداع الأدبي والفنّي والنشاط الثقافي.

وأنا أقرأ الخبر السّابق جال بخاطري (استجداء) ابني وهو يخاطبني قائلاً: أبوي اشتري لي (آي باد) أو شلنا دبي، الإجازة طويلة وكلها ملل!! تذكّرت كذلك طفولتي التي كان أقصى نشاط هادف يمكن أن نمارسه هو مباريات كرة القدم الصّباحيّة والمسائيّة، أو شراء كتيّب يحتوي على بعض المسابقات الثّقافيّة، وباستثناء بعض الأعمال التي كنّا نقوم بها كمساعدة العائلة في أعمال الحصاد وقت القيض مثلاً، فإنّ بقيّة الأوقات كانت تذهب سدى في تجمّعات فارغة من المحتوى الفكريّ والثّقافيّ.

وللأسف، فبعد مرور سنوات عديدة على تلك الذّكريات إلا أنّ الواقع يكاد يكون هو ذاته        - أعني البنية التّحتيّة الثّقافيّة - إن لم يكن أسوأ، ففي ذلك الوقت كانت الأندية ( التي يقتصر وجودها على مراكز بعض الولايات) تقيم بعض الفعاليّات الثّقافيّة من معسكرات ومسابقات ثقافيّة وحفلات وطنيّة وغيرها، وكان الإقبال عليها كبيراً، إذ لم تكن توجد أنشطة سواها تستفرغ طاقات الفتية والشّباب تجاه ذواتهم ومجتمعهم. ورغم قلّة تلك الأنشطة إلا أنّه كان لها من الأثر الإيجابي ما لا يمكن نكرانه.

أمّا الآن فبالرّغم ممّا قد نقوله عن هذا النّوع من النّشاطات وكثرة الجهات المنظّمة حكوميّة أو مجتمعيّة إلا أنّ نطاق أثرها في تنمية الحياة الثقافيّة لدى الفرد والمجتمع لا يزال ضيّقاً، ولا شكّ أنّ هناك من الأسباب وراء ذلك ما هو معلوم لدى المعنيّين والمتابعين والمهتمّين.

ولعلّ أبرز تلك الأسباب يتمثّل في عدم صفاء الأجواء بين المنشغلين على النّشاطات الثقافيّة، وضعف الوفاء كذلك للرسالة الثقافيّة وفاءً مجرّداً لقيمة الثّقافة ومضمونها العام دونما تحزّب لتيّار وإقصاء لآخر، بما يشير إلى غياب الرّؤية الاستراتيجيّة لغايات الثقافة البانية للفرد والمجتمع.

وفي هذا السّياق لا زلت أسأل نفسي (والآخرين أحياناً) بعض الأسئلة التي لا أجد لها إجابة شافية أو وافية، والتي من بينها: لماذا لا تهتم الجهات المسئولة عن الثّقافة بتنمية المجتمع ثقافيّاً من خلال إنشاء مراكز وبيوت ثقافيّة يستطيع الشّباب من خلالها ممارسة أنشطتهم المختلفة، وصقل مواهبهم ومهاراتهم المتنوّعة؟! وأين هي المسارح، والمراسم، والأندية العلميّة، وقاعات المطالعة، والمكتبات عن قرانا وولاياتنا؟! وهل يعقل أن أزور قرية نائيّة في أقصى صعيد مصر لأجد بها مؤسّسة ثقافيّة متكاملة تدعى "قصر الثّقافة" ولا أجد مكتبة عامّة في أيّة ولاية من ولايات السّلطنة( عدا بضعة مكتبات تكفّل المجتمع بإنشائها)؟! وأين تكمن المشكلة بالضّبط: هل في الإمكانات، أم في اللامبالاة وعدم الإحساس بوجود ما يستدعي الاهتمام بهذا الجانب؟!  أولا ينصّ النّظام الأساسي للدولة في المادّة (13) على أن "ترعى الدولة التراث الوطني وتحافظ عليه، وتشجع العلوم والفنون والآداب والبحوث العلمية وتساعد على نشرها"!!

بل وكيف لنا أن نعالج بعض الإشكالات المتعلّقة بقضايا المواطنة والهويّة والعولمة، والتنشئة السياسية، وثقافة العمل والإنتاج، وثقافة العمل التطوعي، أو ثقافة الحقوق والواجبات، وغيرها من الثقافات في ظلّ عدم وجود حاضنات ثقافيّة وفكريّة توجّه هؤلاء الشّباب وتوفّر لهم فرص الاندماج والانخراط في قضايا المجتمع المختلفة؟!

وليتخيّل أحدكم معي وضع الأطفال أو الفتية أو الشّباب في قرية ما مع ابتداء الإجازة الصيفيّة  ( أو حتّى في بقيّة أيام السّنة): كيف سيقضي هؤلاء أوقاتهم الطّويلة في ظلّ عدم وجود حتّى (كشك) صغير لبيع الصّحف؟! وما الذي تتوقّعونه منهم أن يفعلوه طوال أيّام الإجازة؟! وما البدائل التي سيقبلون عليها لشغل أوقات فراغهم؟! ولماذا لا يكون من حقّ هؤلاء ارتياد مكتبة، أو المشاركة في معسكر عمل، أو حضور بعض ورش العمل التي تناسب ميولهم واهتماماتهم، أو تنظيم رحلات داخليّة أو خارجيّة يتعرّفون من خلالها على ما يحيط بهم من مجتمعات؟! بل وماذا لو أتى من يحاول القيام بالدور البديل للحكومة في هذا الجانب!! أولا يمكن أن نتوقّع انجذاب شريحة من هؤلاء للأفكار البديلة التي ستقدّم في ظلّ تعطّشهم لأيّ برنامج فكري يمكن أن يملأ عليهم أوقات فراغهم!!

وقد يقول قائل: ولكن هناك بالفعل أنشطة متنوّعة تقيمها الجهات المسئولة عن الشّباب كبرامج "صيف الرياضة"، وتنظيم عدد من الملتقيات، ومعسكرات شباب الأندية، والرّحلات الشّبابيّة، عدا الفعاليّات التي تقيمها بعض المؤسّسات الحكوميّة والخاصة، وكلّها تخاطب الصّغار والشباب وتوفّر لهم مناخاً مناسباً يتمكّنون من خلاله من ممارسة أنشطتهم المتنوّعة، وقضاء وقت فراغهم!!

مع تقديري لكل هذه الأنشطة إلا أنّها تبقى أنشطة فصليّة أو موسميّة، كما أنّه وبحسب خبرتي المتواضعة في المشاركات السّابقة بها، فإن كثير من الأسماء المشاركة هي ذاتها، عدا أنّ معظم هذه الأنشطة تنفّذ في العاصمة ومراكز المحافظات وبالتّالي فإنّ الاستفادة منها لا تكون بالشّكل المطلوب، ولا تخاطب شباب القرى والولايات البعيدة إلا فيما ندر.

إنّ وجود مراكز ثقافيّة دائمة جنباً إلى جنب مع المدرسة والمسجد والمركز الصّحّي وغيرها من المؤسّسات الأخرى من شأنه أن يحقّق كثيراً من الأمور الإيجابيّة التي ستعود بالنّفع على الفرد والمجتمع لعلّ من بينها على سبيل المثال لا الحصر: توفير مناخ فكري واجتماعي مناسب لشرائح مجتمعيّة مهمّة لقضاء أوقات فراغهم واستغلال طاقاتهم، وتنشيط الحركة الثّقافيّة، وإذكاء روح البحث والابتكار، وبروز أدوار ثقافيّة مهمّة لبعض الفنون كالمسرح، والفنون التشكيليّة، والتّصوير بأنواعه، والمساهمة في تنمية القرى من خلال الدّراسات الميدانيّة، والبحوث التي تناقش قضايا تهم المجتمع المحلّي كقضايا المرأة والطّفل والتّنمية والانتاج وغيرها، وأنشطة العمل التّطوّعي، والمحافظة على كثير من مفردات الثقافة العمانية المحلية التي تعاني صراعاً محموماً مع محاولات التغريب أو الإزالة، بالرغم من أن هذه المفردات تعد جزءاً أصيلاً من ثقافة المجتمع كأغاني الطفولة الجميلة، وحكايات الجدات والأمهات، والألعاب الشعبية، والفنون العمانيّة المغنّاة، وغيرها وذلك من خلال الأنشطة التي ستقوم بها هذه المراكز للحفاظ على هذا الموروث.

لا يهم من سيحمل على عاتقه عبء انشاء هذه المراكز والمؤسّسات: هل هي الحكومة من خلال خططها السّنويّة أو الخمسيّة الخاصّة بمجال الثقافة، أم هي المجالس البلديّة التي ينبغي أن يقع على عاتقها تطوير مجتمعاتها المحلّيّة كونها الأقرب والأدرى باحتياجاتها، أم المجتمع من خلال فرقه الخيريّة وتبرّعات بعض المحسنين التي ينبغي أن تصب في أعمال أكثر أهمّيّة وجدوى، أم القطاع الخاص من خلال صناديقه الموجّهة لتنمية المجتمع، أم المؤسّسات الثقافيّة الإقليميّة والدوليّة التي نحرص على أن نكون من أوائل الدّول الملتزمة بتسديد اشتراكها بينما تذهب المشاريع المنفّذة لدول أخرى!!المهم أن نشعر بالفعل بأهمّيّة وجود مثل هذه المراكز كونها حق مكتسب لهذه الفئة العمريّة، وكونها كذلك قد تكون أحد مصادر الأمان للمجتمع كذلك.

إنّ الاهتمام بالثقافة ينبغي ألا يقل عن اهتمامنا بقطاعات أخرى نوليها كثيراً من الرعاية والاهتمام، ذلك أنّ بناء الأوطان لا يأت فقط بحجم منشآتها، أو بمقدار دخلها، بل يأت كذلك بمدى قدرة الدولة على بناء عقول أفرادها، في ظل تحدّيات ثقافية هائلة تتعرض لها المجتمعات حالياً، مستهدفة تغيير واقعها وهويّتها الثقافية، ومحاولةً جرّها نحو العولمة والتغريب الفكري.