الخميس، 30 أبريل 2015

أدعوا لخالد

التقيت به لأوّل مرّة عندما انتقلت إلى العمل بالهيئة العامّة لحماية المستهلك قبل ثلاث سنوات من الآن. كنت لا أعرفه من قبل برغم حديث الكثير من الأصدقاء عنه عندما علموا بأمر انتقالي، ورغم شهرته وقتها كونه كان مذيعاً لامعاً بإذاعة (الوصال)، وأحد مؤسّسي منتداها الشّهير، وصاحب الحلقات السّاخنة التي تزامنت مع الأحداث التي شهدتها السّاحة المحلّيّة في تلك الفترة، والتي كانت تتناول قضايا مهمّة تتعلّق بالرّأي العام المحلّي.

ولا زلت حتّى اليوم أتذكّر تفاصيل اللّقاء الأوّل بالإنسان خالد الراشدي في مكتبه الذي سيصبح فيما بعد أحد أكثر الأماكن التي أقضي فيها وقتي اليوميّ، ومقرّاً لندوة صباحيّة يوميّة نناقش فيها مستجدّات السّاحة المحلّيّة، ومطبخاً لكثير من الأفكار التي تتحوّل مباشرة إلى مقالات أسبوعيّة أزعم أنّ كثيراً منها يحمل بصمته وفكره. أذكر أنّه يومها حدّثني عن مصطلحات جديدة ربّما كنت أسمعها لأوّل مرّة، أو قد مرّت عليّ هنا وهناك دون التفاتة حقيقيّة لمعناها. حدّثني عن ترحيبه بي كإضافة حقيقيّة بحسب رأيه، وعن سعادته كوني سأصبح جزءاً من فريق العمل بالدّائرة، وعن تشوّقه للأفكار التي سأطرحها لتجويد العمل، وعن رؤية الدائرة القائمة على الابتعاد عن التقليديّة، والبحث عن الأفكار غير المألوفة!

 كنت أريد أن أصرخ في وجهه لولا أن منعني من ذلك بشاشته وحسن استقباله: إضافة! فريق عمل! أفكار غير مألوفه! هل أنت جادّ يا صديقي! ما أعرفه أنّ مصطلحات كهذه مكانها المجلات والبحوث وأوراق العمل التي نملأ بها أرفف مكاتبنا لا الميدان ذاته. أتمنّى ألا تكون مجرّد أطقم جمل تردّدها ككثير من المسئولين لدينا!

وخلال عشرة العمر التي ابتدأت منذ أوّل لحظة تعارف بيننا وكأنّنا نعرف بعضنا منذ لحظة الميلاد ، والتي وطّدتها النّقاشات الصباحيّة اليوميّة، وأسفار العمل، ولقاءات الغداء أو العشاء أو الافطار الرمضاني التي نقيمها كل حين وآخر بصحبة بقيّة الزّملاء في الدائرة، فإنّ أكثر ما شدّني فيه هو ابتسامته الدائمة وعدم تذمّره، وانسانيّته المفرطة إلى حدّ اللامعقول، فلم يحدث أن دخلت عليه يوماً لأجده عابساً أو مكتئباً أو متذمّراً برغم الأعباء الملقاة على عاتقه والتي ينوء عن حملها فريق كامل من المديرين، وكثيراً ما كنت أدخل مكتبه متضايقاً أو متذمّراً من زحمة طريق، أو موضوع حياتيّ معيّن، أو من (غلاسة) أحد الآسيويّين في بنك أو شارع أو محلّ، فينظر لي بابتسامة وهو يقول لي: أعرف أنّ هناك ما يضايقك. هيا فلتفضفض لي، هل ضايقك أحد (حبايبك) في الطّريق كعادتهم معك كلّ يوم، أم أنّ هناك شيئاً آخر استجدّ! وكنت أجد راحة تامّة وأنا أفضفض له، بينما يأتي تعليقه جادّاً أو ضاحكاً بحسب الموقف الذي أسرده. ليجرّنا الحديث بعد ذلك إلى مناقشة حدث مستجدّ، أو قضيّة ما قبل أن تنفضّ جلستنا وينشغل كلّ منّا بعمله.

وكان في أحلك لحظات العمل ارهاقاً وانشغالاً مستعداً لاستقبالك بنفس لياقته الفكريّة الصباحيّة، فكثيراً ما يحدث أن أقطع عليه اجتماعاً مصغّراً مع بعض زملاء العمل، أو اتّصال عمل يجريه كي يسعفني ببهارات كلامه التي أرشّها على سطور مقالي الأسبوعيّ فتجعله مقبولاً في نظري، أو أن أطلب منه عنواناً لأحدها فيبتسم ثم يطالع السّقف ليقترح عليّ أحدها، وقبل أن يكمل عنوانه أكون أنا قد وصلت مكتبي لأكتبه قبل أن أنساه، وكان قارئي الأوّل الذي كنت أستمتع بمراقبة حركة شفاهه وهو يقرأ المقال للآخر قبل أن يعطيني رأيه أو انطباعه الذي غالباً ما يأخذ طابع التّحفيز كعادته مع بقيّة الزّملاء.

أمّا إنسانيّته فقد كانت شيئاً آخر مختلفاً تماماً، فقد كان إنساناً إلى درجة الثّمالة بل تزيد، يحدث أن يدخل عليه زميل (أو زميلة) عمل ليقدّم له مقترحاً أو مشروعاً ما، فيبتسم وهو يقول بصوت محبّب: الله.. رائع.. جميل، وكان هذا كاف كي يشعر ذلك الزّميل بالنّشوة والحيويّة والأهمّيّة فينطلق نحو بذل المزيد. كما كان بحكم علاقاته وعمله السابق يعرف الكثير من المسئولين في القطاعين الحكوميّ والخاص، وكانت علاقته ببعضهم مباشرة، وبرغم أنّه كان يأنف أن يستغل تلك العلاقات يوماً لمصلحته الشّخصيّة، إلا أنّه كان مستعدّاً للوقوف على أبوابهم إذا ما قصده زميل أو محتاج في خدمة. أذكر أنّه عندما تعرّض طفلي الصّغير لوعكة صحيّة استدعت بقاؤه في أحد المستشفيات الخاصّة لم يترك أحداً من أطبّاء الأطفال في السّلطنة دون أن يحدّثهم عن حالته برغم أنني لم أطلب منه ذلك، وبرغم أنّني شخصيّاً لم أهتم بابني كما اهتمّ هو به، وأذكر كذلك أنّني حدّثته عن رغبة بعض من أعرفهم في بناء مجلس عامّ يخدم قريتهم فإذا به يطلب منّي الأوراق المتعلّقة بالمجلس كي يقدّمها لبعض من يعرفهم من أصحاب الأيادي البيضاء، كما كان مستعدّاً للتبرّع بآخر ريال في جيبه من أجل إقامة حفلة تكريم لموظّف مجيد، أو للتبرّع لشخص مريض حتّى ولو لم يكن يعرفه، أو لتقديمها إلى عمّال النّظافة الملحقين بالدّائرة، عدا مساهمته في كثير من الأعمال التطوّعيّة المجتمعيّة التي تنفّذها بعض المؤسّسات والفرق، وقس على ذلك مواقف انسانيّة كثيرة لا يتّسع المجال لسردها.

وكأنّ اللحظات الجميلة تأبى أن تستمر لنفاجأ ذات صباح بإصابة والده بالفشل الكلويّ الأمر الذي يستدعي معه سفره للعلاج لاستبدال الكليتين أو احداهما، فإذا بخالد يبذل المستحيل من أجل والده. لم يرض أن يبحث عن متبرّع بكليته مقابل مبلغ من المال كما يفعل الكثيرين فهو ليس على استعداد للمغامرة بفشل العمليّة ولو بنسبة 1%، ولم يرض كذلك أن يتحمّل والده ألم الغسيل الكلويّ، ولا مواعيد الجلسات والمراجعات، بل أصرّ على أن يتبرّع هو بنفسه مهما كلّفه الأمر، وحتّى لو كانت حياته هي المقابل، وكم كانت فرحته غامرة عندما أخبره الأطبّاء بقدرته على التبرّع. كنت أرى دموع الفرح في عينيه وكأنّ الأمر يتعلّق بالحصول على منصب ما لا التخلّي عن جزء مهمّ من جسده!!

مازلت أتذكّر آخر عبارة قالها لي قبل سفره " الحياة لا تساوي كلّ هذا التّعب والجري خلفها. لا تعتقد أنّني خائف أو متوتّر من العمليّة، على العكس فأنا سعيد لأنّي سأقوم بأجمل شي قد أقوم به في حياتي، ألا وهو أن أردّ شيئاً بسيطاً من تعب والدي وتضحياته تجاهي وإخوتي. إنّ والدي لا يعرف حتّى هذه اللّحظة أنّني من سيتبرّع له بكليته، ولن أخبره مستقبلاً، فهذا ليس بالأمر الذي يدعو إلى المنّة أو التّفاخر، بل هو أدنى درجات الواجب، إنّني أنتظر هذه اللحظة اليوم قبل الغد، فما أجمل أن يكون مصيرك مرتبطاً بحياة والديك ".

يا لإنسانيّتك أيّها الخالد!! سيلطف بك ربّي وسيكافئك على قدر نيّتك وانسانيّتك وبرّك بوالديك، وستشفع لك دعوات الكثيرين ممّن وقفت معهم دون انتظار لمقابل. فقط أنتظر عودتك يا صديقي كي أراك كما تعوّدت عليك، بابتسامتك العذبة الصّادقة، و(قفشاتك) ومداعباتك البريئة، وكلّ مساحات الصدّق والنّقاء التي تغلّف سريرتك.
أنتظر عودتك كي أغلبك في دور (طاولة) مؤجّل تحدّينا فيه بعض كثيراً ولم نلعبه حتّى الآن.

أنتظر عودتك كي أناقشك في كثير من القضايا المجتمعيّة المؤجّلة، وكي أخبرك عن آخر من أزعجني من (حبايبي)، فما زلت أرمق باب مكتبك كلّ يوم كعادة ابتدأت منذ أوّل يوم عمل لي معك.

أنتظرك كي نسافر معاً لنقف الوقفة ذاتها ونحن نطالع معلماً تاريخيّاً حدّثتك عنه قبل سفرنا، ولنردّد العبارات ذاتها التي تمنح المكان سحراً عجيباً، وتحوّله من مجرّد جماد صامت، إلى روح ناطقة!

أنتظرك يا صديقي لأسباب كثيرة.. عد إلينا ولا تطوّل الغيبة، فكلّ شيء يشتاق إليك. وأنتم أيّها الأحبة: فقط..أدعوا له!



الأربعاء، 22 أبريل 2015

في نخل شاذون

ولأنّني أزعم أنّ لديّ عشقاً لتاريخ بلدي يجعلني أسهر كلّ ليلة على قراءة أحد كتبه دون مبالاة بوقت أو بغيره وهي عادة تولّدت معي منذ أن كنت في الصّفّ السّادس عندما اقتنيت كتاب (الفتح المبين) من مكتبة متنقّلة كانت تسيّرها وزارة التراث القومي والثّقافة (وقتها) ثمّ ذهبت كحال أشياء كثيرة جميلة لم تعد باقية!! ولأنّ هذا العشق يجعلني في كثير من الأحيان أتخيّل الأحداث والأماكن والشّخوص الواردة في تلك الكتب وكأنّني أعيش وسطهم، لهذا تراودني الرّغبة بعد كلّ مرّة أقرأ فيها كتاباً أو معلومة تاريخيّة أن أزور المكان الذي وقعت فيه تلك الأحداث، وأن أقف على مكانها، وأن أتخيّل مشاهدها!   

وعندما استيقضت ضحى السّبت قبل الفائت كانت الرّغبة قد تعدّت مرحلة الإلحاح لتدخل مرحلة التّنفيذ، وكان الخيار الأوّل هو الذّهاب إلى حمراء العبريّين، حيث مازال تأثير سطور كتاب (تبصرة المعتبرين) للعلامة الكبير ابراهيم بن سعيد العبري لم يبارح ذاكرتي، كما أنّني قد زرت نزوى وبهلا وتنوف أكثر من مرّة ووقفت على شواهدها الأثرية ومسارح الأحداث بها، بعكس الحمراء التي حظيت بزيارة يتيمة لم يكن كياني التّاريخيّ وقتها قد تشكّل بوضوحه الحاليّ بعد. كانت رحلة جامعيّة اتذكّر منها سواقي مسفاة العبريّين، وبيوتها الفريدة في المعمار، وسؤالي المليء بكل استغراب الدنيا لمن حولي : كيف تمرّ تلك السواقي أسفل الصّخور!! وطعم ثمرة سفرجل أكلتها في بيت الصّديق الشّاعر أحمد بن هلال العبريّ عندما كنّا نتزامل وقتها في نصف جماعات الأنشطة الطّلابيّة الجامعيّة!

ولكنّ الوقت متأخرّ، وموعد وصولي قد يكون في الظّهيرة، فأين سأقضي ذلك الوقت حتّى العصر! وهل سأضمن وجود استراحة تأويني خلال تلك الفترة! أؤجّل رحلة الحمراء لأسابيع قادمة مع وعد لنفسي بتنسيق مسبق ليقفز الخيار الثّاني مباشرة وهو زيارة نخل والعوابي والرّستاق، فالولايات الثّلاث متقاربة، وهي فرصة لضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد، كما أنّ دليل هاتفي يحوي أسماء أصدقاء وطلبة لي من تلك الولايات أزعم أنّ علاقتي بهم ستجعلهم يستوعبون (جنوني) المفاجئ. لم أكذّب خبراً وإذ بي أهاتف صديقي النّخليّ بدر الجابري لأخبره في كلمات مقتضبة أنّني سأكون معه بعد حوالي ساعة ونصف من الآن، وأنّ عليه أن يفرّغ من وقته ساعة قد تكون كافية للإجابة على تساؤلات كانت محتبسة في وجدان عاشق التّاريخ الذي بداخلي. هكذا بلا إحم ولا دستور، وبدون أن أترك له فرصة الاختيار كانت رجلي تضغط على دوّاسة البنزين في سيّارتي معلنة بداية رحلة جديدة من رحلات البحث عن إبداع الإنسان العمانيّ في بقعة أخرى من بقاع هذا الوطن الجميل.

بعد رحلة توهان متوقّعة اضطرّتني لدخول حارات بركا القديمة وسوقها بدلاً من الانعطاف من الطّريق السريع نحو حلبان فالطّوّ ثمّ نخل اختصاراً للمسافة، وهروباً من زحمة طريق الباطنة، وكلّ ذلك بسبب لوائح الطّريق الإرشاديّة الواضحة (جدّاً)، والتي تفترض فيك أن تكون إمّا من سكّان المنطقة الأصليّين العارفين بدروبها ومسالكها، أو متخصّصاً في علوم الجغرافيا والمساحة، وبعد أن استعنت بأكثر من صديق وعابر طريق ليرشدني إلى خيط يقودني نحو الطّريق الصحيح، أصل إلى نخل، أو شاذون كما كانت تسمّى سابقاً.

 ولأن وقت وصولي كان متأخّراً بعض الشّيء، وشمس الظّهيرة تصبّ حمماً من لهيبها فوق رؤوسنا فقد كانت جولتي سريعة، حيث اكتفيت من نخل بحاراتها القديمة كحارة (العتيك) بقلعتها الشّهيرة التي تحمل اسم الولاية والمحمولة على صخرة ضخمة كمشهد آخر من مشاهد الإبداع العماني الذي يبهرك بشيء جديد متفرّد في كلّ بقعة تصل إليها قدماك، وحارة (الجميمي) ذات الصّباحات الثلاثة، وحارة (الجباجب) القريبة من جامع نخل الشهير، وحارة (الغريض) المبنيّة من الطّين بمعالم سورها العريق وبوّاباته القديمة، وبمساجدها الأثريّة كمسجد الغريض، والمكبّر، وهي مساجد لعبت دوراً مهمّاً في التّاريخ العماني، وشهدت تنصيب أئمّة، وتخريج علماء أسهموا في مدّ إشعاع النّور إلى أقصى مدى يصل إليه، وتأليف كتب أثرت المكتبة العمانيّة على مرّ عصورها، حالها كحال جامع نخل الذي كان موسوعة للوثائق العمانيّة بما احتواه من شواهد، وكتابات كان يمكن لها أن تضيف الكثير لحركة التّأريخ العماني لولا أن امتدّت إليه اليد العبقريّة المبدعة في عصر العلم والتّكنولوجيا لتساوي به الأرض بحجّة إعادة ترميمه، وهي ذات اليد العبقريّة التي امتدّت إلى كثير من الحارات والمنازل والمساجد والمجالس والمدارس الأثريّة لتجعلها أثراً بعد عين بداعي شهر البلديّات، أو لدواعي أخرى متعدّدة قاسمها المشترك الجهل بأهمّيّة هذا التّراث، ومدى ما يمكن أن يضيفه إلى البلد تراثيّاً، وسياحيّاً، واقتصاديّاً، وفكريّاً. لم يكتف القائمين على ترميم جامع نخل بما فعلوه بحقّ الجامع، بل امتدّ تخطيطهم العبقري إلى سوقمة ضخمة ظلّت لمئات السّنين ملاذاً للوافدين إلى الولاية أو القاطنين بها من لهيب الشّمس الحارقة صيفاً، ومنتدى يناقشون فيه قضاياهم المجتمعيّة، ويتبادلون فيه الأشعار والحكم وأحداث التاريخ التي سطّرت حول المكان، وسوقاً يعرضون فيه بضائعهم ومنتجاتهم. كلّ هذا ذهب في غمضة عين، كما ذهب وسيذهب غيرها في أماكن أخرى من هذا الوطن، ثمّ نطلق عقيرتنا بالنّحيب والنّواح ودبج المقالات، وإنشاء الوسوم والهاشتاجات للوم الآخرين والتّنديد بهم عندما يحاولوا صنع تاريخ عجزنا نحن عن الحفاظ على شواهده المختلفة، بينما نكتفي بتناقل كلمات الإشادة والمدح التي تنطلق من فاه هذا، وقلم ذاك، حتّى لو كان صاحبها غير معروف من الأساس!!

في نخل وقفت على قبر العالم الزّاهد أسد بن عبد الله الأغبري الذي كان سليل أسرة عريقة استوطنت حارة الغريض يوماً ما، وأثناء مروري بحاراتها ومساجدها تذكّرت علماءً وقضاة مرّوا على هذه الولاية العريقة التي لا تكاد تمرّ بضع صفحات من أيّ كتاب تاريخ عمانيّ دون ذكر اسمها كابن شايق، وطالوت النّخليّ، ونجدة اليحمديّ، وسعيد بن أحمد الكنديّ شيخ العلامة الكبير جاعد بن خميس، وغيرهم الكثير ممّن خطّوا بإسهامهم الفكري سطوراً مهمّة في سفر التّاريخ العمانيّ الضّخم.

ولأنّني في نخل فلابدّ لي من المرور على الثّوارة بمائها الرّقراق المتدفّق. لا أتذكّر آخر زيارة قمت بها إليها، ربّما كانت في أواخر التسعينات من القرن الماضي ضمن رحلة طلابيّة جامعيّة ما زلت أتذكّر مشهدها كما لو كانت بالأمس: ازدحام في المواقف الضّيّقة القريبة من العين، وأطفال ونساء يخضن الوادي القريب، وثمّة عائلات تفترش الأرض هنا وهناك باحثين عن مكان شبه مناسب للجلوس وإقناع أنفسهم أنّهم في رحلة سياحيّة قطعوا من أجلها عشرات بل مئات الكيلو مترات، وشباب يحتلّون المكان المرتفع القريب من العين بينما صدى غنائهم القبيح، وأصوات طبولهم النّشاز تملأ أرجاء المكان مسبّبة تلوّثاً صوتيّاً قد لا يختلف عن بقيّة أنواع التّلوّث البصريّ الموجود ، ورائحة شواء تنبعث من هنا وهناك، وكثير من أكياس البلاستيك التي لربّما نسي أصحابها في غمرة نشوتهم بالمكام وسحره أن يأخذونها في طريق عودتهم، أو أن يتخلّصون منها في أقرب مقلب قمامة!!

تقترب سيّارتنا من العين وأنا أدعو الله في سرّي أن يكون المشهد قد تبدّل، فعشرين سنة قد تكون كافية لإحداث تغيير فكريّ واقتصاديّ يجعل المكان أكثر جاذبيّة، ولكن نظرة عابرة إلى المكان كانت كافية كي أطلب من مرافقي العودة من حيث أتينا، بحجّة استغلال الوقت في رؤيّة مكان آخر لم أره من قبل!! شيطاني الذي بداخلي كان يوسوس لي: ترى لو كان هذا المكان في (شيانغماي) التّايلنديّة، أو في دولة جارة أعرفها جيّداً فكيف سيكون وضعه! ملعون أنت أيها الشّيطان الرّجيم.

قبل العصر تركت نخل وأنا أتمثّل بيتين لابن رزيق يقول فيهما:

هواك يا جنّة الأخيار شاذون... روح القلوب بحبّ الرّاح مقرون

عليك أزكى تحيّات الإله فلي... قلب بحبّــك والسكــــّان مفتون

الخميس، 16 أبريل 2015

مقــال..والسلام

السّاعة الآن تقترب من الرّابعة من صبيحة يوم الأربعاء، وعبد اللّه خميس ينتظر مقالي الذي كان يفترض أن أسلّمه له ظهر الأمس، لولا التراكمات الفكريّة التي تتوالى على مخّي الذي سيشتكي عليّ يوماً ما وأبت أن تتيح له المجال للتفكير في أيّ موضوع بعد أن وصل إلى مرحلة (الخرس الفكريّ)، وهي مرحلة تختلف عن الخرس العاطفيّ الذي قد يظهر عند بعض الرّجال بعد الزّواج بسنوات، أو بأشهر أحياناً، لأن النتائج في الثانية قد تكون أكثر وخامة، وقد تصل إلى حدّ التعليب (أقصد تعليب أجزاء الرّجل) في جواني لو كانت المرأة من النوع الذي يظهر في أدوار الحموات في الأفلام المصريّة القديمة.

كنت أودّ أن أكتب لكم هذا الاسبوع عن تفاصيل رحلتي الأخيرة إلى نخل والعوابي ضمن سلسلة من الزّيارات والرّحلات التي أقوم بها من حين لآخر لإعادة اكتشاف التاريخ في بلدي العظيم. كانت رحلة ممتعة ومؤلمة في آن واحد، بدأتها بالثّوّارة، مروراً بجامع نخل الذي تفتّقت عبقريّة بعض المخطّطين لأن يهدموه ويعيدوا بناءه من جديد، دون التفكير في مصير ما يحتويه من موسوعات ثمينة تتمثّل في الكتابات التي تزيّن جدرانه وتوثّق لجانب مهمّ من تاريخ عمان العريق، وأنهيتها بالوقوف على أطلال بيت الشيخ، ولكن الكتابة عنها تحتاج إلى (دماغ) عالية، وهذا ما لا يتوافر لديّ في هذه اللحظة.

هل نتكلّم في السياسة! ولكنّي مقاطع للقنوات الإخباريّة منذ حوالي سنتين، كما أنّ الكتابة عن أيّ قضيّة سياسيّة عربيّة حتماّ لن تعجب الكثيرين، وإن نالت رضا بعضهم فلأنّها غالباً توافقت مع (ميولهم) الفكريّة أو السياسيّة في ظلّ تحوّل الكثيرين من المتديّنين والمفكّرين، والمثقّفين، والعقلاء، والمجانين إلى مشجّعي درجة ثالثة في أستاد كرة عربيّ مزدحم، كلّ يطلق حنجرته دفاعاً عن فريقه حتّى لو لم يكن يؤدّي أداءً جيّداً، وحتّى لو لم يكن هو ذاته (أي المشجّع) يرى سير الأداء بفعل التّزاحم، والصّراخ، والعويل، والهتافات المتبادلة التي تنقلب أحياناً إلى تحاذفهم بالطّوب والأحذية وأيّ شيء يقع في أيديهم!!

تبقّت حوالي 600 كلمة، عمّ نتكلّم إذاً! لا بأس من الحديث عن بعض الذّكريات، فليس هناك أسهل من استرجاع بعض الأحداث الماضية خاصّة لو كانت مواقفها ما تزال موسومة في قلبك، ساكنة في وجدانك.

كان والدي يملك (دكّاناً) يعدّ صغيراً مقارنة بمحلات اليوم، ولكنّه كان وقتها (قبل حوالي ثلاثين عاماً) محلاً مهمّاً بالنسبة لمجتمعه الصّغير، عامراً بكثير من السّلع والبضائع من الإبرة للباطلي (نوع من الأدوية الشعبيّة)، وكان بجنب (دكّانته) التي يجلس عليها (سحّارة) يضع فيها بعض الكتب الدينيّة والتاريخيّة والأدبيّة، أتذكّر منها الآن كتاب (قصص الأنبياء)،و(الطّبّ النّبوي)، وديوان شعريّ ضخم للمتنبّي، وكتيّب أخضر اللّون يتحدّث عن معركة القادسيّة كتب أخي على غلافه اسمه بخطّ جميل عندما كانت خطوط الطّلبة جميلة وواضحة! وكنت أقضي وقتي الصّباحيّ في مطالعة الرّسومات، وتهجّي بعض الكلمات، أو تأمّل نظّارة والدي وهو يطالع في تلك الكتب عند خلوّ الدّكّان من الزّبائن.

أمّا عندما يحين المساء فقد كنّا نتحلّق أنا وبعض إخوتي ممّن لم يلتحقوا بالدّراسة أو العمل خارج القرية حول والدينا للعشاء الذي كان الالتزام بوقته أمراً مقدّساً حاله كالغداء والإفطار، ومن ثمّ الاستماع إلى بعض القصص والمواقف، بينما يتنقّل أبي بمؤشّر مذياعه العتيق بين إذاعتي لندن و(صوت القرآن الكريم من مكّة المكرّمة) التي ما زال صدى مقدّمة برنامجها الشّهير (نور على نور) يرنّ في أذنيّ حتّى الآن، ثمّ أرافق والدتي إلى بيت جدّتي حيث تتجمّع عدد من جاراتها وقريباتها ممّن في سنّها في حديث ليليّ ممتع لا يقطعه إلا صوت تثاؤبي وأنا مستلق على ركبة والدتي حفظها الله.
 
كانت تلك الحصّة اليوميّة اللّيليّة كافية كي أتعلّم أشياء كثيرة ربّما لم تكن المناهج التربويّة الحاليّة بكلّ أنشطتها، وغرف مصادرها الفخمة، وكتبها ذات الألوان الجميلة لتكفي أن تغرسها في داخلي، ففيها استمعت إلى كثير من القصص الأسطوريّة أو الحقيقيّة التي كانت تحوي رسائل تربويّة مهمّة، وفيها تعرّفت على تاريخ مجتمعي وطرق معيشة أهله سابقاً، ومدى تكافلهم وتراحمهم في ظلّ الصّعوبات الحياتيّة التي ماكانوا ليواجهوها لولا تلاحمهم وتكاتفهم، وفيها حفظت كثيراً من الأشعار والأناشيد التي كان بعض أقاربي الكبار يأتون في أجازاتهم ليسمعوها منّي مقابل مبالغ ماليّة على سبيل التّشجيع، ومن بينها (يا الطّيرة فرّي للحدّ..هاتي لي من الكرب ليف..صخّي لا يسمعك حدّ.. وانتي طبعك ضعيف)، وفيها كنت أطلق العنان لعقلي الصّغير كي يسأل أسئلة وجوديّة عن اللّه، والرّسول، والسّماء، والقمر، والنّجوم، وأيّهما أكبر: هل القمر أم الجبل! وهل السّماء أم البحر!!

أتذكّرها كلّ ليلة وأنا أرى ابني في جلسته اليوميّة الكئيبة أمام التلفزيون يتنقّل في ملل من قناة لأخرى، بينما أخته تعبث بــ (الآي باد) علّها تجد لعبة تقتل بها وقت فراغها. أتذكّرها وأنا أشاهد وألمح كلّ يوم مواقف حياتيّة قد يكون الحديث عنها أكثر ايلاماً من السّكوت عنها، عنوانها الإندفاع الكبير نحو اكتساب عادات دخيلة بداعي التحضّر أو مواكبة العصر، أو مسايرة التكنولوجيا، في ظلّ تراجع مخيف للقيم الدينيّة والمجتمعيّة. وبينما كانت والدتي – وغيرها من نساء تلك المرحلة- تغطّي وجهها حياء وخجلاً لو رأت صورة رجل ما في التلفزيون، فإنّ اندماج (بعض) النّساء في المجتمع أصبح مبالغاً فيه بطريقة تكاد تكون سمجة وغير مبرّرة تحت دواعي التحضّر والتمدّن والانفتاح، وكون المرأة شريكة الرّجل!!

ذكّروني أن أبحث عن ديوان المتنبّي في أحد مناديس منزل العائلة، على الأقل أريد أن أعود إلى القصيدة التي أخذت من أحد أبياتها معرّفاً (للبروفايل) الشخصي في برنامج الواتساب، والذي يرى فيه أحد الأصدقاء نوعاً من الشّرك ويدعوني في كلّ مرّة إلى حذفه. يبدو أنّ هناك من تستهويه هواية الإطّلاع على صور ومعرّفات الآخرين في برامج التّواصل الإجتماعي، ومن ثمّ الحكم على شخصيّاتهم من خلال هذه الصّور والمعرّفات. البيت يقول: أريد من زمني ذا أن يبلّغني.. ما ليس يبلغه من نفسه الزّمن.
هل ترون في كلمات البيت شيئاً من الشّرك!! شخصيّاً لم أفكّر في هذا الأمر سوى بعد أن أثار صاحبي الموضوع! هناك أشياء كثيرة نضطر لترك أولويّاتنا الحياتيّة والفكريّة، ونظل نتجادل حولها لفترات طويلة لمجرّد أن بعضنا ينظر إليها من خلال منظار أسود غاية في الضيق!!

انتهت التسعمائة كلمة وأنا لم أنته بعد من مقالي! يبدو أنّ ما كتبته كاف كي أذهب إلى فراشي مستحضراً بيت المتنبّي الشهير "أنام ملء جفوني عن شواردها.."، فقد أوفيت بوعدي لعبد الله خميس وكتبت مقالاً..والسلام.

الأربعاء، 1 أبريل 2015

عن عاصفة الحزم!!

فجأة وبدون مقدّمات شعرت السعوديّة ومن يتبعها من الدّول العربيّة والإسلاميّة أنّ اليمن أصبح في خطر، وأنّ الشرعيّة أصبحت مهدّدة، وأن هناك ظلماً يمارس من قبل فصيل بعينه تجاه بقيّة المكوّنات السّكّانيّة في اليمن، فرأت من باب الواجب الإنساني والإسلامي أن تتدخّل لإرجاع الحقوق إلى أهلها، ووقف الظّلم والحيف عن اليمنيّين، واستعادة الشّرعيّة التي كادت أن تسلب!! فكانت عاصفة الحزم التي شاركت فيها حوالي 10 دول عربيّة واسلاميّة لدوافع مختلفة، قد يكون البحث عن منافع اقتصاديّة، أو الخوف من فقدان مكاسب معيّنة أبرزها بغضّ النظر عن مدى ايمانهم بالشعارات التي تنادي بها الحملة!

شخصيّاً أرى أن عاصفة الحزم تعدّ خطأ سياسيّاً جسيماً لم تتم دراسته بعناية؛ وربّما كان الدّافع ورائها هو خوف السعودية في أن تقع بين كمّاشتين إحداهما من طرف العراق وأخرى من اليمن؛ وقد يكون السّبب كذلك رغبة السعودية في القيام بعمل يعيد لها دورها السابق كحاضن سنّي بعد شعورها بالفشل في سوريا؛ ونجاح إيران في لعب دور إقليمي كبير بالمنطقة.

وقد تكون أيضاً محاولة لإصلاح ما يمكن إصلاحه بعد أن أساءت السعوديّة ومن يتبعها التعامل مع الملفّ اليمني من البداية، فهي من أطلق المارد من قمقمه، وهي من دعمت الحوثيّين نكاية بحزب التجمّع اليمني للإصلاح المحسوب على الاخوان، وهي من سهّلت لصالح وأتباعه التحرّك، وهي من أتت بابنه أحمد سفيراً في الامارات تمهيداً لدور مستقبليّ يقوم به بعد التخلّص من العقبات المتمثّلة في الاخوان وبقيّة القوى السياسيّة المعارضة لتوجّهاتها، في تكرار للسيناريو المصري سابقاً، وربّما الليبي والفلسطيني لاحقاً، وفوجئت بعدها بتمدّد الحوثيين وتوسّعهم، وعدم وجود مقاومة من قبل الإخوان أو القوى القبلية والسياسيّة الأخرى، فانقلب السحر على الساحر كما يقال.

وإذا كان بعض مؤيّدي الضربة أو العاصفة قد فرحوا بعدم وجود ردّة فعل مباشرة لإيران، واعتبروا هذا الأمر بمثابة خوف وتراجع ايراني، الأمر الذي طالبوا معه التحالف باستغلال الفرصة والتدخّل في سوريا كذلك، فهم في هذا لا يجيدون قراءة الواقع السّياسي والتّاريخي جيّداً، فأهمّيّة اليمن بالنسبة لإيران قد تكون ثانويّة سياسيّاً ودينيّاً وتاريخيّاً مقارنة بأهمّيّة العراق وسوريا اللاتي تعتبرهن ايران ضمن نطاقها الحيويّ، لأسباب دينيّة تتمثّل في وجود مكوّنات سكّانيّة شيعيّة، ومزارات ومراقد مقدّسة، إضافة إلى العلاقات التاريخيّة، والأحلام المستقبليّة، لذا فاليمن مع بعدها الجغرافي قد تكون ورقة مفاوضات تكسب من خلالها ايران بعض المزايا؛ خاصة وأنّها لا تستطيع الدّخول في مغامرة عسكريّة هناك بسبب إنهاك جهودها الماليّة والعسكرية في عمليّاتها الدائرة بسوريا والعراق.

شخصيّاً أرى أن نتائج الضربة قد تؤدي فقط إلى إيقاف تقدم الحوثيين لبعض الوقت؛ أو إبقاء الوضع كما هو عليه لحين الدخول في مفاوضات؛ خاصّة وأنّني أستبعد التدخل البرّي لحسم المعركة، فهو يعدّ مغامرة كبيرة؛ وما زال هؤلاء يتذكّرون المغامرة المصرية في الستّينات وفشلها؛ كما أن وعورة تضاريس اليمن، وعدم وجود قوات متمرسة على حرب العصابات، ومعرفة الحوثيّين بجغرافيّة بلدهم كون مناطقهم في الأساس جبليّة وعرة، قد يكون عاملاً أساسيّاً لفشلها؛ مع ضعف الاعتماد على قوات يمنيّة للسيطرة على الوضع هناك؛ خاصّة وأنّه لا يوجد فصيل يمني قويّ يمكن الاعتماد عليه في ظلّ تشرذم هذه القوى، وقد يكون اللجوء إلى طاولة المفاوضات هو الخيار الوحيد المتاح لحلحلة الأزمة.

على المدى البعيد قد يكون لهذه الأزمة تداعيات سلبيّة عديدة، فهي ستؤدّي إلى ازدياد الوضع السياسي المستقبلي في اليمن سوءاً، كما سيؤدّي إلى سيطرة محور واحد فقط على السّاحة السياسيّة العربيّة وهو المحور الذي يطلق على نفسه "محور الاعتدال"، وقد رأينا ذلك واضحاً من خلال القمّة العربيّة الأخيرة التي عقدت في مدينة "شرم الشّيخ"، وما نتج عنها من قرارات أهمّها تشكيل القوّة العربيّة المشتركة التي يبدو أنّها ستستخدم لتنفيذ سياسات هذه الدّول فقط، والتي قد يكون من بينها مساندة التيّارات السياسيّة الموالية لها في بعض الدّول العربيّة على حساب تيّارات أخرى بحجّة القضاء على الإرهاب، ولن أستبعد أن نسمع قريباً عن تدخّلات عسكريّة في ليبيا أو غزّة، إضافة إلى أنّها ستعمّق الهوّة بين الجناحين الشيعي والسنّي، وستزيد من حالة الاحتقان المتبادل بينهما؛ وقد تؤدي إلى المزيد من القلاقل من خلال قيام البعض بعمليات انتقام نوعيّة هنا وهناك.

أمّا بالنسبة للموقف العماني من الأزمة فهو برأيي موقف صحيح لعدة اعتبارات لعلّ من بينها: المبادئ السياسية الواردة في النظام الأساسي تنصّ على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، كما أنّه لا مصلحة كبيرة لعمان في دخول الحرب نيابة عن الآخرين؛ أو بسبب نزوات البعض السياسية، أضف إلى ذلك أنّ السّلطنة من أكثر المتأثرين بعدم استقرار الأوضاع باليمن؛ لأنّها جارة تربطنا بها حدود جغرافيّة ممتدّة، وعلاقات انسانيّة واجتماعيّة واقتصاديّة متداخلة؛ وستبقى كذلك إلى مالا نهاية؛ بعكس كثير من الدول الداخلة في التحالف والتي لن تتأثر كثيراً بسبب بعد المسافة نسبياً وعدم وجود حدود مشتركة مع اليمن؛ لذا فإن الحياد العماني قد يجنب السلطنة أيّة ردّات فعل سلبيّة يمنية مستقبلاً، كما أنّ تكلفة الطلعات الجوّيّة مرتفعة من النّاحية المادّيّة؛ وهذا بدوره يمكن أن يسهم في تأزيم الوضع المالي للسلطنة في حالة اشتراكها بهذا التحالف.

الأهمّ من هذا وذاك أنّ السّلطنة لعبت خلال الفترة السابقة دور راعي السلام الذي تثق به كافة الأطراف في حل الأزمات السياسيّة المختلفة؛ لذا فمن المهم أن تبقى على حيادها المعهود كي تلعب دورها القادم كمرجع للأطراف المتنازعة؛ وكوسيط لحلحلة المشكلة، وهو الأمر الذي يتنبّأ كثير من المحلّلين السياسيّين بحدوثه قريباً.

أمّا المخاوف التي تعتري البعض حول إمكانية تأثّر عمان اقتصاديّاً وسياسيّاً من جرّاء عدم دخولها الحلف؛ وبالتالي التأثر سلبيّاً من إمكانية تبنّي دول الخليج الأخرى لموقف مستقبلي سلبي تجاه السّلطنة يتمثّل في عدم مساندتها مالياً في أيّ أزمة مستقبلية، أو مضايقة رعاياها في تلك الدّول فهو كلام مردود عليه؛ فعمان موقفها ثابت في قضايا عديدة كان للبقيّة رأي مغاير بها؛ كما أن عمان لا تعتمد على أحد بشكل مباشر في حلّ أزماتها؛ وإلا لرأيناها توافق بقية دول الخليج في مواقف أخرى كالقضية السورية وإغلاق السّفارة السوريّة، أو الموقف السّابق من قطر، وغيرها من القضايا التي كان لعمان رأي خاص بها.

كشفت العاصفة عن التناقض الواضح في مواقف كثير من المثقّفين المحسوبين على التيّارات السياسيّة والفكريّة المختلفة، ففي الوقت الذي رأينا فيه تأييداً واضحاً من قبل عدد كبير من الدّعاة والمفكّرين والمثقّفين المحسوبين على التّيّارات الاسلاميّة السياسيّة بحجّة القضاء على الخطر المجوسيّ الرّافضيّ الصفويّ!! وتصفية (أذناب) إيران في المنطقة، ومنع المدّ الشيعي، وهم الذين كانوا يتباكون على دماء الأطفال والشّيوخ والنّساء في سوريا ومصر والعراق وغيرها!! فإنّنا رأينا في المقابل رفضاً لما حدث من قبل بعض المحسوبين على التّيّارات اليساريّة والقوميّة، أو التي في حالة عداء مع الإسلام السياسي بحجّة عروبة اليمن، وحقوق الإنسان، وغيرها من الحجج، وهم أنفسهم كانوا سيؤيّدون هذا التّحالف لو كان موجّهاً ضدّ حزب التجمّع اليمني للإصلاح المحسوب على الإخوان، ووقتها سينسون عروبة اليمن، والانسانيّة، وحرمة الاعتداء على النّفس البشريّة، وسيحاولون تبرير ما يحدث بأيّ وسيلة، وهم أنفسهم أيّدوا تدخّل السعوديّة وحلفائها في الشأن المصريّ من قبل، وسيؤيّدونه مستقبلاً لو تمّ توجيهه ضد فجر الاسلام في ليبيا، أو حماس في فلسطين، ولتذهب كافّة المبادئ والمعايير الإنسانيّة إلى الجحيم!!

الأربعاء، 18 مارس 2015

عن أستاذ الجيل..


الدّخول إلى عالم الأستاذ والأديب والمثقّف الاستثنائي الشيخ أحمد بن عبد الله الفلاحي أمر في غاية الصّعوبة، بل هو أشبه بقارب صغير يقاوم تيّاراً قويّاً لا يستطيع الصّمود أمامه، كيف لا وأنا أتحدّث عن رجل كلّ موقف لديه بحكاية وقصّة. ما سيأتي من سطور قليلة ليس القصد منها التعريف بهذا العلم الكبير، ولا سرد شيء من سيرته، فالعارف لا يعرّف، والقاصي والدّاني يعرف جيّداً من هو أحمد الفلاحي، وما قيمته الفكريّة والأدبيّة والاجتماعيّة، وبماذا أسهم لمسيرة الحركة الثّقافيّة بالسّلطنة، وإنّما هي نماذج من مواقف يتجلّى فيها تواضع الأديب الكبير أقدّمها لنفسي أوّلاً، ولمن يرغب من زملائي كي نتأسّى بسيرة هذا الرجل، وتكون دافعاً لنا في مسيرتنا المستقبليّة الشّاقّة في عالم الكتابة والبحث، مستفيداً من معلومات تضمّنتها حوارات أجراها زملاء ومجلات ومواقع فكريّة مختلفة مع الأستاذ في سنوات سابقة.

يذهلك الفلاحي دائماً بمواقفه الإيجابيّة مع الآخرين، فقد يراودك الشّعور يوماً باليأس من جدوى ما تكتبه، وعدم تفاعل الآخرين معه، مجتمعاً كان، أم مسئولين، أم مثقّفين، وقد تصل بك الأمور إلى حدّ الرغبة في ترك الكتابة، وما إن تلتقي به، سواء كان في مجلسه الأدبيّ في منزله العامر بالخوير 1/17، أو في أيّ محفل ثقافيّ تنظّمه إحدى الجهات المحلّيّة المهتمّة بمجالات بالفكر والثّقافة والأدب حيث ستجده حاضراً على الدّوام، إلا ويتبدّد ذلك الشعور بمجرّد رؤية ابتسامته الودودة الصّادقة، وترحيبه الحارّ، وإطراءه وثنائه على ما تكتب، بل ومناقشته لك في نقاط عديدة تضمنتها كتاباتك، وكلّ ذلك كاف كي يمنحك طاقة ايجابيّة هائلة، تجعلك تودّ الإسراع نحو أقرب ورقة، أو (كيبورد) كي تكتب مقالك القادم حتّى لو لم يحن وقت كتابته بعد، وأنت تسأل نفسك في ذهول: من أين يأتي هذا الرجل بكل هذا الوقت لقراءة كل ما يكتب على السّاحة! ولماذا (يتواضع) رجل كالفلاحي للقراءة لأمثالي في الوقت الذي (يتكبّر) فيه بعض أنصاف المثقّفين عن القراءة لغيرهم لحجج ومبرّرات واهية!!   

ورغم مسيرته الحافلة بالإبداع والعطاء والتي بدأت منذ سنّ السابعة عندما قرأ كتب من أمثال "تلقين الصبيان" و"الجامع الصحيح" و"نونية أبو مسلم"، و"دلائل الخيرات"، و"السيرة الجامعة" وغيرها من أمّهات الكتب، والذي صدح حينها بصوته مترنّماً بقصائد طويلة كنونيّة أبي مسلم، والفتوحات لابن شيخان السالميّ، وقصائد "التوبات"، والذي كان شغفه بالمجلدات الضخمة السوداء يجبر والدته(رحمها الله) على أن تضعها في مكان مرتفع لا يتسنّى الوصول اليه لعلمها بمدى شغفه وولعه بها، مروراً بمحطّات فكريّة مهمّة كاختيار والده له في صباه كي يكون قارئ السبلة في سهرة الرجال في بلدته وما أدراكم بسهرات الرّجال ورمساتهم في عمان سابقاً! وحفظه للمعلّقات السبع كاملة، والنونيّة، وأراجيز الشّيخ محمد بن عيسى الحارثي، وقصيدة الشيخ السالمي البائيّة، وقصيدة ابن الرومي في الأوطان، وقصيدة ابن الوردي اللاميّة، وبائية أبي تمام، وقصائد للمتنبّي والنبهاني والستالي والشريف الرضي! واقترابه من أعلام عمانيّة وعربيّة كبيرة في مجالها كمحمد السالمي، وعبدالله الطائي، وإبراهيم العبري، وسالم بن حمود السيابي، وعبدالله بن علي الخليلي، وأحمد بن عبدالله الحارثي، وأحمد بن حمد الخليلي وعبدالله بن صخر العامري وهلال بن سالم السيابي، ، ومحمد حسنين هيكل، وقبّاني، والبردوني، وإبراهيم العريض، ونجيب محفوظ، والطيب صالح، وعبدالرحمن منيف، وعشرات غيرهم ممّن التقاهم وحاورهم، أو مّمن انغمس في قراءة فكرهم وأدبهم، وزيارته لكثير من دول العالم والتقائه بنخبها الفكريّة والثقافيّة، وعمله كملحق ثقافيّ في مصر والبحرين لأكثر من عشر سنوات حضر خلالها مئات من المحاضرات والندوات والمعارض وعروض المسرح والسينما والموسيقى, ومساهمته في ظهور مشروعات أدبيّة رائدة برغم كلّ التحدّيات التي واجهها كالثّقافة الجديدة، والغدير، وسعيه بكل جهده من أجل انشاء كيانات ثقافيّة تلملم شتات الأدباء وأرباب الثّقافة في عمان، كالنادي الثّقافي، والمنتدى الأدبي، وجمعيّة الكتّاب والأدباء، سواء بالمطالبة ومقابلة المسئولين، أو بالنّشاط الفكريّ والإشراف على مناشط تلك المؤسّسات، ومساهمته كمذيع في تأسيس الإذاعة العمانيّة، حيث صدح بصوته وفكره من خلالها لسنوات عديدة، وجوبه العالم بحثاً عن أيّ كتاب جديد يصدر هنا أوهناك، وتاريخ طويل آخر من سيرة لا تنتهي.

أقول إن الأديب الفلاحي وبعد كل تلك الرّحلة الطّويلة مع الإبداع والعطاء، إلا أنه يزداد تواضعاً كلّ يوم لدرجة تذهل القريبين منه والبعيدين كذلك، فعندما سأله الأديب يحيى بن سلام المنذري في حوار أجراه معه على صفحات مجلّة نزوى العدد 29 عن مشروعه لكتابة سيرته الذاتيّة كان ردّه ".. أسأل نفسي إن كان يحق لمثلي إصدار سيرة ذاتية وما أنا إلا مواطن عادي.. "!!

هكذا ببساطه يرى الفلاحي نفسه لم يقدّم شيئاً يستحق كتابة سيرته الذّاتيّة برغم مشواره الحافل في وقت يعكف فيه أطفال في مجال الفكر والأدب على كتابة الأجزاء اللاحقة من سيرهم الذاتيّة!!

وعندما سأله كذلك حول عدم نشره كتاباً يضم مقالاته الكثيرة والمتعدّدة، أجاب: ".. ما زلت أتردد في الإقدام على خطوة كهذه لعلّني أتخوّف من ألا تكون هذه الكتابات في مستوى يؤهلها للنشر، ومازال الأمر قيد التفكير والنظر, وعلّني قد أغامر باختيار مجموعة منها تتقارب موضوعاتها بعد التشاور مع الأصدقاء".

أستاذ الجيل، وشيخ المثقّفين، وعريف قبيلتهم (كما وصفه أستاذ الأدب العربي الكبير أحمد درويش بذلك)، ما زال متخوّفاً بعد كلّ تلك المسيرة الثّقافيّة من ألا تكون كتاباته في مستوى يوهّلها للنشر، وما زال يفكّر، ويعتبر الأمر بمثابة المغامرة!! أي أستاذي الكبير، أعرف أحدهم  لم تتجاوز علاقته بالكتابة أشهر معدودة قد أصدر كتاباً يتناول فيه نظرته للحياة والمجتمع من خلال مقالاته!! وأعرف آخرين لم يصلوا الأربعين من العمر بعد تجاوز عدد إصداراتهم أصابع اليدين (والرّجلين ربّما!)، فمادام الأمر لا يتجاوز الحصول على عضويّة مؤسّسة ثقافيّة ما، وعلاقات هنا وهناك، وطباعة وتوزيع مجّانيّ، فلماذا لا يقوم أمثال هؤلاء بطباعة أيّ شيء يطرأ على بالهم!! هل سينتظرون لحين نضوج أفكارهم! هل سيقتفون مسيرتك الطّويلة مع الفكر والإبداع! أم أنّهم سيختصرون المسافة ما دام كلّ شيء قد أصبح متاحاً و(مباحاً)!!

ولطالما كنت أتباهى بين أصدقائي المقرّبين بقدرتي على قراءة كتاب بأكمله في ليلة واحدة، إلى أن كنت يوماً ما في مجلسه العامر، وحانت منّي التفاتة إلى بعض الكتب المصفوفة بجانب المسند القريب منّي، وعندما بدأت في تصفّحها مستغلاً انشغال الأستاذ بحديث هاتفيّ، إذ بي أفاجأ بكثرة الحواشي والملاحظات والتعليقات والتعقيبات التي خطّها (الأستاذ) على هوامش تلك الكتب، علماً بأنّها في مجالات متعدّدة، وعلماً بأنّها كتب مطبوعة، أي أنّها تجاوزت مرحلة التّحكيم أو الإجازة للطّباعة.

هنا فقط وجدت إجابة لتساؤل كنت أطرحه على نفسي في كلّ مرّة ألتقي بها أستاذنا: من أين يأتي بكلّ ذلك التّدفّق المعرفي الهائل! وهنا كذلك أدركت الفرق بين المثقّف الحقيقي الذي يشتغل جيّداً على ثقافته، وعلى ما يملكه من مخزون فكريّ، وبين من قرأ سطراً من هنا وآخر من هناك وانبرى لينصّب من نفسه كاتباً وباحثاً ومفكّراً!!

أي أستاذي الكبير.. إذا كان الآخرين لديهم طه حسين، أو ميخائيل، أو إيليا، أو العقّاد، فنحن لدينا أحمد الفلاحي. هم قامات طوال في مجال الفكر والأدب ، وأنت لا تقلّ عنهم شأواً وشأناً لدينا. تكفي بصماتك الشّاهدة على كلّ انجاز فكريّ تمّ تحقيقه في هذا البلد، يكفي كلّ الأجيال المتعاقبة من المبدعين الذين تخرّجوا على يديك، يكفي مجلسك الأدبيّ العامر الذي يعدّ مدرسة فكريّة رصينة لا تقلّ أهمّيّة عن المدارس العمانيّة الفكريّة التي أنجبت أعلاماً مازال فكرهم يعطّر المجتمع بشذاه. ستظلّ رقماً صعباً ومهمّاً وعلماً شامخاً في مسيرة الثّقافة العمانيّة التي لم ولن تتوقّف، وسأظلّ أأمل أن أصحو يوماً ما على قاعة أو مكتبة أو مدرسة قد كتبت باسمك، أو أطروحة علميّة تناقش شيئاً من فكرك، أو تلامذة مدرسة يتحلّقون لدراسة سيرتك، فهذا أقلّ القليل لحفيد سحبان والمبرّد وابن دريد والسّتاليّ والبهلانيّ والخليليّ ومن أتى قبلهم أو بعدهم من ربابنة الفكر العماني.

 

الأربعاء، 11 مارس 2015

وجه من بلادي(3)


طوال سنوات عمري الفائتة كنت أتخيّل "روي" عبارة عن بضعة شوارع مزدحمة تحيط بها الجبال من كلّ جانب، وآسيويّين يملؤون المكان. وبرغم أحاديث بعض الزّملاء عن وجود عمانيّين يسكنون بها، إلا أنّني لم أكن أقتنع أو بالأحرى أستوعب ما يقولونه، فأين سيسكن هؤلاء والمكان إما شوارع، أو بنايات، أو جبال!!

وطوال سنوات طفولتي وصباي أيضاً عندما كنت أزور العاصمة في زيارات متقطّعة مع إخواني الأكبر سنّاً كنت أعتقد كذلك أنّ سكّانها يختلفون عن بقيّة سكّان عمان، بحيث يبدون لي وكأنّهم من كوكب آخر، وأنّ ملابسهم وبيوتهم ومأكولاتهم تختلف عنّا، ولأنّهم متطوّرين فإنّهم لا يلقون التّحيّة على الآخرين عندما يلتقون بهم في الشّوارع والحارات كما نفعل نحن سكّان الولايات البعيدة الذين نعتقد أنّ السّلام فريضة لا تقلّ أهمّيّة عن تأدية الفرائض الدينيّة، وأنّ عدم قيامك بإلقاء التّحيّة على الآخرين أو ردّك عليها يعتبر منقصة أيّما منقصة، وعيباً يلاحقك ذنبه إلى آخر العمر. مع مرور السّنوات تغيّرت كثير من تلك القناعات وبقي بعض منها راسخاً إلى أن ساقتني الأقدار ذات مغربيّة إلى أن أضلّ طريقي وسط إحدى حارات روي الضّيّقة وألتقي بجمال الوهيبي!

كان جمال - وهو شابّ اقترب من الثّلاثين أو تجاوزها بقليل- مشغولاً عند مناداتي له بالحديث مع أهله، ويبدو أنّهم كانوا متأهّبين للذهاب في مشوار عائليّ ما، عندما قطعت عليه حديثه لأسأله عن كيفيّة الخروج من الحارة، وكي يدلّني على أقرب الطّرق التي تؤدّي إلى الشّارع العام.

بعد التّرحيب والسّلام والدّعوة لتناول القهوة حاول جمال أن يصف لي طريق العودة، وعندما شعر بحيرتي وعدم استيعابي لوصفه قطع حديثه وفتح باب سيّارتي مستأذناً إيّاي في الرّكوب بجواري كي يدلّني بنفسه تاركاً مشاويره العائليّة لوقت آخر، رافضاً كلّ محاولاتي لإثنائه عن هذا الأمر.

كعادة العماني عندما يلتقي بالآخر سألني جمال في ودّ عن اسمي ووجهتي، وسبب قدومي إلى المكان، وعندما عرف السّبب وهو رغبتي في إضافة بعض الإكسسوارات المهمّة لسيّارتي الجديدة، وحيرتي في معرفة الأماكن المناسبة لشرائها، أصرّ مرّة أخرى على مرافقتي للأماكن التي يعرفها في المنطقة والمناطق المجاورة، وعرض عليّ خبرته في هذا المجال، وتولّى المفاصلة والاستفسار نيابة عنّي مع أصحاب تلك المحلات، وكان يناقشهم وكأنّه صاحب السّيّارة لا أنا، وهكذا ظلّ يفعل على مدى أكثر من ساعتين قضيناها معاً نتنقّل من محلّ لآخر، ومن منطقة لأخرى! وعندما انتهت جولتنا ورغبت في العودة، وبعد رفضي لكافّة محاولاته كي أتناول وجبة العشاء أصرّ على النزول عند ناصية الطّريق وعاد إلى منزله راجلاً خوفاً من أن أضلّ طريقي مرّة أخرى برغم بعد المسافة نسبيّاً بين المنزل وأقرب شارع.

طوال المدّة التي قضيناها معاً تحدّثنا في أشياء كثيرة وكأنّنا نعرف بعضاً منذ سنوات طويلة لا منذ سويعات قليلة! واكتشفت وجود أصدقاء وزملاء عمل مشتركين بيني وبينه! وعرفت من خلاله معلومات عن تاريخ المكان، وسكّانه، ومدى حرصهم على البقاء في المكان الذين عاش فيه أجدادهم وآبائهم من قبل برغم كل التحدّيات (والمغريات) كذلك التي تشكّل ضغطاً عليهم للخروج من المكان إلى أماكن أخرى متمسّكين به، ورافضين تركه للعمالة الوافدة كما فعل آخرون قبلهم!!

كان بإمكان جمال أن يكتفي بأن يصف لي الطّريق، أو أن يوصلني إليه دون أن يلزم نفسه بمرافقتي أو بإبداء كل ذلك الحماس والاهتمام لدرجة تركه لأعماله وارتباطاته خاصّة وأنّه لا توجد سابق معرفة بيننا، كما أنّ هيئتي لا توحي بكوني شخصيّة مهمّة تستدعي الاهتمام بها أو التقرّب منها، ولكنّ قيم العماني المتأصّلة في داخله هي من جعلته يفعل ذلك، وهي ذات القيم التي نعتقد أحياناً أنّها ذهبت بلا رجعة، ولكنّها تظهر في الوقت المناسب فاتحة كوّة كبيرة من الأمل والتفاؤل بأنّ مجتمعنا ما زال بخير. تصرّف كهذا قد تجد نسخاً كثيرة مشابهة له في أماكن كثيرة من هذا الوطن. 

شكراً جمال الوهيبي لأنّك غيرت كثيراً من تخيّلاتي وتصوّراتي عن أماكن وأشخاص ربّما ما كانت لتتغيّر قريباً لولا لقائي بك. شكراً لأنّك أكّدت لي ثقتي بشباب وطني ومدى تمسّكهم بقيم تناقلها المجتمع جيلاً بعد جيل مهما اعتقدنا أنّ العولمة ورياحها العاتية كفيلة بأخذها بعيداً. شكراً لأنّك أثبتت لي أنّ القشور الخارجيّة لا تعبّر دائماً عن أصالة الجوهر، وأنّ نار السّمر لا تخلّف رماداً، بل جمراً مشتعل.

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

الأربعاء، 4 مارس 2015

هل سمعتم عن سلمان!!


كانت تلك هي المرّة الأولى التي ألتقي فيها (سلمان). كنت حينها في جلسة مسائيّة بأحد وديان الولاية مع أصدقاء طفولة ودراسة لم ألتقيهم منذ سنوات عديدة بسبب مشاغل وهميّة نخترعها عندما لا نجد مبرّراً حقيقيّاً لأسباب تقصيرنا في تواصلنا مع الآخر برغم تهيئ كافّة الظروف لذلك!! أمّا سبب وجود سلمان بيننا فهو رغبة أحد الحضور من الأصدقاء في أن نعيش أمسية مختلفة بتفاصيل تكاد تكون قد اختفت من واقعنا الحاليّ المعاش ابتداء من ارتشاف قهوة الزنجبيل ذات الرائحة الزّكيّة بصحبة تمر (أبو دعن) صلّاب الركب كما يطلق عليه في الولاية، وانتهاء بـ(الكافتة) وهي وجبة محلّيّة تشبه المكبوس وتعدّ بواسطة نوع من الأرز كان يكثر تناوله في جعلان قديماً، يسمى (الكراشي) نسبة إلى مدينة كراتشي الباكستانيّة.

من الوهلة الأولى لرؤيتي له توقعت أنّني سألتقي بشخصيّة استثنائيّة تختلف عن كثير من الشّخصيّات التي ألتقي بها وأتعامل معها يوميّاً في زحمة الحياة ولهث البحث عن جديدها. كان سلمان شابّاً عفويّاً بسيطاً من النّوع الذي تراه في الصّور التي تحويها كتب التاريخ عن عمانيّي زمان بسمار بشرتهم، وهيئتهم التي تدلّ على رجولة وصلابة وشموخ غير مستغرب، وملامحهم الجسديّة المتناسقة التي تكاد تقسم أنّها لا تحوي أيّ ملليجرام زائد من جرّاء تناول مأكولات دخيلة على المجتمع، وهو النّوع الذي يبدو أنّه سيندثر قريباً لو لم يبد الكثير من المقاومة بعد أن تغيّر الزّمان والمكان المحيطان به!!

عندما تحلّقنا بعد وجبة العشاء التّقليديّة الدّسمة التي أعدّها سلمان لنا لمناقشة بعض الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة التي يمرّ بها العالم، وبينما كان صوت كلّ منّا يرتفع بتأييد هذا الرأي أو معارضة ذاك، أو (التفلسف) بما يملك من معلومات تؤيّد طرحه، كان سلمان ينتحي في زاوية قصيّة من الجلسة كمستمع دون أن يحاول أن يفتي في ما نقول، أو أن يسعى لإثبات قدراته الثّقافيّة أو الحواريّة، وكأنّه يقول لنفسه: هل يعرف هؤلاء حقيقة ما يتحدّثون عنه!!  فجلّ القضايا التي نناقشها ونشغل أنفسنا بها، وترتفع أصواتنا عالياً ونحن ندافع عنها قد لا تعنيه في شيء، فهو ربّما لم يسمع عن (داعش) يوماً سوى صدفة في نشرات الأخبار، ولا يهمّه إن كان ما يقومون به من ذبح وحرق هو حقيقة أم فوتوشوب، ولم يعنه يوماً واحداً إن كان ما يحدث في مصر ثورة أم انقلاب، أو إن كانت (الرّولة) و (الملح) خدش حياء أم خروج على تابوهات محرّمة! ولا يهتم بمن سيفوز بهذه البطولة أو تلك! وماذا سيفعل برشلونة أو الرّيال في المباراة القادمة، فكل هذه الأمور يعدّها متاهات قد لا تهمّه معرفة تفاصيلها في شيء، فلماذا يفكّر في الآخرين مادام محتاجاً للتفكير في نفسه وأسباب معيشته أولاً!!

الحياة بالنّسبة لسلمان تعني قريته الصّغيرة، وجيرانه القريبين، وحيواناته التي يقوم بتربيتها والاهتمام بها وكأنّها جزء من أسرته، ما عدا ذلك فكلّ اهتمام بما لا يعتبره شيئاً مهمّاً بالنسبة له يعدّه تطفّل غير مرغوب، وهي – أي حياته- تنتهي يوميّاً بعد صلاة العشاء بعد أن يكون قد أطعم أغنامه وآواهنّ إلى حظيرتهنّ، وبعد أن تناول عشاءه المكوّن من مواد طبيعيّة غالباً كعادة بقيّة وجباته، ثم صلّى جماعة مع جيرانه وتبادل معهم باقتضاب آخر الأخبار المتعلّقة بقريتهم لا بغيرها من العالم، ثمّ يأوي إلى فراشه دون أن ينشغل حتّى الفجر بالكتابة في مواقع التّواصل الاجتماعي المختلفة عن الوجبة التي أكلها اليوم، أو عن الإبرة التي أعطيت له، أو صورته وهو في المقهى بينما مفتاح سيّارته الثّمينة، وهواتفه الثّلاثة، وكتاب فلسفيّ لم يقرأ حرفاً منه تملأ مساحة الطاولة التي يجلس عليها! أو الدّخول في نقاشات جدليّة عقيمة مع عشرات المجموعات في الواتساب، أو التّفكير فيما سيفعله برشلونه في مباراته القادمة!! 

القرية بالنسبة لسلمان هي عطره المكوّن من امتزاج تربتها مع رائحة شجرها الذي يشمّه مع كلّ فجر يبزغ، ووطنه وعالمه الذي لا يعرف غيره، والذي يحرص على الحفاظ عليه مقاوماً كلّ حالات التغريب والتجريف الفكريّ في زحمة ما يسمّى بالتطوّر والتمدّن، وهو لا يغادرها سوى في عدّة حالات: يوم الجمعة عندما يستعدّ من الصّباح الباكر للذّهاب لتأدية صلاة الجمعة في إحدى القرى الكبيرة المجاورة مرتدياً أفضل ثيابه، ناثراً عليها عدّة رشّات من عطر اشتراه لهذا الغرض، أو عند الذّهاب إلى مركز الولاية من حين لآخر لبيع بعض أغنامه وشراء مستلزماته الشّخصيّة، أو عند حدوث أمر اجتماعيّ طارئ كعيادة مريض، أو تأدية واجب عزاء، وهو أمر لا تهاون فيه، فدونه قطع الرّقاب. سلمان لا يجيد استخدام البريد الالكترونيّ، أو (الواتساب)، أو الرّسائل النّصّيّة، أو الاتّصال الهاتفيّ في تأدية واجباته الاجتماعيّة عبر جمل ورسائل مجاملة باردة لا تحمل دفء الصّدق والاحساس الحقيقيّ بالآخر . الحياة بالنسبة لسلمان هي الحقيقة والصدق وحده.

قد يعدّ البعض سلمان زائدة لا يحتاجها المجتمع المتمدّن، وقد ينظر البعض الآخر إلى تفاصيل حياته على أنّها ردّة وتخلّف، وقد يعتقدها آخرون أنّها من قصص الماضي التي سمعوها يوماً ما وانتهت مع آخر قصّة حكتها لهم جدّة راحلة، ولكنّ سلمان بالرغم من ذلك موجود يقاوم كلّ هذا.   هو حارس أمين لبيئته، محافظ على وجوده ووجودها، منافح عن ثقافتها، يعيش حياته كما ينبغي أن يعيشها هو لا كما يريد الآخرين له أن يعيشها. هو رجل صادق مع نفسه والآخرين، لا يمارس هواية التّجمّل ولا التّلوّن. هو وجه آخر جميل من الوجوه التي تعيش في هذا الوطن.


د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

الأربعاء، 25 فبراير 2015

وجه من بلادي (1)

لطالما رأيته يعبر الشّارع القريب من بيتنا كلّ صباح ومساء لوحده أو برفقة أخيه الأكبر (عاجب) وكأنّهما توأمان ملتصقان لا يكادان يفترقان، في خطوات هادئة ومحفوظة لم أرها تتغيّر ولو لمرّة واحدة. يسلّمان على هذا، ويبتسمان لذاك في تواضع لم أر مثله في حياتي، وأنا أسأل نفسي في كلّ مرّة أراه فيها: إلى أين يذهب هذان الرّجلان كلّ صباح ومساء! ولماذا لم أرهما يوماً ما راكبين سيّارة! ولماذا كل هذا التواضع والسّلام الحقيقيّ في مشيتهما، حتى غدت هاتان الشخصيّتان بالنّسبة لصبيّ في مثل سنّي بمثابة أسطورة لا يمكن تناسيها بسهولة!.

طوال أكثر من ثلاثين عاماً قضاها (سعيد بن زعيل) موظّفاً في سلك التّربية والتّعليم لم يتغّيب يوماً واحداً عن العمل، ولم يحضر إجازة طبّيّة مضروبة من أجل التحايل على الدّوام، بل ولم يتأخّر مرّة عن موعد حضوره الصّباحيّ اليوميّ كأحد أوائل الموظّفين الذين يصلون إلى المؤسّسة على الرّغم من أنّ منزله يقع في ولاية أخرى تبعد عن مقرّ عمله بحوالي 30 كيلومترا، وعلى الرّغم من أنّه لا يمتلك سيّارة حكوميّة أو خاصّة أو باصاً يقلّه كلّ يوم مع زملائه الآخرين، لذا كان البعض يضبط ساعته على موعد حضوره وانصرافه!!

وعلى الرّغم من أنّه لا يمتلك حاسوباً شخصيّاً، ولم يأخذ دورة في ذلك، إلا أنّ سعيداً يحفظ ملفّات مؤسّسته وأرشيفها كما يحفظ أسماء أبنائه، فبمجرّد ذكر عنوان المعاملة أو تاريخها يأتي بها من وسط آلاف الملفّات المتراكمة، وكأنّ جهازاً حسّاساً قد ثبّت بمخّه، فمن أين لشخص أن يلمّ بكلّ تفاصيل عمله ما لم يعشقه ويخلص له ويرى أنّ في القيام بكلّ ما يتطلّبه رسالة وواجبا قد يحاسب عليه يوماً ما!.

وطوال سنوات عمله الطّويلة، وعلى الرّغم من إخلاصه الشّديد في العمل كحالة (استثنائيّة) تثير إعجاب من حوله ودهشتهم، إلا أنّه لم يتذمّر يوماً واحداً من طبيعة عمله، ولم يشتك من ضيق مكتبه، أو تأخّر ترقيته، أو عدم مساواته بآخرين سبقوه في الحصول على ترقية أو مكافأة أو علاوة استثنائيّة، ولم يتنقّل من مكتب لآخر يشتكي لهذا، ويذمّ في ذاك، ويندب حظّه السّيئ، بل إنّ الحالة الوحيدة التي يتكلّم فيها في حديث خارج عن العمل هو عند ترحيبه بالآخرين وسؤالهم عن (أخبارهم وعلومهم) عندما يحلّوا ضيوفاً على المؤسّسة، أو مراجعين لها، فشعاره دائماً "قليل من الكلام.. كثير من العمل"!

سعيد بن زعيل ربّما لم يسمع يوماً عن مصطلح (المواطنة)، ولم يدع مرّة إلى المشاركة في مؤتمر أو ندوة أو ورشة عمل تتعلّق بالحوار المجتمعي، أو الوئام الإنسانيّ، أو المواطنة الصّالحة، ولا يمتلك صفحات شخصيّة على مواقع التّواصل الاجتماعيّ يعرض فيها كلّ صباح (في ساعات عمله اليوميّة) صوره وهو ذاهب أو قادم من رحلة خارجيّة بعد أن مثّل عمان في مؤتمر هنا أو هناك، أو وهو يتصفّح كتاباً عن الطّريقة المثلى لبناء الأوطان، كما أنّه لم (ولن) يدعي يوماً كضيف شرف في أحد البرامج الإعلاميّة أو المجتمعيّة التي تنظّمها عشرات الجهات للحديث عن تجربته كرائد من روّاد العمل الوطني، أو كأنموذج مهم من نماذج العطاء، فدعوات كهذه لا تخصّص لأمثاله بل هي لأصحاب (الدشاديش) المكويّة بعناية، واللّحى المشذّبة بدقّة، والخناجر ذات القرون المستخرجة من عاج الفيل وقرون الغزلان!!.

سعيد بن زعيل هو مواطن حقيقيّ آمن أنّ المواطنة الحقيقيّة تكمن في التعايش بسلام مع الآخرين، وفي كفّ الأذى عنهم، وعدم التّدخلّ في شؤونهم، وفي تأدية العمل بصدق وإخلاص دون انتظار لمقابل، وفي تربية أبنائه التربية الصّالحة بحيث يكونوا إضافة لا عبئاً على هذا الوطن! لذا يندر أن تذهب إلى أيّ عزاء يقام داخل الولاية أو الولايات القريبة دون أن تراهما حاضران في آخر الصّف دون انتظار لمن يقرّبهما لوسطه، ويندر أن تذهب لتأدية صلاة الجمعة في جامع الولاية الأثريّ دون أن تلمحهما في الصّفّ الأوّل من المصلّين، ويستحيل أن تجد من يشتكي (ولو مجرّد الشكوى) من أنّ ابناً لهما قد تعدّى على آخرين بلفظ أو بجملة أو بتصرّف خارج، فهم السّلام ذاته مجسّداً على الأرض بحسن أخلاقهم وتعاملهم مع الآخرين.

لا أعلم الغيبيّات، وأؤمن بأنّ الله وحده هو من يملك أمر الثواب والعقاب، ولكن إن قدّر للبعض أن يدخلوا الجنّة دون حساب فسيكون سعيد وأخوه (عاجب) من ضمن هؤلاء بلا شك!.

الاثنين، 23 فبراير 2015

يا سائق السّيّارة


 (1)

صباح الأحد الماضي قطعت المسافة من بيتي في العامرات إلى مقرّ عملي في الغبرة في حوالي ساعة وربع، وهي المسافة التي كنت أقطعها في العادة في حوالي نصف ساعة، يعني نفس المدّة التي أقطعها في الطريق إلى صور التي تبعد حوالي 170 كم!!

في مرّات سابقة اقترحت عدّة حلول منها الجادّ ومنها السّاخر، فقد اقترحت الابتعاد عن المركزيّة، وتوزيع الخدمات على كافّة المحافظات بحيث لا نخلق قاهرة جديدة، وبحيث نحدّ من الهجرة الدّاخليّة بحجّة أنّ معظم الخدمات المهمّة تتوافر في العاصمة فقط، وعندما لم يجد هذا المقترح آذاناً صاغية اقترحت أن تقفل مسقط على ساكنيها الحاليّين لحين الانتهاء من مشاريع الطرق المختلفة، ولحين إعادة التخطيط من جديد.

   هذه المرّة أقترح على المؤسّسات الحكوميّة تخصيص حافلات خاصّة بنقل موظّفيها من وإلى المؤسّسة، أو انشاء مرافق سكنيّة ملحقة بمقارّ هذه المؤسّسات كي يتمكّن الموظّف من مباشرة عمله في التّوقيت المناسب، وكي نحدّ من زيادة الإصابة بأمراض الضغط والتجهّم والعبوس وضيق الصّدر التي يمكن أن تصيب الكثيرين في ظلّ توالي هجرات بشريّة داخليّة وخارجيّة إلى مسقط، وفي ظلّ اعتبار امتلاك السّيّارة حقّاً مكتسباً لكلّ طفل وشابّ وفتاة وعجوز ووافد ووافدة!!

(2)

تناولت كتب الأدب والتراث العربي كثيراً من أخبار الثّقلاء، بل وخصّصت لهم فصولاً كثيرة، وبرزت أسماء عديدة في عالم الثّقلاء والمزعجين يمكن أن تعود إلى أخبارهم في تلك الكتب.

وفي شوارعنا يمكن أن تلحظ نماذج من هؤلاء الثّقلاء الذين قد يتجاوزوا بثقل دمّهم وتصرّفاتهم السّمجة ما قام به كثير ممّن وردت أسماؤهم في أخبار الثّقلاء، ولعلّ من بين هذه النّماذج ذاك الذي تلحظه وأنت واقف في إحدى إشارات المرور صباحاً في طريقك للعمل، فبرغم الزّحمة الشديدة، والبطء المتناهي في الحركة، وبرغم أنّ صاحبنا يقف في حارة تسمح له بالذهاب للاتجاه الذي يرغب فيه، إلا أنّ أخينا يصرّ على الوقوف في منتصف المسافة بين حارتين متجاورتين مانعاً السيارات التي تقف خلفه من الحركة، بحيث تفوتهم الإشارة الخضراء، بسبب رغبته الساديّة في الانتقال للحارة المجاورة وتعذيب الآخرين، على الرّغم من أنّ الحارة التي يقف فيها تؤدّي لنفس المسار، ولكنه ثقل الدّم، والرغبة في رفع ضغط دم الآخرين منذ الصّباح الباكر!!

النّوع الآخر من الثّقلاء السّمجين الذين يمكن أن تراهم في شوارعنا هم من النوع الذي تكاد تقسم وأنت ترى ما يقومون به من تصرّف أنّهم قد وقّعوا بعد ولادتهم مباشرة على وثائق تجبرهم على القيادة طوال حياتهم بأقصى سرعة يمكن أن تصل إليها السّيارة التي يقودونها دون مراعاة لأيّة ظروف أخرى، فمثلاً لو كان صاحبنا يرغب في الانحراف يميناً أو يساراً نحو أحد المخارج التي تؤدّي إلى المكان الذي يريده، فهو لا يقوم بتهدئة السّرعة قبلها بمائة أو مائتي متر مثلاً وأخذ المسار الذي يؤدّي إلى ذلك المخرج كما يفعل بقيّة البشر، بل يستمر في سرعته الجنونيّة في المسار الذي يسلكه، ثم يلتفّ فجأة على شكل نص دائرة ليمرق من أمامك باتّجاه المخرج الذي يقع في المسار الأخير من الشّارع!!  

(3)

كلّ صباح، ورغبة في التخلّص من حالات الضغط والانفلات العصبي التي تسبّبها الزحمة الخانقة، وتراكم المركبات، وأعمال الإشغالات على الطّريق، أتسّلى بمراقبة السّيّارات التي تمرّ بجواري، والتي تكاد معظمها تشترك في خاصّيّة مهمّة ألا وهي خلوّها من ركّاب آخرين عدا سائقها، وأحياناً ابن أو ابنة يتم ايصالهم إلى مدارسهم القريبة، كما أن كثيراً من هذه السّيّارات هي من النّوع العائلي الكبير برغم عدم وجود ركّاب آخرين بها!

ترى هل امتلاك السّيّارة غاية أم وسيلة! وهل نقوم بتحديد نوع وطراز وسعة السيّارة التي نقوم بشرائها على أساس الحاجة الفعليّة أم لمجرّد التباهي الغير مبرر! ولماذا لا يشترك الزوجين، أو مجموعة من الأصدقاء أو الجيران في الذهاب إلى أعمالهم الصباحيّة في سيّارات محدّدة بدلاً من تباهي كلّ فرد منهم بسيّارته!!

وهل يمكن أن نقابل في المستقبل أناساً محترمين وهم يقرؤون جريدة الصّباح في إحدى وسائل المواصلات العامّة، أو واقفين في محطّة الباصات ينتظرون وصول أحدها، دون خجل أو خوف من أن يراهم أحد معارفهم فيقلّل من شأنهم، أو ينظر لهم نظرة دونية لمجرّد عدم وجود سيّارة فخمة بحوزتهم!!

(4)

يحدث أن تكون جالساً في أمان الله تتناول طعامك في أحد المطاعم، أو تقضي حوائجك في محل ما، وفجأة  يطلق أحدهم بوق سيارته بشكل هيستيري قد يصيبك بالصمم المؤقت، ويجعلك تكره المكان وقد تضطر لتركه، وكأنّه لا يوجد في المكان بشر غيره يحق لهم قضاء حوائجهم أو الاستمتاع بأوقاتهم في هدوء!!

ماذا سيحدث لو أوقف هذا الشخص سيارته ونزل ليأخذ الغرض الذي يريده! ألن يكون ذلك دليلاً على تواضعه ومدى احترامه للآخرين!!

على أمثال هؤلاء أن يعوا أنّ حريتهم تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين.

 (5)

يحدث أن تقود سيّارتك في شارع فرعيّ مظلم لا تتجاوز سرعة القيادة فيه 60 كم، ثم يمرق بجوارك صاروخ على هيئة سيّارة، ضارباً صاحبها بعرض الحائط قواعد المرور، والسّرعة المقرّرة، والسّيّارات القادمة من الاتّجاه الآخر، وكل ما له علاقة باحترام البشر، ليتوقّف في النّهاية أمام أحد المقاهي وكأنّ شيئاً لم يحدث!!

عادي.

 


د. محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

الأربعاء، 11 فبراير 2015

همّوم صيّاد


هي مجموعة رسائل أتتني من عدد من الشّباب الذين يعملون في مجال صيد الأسماك، أنقلها كما أتتني تاركاً التعليق على مدى دقّة المعلومات الواردة بها للجهات المختصّة، مع الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي تبذلها تلك الجهات في الارتقاء بالقطاع السمكي في السلطنة.

(1)

"أعمل في مجال صيد الأسماك منذ حوالي 15 عاماً، وأملك سفينتي صيد رغبت في بيع إحداهما إلى أحد الأشخاص بسبب ظروف ماليّة واجهتني، ولسداد بعض المستلزمات المترتّبة على فوائد القروض المتعلّقة بهما.

كان النّظام السّابق يسمح بعمليّة بيع وشراء سفن الصّيد بين محافظات السلطنة المختلفة، بحيث يمكن لمشتر من صلالة مثلاً أن يشتري سفينة صيد من الأشخرة بمجرّد إحضاره رسالة عدم ممانعة من الدائرة التي يتبعها في محافظته إلى الدائرة التي قد سجّل بها السفينة المراد شراءه في الأشخرة، ومن ثمّ يتم نقل قيد المركب أو السّفينة إلى دائرة الثروة السّمكيّة بصلالة بعد التأكّد من استيفاء كافّة الشروط المتعلّقة بعمليّة البيع.

تغيّر القانون السّابق، وأصبح محظوراً على الصيّاد بيع سفينته إلا في حدود الدائرة التي يتبعها، بحجّة اكتفاء بعض المحافظات من سفن الصّيد، وبالتالي لم أعد قادراً على القيام بعمليّة البيع، حيث أنّ المشتري الذي اتّفقت معه على عمليّة البيع والشّراء يقطن في محافظة أخرى، كما أنّني لم أجد في الدائرة التي أتبعها من يقبل بالشّراء حسب المبلغ الذي وضعته مستغلّين حاجتي الماسّة إليه، وعدم وجود مشترين!

قابلنا كلّ المسئولين في الوزارة المعنيّة، وطلبنا منهم النّظر في هذا القانون، ولم نحصل منهم سوى على الوعود! أوليس من الأفضل وضع معايير تضبط عمليّة البيع والشّراء بين المحافظات بدلاً من المنع القاطع!!" 

(2)

" في عام 2000 قدّمت طلباً للحصول على قارب صيد كدعم من الجهة المعنيّة، وفي عام 2007 وبعد أن طال انتظاري للدعم قمت بشراء مركب صيد صغير من خلال قروض حصلت عليها بطرق شخصيّة أملاً في تحسين أوضاعي الاقتصاديّة، وأخيراً في عام 2008 أتى دوري للحصول على القارب، ولكن يا فرحة ما تمّت، فقد تمّ رفض الطّلب بعد أن علم المسئولين بوجود مركب لديّ، وبحجّة أنّني أصبحت من ملاك السفن مع أنّي كنت ولا أزال صيّاد سمك!

هل كان عليّ الانتظار إلى ما لانهاية من أجل الحصول على الدّعم!! وهل لو كانت هناك مدّة محدّدة ومعروفة سلفاً كنت سأضطرّ وقتها لشراء السفينة!! أنا صيّاد ولا أعرف حرفة أخرى غير صيد السّمك، ولا يوجد لديّ دخل آخر للإنفاق منه سواها، ولا توجد لديّ رفاهيّة الانتظار، فرزقنا يرتبط بعد مشيئة الله بممارستنا للعمل، وأيّ توقّف يعني انقطاع الرزق الذي تنتظره أفواه والتزامات مختلفة"

(3)

" أنا صيّاد أملك رخصة صيد تعرّضت لإصابة بليغة في رجلي أثناء مزاولتي لحرفتي، وظللت بالمستشفى لفترة طويلة، والآن أنا عاجز عن العمل بسبب الاصابة مع أنّي لم أبلغ الثلاثين من العمر بعد. لماذا لا يكون هناك صندوق ترعاه الوزارة أو تسهّل للصيّادين إنشاءه بالتعاون مع الجهات المعنيّة، ويقدّم من خلاله الدّعم المادّي والقانوني والفنّي والاجتماعي للصيّاد أسوة بالنّقابات والجمعيّات الخاصّة بالمهن المختلفة في كثير من دول العالم، وماذا يفعل الصيّاد عندما يتعرّض لإصابة تعيقه كلّيّاً أو جزئيّاً عن العمل، أو يصل إلى سنّ لا يستطيع من خلاله مزاولة حرفته التي قد تكون مصدر رزقه الوحيد! لماذا لا يتم تفعيل مثل هذا الصندوق كي يقدّم العون اللازم للصّيّاد في ظروف كهذه، وهل يعلم كثير من الصّيّادين عن نظام التأمينات الاجتماعيّة شيئاً!!"

(4)

التقيته ذات يوم بعد سنوات عديدة منذ آخر لقاء جمعنا. سألته عن البحر وأحواله فأخبرني أنّه ترك العمل به منذ سنتين واتّجه للعمل في أحد حقول النّفط البعيدة، وعندما رأى استغرابي واستنكاري قال لي: كان البحر مصدر رزقنا نحن وأهلنا، وبفضله تمكّنت من الزّواج وبناء منزلي الصغير، ولكنّه الآن لم يعد كذلك بعد أنا حاربتنا في رزقنا العمالة الوافدة الغير مدرّبة في الأساس على أعمال الصّيد والتي أصبحت تمتلك أساطيل من القوارب الصّغيرة، وتقوم بالصّيد في وضح النّهار وأنصاف اللّيالي كذلك غير عابئين بالتّشريعات والقوانين التي تمنع عملهم في القوارب الصغيرة، وغير مهتمّين بالأضرار التي يمكن أن تسبّبها عمليّات الصّيد الجائر التي يمارسونها في كثير من الأحيان على الثروة البحريّة، في ظلّ تستّر بعض الأهالي على وجودهم، وضعف عمليّات المراقبة، وكثيرة هي الشّكاوي التي قمنا بتقديمها دون أدنى فائدة، لهذا تركت العمل في البحر كما ترى باحثاً عن مصدر رزق آخر في مكان بعيد عن قريتي التي لم أفارقها يوماً قبل ذلك"

 (5)

" ننتظر نحن الصيّادين مواسم صيد بعض أنواع السّمك كالتّونة بفارغ الصّبر كي نحقّق عائداً مادّيّاً مجزياً يعوّضنا الخسائر التي نتكبّدها في بعض المواسم الأخرى، أو جرّاء انقطاعنا عن العمل لأسباب صحّيّة أو متعلّقة بالطّقس أو المناسبات الاجتماعيّة المختلفة، ولكن فوجئنا بقرار حظر تصدير بعض هذه الأنواع إلى الخارج مع السّماح باستيراد أنواع خارجيّة أقلّ جودة من نفس الأصناف، مّما جعل كثير من المستهلكين يتّجهون لشراء تلك الأنواع بسبب انخفاض أسعارها على حساب الجودة، الأمر الذي يجعلنا نضطر لبيعها بأسعار منخفضة فلا نطول بلح الشام ولا عنب اليمن، فلا نحن قادرون على تصديرها للاستفادة من أسعارها المرتفعة في الأسواق الخارجيّة، ولا نحن باستطاعتنا بيعها محلّيّاً بسعر مناسب بسبب منافسة الأنواع المستوردة، والأدهى من ذلك أن الاتهامات تلاحقنا في أنّنا السّبب في ارتفاع أسعار الأسماك في الأسواق المحلّيّة متناسين دور تجّار التجزئة الذين يشترونها بأسعار منخفضة ويعيدوا بيعها بأسعار فلكيّة في ظلّ عدم تفعيل بورصة الأسماك، أو مراقبة أسعار البيع المتداولة.  

إذا كان السّمك مهمّاً كسلعة غذائيّة فلماذا لا يمنع تصدير اللحوم العمانيّة، وأصناف ومنتجات غذائيّة محلّيّة أخرى لا تقل أهمّيّة عن السمك!!"

د. محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

 

مشاهد وتساؤلات (21)


(1)

ممثّلة في الهيئة العامّة لحماية المستهلك السلطنة تفوزبجائزة القمّة العالمية كأفضل تطبيق حكومي للهواتف المحمولة على مستوى العالم 2014م.

ليست الجائزة الأولى التي تحقّقها الهيئة خلال مسيرتها الزمنيّة القصيرة، فقد سبقتها جوائز أخرى على المستوى العالمي حيث اختيرت من قبل المنظمة العالمية للمستهلكين ضمن أفضل خمسة إنتصارات تحققت للمستهلكين على مستوى العالم في عام2013م، كما فازت بجائزة منظّمة الصّحّة العالميّة ضمن أفضل ست هيئات وأفراد بالشرق الأوسط في مجال مكافحة التبغ.

عطفاً على ما سبق يظلّ السؤال الحائر:كيف لهيئة تحقق أرفع الجوائز العالمية كل يوم؛ ولا تفوز محلّيّاًفي نفس فئة المسابقة!!

بعيداً عن السّؤال السّابق أذكّر القارئ الكريم مرّة أخرى بأهمّيّة تحميل تطبيق المستهلك الالكتروني، حيث سيجد فيه الكثير من الأشياء التي تهمّه، والتي توفّر عليه عناء البحث والاستفسار كمعرفة آخر أخبار الهيئة من ضبطيّات، أو أحكام، أو استدعاءات، أو استرجاعات، أو قرارات، وكذلك معرفة أسعار السّلع الاستهلاكيّة في معظم المراكز التجاريّة الكبيرة في كافّة المحافظات بحيث يتمكّن من المقارنة بين أسعار السّلع المختلفة والمفاضلة في ما بينها، كما أنّ التطبيق يتيح للمستهلك التواصل مع الهيئة من حيث معرفة آليّة تقديم شكوى أو استفسار أو ملاحظة أو اقتراح معيّن بما يحقّق سهولة التواصل بين الطّرفين، والاستفادة من الملاحظات والتجارب المختلفة التي تعزّز العمل في مجال حماية المستهلك، وتحقّق الشّراكة المجتمعيّة المطلوبة.


(2)

"دروس خصوصيّة للطلاب في مادة....." إعلان أطالعه كلّ يومعلى واجهةكثير من المحلات والمكتبات وأبواب المساجد، بل وفي لوحات الاعلانات الموجودة بالمحلات الكبيرة في ولايات محافظة مسقط، بل وفي المدن الكبرى بالسّلطنة.

كثيراً من مداد الحبر قد سال في التحذير من خطورة استشراء مثل هذه الظاهرة السلبية، وكثيراً من المقالات الفكرية قد دبجت في هذا الموضوع، وكثيراً من الدّراسات قد أجريت. يبدو أن التهاون في اتخاذ الإجراءات الرّادعة قد أغرى البعض نحو الظّهور العلني والترويج لبضاعته، بل إن بعضهم يأتي مخصوصاً لأجلها متخفّياً تحت ستار العمل بوظائف وهميّة لمجرّد الحصول على سند قانوني للمكوث في البلد.

لابد من وقفة مجتمعيّة تجاه هذه الظاهرة الدخيلة التي أصبحت واقعاً معاشا للأسف.

(3)

في كتابه نهضة الأعيان يصف السّالمي جعلان بقوله"..وقلّما تجد فيهم مريضاً أو أعوراً أو أعمى إلا نادراً لصحّة هواء بلادهم، فهواء جعلان طريّ نقيّ قد غربلته الأشجار، ونسيمها عليل، ولا يسكن إلا قليلاً، وبه نداوة، ولا تطرقها الشّمال الضّارّة إلا نادراً، وقد أحاطت بها الأشجار الطّويلة من الغاف والأثل وغيرها، فهي تغربل الهواء وتنقّيه فيخرج طريّاً نقيّا".

ترى هل يعلم القائمون على أمر البيئة والسّياحة والحياة الفطريّة بالسّلطنة المعلومة العلميّة السّابقة التي اكتشفها أجدادنا قبل مئات السّنين، والمتعلّقة بدور الأشجار الطبيعيّة في تنقية الهواء وتصفيته!! وإذا كانوا يعلمون فلماذا يسمحوا بأن تحلّ شجيرات طفيليّة كالمسكيت محلّ أشجار الغاف والسّمر التي بدأت في التّناقص بحيث تكاد تتلاشى بعد سنوات قليلة من الآن! ولماذا يسمحوا بأن تغطّي العزب (الغير شرعيّة) مساحات كبيرة من هذه الأودية! ولماذا يسمحوا بنقل الرّمال منها! ولماذا يسمحوا باستحواذ البعض على مساحات منها وتحويلها إلى كتل اسمنتيّة قبيحة!

إذا كانوا يعلمون فتلك مصيبة،أمّا إذا لم يكونوا كذلكفالمصيبة جلل!!

(4)

مازالت ذاكرتي تحتفظ بتفاصيل حوار أجريته يوماً ما معصاحب ورشة حدادة تجاوز السّبعين من عمره، وأذكر أنّني سألته يومها عن نصيحته لشباب المستقبل، فقال لي: لا أنصحهم بشيئ، فأنا بعد خمسين سنة من العمل المتواصل في هذه الحرفة، لا أجد في هذه الورشة اليوم ما يسدّ رمقي بعد أن نافستني العمالة الوافدة، وما حرصي على وجودي اليومي بها إلا لكي أمنع نفسي من البكاء على ماض رحل، ولكي يجد رفاقي الآخرين مكاناً يواسون فيه أنفسهم، بعد سنوات طوال من العمل المتواصل في مختلف المجالات.

ترى كم من حرفيّ عماني يشتكي من نفس الهمّ!!

(5)

في كلّ صباح أفتح فيه بريدي الالكتروني أجد رسالة أو اثنتين من النّادي الثّقافي بالسّلطنة بها دعوة لحضور فعاليّة فكريّة ما، أو خبراً عن فعاليّة سابقة أو لاحقة ضمن مناشط النّادي، أو أخباراً متنوّعة عن أبرز الفعاليّات الثقافيّة على الساحة المحلّية.

ما يميّز الفعاليّات التي ينظّمها النادي هو تنوّعها الفكريّ بحيث لا تقتصر على نشاط ثقافي بعينه، أو على نمط معيّن من الأنشطة، واستمراريّتها بحيث لا يكاد يمرّ أسبوع دون أن تكون هناك فعاليّة قائمة، كذلك قيام النّادي بالتّعاون مع جهات ثقافيّة داخل أو خارج السلطنة في تنظيم فعاليّات مشتركة.

كما أنّ فكرة القائمة البريديّة الالكترونيّة هي فكرة رائعة في حدّ ذاتها في ظلّ التسارع الهائل في مجال التكنولوجيا والإعلام البديل، حيث تجعل الكثير من المهتمّين بمجالات الثّقافة المختلفة على تواصل دائم مع أنشطة النّادي وفعاليّاته، وبالتّالي فرص أكثر لحضور مثل هذه الفعاليّات، أو على الأقل إخبار المحيطين عنها.

شكراً للقائمين على أمر النّادي الثّقافي، ومزيد من العطاء الذي يصبّفي نهر العمل الثقافي بالسّلطنة.

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com