الثلاثاء، 29 أكتوبر 2013

فتّش عن المرأة


(1)
عاملة المنزل تسافر إلى بلدها، فيضطر الزوج  لجلب الوجبات من المطاعم، وإحضار والدته  للمساعدة في تربية الأطفال لحين عثوره على من يقوم بعمل الشغالة حتى موعد عودتها. الزوجة موجودة ولكنّها لم تتعود القيام بأمور البيت، ولا تعرف الطبخ، فالعاملة كانت تقوم بكل شيء.

(2)
يشتكي أحدهم من زوجته التي تود استكمال دراساتها العليا تاركة وراءها أطفالها لكي تقوم العاملة بتربيتهم خلال فترة سفرها، ويتحدّث آخر عن مدى المعاناة التي يجدها من جراء انشغال زوجته بمسئوليات وظيفتها التي تجعلها تتغيب وتنشغل طوال الوقت في اجتماعات وزيارات، وكل ذلك على حساب بيتها وأسرتها. مواقف كهذه ستسمعها كثيراً في جلسات النميمة الجماعيّة.

(3)
زوج وزوجة يسافران  للاستجمام تاركين طفلاً لم يبلغ السنة من العمر. هذا الطفل لا يهتمّ  كثيراً بوجود أمه قدر اهتمامه بوجود المربية الآسيوية التي تولت العناية به وتربيته.

(4)
ما وجه الشّبه بين  دور الأم، وبين غرفة العمليات في أوقات الحروب وإدارة الأزمات؟ هل لأنّ الأم  (ينبغي) أن تكون الأكثر اطلاعاً على أحوال أسرتها، والأكثر قرباً، والأقدر على اقتراح أو اتخاذ وسائل التربية المناسبة، في ظل انشغال الرجل (بدوره)في توفير متطلبات البيت، وإعالة الأسرة.

(5)
كم من القصص الهادفة التي سمعناها ونحن على حجر أمهاتنا، وكم من أناشيد وأغاني جميلة مليئة بالحنان المتدفق مازالت آذاننا تحن إلى سماعها، وكم من مواقف حياتية مرّت علينا كانت الأم أو الجدّة أو الأخت الكبرى لنا بالمرصاد إما بالإثابة، أو بالتوجيه، بل وكم من القيم والمواقف التي شربناها مع حليب أمهاتنا؟الآن (بعض) النساء يقتصدن في إرضاع أبنائهنّ خوفاً على صدورهنّ من التّرهّل.

(6)
الغرف المريحة ذات الأصباغ الغالية، والألوان الزّاهية، والرسومات الجميلة، والأسرّة الوثيرة،  والألعاب المتنوّعة، والمعلّمين الخصوصيين، وزيارة المجمّعات التجاريّة نهاية كل شهر، وحفلات أعياد الميلاد، هل تعفي بعض الأمّهات من تأنيب ضمير التربية والاهتمام (الحقيقي) بأبنائها؟

(7)
التغير الحادث في أسلوب حياة شريحة مهمّة من الشباب والبنات من حيث أنماط التفكير، والأحلام، واللبس، والحوار، والتعامل مع الآخرين هو  نتاج للتربية التي نشأوا عليها، فليست المدنية في تغيير نوع الملابس، أوفي هيئة اللبس، بل المدنيّة هي الارتقاء بالفكر والوجدان. دور الأسرة بشكل عام، والأم بشكل خاص مؤثر جدّاً في تشكيل فكر هذا الجيل سلباً أم ايجاباً.
 
(8)
بيوت بها بنات  في سنّ المراهقة والشباب، بينما من يعدّ الطعام رجل آسيوي ربما لم يتجاوز سنه الثلاثين، وفتيات تجاوزن العشرين وهنّ لا يعرفن كيف تسلق البيضة، وفتيان تجاوزوا هذا السن وهم لا يعرفون كيف يمسكوا بفنجان القهوة. من المسئول؟

(9)
عندما تحاور (بعض) البنات تفاجأ بأن معظم أحلامهن تنحصر في  استكمال الدراسة، أو الحصول على فرصة عمل مناسبة تمكنها من تحقيق أحلامها المتمثلة في شراء سيارة جديدة، أو اقتناء جهاز حاسوب جديد، أو الحصول على آخر ما تم التوصل إليه في مجال الموضة بدون التطرق لحلم تكوين الأسرة، أو تنشئة الجيل، بل إنّ بعضهن يرى في هذه الأفكار شيئاً من الرجعية والتخلف.

(10)
الأب الذي يسمح لابنته بالنوم حتى الظهيرة، وبألا تمارس أي عمل منزلي، وبأن تقتني جهاز اتصال محمول وهي لم تكمل الخامسة عشر من عمرها، وبأن تذهب إلى المجمّع التجاري برفقة صديقاتها، وبأن تمتلك سيارة عند دخولها الجامعة دون الحاجة لذلك، هل سيستطيع تغيير تفكيرها عندما تكبر ويكون حلم تكوين الأسرة، وتربية الأبناء آخر همّها؟ والزوج الذي يختار زوجته (لمجرّد) أنها تعمل، وأن لديها راتب يمكن من خلاله تحقيق بعض أحلامه، هل سيكون حائلاً بين زوجته وبعض أحلامها؟ وهل سيحثها على أن تقوم بدورها الحقيقي في البيت حتى في ظل وجود الشغالة؟


(11)
ليس عيبا أن نعلّم بناتنا أن يكنّ جزءا مهماً من البيت، مهما كانت درجة الرفاهية الاقتصادية التي تعيشها الأسرة، وبغض النظر عن عدد العمالة المنزليّة الموجودة، ففي عملهنّ حفاظاً على وقتهن، وصحّة لهن، وكسراً لبعض الغرور، ومزيداً من القيم التي قد يحتجنها مستقبلاً.

(12)
كل عمليات المحافظة على قيم المجتمع ومكتسباته لن تجد نفعاً ما لم تقم المرأة بدورها الحقيقي، كما أن المدنيّة التي ستحوّل المرأة إلى شبه رجل هي مدنيّة زائفة. نجاح المرأة الحقيقي  لا يأتي بالحصول على الشهادات العالية، أو المناصب الكبيرة، بل بمدى تعلق أبنائها بها، وحرصهم على وجودها بينهم، يرون فيها القيمة الكبرى، والموجّه، وصانع القيم.
النجاح الحقيقي للمرأة هو في مدى قدرتها على تكوين أسرة متماسكة، وعلى أن تكون مهمّة لدى أسرتها،  وأي نجاح دنيوي آخر قد يعتبر فشلا لها ما لم يتوافق مع قدرتها على القيام بواجبها الرئيس وهو تنشئة الجيل الصالح القادر على القيام بمسئولياته تجاه نفسه وربه ووطنه.
أيتها الأمهات ..الجنة تحت أقدامكن،  فلا تبعدن أنظاركن عنها.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

(الرباط.. الأخضر يليق بك)



بعد يوم واحد  قضيناه في كازا، نغادرها إلى الرباط العاصمة حيث مكان انعقاد المؤتمر. نستغل الطريق السريع، وهو طريق واسع يمر بأطراف المدن الواقعة بين المدينتين كعين حرّودة، المحمّديّه، بو زنيقة، وادي الشراط، الصخيرات، تماره، وهي مدن تعانق المحيط الأطلسي، وتعدّ جميعها مصايف سياحية جميلة.

طوال الطريق الذي يزيد عن 90 كيلو، كان اللونين الأبيض و الأخضر يعانقان ناظرينا، فالأول هو لون البيوت، والآخر هو لون الطبيعة المحيطة، فأينما ولّيت بصرك فلن تجد أمامك سوى غابة  من الأشجار الوارفة، أو بساط عشب أخضر، وكأنها لوحة ضخمة قام أحدهم بلصقها على الأرض، هذا ونحن في بداية الخريف، فما بالكم بالربيع، وما أدراك ما ربيع المغرب.

قبل دخولنا الرباط يستقبلنا الحزام الأخضر الذي يلفّ المدينة، وهو مشروع حكومي يتم تنفيذه من خلال تشجير الشوارع والأماكن المحيطة بالمدينة. أصرخ بلا شعور وسط ذهول من معي: هل تريدون أن تصيبونني بالجنون أيها المغاربة؟ المكان كلّه أخضر فلماذا الحزام؟ اعرف مناطق في بلدي كانت عبارة عن واحات خضراء ثم أصابها التصحّر، أو غزتها نباتات متطفّلة قضت على كل ما هو أخضر سواها في ظل صمت رهيب من قبل المسئولين عن البيئة لدينا. هل تريدون مثالاً واحداً؟ خذ معك (وادي سال) على سبيل المثال لا الحصر.

ندخل المدينة في طريقنا إلى فندق (سوفيتيل) مقرّ إقامتنا. عدا اللون الأخضر المنتشر في كل مكان،  وعدا الكمّيات الهائلة من الزهور والورود التي تغصّ بها طرقات المدينة وميادينها، فقد بهرني المنتزه الطبيعي الضخم القريب من الفندق، والذي ذكّرني بغابات أوروبا كما قرأتها في القصص، وكما رأيتها في بعض أفلام الرعب الرديئة، وقد أزورها يوماً ما في حال توثيق علاقاتي بمسئولي بعض الجمعيات الثقافية أو الصحفية بالسلطنة. وقتها قد ألفّ العالم كلّه في عام واحد بحجة توثيق العلاقات والتعرف على التجارب الدولية في تلك المجالات.

في طريقنا إلى (الوزّان)، وهو مطعم شهير في حيّ أجدال، يأخذنا مرافقنا موسى في جولة سريعة في أحياء العاصمة. تبدو الرباط وكأنها مدينة صغيرة تستطيع أن تلفّها برجليك، وتنقسم المدينة التي أسّسها الموحدون في أواسط القرن الثاني عشر، إلى قسمين : القديم، والذي يمكن أن ترى ملامحه من خلال السور والأسواق الشعبية والمساجد القديمة، والجديد الذي تنتشر فيه كافة المؤسسات والمباني العصريّة الحديثة.

مما يميّز الرباط كذلك إطلاق الأسماء الاسلامية على الشوارع والزنقات، فأينما تمر إلا وتطالع  اسماً لصحابي جليل، أو عالم شهير يتصدر واجهة أحد الشوارع، وكأنّه تأكيد لمدى الاهتمام الكبير الذي يوليه المغاربة للتراث والثقافة العربية والاسلامية.

نزور مبنى الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في حيّ حسّان، المبنى قديم تجاوز التسعين عاماً، إلا أنك لا تشعر بقدمه بفضل الديكورات والرسومات الرائعة التي تملأ جنبات المبنى الذي يستوعب حوالي ثلاثين قناة تلفزيونية  وإذاعية موجّهة، من بينها قنوات خاصة بالمغتربين المغاربة في شتّى بقاع العالم، وأخرى باللغة الأمازيغية لغة السكّان الأصليين.

من الأشياء التي شدّتني خلال زيارتنا لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون اطلاق أسماء عدد من الممثلين والمذيعين والصحفيين الكبار أو الراحلين  على  بعض الاستديو هات كأليفي حفيظ وأحمد الطيب وغيرهم، ترى هل سنرى يوماً ما قاعة باسم الصحفي سليمان الطائي أو طالب المعولي، أو استيديو باسم سالم الصوري أو جمعان ديوان  ، أو مسرحاً باسم الفنّان صالح زعل، أو سعد القبّان أو غيرهم من أسماء الرعيل الأول الذي ساهم في وضع لبنة الصحافة والفن في السلطنة متحدّين ظروفاً فكريّة واقتصاديّة ومجتمعيّة عديدة واجهتهم.

ذات مغربية جميلة أخذنا موسى إلى شارع (القناصل) الذي يقع بالقرب من الودّاية، والذي سمّي بهذا الاسم لأنه كان مقراً  للبعثات الدبلوماسية في القرن 18، ويعد مع (السويقة) من أشهر الشوارع التجارية  الشعبية بالرباط، بل يمكن اعتباره متحفاً للصناعات التقليدية المغربية بمختلف أنواعها، حيث تصطف على جانبيه عشرات المحلات التقليدية وكأنهم سفراء للثقافة المغربية التي تحاول تحدي رياح التغيير العاصفة.

أما (السويقة) فهو سوق شعبي، وهو عبارة عن أزقة ضيقة تصطف على جانبيها الكثير من المحلات الصغيرة التي تبيع كل شيء، وغالباً ما يكون السوق مزدحماً بالبشر طوال اليوم وكأنك في حيّ (العتبة) في مصر. من هناك اشتريت ورفاقي عدداً من المنتجات والملابس التقليدية كالتكشيطة، والجلباب، والقفطان، والبلغة، وزيت الزيتون، وبعض أنواع الصابون المغربي، وزيت أرجان الذي يفتخر به المغاربة كعلامة تجارية تخصّهم.

المتسوّلون كثر في شوارع الرّباط، ولكنّهم ليسوا كالمتسوّلين الذين يمكن أن تراهم في عواصم عربية أخرى، فهم أكثر لطافة في التعامل، أذكر أنّ أحدهم طلب منّي أن أساعده فأخبرته أنني لا أحمل محفظتي في الوقت الحالي، وكان هذا صحيحاً، فما كان منه إلّا أن ردّ عليّ بابتسامة " مرة أخرى أن شاء الله".

في القهوة الصفراء، وهي إحدى مقاهي الرباط الكثيرة التي تتميز بالشّياكة والنظافة وحسن التصميم كانت جلستنا اليومية للتلذّذ بطعم (الأتاي) المغربي الأصيل، و(حليب سخون)، بل وبصفاء الروح. لا شيء يمكن أن يكدّر صفوك. بمجرّد أن تلتفت يمنة ويسرة تكتشف معنى الجمال الذي تحدّث عنه الشعراء وهاموا به كثيراً، بل وجنّ بعضهم بسببه. هنا لا يمكن إلا أن تحب الشعر وتستحضره. وهنا كذلك لابد أن يكتب على كل طاولة البيت التالي: الصّبا والجمال ملك يديك.. أي تاج أعزّ من تاجيك

هي قهوة بلون الشوكولاتة، أو هي الشوكولاتة ذاتها، تودّ لو التهمتها فالتهمت معها شياكة تصميمها، وجمال روح العاملين بها، وابتسامات مرتاديها. هل تعمّد صاحبها أن (يرسمها) بذلك الشكل حتى لتعتقد أنها كعكة حقيقية كبيرة لا مجرد مبنى صبغ باللونين الأصفر والبنّي الداكن.

زيارتك للرباط قد تجعلك تفكر في قراءة التاريخ الأندلسي مرة أخرى، ذلك أن هذا التاريخ الذي نستحضر منه السهول الخضراء اليانعة، والطيور المغرّدة، والفتيات الحسان المستلقيات على الخمائل، وصوت الطرب الأندلسي الجميل يمكن أن تراه حاضراً عند زيارتك (صومعة حسان)التي شيدت في عصر دولة الموحدين، أو قصبة (الوداية) بسورها ومسجدها المسمى بالعقيق، أو موقع (شالة) على أطراف نهر أبي رقراق الذي تتراكم فيه آثار حضارات رومانيّة وأندلسيّة ومغاربيّة.

الرّباط حكاية جميلة لا يكفيها مقال. مازالت ذاكرتي تحتفظ لها بعشرات المواقف الجميلة والطريفة التي لن تستطع خريطة العالم أن تمحوها. ما تزال أشعار إبراهيم ترنّ في ذاكرتي، وما برحت صوري الشخصية تتحدث عن براعة (البرنس) خالد في التقاطها، ومازالت حلاوة حديث رئيس وفدنا، وغزارة معلوماته، وبراعة أسلوبه الخطابي تضيف إلى ثقافتي المتواضعة الشيء الكثير في كل مرة أرافقه فيها.

لا أجد للختام  سوى أبيات  من أغنية مغاربية جميلة رافقتنا طوال رحلتنا، صحيح أن موسى كره الأغنية والمطرب والمحلّ، بل والبلد بأكملها من كثر  إلحاح إبراهيم عليه بتشغيلها في كل مرّة نركب فيها معه، ولكنها بلا شك ستبقى ذكرى طريفة تذكّرنا بأيام من الحلم عشناها هناك:
بافيني يا خوتي بافيني..بافيني وأصحاب الهذرة خاطيني.. بافيني وباغي نعيش وحداني.. ربّي الفوقاني هو اللي يداوي حالي.

د. محمد بن حمد العريمي
MH.ORAIMI@HOTMAIL.COM

الأربعاء، 9 أكتوبر 2013

يوم في كازا



كانت الرغبة في زيارة المغرب بالنسبة لي حلماً مؤجّلاَ لطالما تمنيت أن يتحقّق يوماً ما وذلك لكثرة ما كنت أسمعه من وصف جميل لهذا البلد والمغلّف بعبارات المدح والثناء المبالغ فيها، والتي جعلتني أتخيّلها عالماً آخر لا يمتّ لعالمنا بصلة.
وعندما تقرّر زيارتي للمغرب للمشاركة في إحدى الندوات العلميّة المتعلّقة بمجال عملي، كان الهاجس الذي ظلّ يساورني طوال الأيام التي سبقت موعد السفر هو ما كنت أتخيّل رؤيته هناك ، وما الذي سيميزها عن غيرها؟ هل هي المناظر الطبيعية، أم التطور الحضاري، أم ماذا بالضبط؟ ولماذا لا يقولون نفس الشيء عن بلدان عربية أخرى اشتهرت بعراقتها وتقدمها، لذا كانت اللهفة طاغية ، والرغبة ملحّة في استباق الأيام وحلول موعد السفر.

عندما نزلنا في مطار محمد الخامس كان أول ما صادفني لوحة ترحيبيّة كبيرة كتب عليها "نرحب بأبناء الجالية المغربيّة في الخارج". استوقفتني العبارة طويلاً وسرحت أتأملها، فأنا مع أسفاري المتعدّدة لا أذكر أنني رأيت مثيلاَ لهذه العبارة في أي مطار آخر، بل إن بعض هذه الدول تودّ لو أنّها كسرت ملايين القلل خلف أبنائها المهاجرين وكأنهم عالة عليها لا سند وقوة لها. كان ما رأيته باعثاّ على الأمل بأنني سأرى أشياءً جميلة كثر، ذلك أن البلد التي تحترم أبنائها المغتربين، وترحّب بهم أكثر من ترحيبها بالغريب هي بلد ينبغي أن تحترم، فما بالكم وهذا الاهتمام يتصدر بوابة العبور الأولى إلى الوطن، وكأنها رسالة تصدّر إلى القادمين ، كانت هذه اللوحة هي أولى النقاط الذي دوّنتها في ذاكرتي  وأنا أقارن بين ما أراه هنا، وبين ما رأيته في مدن سابقة قمت بزيارتها.

بأكواب (الأتاي) الساخن، وكلمات المجاملة اللطيفة تم استقبالنا ريثما تنتهي اجراءات خروجنا من مطار محمد الخامس، لنستقلّ بعدها السيارة التي كانت تنتظرنا لأخذنا إلى مقرّ إقامتنا، دون أن يعترض طريقنا متسوّل، أو أن يتزاحم علينا حامليالشنط، أو أن يلحّ علينا سائق تاكسي ثقيل دمليجبرنا على أن نركب معه ولو بالعافية، كما يحدث في بعض المطارات العربية. وكانت هذه النقطة الثانية التي وضعتها في الحسبان خلال قيامي بعملية المقارنة.

ننطلق من المطار باتجاه فندق "حياة ريجنسي" حيث مقر إقامتنا، الشوارع عادية لا تكاد تختلف عن شوارع كثير من المدن التي زرتها، والمباني ذات المباني التي رأيتها هنا وهناك، صحيح أن اللون الأخضر منتشر على امتداد البصر، ولكني ما زلت أنتظر أن أرى شيئاً استثنائياً يتوافق مع ما سمعته من حكايات أسطورية عنها. فجأة تذكرت أنني طوال نصف ساعة كاملة من انطلاقنا من المطار وحتى وصولنا إلى الفندق لم أسمع صوت (بوق) سيّارة واحدة برغم زحمة الشارع وكثافة الحركة المرورية التي تصادفت مع يوم العطلة الرسمية في البلد. إذاً هذا شيء آخر يضاف إلى قائمة المقارنة.

بعد ساعة من وصولنا إلى الفندق أقرر النزول لا كتشاف الشوارع المحيطة به، وهي عادة أفعلها في كل مدينة أنزل بها، فما بالكم وأنا أتحدث عن مدينة استثنائية بحسب الصورة الذهنيّة التي رسمتها لها، وما بالكم كذلك وأنا سأغادر هذه المدينة  في اليوم التالي ذاهباً إلى الرباط العاصمة حيث مكان انعقاد الندوة.

يقع الفندق  في ساحة الأمم المتحدة والتي كانت تسمى ساحة فرنسا زمن الاحتلال الفرنسي للمغرب ، وبالقرب  من مجسم الكرة الأرضية الذي أنشئ في سبعينيات القرن الماضي، وأصبح من معالم كازا الشهيرة،  كما لا يبعد سوى كيلو متر واحد عن ميناء المدينة، يوماً ما وقبل حوالي 70 عاماً من الآن صورت في هذه الساحة مشاهد من الفيلم  الأمريكي الرومانسي الشهير "كازابلانكا" الذي قامت ببطولته انجريد برجمان وفري بوغارت، لذا فليس غريباَ أن ترى كثيراً من السياح يتوافدون لرؤية الأماكن التي صورت فيها تلك المشاهد.

ولأنني عاشق للمقاهي فقد كان من الطبيعي أن تشدني المقاهي الكثيرة التي تتميز بها الشوارع القريبة من الفندق في كازا القديمة، والتي كانت كاملة العدد بزبائنها الذين كان حديثهم مزيجاً بين السياسة والرياضة والشئون المحلية والخاصة، وفي "مقهى فرنسا" التاريخي المقابل لفندق حياة، والواقع بين ملتقى شارع محمد الخامس وساحةالأمم المتحدة، والذي أنشأته سيدة فرنسية عام 1946، وكان المكان المفضل للتجار الفرنسيين أيام الاستعمار، شربت قهوة فرنسية ستحتفظ بها ذاكرتي طويلاً كاحتفاظ المقهى بتاريخ المكان، وفي"القهوة الخضراء" القريبة احتسيت (أتاياً) لم أذق ألذّ منه نكهة وطعماَ من قبل وكأنني أشربه لأول مره. في كازا لا يفوق عدد المقاهي سوى تعداد البشر القاطنين بها، وكأنما أضحت تلك المقاهي جزءاً من حياة سكانها اليومية.
تجولت في سور "باب مراكش"، وسوق الدار البيضاء، وفي زنقات شارعي محمد الخامس والجيش الملكي ، البنايات بيضاء على اسم المدينة،وصممت على الطراز المورسكي، هنا يباع كلشيء، خاصة الألبسة الجاهزة والأحذيةوالمصنوعات الجلدية والمجوهرات الفضية. لمن عاش مثلي فترة طويلة في  مصر سيعتقد لأول وهلة أنه في شارع طلعت حرب بوسط القاهرة، أو في صفية زغلول بمحطة الرمل بالإسكندرية. المعالم تتشابه كثيراً، وأثر المستعمر يبدو واضحاً من خلال تصميم الشوارع والبنايات. ما يميز كازا أن شوارعهاواسعة ونظيفة، ولا أثر لقمامة ملقية على الطريق، كما أن الكل مستعد أن يمنحك ما تشاء دون انتظار لمقابل.
في المساء نستقل السيارة المخصصة لنا لأخذ جولة سريعة في "عين الذئاب البشرية"  والتي يسميها البعض اختصاراً بعين دياب، وهي إحدى أهم الأماكن السياحية في كازا. بمجرد ركوبنا ينطلق صوت نجاة يتبعها حليم برائعته " الرفاق حائرون".برغم فترة الاستعمار الطويلة إلا أن المغاربة عاشقون للتراث العربي، مغرمون بفنونه، محافظون على ملامحه، تجد ذلك في تصميم أسواقهم، واختيارهم لمسمياتهم الحياتية المختلفة، وأسماء زنقاتهم وشوارعهم، وحبّهم للطرب الشرقي الأصيل. أسأل موسى سائق السيارة عن أوضاع البلد فيجيبني بأنها مطمئنة، وأن الحكومة تسعى جاهدة لتحسين الأوضاع، وأن الأوضاع أصبحت أفضل مما كانت عليه في السابق، وستصبح أفضل وأفضل بتعاون الجميع. أسأله إن كان منتمياً لحزب معيّن، فيجيبني بالنفي وأنّه يؤيد أية حكومة تعمل لصالح المواطن بغض النظر عن انتمائها الفكري والسياسي.
موسى مثال للمواطن المغربي المثقف، فهو بالرغم من عمله السابق كعسكري، وعمله الحالي كسائق إلا أنه يتمتع بثقافة عالية، ودراية شاملة بتاريخ بلده، واطلاع كبير على كافة الأنشطة الحكومية في مختلف المجالات، وكان موسوعة شاملة استفدت منه كثيراً في معرفة أدق تفاصيل تاريخ المدينة  ومعالمها المختلفة، فلا نكاد نمرّ على معلم تاريخي أو حضاري ما ونستفسر عنه ،  أو نناقش قضية محلية مختلفة أو خبراً ورد في إحدى الصحف إلا وينطلق موسى شارحاً كل ما يتعلق بتاريخ ذلك المعلم أو تلك القضية،  وكأنك أمام أستاذ جامعي لا سائق بسيط.
في بعض الدول يستقبلك سائق التاكسي بعبارات النقد الجارح لسياسات حكومة بلده، والاستياء من الأحوال المعيشية والعامة، والتي تجعلك تكوّن صورة ذهنيّة قاتمة  عن البلد التي تزورها، وتغدو أكثر توتراً طوال فترة إقامتك، وتجعلك تتمنى لو لم تقم بزيارة تلك البلد من الأساس.
في كازا رأيت كل شيء أبيض كاسمها. البيوت، والشوارع، وحتى قلوب الناس.
1

الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013

نقاط على هامش الاضراب


(1)
بمناسبة الاضراب الذي ينوي بعض المعلمين القيام به اليوم ( وقت كتابة المقال): هل المطلب المادّي هو المطلب الأساس؟ وماذا لو تم رفع راتب المعلم أو علاواته الفنيّة، أو تم ايجاد كادر خاص للمعلم، هل تنتهي المشكلة؟ وهل ستصبح العملية التعليمية أكثر نجاحاً وتقدّماً؟ وهل ستتطور فجأة كافة القدرات والامكانات المتعلقة بالمعلم. وهل الإضراب احتجاجاً على وضع العمليّة التعليميّة برمّتها أم قاصراً على وضع المعلًم فقط؟ وهل الرسالة موجّهة لوزارة التربية والتعليم فقط، أم موجّهة للمجتمع ككل بحكم أن العملية التعليمية عملية مجتمعيّة تشاركية؟
سؤال آخر: هل تم استنفاذ كافة الحلول قبل البدء في تنفيذ الاضراب، أم لم يكن هناك حوار جادّ من الأساس.

(2)
ألم يحن الوقت لوجود جمعية معلّمين مستقلة تجمع التربويّين في كيان واحد، وتتبنى مطالبهم ، وتعالج همومهم، وتزيل كثيراً من الاحتقان المتبادل، وتحقق عدداً من المطالب الاجتماعية التي ستضيف الكثير لبيئة العمل، ليس أقلها المعاش التقاعدي، أو حق العلاج، أو تنظيم المناشط الاجتماعية، أو حماية حقوق المعلم والدفاع عنه، وأشياء كثيرة لا يمكن حصرها في هذه المساحة.

(3)
وما دمنا نؤلف الأشعار، وندبج الخطب في الحديث عن دور المعلّم ومكانته في المجتمع، ألم يحن الوقت لإيجاد كادر خاص به يشتمل على مخصصات مالية تتناسب والجهد الذي يبذله، ويراعي التطور الفكري والوظيفي له بشرط تدرجه في عمله، وعدم انتقاله إلى مراحل تدريسية أو وظيفية أعلى إلا بعد اجتيازه اختبارات كفاية مناسبة للمرحلة القادمة، وربط ذلك بالعلاوات المالية، على أن يمر المعلم الجديد بعد تخرجه من كلية التربية بسنة امتياز، يتعرض خلالها لعدد من برامج الإنماء المهني طوال عام كامل، وبعدها يتم الحكم على مدى صلاحيته لممارسة المهنة.
هذا الأمر (ربّما) من شأنه أن يحقق مبدأ التنافسية ، ويجعل المعلم أكثر حرصاً على تطوير مستواه الأكاديمي والمهني.

(4)
في ظل الحديث عن مئات الكوادر التربوية من حملة المؤهّلات العليا: ماذا لو تمت (خصخصة) بعض الخدمات التعليمية الموازية كالإرشاد النفسي وتصميم المناهج والتدريب، بحيث تقوم بها مراكز ومؤسسات محلّيّة خاصّة وفق معايير عامة تطرحها الوزارة. ألن يكون في ذلك استفادة من مئات الطاقات والكوادر المتخصصة التي أنهكها الروتين؟ ولماذا لا يسمح لي كمتخصص في المناهج أن أشترك في تصميم منهج ما بالتعاون مع متخصص في المادة وآخر في التصميم، وأنافس زملاء آخرين في ذلك، وبالتالي يكون أمام الوزارة خيارات أفضل وأشمل وفق معايير عامة تضعها هي، وفي نفس الوقت أشعر أن ما درسته لم يذهب هدراً، وكذلك لا أنشغل بهم البحث عن تحسين الوضع الوظيفي من خلال منصب بعيد كل البعد عن تخصصي. 


(5)
ميزانية التعليم ترتفع كل سنة بمقدار ٣٠٠ مليون تقريباً كل عام.
السؤال الأول: هل تتوازى جودة المخرجات مع هذه الزيادة السنوية؟
السؤال الثاني: هل هناك تنويع وتغيير حقيقي في البرامج تتوازى مع هذه الزيادة؟
السؤال الثالث: ماذا لو حدث عائق أعاق هذه الزيادة في سنة ما. هل ستحدث انتكاسة في تنفيذ الخطط والبرامج بحجّة انخفاض الميزانيّة السنويّة؟

(6)
من منطلق أن العمليّة التعليميّة وتكوين شخصية الطالب الذي نريد قضية كبرى لا يقتصر تنفيذ برامجه على جهة بعينها. هل هناك تنسيق وتكامل وسياسة شراكة بين وزارة التربية وبقية الوزارات المعنية كالثقافة والاعلام والشئون الدينية والتنمية وغيرها في وضع خطط مشتركة لتنفيذ برامج متوافق عليها، وموجهة نحو تعزيز الاهتمام بالطالب من خلال البرامج التي تكمل دور المدرسة، وتعزز تحقيق الأهداف العامة المرسومة سلفاً ، أم كلٌ يعمل وفق هواه؟ بمعنى هل يتم دراسة نتائج دراسات وتوصيات هذه الجهات وتنفيذ برامج مشتركة من واقع هذه النتائج بحيث تؤدي الانشطة المختلفة ثمارها المرجوة؟ أم كل طرف ينفذ برامجه لمجرد أن يزيل الحرج عنه ويقول للرأي العام أنني فعلت ما هو مطلوب مني؟

(7)
أليس حريّاً بأعضاء مجلس الشورى ان يتبنّوا مراجعة القوانين المتعلقة بالعملية التعليمية انطلاقاً من دورهم التشريعي والرقابي المتاح لهم أكثر من ترديد المطالب التي ينادي بها العاملون في القطاع وبالتالي الظهور بمظهر الأبطال المناضلين المدافعين عن حقوق المعلّم كونه الشريحة الأكثر تأثيراً في الانتخابات، فهذا دور الاعلام لا دور المجلس، فمازالت هناك قوانين كثيرة عتيقة تعرقل المسيرة التعليمية، ومازال هناك تشابك أدوار مع مؤسسات أخرى، ومازالت هناك ضبابية وعدم وضوح رؤية حول ماذا نريد من المنتج التعليمي. هنا يأت دور المجلس الحقيقي.


(8)
عملت لفترة من الزمن كمعلم، (فرض) عليّ خلالها أن أكون مشرفاً على جماعات طلابيّة مختلفة لا رابط مشترك بينها ابتداء من المسرح وانتهاء بالكشّافة، وكنت أناوب كل صباح وأحياناً في الفسح المدرسيّة، ومرّات أنظّم حركة ركوب الطلاب للحافلات في نهاية الدوام. هل هذا من صميم عملي كمعلّم؟ وهل توضع المناشط لمجرّد سدّ خانة في الجدول المدرسي أم ايماناً بدورها المهم في صقل الشخصيّة الطلابية وو.. الى آخر بقيّة الطقم من العبارات الرّنّانة؟

(9)
نسمع كثيراً عن الدعم المادي الذي تقدّمه بعض مؤسّسات القطاع الخاص لدعم العمليّة التعليميّة من خلال انشاء المباني المدرسيّة، ورعاية الاحتفالات، ودعم بعض الأنشطة.
السؤال المهم: أين دور المؤسّسات الخاصّة والاقليميّة في تقديم برامج تخصص لتأهيل التربويّين وتطوير أدائهم المهني في مختلف المجالات ولا أقصد هنا دعم المشاغل والملتقيات البسيطة، وأين هي مساهمة المؤسسات التربوية والثقافيّة الإقليميّة والعالميّة التي نحرص على أن نكون أول الملتزمين بدفع حصصنا السنوية فيها، أم أن حضورنا فيها يقتصر على الدفع الفوري، والمشاركة في اجتماعاتها الدوريّة ، والورش، وحفلات التكريم التي تقيمها، بينما تذهب البرامج والانشطة والفعاليات لدول أخرى مازالت لم تدفع حصّتها عن أعوام عشرة سابقة.

(10)
ماذا عن المناصب القياديّة في الوزارة والمديريّات المختلفة؟ هل هناك معايير واضحة في الاختيار تسري على (الكل)، أم أن هناك بعض المؤثرات تتدخل في اختيار (البعض)؟ وهل مازلنا نتعامل (أحياناً) بمنطق (القريب من العين قريب من القلب)؟ وهل كون فلان عمل يوماً ما مع المسئول الجديد علّان مسوّغ كاف لاختياره في منصب قيادي؟ وهل وهل وهل.

(11)
من العبارات السائدة لدى البعض: المعلّم لا يداوم سوى حصتين أو ثلاث في اليوم، كما أنه يقضي أكثر من نصف السنة في اجازات، ومع ذلك يتقاضى راتباً عالياً، فلماذا المطالبة كل حين وآخر بتحسين وضعه.
قد يكون هذا صحيحاً، ولكن عندما تذهب للمدرسة لتجد أن طالباً لم ينجح المجتمع بكافّة مؤسساته في تشكيله يحذفك بطوب لمجرد أنك كنت حازماً معه بالأمس، أو يثقب إطار سيّارتك، أو يتلفّظ عليك بكلمة نابية تكون كافية لأن تهدر كرامة وشخصيّة كنت تحرص على الحفاظ عليها أمام ابنك أو تلميذك المؤدّب.
وقتها.. قد نعرف لماذا يعاني البعض.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 23 سبتمبر 2013

"مزاج للبيع"

"اكتشف مأمورو الضبطية القضائية خلال الجولة التفتيشية الإعتيادية التي يقومون بها، وجود كميات من التبغ  المحظور بيعه، والخمور المهرّبة في أحد المحلات التي تمارس نشاط  بيع الأدوات المنزلية والكماليات  في ولاية السيب، حيث تم ضبط 21 زجاجة خمر، وكميات كبيرة من التبغ غير المدخن والسجائر المخالفة".

هذا الخبر ذكّرني بخبر سابق  مشابه مفاده "ضبط أحد الباعة من الجنسية الآسيوية بمحل لبيع الملابس النسائية في الخوض يبيع مشروبات كحولية (خمور)، حيث وجد بحوزته أكثر من 70 زجاجه مشروبات كحولية ( خمور) يقوم بالترويج لها وبيعها لبعض المتعاملين معه".

تخيّلوا معي.. محلّ لبيع المواد والأدوات المنزليّة، وآخر لخياطة الملابس، وكلاهما يقع وسط حيّ شعبيّ مأهول بالسّكّان، وكلاهما كذلك يتعامل مع شرائح مجتمعيّة مختلفة الفئات والأعمار، يبيعان مشروبات (روحيّة) وسط مجتمع يسوده طابع التديّن والمحافظة والتمسّك بالقيم. قد نجد لهؤلاء بعض المبرّرات الواهية إن كانت هذه الضبطيّات قد اكتشفت وسط أحياء خاصّة بالعمالة الوافدة، أو في أماكن منزوية بعيدة عن الأعين، أو في محلّ يقع على قارعة طريق صحراويّ بعيد، أمّا أن يتم ضبطها في محلّات خصّصت أساساً فهي قمّة الجرأة، أو .. اللامبالاة.

إذاً هي سوق سوداء لبيع الممنوعات في منتصف النّهار، وتحت ضوء الشمس، وعلى مرأى من العامّة، ومادامت هناك خمور تباع بهذه الطريقة فهناك بالتأكيد أشياء لا تقلّ خطورة  ليس أقلّها حلويّات الأطفال المغشوشة، ولا الإطارات القديمة المعاد استخدامها، ولا البطاطا التي يعاد بيعها بعد جلبها من المرادم، ولا بقايا الجلود والعظام المجلوبة من المسالخ، ولا الأطعمة والمأكولات المعاد استخدامها، ولا المواد الغذائيّة منتهية الصلاحيّة والتي تباع علناً أو بعد تغيير تواريخ انتهائها، ولا زيوت السّيّارات المغشوشة،  وليس أهونها  المخدّرات بأشكالها وأنواعها "، والتي سمعت أحد متعاطيها البائسين يجيب القاضي في إحدى الجلسات التي حضرتها عندما سأله عن كيفيّة الحصول عليها: " إنها تعرض علينا علناً في الشوارع،  جرّب أن تسأل أي آسيوي تقابله وهو سيدلّك بكل بساطة على من يبيعها لك".

بالمختصر المفيد هناك شبكات وافدة تدير جلّ هذه الممارسات المشبوهة والتي تهدّد أمن البلد وسلامته على كل المستويات والأصعدة، وسط حالة صمت رهيبة من قبلنا بحيث  أصبح الخوف من الوقوع في الجرم لدى هؤلاء غير موجود إن لم يكن منعدماً من الأساس، يدفعهم إلى ذلك عوامل كثيرة يمكن اختصارها في ضعف سطوة القانون، وثقافتنا الاستهلاكية السلبية في كثير من جوانبها، والصورة الذهنيّة المرسومة لدى هؤلاء عن أنّنا مجتمعات مرفّهة لا مبالية، ويمكن الضحك عليها بأبسط الطرق.

القضيّة الأولى من وراء هذا الطرح  هي أن ما يمرّ به مجتمعنا من تفشّي وتنامي لمثل هذه الحالات من الممارسات الاقتصادية والاجتماعية (اللا إنسانية) سبق وأن مرّت بها دول مجاورة ،  عانت منها واكتوت بنارها، واتخذت مقابلها عدداً من الخطوات والإجراءات التصحيحيّة، أما نحن فلن نقوم بدراسة تجارب تلك الدول، ولن نتحرّك إلا إذا وقع الفأس في الرأس، أو "بعد خراب مالطا" كما يقولون، هذا إذا تحرّكنا من الأساس.

القضيّة الأخرى هي أنّ (بعضنا) لا يفرّق بين (الجيب) العام والخاص، أو بين الجسد الكبير والصغير، فمادام جيبه الخاص يمتلئ نهاية كل شهر ببعض الفتات، فلا مانع أن يثقب الجيب العام للدولة ككل، وأن يتم استنزاف مواردها بتصرّفات (شيطانيّة) كهذه، ومادام جسده سليماً لم يتأثر بعد بنتائج مثل هذه التصرّفات، فلا يهمّه أن يتم نخر الجسد الكبير للمجتمع بالأمراض الفتّاكة، وتدمير الطاقات الشبابية، وخلخلة الاقتصاد،  وسلّم لي على.. الكفيل.

القضيّة الثالثة هي  أنّنا حتّى الآن لسنا جادّين في التصدّي لهذه الممارسات، أو حتّى محاولة تقنينها، والدليل على ذلك هي القوانين التي لم تستطع أن تحدّ من خطورة هذه الممارسات التي هي في ازدياد، والتي تكشف لنا الضبطيات اليوميّة للجهات المختصّة عن عشرات الممارسات التي تصيبنا بالذّهول والاستغراب، ومازالت مشاريع القوانين الجديدة أو المعدّلة تتناقل كحجر النّرد من مكتب لآخر، ومن جهة لأخرى.

القضيّة الرابعة هي نظرتنا المغلّفة بالرحمة والعطف، أو بالمصلحة أحياناً تجاه تلك الفئات، فبعضنا يغضب عندما يتم مسّ ممارسات هؤلاء ولو بكلمة، أو الحديث عن تقنين أو ضاعهم، أو الحدّ من سطوتهم الزائدة وسيطرتهم على المفاصل الأساسيّة للسوق والاقتصاد بشكل عام، وأقصد تحديداً ذوي "الشنبات السوداء" الذين تراهم أمامك في كل مكان يصل إليه بصرك في العاصمة، في الشارع، وفي المجمّع التجاري الكبير، وفي المطعم الفخم، وفي البنك، وفي الحديقة العامّة، بسيّاراتهم الفارهة، وبالأختام والأساور وسلاسل الذهب التي تغطّي المعصم والرّقبة، وبالشّعر الكثيف الذي يملأ الظّهر والرقبة ولا تسألني كيف عرفت ذلك، على اعتبار أنّ هؤلاء يسهمون في دفع عجلة الاقتصاد، والمساهمة في بناء الوطن. وبعضنا الآخر ينظر للفئة الأخرى التي يراها (تشحت) بطريقة غير مباشرة عند مكائن سحب الأموال، وفي مواقف السيارات، على أنّهم بسطاء يستحقّون العطف والشّفقة، وهو الأمر الذي يجعلهم يستغلون هذه النظرة للتمادي في السلوكيات التي ما تلبث أن تتحوّل إلى سلوكيّات  أكثر خطورة على المجتمع،  اعتماداً على  منطق (بلد الفرص الوافرة)، و(الناس اللامبالية).

والحلّ.. سنظل نردّد كثيراً كلاماً من قبيل التوعية والتثقيف للمجتمع حول بعض السلوكيّات الاستهلاكيّة، والنظر في قوانين العمل والاستثمار الحاليّة ، وسنّ قوانين أكثر حزماً وصرامة، ووو. ولكن يبدو أن كل ما قلناه، وما سنعيده مستقبلاً ، هو من قبيل الفضفضة فقط، وقد نطالع في المستقبل أخباراً أكثر فظاعة وذعراً، عن ممارسات تقوم بها هذه العمالة أو تلك، وكعادتنا في كل مرّة سنغصب مؤقّتاً، ثم "تعود ريمه إلى حالتها القديمة".
يسألني صديق ظريف: ترى هل هذه المشروبات أصليّة أم مغشوشة. يا راجل؟ هو دا وقته؟

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

في مقاهي المحروسة (11)

الأمفتريون

إبريل 2007.. جوّ القاهرة ربيعيّ مترب. كنت قد لازمت شقّتي الصغيرة بسبب جرح في صدري نتيجة انزلاقي في ليلة جمعة ممطرة عاصفة، يومها ظهرت الشهامة المصريّة الحقيقيّة متمثّلة في عمّ سيّد البوّاب، وعمّ صابر حارس العمارة، اللذين حملاني على وجه السرعة إلى مستشفى الجنزوري الخاص القريب من المكان، وكانت النتيجة ثمانية غرز في الصدر، وتنبيهات بملازمة الفراش وعدم ممارسة أي نشاط بدني، ومن حينها انزويت في شقّتي لا يعلم أحد ما حدث لي باستثناء بعض المقرّبين من الأصدقاء الذين استنكروا غيابي.

هاتف الشّقةّ يرنّ. المتحدث هو محمد البلوشي. بعد السلام والسؤال عن الحال وشيء من العتاب المهذّب نتّفق على أن يزورني في اليوم التالي.

محمد صديق عزيز، جمعتنا ذكريات جميلة في 6ش عدن بالمهندسين حيث سكنّا معاً لفترة من الزمن، وحيث ذكريات العمل المشترك في نادي الطلبة، وذكريات أخرى كثيرة. يكمل محمد دراسته العليا في الفنون الجميلة، وتحديداً في فنّ النحت الذي تخصّص فيه، وملك عليه كيانه لدرجة أن صالة شقّتنا تحوّلت إلى متحف مفتوح من كثرة المعروضات التي لم ترحم توسّلاتنا.


في العاشرة من صباح الخميس يصل محمد بأناقته المعهودة، حاملاً (بوكيه) ورد كبير، وصندوقاً من التمر المحشو باللوز. هكذا هو محمد. هو الاتيكيت ذاته يمشي على قدمين.

حدّثتني كثيراً يا صديقي عن مصر الجديدة وجمالها. هي فرصة أن أراها على أرض الواقع، أريد أن أشاهد مبانيها الجميلة وشوارعها الواسعة التي رأيتها في أفلام حليم وشادية وصباح، والتي طالما سمعتك تتغنّى بها في جلساتنا الخاصّة. لك ذلك يا عزيزي، هيا بنا إذاً.

ننزل من الشقّة باتجاه ميدان روكسي، أول ما يصادفنا حديقة (الميرلاند) الشهيرة بمساحتها الخضراء الشاسعة ، هذه الحديقة يا صديقي كانت يوماً ما جنّة خضراء، تجعل زائر الحديقة يشعر كأنه انفصل عن العالم الخارجي، ودخل إلى عالم جديد سمته الجمال. لم تعد الحديقة كما كانت، كأي شيء جميل يذهب ولا يعود.

في طريقنا إلى الميدان، نتوقف على الرصيف انتظاراً لمرور الترام أو (التروماي)كما يحلو للبعض تسميته، أو (الزقزوقة) كما يدلّعه آخرون بسبب صوته المميّز على القضبان. الترام هو أحد معالم مصر الجديدة الشهيرة، يقول المصريون "اللي يركب التروماى لازم يبقى صاحب مزاج ومش مستعجل"، لذا ليس غريباً أن تشاهد نوعية من الركّاب من كبار السن ، وهم يركبونه كهواية يوميّة يتذكّرون فيها أثر مجد غابر للمكان، مكتفين بالتطلّع إلى واجهة المحلات، ومداخل البنايات، وقد يفتحون أحياناً حواراً سياسياً مع الجار القريب يمكن أن تتحوّل إلى صداقة مؤقّتة تنتهي عند المحطّة القادمة.

أنظر يا صديقي، هذا هو ميدان (روكسي )الشهير ، هنا قلب مصر الجديدة، هذا هو نادي "هوليليدو"، وتلك هي كلّيتي على مرمى حجر في شارع المقريزي، وذاك هو محل "العبّودي" الشهير المتخصص في ملابس السهرة والأفراح، وهناك سينما روكسي وغرناطة. هل ترى تلك الأبراج الشاهقة؟ انها أبراج عثمان أحمد عثمان أشهر رجال السلطة والأعمال زمن السادات.


ندخل شارع إبراهيم اللّقّاني أحد الشوارع المتفرعة من الميدان، كنت أعتقد سابقاً أن صاحبه قريب لأستاذي المرحوم أحمد اللّقاني، ثم اكتشفت فيما بعد أنه مجرد تشابه أسماء وأن هناك فارقاً زمنياً في النشأة يزيد عن 400 عام بين الاثنين. ينبهر محمد بفن العمارة الذي يميّز مباني الشارع على الطرازين الإسلامي والقبطي حيث تمتزج وتتجانس الزخارف والأقواس والقباب العربية بالأعمدة الرومانسية ذات التيجان المنقوشة، ومشربيّاتها المصنوعة من الأرابيسك، وبواكيها الواسعة.

تأمّل من حولك يا صاحبي، هنا ستجد أشهر محلات الأحذية والحقائب والمنتجات الجلديّة، هذا فرع "عمر أفندي " أحد أعرق المحلّات في مصر، وذاك هو "الشبرواي" أحد أشهر المطاعم الشعبيّة في مصر، والذي يمكن أن تجد له فرعاً في كل حارة قاهريّة.

نشرب كوبين من المانجو عند (أبو حيدر ) أشهر محل للعصائر والشاورما في الشارع لنواصل مسيرنا إلى شارع الأهرام الذي يتقاطع مع الشارع لنلمح على الناحية الأخرى منه حيّ (الكوربة) أصل مصر الجديدة وأحد أعرق أحيائها، وهي تعنى بالإيطالية الانحناءة أو القوس. ذاك فندق (هليوبوليس بالاس) درّة تاج الكوربة وأول مبنى فيها، وتلك كنيسة البارون أو كنيسة (البازيليك ) التي بنيت بناء علي طلب من البارون البلجيكي "ادوارد امبان" باني ومخطّط مصر الجديدة، وفيها دفن. هنا يمكن أن تأكل كيكاً مصنّعاً بطريقة منزليّة في المقهى السويسري «هوم ميد كيك، ومن شوارع بيروت أو بغداد القريبة يمكنك أن تشتري لأطفالك أفضل الملابس وأجودها.

نصل إلى محطّة استراحتنا.. مطعم (أمفتريون ) الذي يقع على ناصية الشارع من اليسار عند تقاطع شارعي اللقاني والأهرام. ندخل المطعم الذي تميّزه واجهته العريضة، ولافتته البلاستيكيّة التي تغطي المكان بأكمله والتي تتكون من شعار شركة كوكا كولا الشهيرة يتوسطها اسم المطعم باللغتين. وهو يتكون من أجزاء ثلاثة : المطعم، والحديقة، والتراس. نختار الحديقة كون الجو معتدل، وهي فرصة للاستمتاع بصوت الترام الذي يمر قريباً من هنا، فقط علينا أن نكون حذرين عند التعامل مع الباعة الجائلين الذين لا ينقطعون عن المكان، فما بالنا لو اكتشفوا أننا من الخليج.

بطبيعته الهادئة وبذوقه الفنّي يبدي محمد إعجابه بالمكان وتصميمه الذي هو مزيج من فن العمارة الأوروبي والهندي، وبالصور الفوتوغرافية التي تحيط بالمكان وتوثّق لحضوره التاريخيّ، وكذلك لوجود بعض التحف الجميلة التي حرص أصحاب المكان على ابقائها ربّما رمزاً لتاريخ عريق يحمل في ثناياه عراقة الماضي الأصيل .

يسألني محمد عن أصل تسمية المطعم ، فأجيبه بأنها تسمية يونانيّة نسبة لأحد أشراف مدينة طيبة في الأساطير اليونانية، لذا فهو في الأصل مطعم يوناني، وقد مرّ على انشائه أكثر من 90 عاماً، حيث يعود تاريخ افتتاحه إلى عام 1922، و آلت ملكيته اليوم إلى أحد رجال الأعمال المصريين كحال كثير من المحلّات والمطاعم والمباني بعد قرارات التأميم الشهيرة زمن عبد الناصر، والتي أدّت إلى هجرة الكثير من الجاليات الأوروبيّة واليهودية لهذا السبب، وقد شهد كغيره من المطاعم والمقاهي المصريّة العريقة صالونات أدبيّة شهيرة ، وكان من أبرز روّاده الناقد الكبير عبدالقادر القط، والسياسيّ البارز أسامة الباز، وغيرهم . يبدي محمد اعجابه بمعلوماتي فأجيبه أنني استقيتها نتيجة زيارات سابقة للمطعم وحواراتي مع أصحابه.

يأتينا النادل العجوز فنطلب ليموناً بالنعناع ، وطبق مهلبية مع الأيس كريم. يلمحنا ماسح الأحذية فيأتي عارضاً خدماته علينا، نوافق لأنّنا لا نملك حقّ الرفض لأسباب إنسانيّة، ولأسباب أخرى تتعلّق بالإلحاح كذلك. ألمح شبح "عم رمضان" بائع الصحف في الفرشة القريبة من المطعم فأناديه لأتزوّد بحصيلتي اليوميّة من الصحف المختلفة.

ما بين الكلام ، ومفاصلة بائع جائل على ساعة رديئة يلحّ علينا في شرائها، وتصفّح أخبار صحفيّة لا تختلف في مضمونها عن سواد قطعة القماش التي يستخدمها ذاك العجوز الصعيدي في مسح أحذيتنا، نقضي ما تبقّى من وقت لنواصل بعدها رحلتنا في بقيّة أحياء مصر الجديدة أملاً في التوقّف على ناصية مقهى آخر يحمل تاريخاً يضاف إلى رصيد المحروسة في سجلّها الحافل على مرّ العصور.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 10 سبتمبر 2013

في مقاهي المحروسة (10)


في حضرة نجيب

مارس 2007.. اليوم هو الخميس، والخميس عند المصريين يعني أشياء كثيرة جميلة، ليس أقلها الانسجام الأسري، فقطاع عريض من الشعب مهموم طوال الأسبوع بالبحث عن لقمة العيش، وينتظر مساء الخميس بفارغ الصبر، والخميس كذلك هو موعد تجوالي في أحياء القاهرة الفاطمية وشوارعها العريقة مالم أرتبط بمواعيد أخرى مفاجأة.

أخرج من شقتي في شارع (نهرو )أحد أرقى شوارع مصر الجديدة، مشياً باتجاه محطّة مترو (سرايا القبّة)، بالرغم من توافر وسائل نقل أخرى مباشرة كالتكاسي وحافلات النقل العام، إلا أني أفضل المشي مخترقاً شارع جسر السويس، فميدان سليم الأول، حتى أصل إلى المحطة، ربما لأقف كعادتي في كل مرة أمام قصر (الطاهرة) متأملاً  روعة تصميمه، متخيلاً أحداثاً تاريخية كثيرة صنعت في هذا المكان.

أنزل في محطّة (العتبة)، حيث (سرّة) القاهرة ومنتصفها. هنا يمكن أن تشاهد مصر بكل تناقضاتها الفكرية والاجتماعية، يمكنك هنا أن تصلّي في مسجد (الكخيا) أحد أهم المساجد الأثرية بالقاهرة، وأن تتأمل ملامح العمارة الإسلامية في معرض الفن الإسلامي، أو مسجدي (الرفاعي) و(السلطان حسن)، وأن تتجول في نفس الوقت في شارع محمد علي أشهر شوارع القاهرة في احتضان الفن لقرون طويلة، حيث محلات الأدوات الموسيقية، وخدمات الأفراح، وحيث ذكريات (زوبة الكلوباتيّة) أشهر عالمة (راقصة) في بر مصر في وقت من الأوقات.

في العتبة تلمح دار الأوبرا القديمة، ومبنى المسرح القومي المصري، ومسرح الطفل، وتقف أمام  مدخل فندق (الكونتينتال) لتقسم بعدها أنك رأيته في فيلم لا تتذكره الآن من أفلام الأبيض والأسود، وفيها تستعيد ذكريات قهوة (متاتيا) بكل ما لها من تاريخ طويل في الحياة الاجتماعية والثقافية. 

 في العتبة  يمكنك أن ترى أكبر كميّة من البشر يمكن أن تراها في حياتك، فهؤلاء باعة جائلون يسدّون عين الشمس، وأولئك زبائن أتوا من أقصى الوجهين البحري والقبلي لمصر إما لاستلام طرد بريدي حيث المركز الرئيسي لهيئة البريد، أو لشراء جهاز كهربائي من شارع عبد العزيز، أو للتعاقد على توريد كمية من الأخشاب والاثاث، أو لشراء تجهيزات عشّ الزوجية القادم من (حمّام الثلاثاء)، أو لإصلاح ساعة ثمينة في (ممر الساعات) وصلتهم كهدية من قريب يعمل بالكويت، أو لزيارة (درب البرابرة) حيث مركز بيع النجف و أدوات الإضاءة، أو لشراء (كسوة الشتاء والصيف) من (الموسكي) حيث أحد أشهر الأسواق الشعبية في قاهرة المعز، باختصار. هنا تجد أي شيء.. وكل شيء.

أعرّج على (سور الأزبكية) القريب من الميدان، حيث أكشاك بيع الكتب والمجلات المستعملة. أدين لهذا المكان بالفضل في إنشاء مكتبتي المتواضعة، فكثيراً من كتبها كانت من هنا، وكم من مرة أسعدني الحظ في اقتناء كتب تعود ملكيتها لشخصيات فكرية مرموقة وضعوا عليها توقيعاتهم وإهداءاتهم، ثم باعها ورثتهم بعد رحيلهم لأقرب بائع (روبابيكيا) تاركين علامة تعجب كبيرة لما آل إليه حال الثقافة والمثقفين.

هذه المرّة أقتني كتاب (القاهرة. شوارع وحكايات)، وهو عبارة جولة ثقافية عبر شوارع القاهرة القديمة التي أعشقها وأجد راحتي في التجوال  بها. بعد فصال أخذته ب3 جنيهات، يعني بالعماني 200بيسة. لو عرف زميلي ناصر أنني اشتريته بهذا السعر لاتهمني بالسذاجة كعادته في كل مرة أحدثه عن زيارتي للسور، فأي كتاب مهما ارتفعت قيمته الفكرية لا  يجب أن يزيد من وجهة نظره عن جنيه واحد فقط هنا. كم أنت طيب يا صديقي، تعال معنا لترى قيمة الكتب. أؤكد لك بعدها أنك ستقبل رؤوس كل باعة سور الأزبكية.

 لا جو يناسب قراءة هذا الكتاب سوى أجواء الحسين وخان الخليلي ، فجزء كبير من محتواه يتحدث عن شوارع تلك المنطقة وأحداثها على مر العصور،  ولا وسيلة للانتقال إلى المكان أفضل من المشي، فأصوات المطارق النحاسية، ورائحة البهارات والتوابل، وسباب سائقي التكاسي لبعضهم البعض، كلها تغري بذلك، خاصة وأن المكان قريب، وكلها (فرتة) كعب وأصل. في مصر لا يمكنك أن تشعر بقيمة الوقت أبداً.

أدخل درب (البادستان) أحد شوارع حي الحسين، حيث مقهى (نجيب محفوظ) الذي أفضّله على بقية مقاهي المنطقة، ربّما لخصوصيته ونوعيّة مرتاديه، وربما لهدوئه وخدماته المميزة، متجاوزاً بصعوبة بالغة مقهى (الفيشاوي) العريق في مدخل الدرب، حيث عراقة التاريخ، وحيث العبق الشرقي الأصيل، ورائحة البخور الذي لن تشمّه إلا في قاهرة المعزّ، وكأنه ماركة مسجّلة باسمها، و المحلّات الشرقية التي مازال أصحابها يتوارثون المهن اليدويّة من نحاسيات وجلود وعطور وغيرها في إصرار عجيب على استمراريتها وكأنّها جزء من حياة، وحيث الأجانب لا يتركون مكاناً لقدم، لتواجهني لوحة تجارية كتب عليها (خالد الأسيوطي)، أعرف هنا أنني على بعد خطوات من مقصدي حيث المقهى الذي افتتح عام 1989 تكريماً لأديب نوبل، واعترافاً بفضل قصصه التي خلّدت للمكان وشخوصه وأحداثه، "كالسكّرية"، و"بين القصرين"، و"قصر الشوق"، وغيرها من الأعمال الخالدة، خاصّة وأن عامل الاستقبال بزيّه الفاطمي الأحمر المميز كان يستقبلني بابتسامة عريضة.

عند دخولك المكان تشعر أنك عدت إلى الوراء مئات السنين، فباب المطعم  أثري ذو نقوشات إسلامية عتيقة، والمكان مفروش بالأرضيات الرخامية ذات النقوش المميزة، والسقف مضاء بالنجف النحاسي المزين بالآيات القرآنية، والمقهى يتكون من بهو  أمامي، وعدة أركان  ثنائية هنا وهناك، ومطعم واسع يتسع لأكثر من 150 فرداً.

كعادتي في كل زيارة للمقهى أختار الركن الأيمن من البهو، حيث الشجرة الوحيدة، وحيث يمكنك أن تستمتع بتأمّل المكان، ومراقبة زبائنه الذين هم خليط من مصريين وعرب وأجانب يجمعهم حب التراث، وتطربهم أجواءه على أنغام العود وايقاع القانون، ويستلذون أطباقه الشرقية من فول وفلافل وفتّة وكوارع ومحاشي وكشري ، وأطباق أخرى يغامر بعضهم بالسفر من أجلها كي يتذوقها في مسمط شعبي بحيّ مصريّ عريق.

مستمتعاً بأغاني الفرقة الموسيقية الشرقيّة التي تتصدر البهو، والتي هي مزيج من أغاني الحامولي وعبد الوهاب و"ثومة"، وحليم، ووردة، وغيرهم من أساطين الطرب. مستلذّاً بطعم (السحلب) التقليدي  الذي أحضر في كوب أزرق لا يختلف تصميمه عمّا نراه من آنية في قصور الأفلام التاريخية ، طافت عليّ ذكريات كثيرة تركتها في هذا الركن، فهنا جلست لأول مرّة زرت فيها المقهى قبل سنوات حينما كنت فتى غريراً لا خبرة لي بشوارع المحروسة وحواريها، وهنا ارتكبت يوماً ما حماقة التغنّي بشعر الميدان مع صديق من وادي بني خالد وسط دهشة المحيطين بنا، وهنا تذوقت (الممبار) - وهي وجبة مصرية شعبية تشبه (المعاصيب) - لأول مرّة، وهنا ضحكت كثيراً مع شلّة رفاق (صورييّن) على عجوز خليجي يدعى الشيخ منصور برأسه الضخم، وكرشه البارز، وهو نموذج للعجوز الخليجي المتصابي الذي يجعله المحيطين به من لاعقي النقود والأحذية يصدّق أنّه شيخ، وأنّه وسيم، وأنه في شرخ الشباب، وأنّه الأهم في أي مكان تحط فيه رجليه، بينما هو في الحقيقة عكس ذلك تماماً. يومها اختلف اثنان من الشلّة حول سبب ضخامة رأسه، وهل السبب يعود إلى كميّة (الخمر) التي شربها ذلك اليوم، أم بسبب تعاطيه لنوع رديء من حشيش أوهمه أحد (شلّة الأنس) أنّه كفيل بأن يعيده إلى صباه. هنا في نفس المكان سيتعلق أحد أصدقائي بعد عام من الآن بحسناء يمنية اتفقنا على تسميتها فيما بعد باسم "نجيب محفوظ".
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com




الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

مدارس سبيشل

مدارس سبيشل

ذهلت عندما أخبرني محاسب تلك المدرسة الخاصّة الصغيرة الواقعة في أطراف العاصمة مسقط بأن رسوم ابنتي الدراسية لعام دراسي واحد في مرحلة رياض الأطفال يبلغ 600 ريال عماني، وهذا ما جعلني أقوم بحسبة رياضيّة بسيطة: فلو افترضنا أن رسوم الدراسة لعام دراسي كامل في مرحلة رياض الأطفال (600) ريال كمتوسط، وأن عدد طلاب المدرسة يبلغ (200) طالب، وأن طاقم الهيئة الإدارية والتدريسية في حدود (10) معلمات وإداريات، يتقاضين راتباً شهرياً في حدود (200) ريال عماني، فهذا يعني أن إجمالي الرسوم المحصّلة لعام دراسي واحد يبلغ 120 ألف ريال عماني، إذا ما خصمنا منه مبلغ 12 ألف ريال كمتوسط قيمة استئجار المبنى المدرسي لعام كامل، و24 ألف ريال كقيمة رواتب شهرية لمدّة عام كامل، وحوالي 25 ألف ريال كمصروفات نثرية سنوية وقيمة فواتير مياه وكهرباء وغيرها ، فهذا يعني أن صافي الربح السنوي لإدارة المدرسة، والتي في كثير منها تعود إلى أشخاص غير عمانيين، لن يقل عن 60 ألف ريال في السنة، فما بالكم لو كانت رسوم الطلبة في نفس المدرسة للمراحل الدراسية التي تلي مرحلة التمهيدي أعلى من المبلغ الذي حدّدته، وقيمة استئجار المبنى المدرسي أقل من المبلغ المذكور في المقال.
أنا هنا أتحدّث عن مدارس تقع في أطراف العاصمة، فما بالكم بأسعار المدارس الأخرى في قلب مسقط والتي تصل أحياناً إلى الضعف، وهي لا تقل في غالبها عن هذه المدارس من حيث نوعية المباني، أو مستوى الطاقم الإداري والتدريسي، أو نوعية الخدمات التعليمية المقدّمة. 

في صور، كانت رسوم دراسة ابني طوال عام دراسي كامل في مدرسته التي تتكون من طابقين، وتحوي على ملعب ثلاثي لممارسة الألعاب الرياضية المختلفة، وآخر لكرة القدم، وقاعات علمية متعددة الأغراض، ووسائل نقل حديثة، وأنشطة تربوية متنوعة، (300) ريال فقط طوال عام دراسي كامل شامل لقيمة النقل من وإلى البيت، فما هو وجه الاختلاف بين صور أو غيرها من المدن والولايات وبين مسقط؟ سيقول البعض إن قيمة استئجار المباني في مسقط تفوق مثيلاتها في باقي المدن، وهذا كلام مردود عليه، فهذا ليس سبباً رئيساً يجعل أسعار الرسوم تتضاعف بهذا الشّكل، فكثير من مباني المدارس الخاصة في المدن والولايات الأخرى أكثر سعة وتنظيماً وحداثة وأغلى سعراً أحياناً من مدارس خاصّة عديدة بالعاصمة.

وقد يقول آخر إن الإمكانات العالية للكوادر الإداريّة والتدريسيّة بالمدارس الخاصّة التي تقع في نطاق العاصمة هي من تجعل رسوم الدراسة بهذه المدارس مرتفع، وهو رأي أختلف معه كلّية، فكثير من الطواقم التدريسيّة بهذه المدارس هن إما من حملة الدّبلوم العام واللّاتي ينتظرن فرصة التوظيف مستقبلاً في أماكن أخرى بها امتيازات وظيفية أفضل، وإمّا من معلّمين ومعلّمات أتوا كمرافقين لأسرهم، وبالتالي يقبلون بأي راتب يقدّم لهم كوسيلة لتحسين الوضع المعيشي، وإمّا من معلّمين وافدين تم إنهاء عقودهم لدى وزارة التعليم، فالتحقوا بالعمل في هذه المدارس من أجل القيام بتقديم الدّروس الخصوصيّة التي تجلب لهم دخلاّ يوازي أضعاف ما يحصلون عليه من رواتبهم الأساسيّة، لذا فهم يقبلون العمل بهذه المدارس ليس من أجل رواتبها الهزيلة، وإنما كوسيلة للحصول على اقامة قانونية تسهّل لهم مزاولة الدروس الخصوصية التي استشرت كاستشراء النار في الهشيم. 

وقد يرى ثالث إن غلاء المعيشة في العاصمة يضطر أصحاب المدارس الخاصّة بها إلى دفع رواتب عالية لكوادرها التعليميّة، وهذا أمر أشكّ فيه، فعندما سألت المدرّسة العمانيّة المشرفة على مجموعة ابنتي عن الراتب التي تتقاضاه، أخبرتني أنّها تقطع مسافة لا تقل عن 100 كيلو متر يومياً من قريتها الواقعة في ولاية أخرى مقابل مائتي ريال شهرياً فقط، وهو مبلغ مشابه للمبالغ التي تدفع لنفس الكوادر في المدارس الخاصّة في بقيّة المدن، علماً بأنني أعرف كثيراً من المعلمين الوافدين السابقين الذين التحقوا بسلك التدريس في بعض المدارس الخاصّة في صور وغيرها يتقاضون رواتب مضاعفة عدا السكن العائلي المجهّز، وعدا تذاكر السّفر ورسوم العلاج. 

قس على ذلك التجهيزات التعليميّة المختلفة من كتب ومعامل حاسوب وألعاب أطفال، وحدائق، ففي غالبيتها متشابهة، مع ملاحظة أن كثير من المدارس الخاصة التي قمت بزيارتها في الحيّ الذي أعيش به، تعاني من نقص كبير في الألعاب، بسبب ضيق مساحة فناء المدرسة، بل إن المدرسة التي ألحقت ابنتي بها والتي تعتبر من أفضل المدارس في منطقتنا السكنية، لا يوجد في فنائها سوى لعبتان إحداهما مكسورة، ولا يوجد في الأفق ما ينبئ بتغييرهما أو رفدهما بألعاب أخرى، فمادامت الرّسوم قد دفعت فالأمر قد انتهى، ولا ترهق عقلي بأفكار من قبيل أهميّة الألعاب في صقل شخصية الطّفل، وغيرها من المصطلحات التي لا توكّل عيشاً ولا خبزاً.

مع تقديري واعترافي بوجود مدارس خاصّة على أعلى مستوى، تقدم مناهج عالمية متطوّرة، وترتبط بمؤسسات تعليمية مرموقة، إلا أنّه في نفس الوقت علينا أن نعترف بأن هناك مدارس أخرى كثيرة أصبحت تفتح من أجل التجارة لا من أجل تقديم خدمة تعليمية، وأصبح إنشاء مدرسة خاصّة من المشاريع التّجاريّة ذات المكسب السريع والمضمون، وأصبح الأمر لا يتطلّب منك سوى استئجار مبنى يتكوّن من دورين، والاتفاق مع مدرس وافد له خبرة في مدارس السلطنة، بحيث يدير المدرسة من الألف إلى الياء، وليأت بأبنائه أو أقاربه أو زملائه. وليدر المدرسة كما يشاء، وليضع من الرسوم ما يريد. لا ضير، ليس مهماً أن تكون رسالة المدرسة على قدر ما تقدّمه من خدمات، وعلى قدر ما يدفعه الناس من رسوم، المهم هو العائد الشهري الذي سيدفعه لك دون أن تكلّف نفسك عناء المتابعة.
سيقول البعض: أين دور الجهات المسئولة عن متابعة هذه المؤسّسات؟ وهل هناك تشريعات وضوابط ولوائح تحدّد عملها؟ ولماذا لا تكون هناك مراجعة للرسوم الدراسية بحيث تتوازى والخدمات المقدّمة من قبلها؟ ولماذا يقبل كثير من المواطنين على هذه المدارس بل ويلجؤون للاقتراض أحياناً برغم أنها ليست البديل المثالي للمدارس الحكومية في كل الأحوال، ولماذا ولماذا.

لا أجوبة لديّ عن كل التّساؤلات السابقة. كلّ ما أعلمه أن كثير من هذه المؤسسات تحقق ربحاً خرافياً ورسالة علمية لا تتوازى مع الرسوم المدفوعة في ظل انسياق مجتمعي وراء هذه المدارس ربّما لعدم وجود البديل الحكومي في مراحل ما قبل الدراسة، وربما لغياب دور الأم في مجال التربية بحجة الانشغال بالوظيفة الحكومية، وربما من باب الوجاهة الاجتماعيّة، وربما لضعف ثقة البعض في ما تقدمه المدارس الحكومية، وربّما خوفاً من بعضهم على سلوكيّات أبنائه في ظل التغييرات السلوكية والاجتماعية التي تهدّد القيم، والتي لم تستطع التربية بمناهجها وأنشطتها وميزانيتها الضخمة من مواجهتها أو تعديلها.

د. محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 26 أغسطس 2013

بيضة الإسلام..بصفار ملوّث

وكأنّي أزور عزيزاً أخشى ألّا ألقاه بعد أن أقعدته العلل، وتكالبت عليه الأمراض، كانت زيارتي الأخيرة قبل بضعة أيّام لحارة (العقر) التاريخية في قلب بيضة الإسلام و(تخت العرب) نزوى.
لم تنقض على زيارتي الأولى للحارة ثلاثة أشهر حتّى قرّرت زيارتها مرّة أخرى. لا أدر ما السّبب الذي جعلني أفعل ذلك وأنا الذي لا أجد الوقت الكافي للنوم في زحمة المشاغل الدنيويّة المتعدّدة، فما بالكم بترف السّياحة والتنقل بين مدينة وأخرى.

هل هو الحنين الذي راودني لتلك الحارة بعد زيارتي السّابقة لها وتجوّلي في أركانها، هل هو كتاب (النّمير) الذي عرض لكثير من القصص والمواقف والشواهد المتعلّقة بتلك الحارة، والذي أشكّ أنّ شبابنا قد سمعوا عنه بمقدار شكّي في مدى قيام الجهات المعنيّة بالاحتفاء بالكتاب والباحث برغم الجهد (الخرافي) المبذول في إعداده، وبرغم أجزاءه العشرة، في النهاية هو ليس بفنّان قدير، ولا لاعب شهير، ولا شاعر متزلّف، هو مجرّد.. باحث.

هل هو العرض المرئي الذّي قدّمته إحدى طالباتي في الكلّيّة والمتعلّق بآثار حارة العقر، والذي أثار في داخلي كثيراً من الشّجن المغلّف بالأسى خاصّة وأنّها ختمت عرضها المرئي بصورة آسيوي يقف بابتسامته العريضة وشعره المسبسب وسط إحدى الحارات الضيّقة بينما كومة من المخلّفات تسدّ مدخل الحارة . يبدو أنّهم لم يكتفوا بمقاسمتنا في الرزق ومزاحمتنا في الشوارع وإفساد غذائنا، فقرروا هذه المرّة مشاركتنا في ما تبقّى لنا من تراث. لم يبق لهذا الآسيوي سوى أن يخرج لسانه ليقول لنا موتوا بغيضكم. 

هذه المرّة حملت أطفالي معي، ربّما لأمنحهم فرصة مشاهدة معالم قد لا يروها بعد بضعة سنوات من الآن لأنّها ستكون أثراً بعد عين، وكي لا تتضارب المعلومات في أذهانهم ويشعروا بالحيرة عندما يخبرهم معلّم التّاريخ في مدرستهم عن مسمّيات ومصطلحات غريبة وغامضة كالقلاع والحصون والحارات القديمة، وربّما لكي أعفي نفسي من لومهم وعتابهم جرّاء أيّة حالة هذيان أو جنون قد تنتابني مستقبلاً بسبب الهلاوس التي باتت تراودني بين الفينة والأخرى وأنا أشاهد ما يؤول إليه جزء كبير من تاريخنا المادّي بيد أبناءه المتعلّمين الحاصلين على أعلى الشّهادات، والذين هم بحاجة إلى نسخة من كتاب (النّمير) كي يعرفوا جهود أجدادهم الذين لم يتعلموا في مدارس خاصّة، ولم يمنحوا بعثات غربيّة مفتوحة، ولم يحتسوا قهوة الصباح في جادّة باريسيّة أو شارع لندني. هؤلاء الأجداد بثيابهم الملتصقة بالعرق، وبعيونهم التي جفّ ماؤها من كثرة القراءة ونسخ الكتب، تركوا وصايا عديدة تتعلق بعمارة المساجد والأفلاج والأسوار، لم ينتظروا قانون نزع ملكيّة، ولا لجان تثمين، ولا أن يظهر برلماني ألمعيّ يحمل على عاتقه تراث بلده، يجعله قضيته الشاغلة، ويقترح من أجل الحفاظ عليه القوانين المناسبة، ويأتي بنماذج لأفكار مشابهة طبّقت في دول لها نفس التراث والحضارة.

ماذا تبقّى منك أيّتها الحارة العتيقة، والتي كنت في يوم ما (مطبخ) عمان السّياسي والتّاريخي إن جاز لنا التعبير، في يوم من الأيّام كان هنا سور عظيم بني قبل أكثر من ألف عام، يضمّ أربعة أبواب وأربعة عشر برجاَ متوزّعة على طول امتداده. هل تبقّى شيء من هذا السّور.

ترى من يسكن الآن بيت ابن مداد النّاعبيّ؟ هل هو راجو أم كومار أم عبد الشكور، وهل تبقى شيء من آثار المدرسة الشرعية التي بناها العلّامة أبي عبد الله عثمان الأصم، وأين هي مساجد غليفقا والشجبي والحجارة والفرض، وأيّ أفلام ماجنة تعرض الآن في ظل الأضواء الخافتة ليلاّ، وهي ذات الأضواء التي نسخت عليها أمّهات الكتب في نفس المكان وفي غير الزمان. 

كانت هنا حارات تدعى كرادسين، وخراسين، أنجبت عشرات العلماء والزّهّاد والأدباء والنسّاخ، هل ما زالت هذه الحارات باقية، وهل تبقّى أحد من ذرّيّة الشيخ الولي سليمان بن محمد الخراسيني.

هنا يوجد مسجد يدعى (الشواذنة) بني في العام 7 هـ، ورمم عدة مرات، شهد محرابه عرصات علم وتقوى، وسهر على سراجه الخافت عشرات العبّاد، وبكى في جنباته علماء كان همّهم تقوى الله ونيل رضاه. هل سيبقى هذا المسجد شامخاً يقاوم التخلّف الفكري وهو يرى أحبّاؤه يتساقطون أثراً تلو الآخر؟

نعم.. إن عين (العقر) أصبحت بلا هدب، تراث يهدّ ويتساقط، وتتساقط معه عشرات الشواهد ، وعلى مرأى العين هناك جمهور يشاهد ما يحدث أمامه بصمت، للأسف لا يوجد هدب يمنع هذا الغبار من أذى العين.

إنّنا نسمع ونقرأ كل يوم عن عشرات الحملات والجمعيّات التطوّعيّة التي تدعو للبر والإحسان ومساعدة الفقراء والمحتاجين. ألا يمكن أن نرى حملة تدعو إلى المحافظة على ما تبقّى من تراث؟ ألا يمكن أن نعتبر أن هذه الشواهد الأثرية هي بحاجة كذلك إلى من يحسن إليها ويبرّ بها لدورها الحضاري والفكري الكبير؟

عندما سألت طلابي بعد انتهاء عرض زميلتهم المرئي حول كيفية الحفاظ على ما تبقّى من ملامح (العقر) وغيرها من الحارات العمانيّة كان جواب أحد الطلّاب الظرفاء: الحل الأمثل هو أن تطالب إحدى الدّول المجاورة بهذه الحارة، وتدّعي ملكيّتها، ومن ثمّ تؤول إليهم، فيقوموا بترميمها، ويجعلونها قبلة للسيّاح وروّاد العلم والباحثين عن التاريخ، فتستعيد شيئاّ من عبقها ومكانتها، وبعدها يمكن لنا أن نطالب بها ونستعيدها، ويا دار ما دخلتك شر.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 19 أغسطس 2013

وترجّل.. السميط

( وترجّل.. السّميط)


بعد نيف وستين عاماً طاهرة، رحل (ماسح دموع أطفال أفريقيا وجابر عثرات شيوخهم). وكما أتى في صمت، ففي صمت رحل كذلك، وكأنّه آثر ألا يشغلنا عن متابعة الدراما السوداء التي نعيشها في أرجاء متفرقة من وطننا العربيّ الكبير.

تحكي الرّواية أنّه وفي ظل انشغال معشر العرب والمسلمين بخلافاتهم الدّاخليّة، وصراعاتهم السّلطويّة، ولهث شبابهم وبناتهم المحموم نحو التقليد الأعمى للغرب في كلّ ما هو غير مجد ومفيد، كان هناك فارس يدعى عبد الرحمن بن حمود السّميط أخذ على عاتقه همّاً من هموم أمّته، فخصّص له وقته وماله وجلّ حياته، ترك قصره الوثير وحياة الدّعة والترف الذي يعيشها بنو قومه، وارتضى بخيمة في مجاهل أفريقيا، مشاركاً أطفالها وشيوخها كسرة خبز يراها أطيب من ولائم أعراسهم ومناسباتهم، وجرعة ماء من بئر حفر لتوّه يتلذّذ بشربها وكأنّها الماء الزلال.

في مجتمع الزّمن الجميل والإحساس بالآخر نشأ السّميط، وتشرّب من قيم مجتمعه التي كانت تحث على فعل الخير دون انتظار المقابل. كثير من الروايات التي تتحدّث عن ممارسته لعمل الخير منذ نعومة أظفاره، ففي المرحلة الثانوية أراد مع بعض أصدقائه أن يقوموا بعمل تطوعي، فقاموا بجمع مبلغ من المال من مصروفهم اليومي واشتروا سيارة، وذلك لنقل العمال البسطاء إلى أماكن عملهم أو إلى بيوتهم دون مقابل. وفي الجامعة كان يخصص جزءاً من مصروفه لشراء الكتيبات الإسلامية ليقوم بتوزيعها على المساجد، وعندما حصل على منحة دراسية من حكومة بلده كان لا يأكل إلا وجبة واحدة وكان يستكثر على نفسه أن ينام على سرير رغم أن ثمنه لا يتجاوز دينارين معتبراً ذلك نوعاً من الرفاهية. وأثناء دراساته العليا في الغرب كان يجمع من كل طالب مسلم دولارًا شهريا ثم يقوم بطباعة الكتيبات ويقوم بتوصيلها إلى جنوب شرق آسيا وأفريقيا.  

بعد تخرجه من جامعة بغداد، وقبل أن يتّجه إلى المجال الخيري التّطوّعيّ، زاول مهنة الطبّ كطبيب متخصص في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، والتي استكمل فيها دراساته العليا، وحصل فيها على أعلى الدرجات العلميّة، وكان طوال عمله كطبيب مثالاً للطبيب الإنسان الذي لا يكتفي بتقديم العلاج لمرضاه، بل يتعدّى ذلك إلى متابعة ظروفهم وأحوالهم، وكان لهذا العمل تأثير كبير على مسيرته المستقبليّة في مجال العمل الاجتماعيّ فيما بعد.

لجان وهيئات ومنظّمات خيريّة شارك السّميط في تأسيسها وعضويّتها طوال تاريخه الحافل في مجال الدّعوة والإغاثة كجمعية الأطباء المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وجمعية الطلبة المسلمين في مونتريال، ولجنة مسلمي ملاوي في الكويت، واللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، وجمعية النجاة الخيرية الكويتية، وجمعية الهلال الأحمر الكويتي، ومنظمة الدعوة الإسلامية في السودان، كما تولّى رئاسة مجلس إدارة كلية التربية في زنجبار، وكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في كينيا، وكان رئيساً لتحرير مجلة الكوثر المتخصصة في الشأن الأفريقي، وكل ذلك يشير إلى مدى الدور الكبير الذي لعبه، والذي لم يقتصر على مجال تطوّعيّ بعينه بل كان شاملاً لكثير من المجالات الدينيّة والتربوية والفكرية والاقتصاديّة والاجتماعيّة.

بدأت علاقته بأفريقيا والتي استمرت لأكثر من ربع قرن عندما ذهب للإشراف على بناء مسجد لإحدى المحسنات الكويتيات في ملاوي، فتأثّر لرؤية الملايين الذين يقتلهم الجوع والفقر والجهل والتخلف والمرض، وتضايق عندما لمس عن قرب مدى النشاط التبشيري الذي تقوم به جهات غربية مستغلّة عوامل الجوع والفقر والجهل لدى أبناء هذا البلد وما حوله من البلدان المجاورة، بعدها عاهد نفسه على المضيّ قدماّ في الطريق الذي اختاره مهما كلّفه ذلك من وقت ومال، ومهما لاقى تجاهه من مصاعب وعوائق، فكانت رحلة عطاء امتدّت لأكثر من ربع قرن استحق من خلالها أن يطلق عليه "فاتح افريقيا"، و"خادم أفريقيا"، و"رجل من الزمن النبيل".

(من أجل أن تمسح دمعة يتيم مسلم)، (من أجل رعاية قرية مسلمة تعليمياً أو صحياً أو اجتماعياً)، (من أجل حفر أو صيانة بئر مياه للشرب)، (من أجل بناء أو صيانة مدرسة)، (من أجل رعاية الآلاف من المتشردين)، (من أجل مواجهة الخطر التنصيري الزاحف)، كلّها نماذج من الشعارات ومحدّدات الطريق التي سلكه السميط والتي من أجلها ركّز جلّ نشاطه الخيريّ، والتي تمخّض عنه آلاف المشاريع في مجال بناء المساجد والمستشفيات والمستوصفات والمدارس، ورعاية الأيتام، وحفر الآبار، ورعاية الدّعاة والمعلّمين، وتوزيع المصاحف والأغذية، وتنفيذ المشاريع الزّراعيّة والحيوانيّة، وتقديم المنح التعليمية للدراسات العليا.

حضوره الطاغي في أوساط الفقراء والمحتاجين عرّضه للكثير من محاولات القتل والتصفية، هذا عدا المعوّقات الأخرى والتي تمتلئ بها القارّة السمراء كلدغات الأفاعي السّامّة، والبعوض، وشحّ الماء، وانقطاع الكهرباء، وغيرها، ولكن كل ذلك لم يثنيه عن مواصلة، وكانت سلسلة رحلاته في أدغال أفريقيا وأهوال التنقل في غاباتها قصصاً تصلح كسيناريوهات لقصص وروايات ومسلسلات وأفلام تعرض نماذج رائعة من قصص التحدّي والكفاح والاصرار، وتحدّي المصاعب في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود.

كان طوال مسيرته في العمل الخيريّ ينادي الأثرياء العرب بالالتفات إلى مشاكل المسلمين في العالم، وعدم اقتصار تبرّعاتهم على مشاريع اقليمية محدّدة، وكان يرى أن زكاة أموال أثرياء العرب تكفي لسد حاجة 250 مليون مسلم في كلّ عام.

حقاً.. يرحل الكبار ولا يغادرون. يرحل الكبار ويبقون معنا.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com



الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

هنيئاً لكم الجنّة


عندما دعاني الصديق عبد الله الساعدي لتناول وجبة الإفطار في بيت المحسن الكبير الشيخ سهيل بهوان كان يتجاذبني أمران اثنان: الأول أنّني لن أر جديداّ في الأمر، فالشيخ معروف بكرمه وحبّه للبذل والمساعدة، وأعماله الخيريّة لا تخفى على أحد، وموائد الإفطار الرمضانية التي يقيمها كثيرة ومتنوّعة، وتكاد تغطي عدداً كبيراً من المساجد، والسّكنات، والمؤسسات الاجتماعية الحكوميّة والخاصّة وغيرها. أمّا الأمر الآخر فهو اعتقادي أن ذهابي يعدّ فرصة مثاليّة قد لا تتكرّر كي أرى شيئاً جديداً من طريقة حياة الأغنياء وسلوكيّاتهم، لذا فقد انتصر حبّ الفضول، والرغبة في التجربة، ورافقت صديقي ذات مغربيّة رمضانيّة.

   ولكن ما رأيته من مشاهد بعد ولوج سيارتنا من بوّابة البيت وحتّى مغادرتها كان مذهلاً بالنسبة لي في ظل الصورة الذهنية المرسومة لديّ حول الأغنياء وطريقة معيشتهم، فما إن ترجّلت من سيّارة مرافقي، وانضممت إلى إحدى المجموعات (الكثيرة) التي ملأت باحة البيت بعد وصولنا متأخرين عن موعد الإفطار، إلّا وأفاجأ بأحدهم يقدّم لي الماء والرطب، وآخر يصبّ لي فنجاناّ من القهوة في حميمية زائدة. أسأل مرافقي عن هؤلاء فيجيبني بابتسامة: هؤلاء أحمد ( أو حمد كما يعرف بين العامّة) وسعد أبناء الشيخ.

أبناء الشيخ يتركون الفرش الوثيرة، والموائد الفخمة، والأطباق المذهّبة، ويفطرون هنا مع البقية ويأكلون نفس ما يأكله الآخرون، ويجلسون القرفصاء مثلهم، وقد (تتوسخ) ملابسهم الغالية من أثر الجدار الذي يسندون عليه ظهورهم، أو بسبب نقطة قهوة طائشة؟ هكذا كنت أحدّث نفسي ومرافقي.
يبتسم عبد الله مرة أخرى وهو يقول: لم تر شيئاّ بعد. بالمناسبة هم يفطرون هنا في نفس المكان كلّ يوم، ويجلسون على نفس الرصيف الذي تراه، ويأكلون من نفس الطّعام الذي يقدّم للآخرين دون تمييز أو تفرقة أو محاباة. هكذا تعلّموا من والدهم.

نفرغ من أداء صلاة المغرب جماعة مع بقية الموجودين، فننتقل إلى الخيمة الكبيرة التي أعدّت لتناول العشاء واستكمال بقية المائدة. الخيمة ضخمة جدّاً بحيث أعدّت لتستقبل الآلاف من المدعوين، صفوف طويلة متراصّة تنتظر الطعام، وشباب عماني في عمر الورود يقوم بخدمة الموجودين، وتقديم الوجبات لهم، واستكمال النواقص. أسأل مرافقي للمرة الثالثة: هل هؤلاء الشباب متطوعون أم يعملون بأجر؟ وهل هم موظفون لدى الشيخ أم تابعين لشركة خاصّة.

يبتسم مرافقي للمرّة الثالثة أيضاّ وهو يقول: قلت لك إنّك لم تر شيئاّ بعد، هؤلاء الشباب الذين رأيتهم هم أحفاد الشيخ، وهم تعوّدوا على هذا العمل منذ نعومة أظفارهم، وهم من يقومون بخدمة الصائمين كلّ يوم هنا، ولا يجدون عيباً أو غضاضة في ذلك.

ولكنهم متواضعون، طيّبون، بسطاء، وملابسهم عاديّة كملابسي وملابسك، ويسلّمون عليك بأياديهم الاثنتين، ولا يخجلون من حمل أواني الأكل الفارغة أو المملوءة.

ردّ عليّ باستغراب: وهل لابدّ أن يكونوا عكس ذلك لمجرّد أنهم أغنياء؟ هل لابدّ أن يكونوا متعالين متكبّرين متباهين بالنّعمة غير مبالين لمجرّد أنّهم أبناء أو أحفاد فلان الغني؟ هي التربية يا صديقي.
أجلس وحيداَ بطرف الخيمة مراقباّ المشهد، تاركاّ لخيالي العنان لوصف ما يحدث أمامي. يلمحني أحدهم فيقترب مني ويجلس بجواري. هو أحمد الابن الأكبر للشيخ والذي رأيته لأول مرة قبل دقائق عندما كان يقدّم لي الماء والرطب كي (أسنّ) الفطرة.

يتباسط معي أحمد في الكلام وكأنّه يعرفني منذ سنوات عديدة، بل وكأنّني أنا – وليس هو - الرجل الناجح المعروف الذي يودّ الكثيرون لو أنهم لمحوه فقط في مكان عام فما بالكم بالحديث معه والجلوس بجواره. أي تربية هذه التي غرستها يا سهيل بهوان في نفوس أبنائك وأحفادك؟ هل هي جيناتك انتقلت إليهم؟ نفس السموّ الروحاني، ونفس التواضع العجيب، ونفس القناعة.

أقول له: ما شاء الله، عدد الموجودين كبير، بارك الله لكم وجعله في ميزان حسناتكم.
ينظر أحمد للصفوف التي تملأ المكان وهو يقول: "للأسف فالعدد قليل اليوم بسبب اقتراب العيد، في الأيام الماضية كان العدد أكثر من هذا بكثير"، ثم يكمل: "كلّ أموال الدنيا لا تساوي مشهداً كهذا لديّ، الدنيا زائلة، ولن يبق لنا منها سوى العمل الصالح، هذا مال الله ونحن محاسبون عنه يوم القيامة، وعسى أن يقدّرنا الله على فعل الخير".

كان محدّثي يرتدي دشداشة قطنية عاديّة، وشماغ لا تتجاوز قيمته النقديّة عدد أصابع اليد من الريالات، ملابس بسيطة لا تختلف عن ملابس أي شخص قد تقابله في العمل أو المسجد أو الشارع، ملابس لم يجلب قماشها من لندن، ولم يصمّمها بيت أزياء ايطالي، ولم يحكها خيّاط باريسي. بل لن أبالغ إن قلت أنها أكثر بساطة من ملابس كثير من شباب اليوم الذين تفوق أرقام مديونياتهم البنكيّة عدد شعر رأسهم.

وأنا أستمع لحديثه وتواضعه وبساطته وأريحيّته وعدم تكلّفه كنت أسائل نفسي: هل أنا أجلس بالفعل أمام شخص يملك الملايين، ويستطيع لو أراد أن يأكل أو يلبس أو يصاحب ما يشاء ومن يشاء وفي أي وقت يشاء؟ هل هذا هو ابن (الأسطورة) سهيل بهوان الذي وصلت شهرته الآفاق كشخصية ناجحة في عالم المال والاقتصاد، ورجل الخير الذي تتحدث بسيرته العطرة الركبان؟ أعرف أشخاصاً يتغيًرون بعد أول منصب أو أوّل ألف يدخل في حسابهم، فما بال من يملك الملايين لم تغيره ملايينه؟ وهل كل الأغنياء مثله أم هي...التربية.

بعد أن فرغ الجميع من تناول بقيّة الإفطار، يدعوني أحمد كي نستكمل افطارنا بداخل البيت، فهم لا يكملونه إلاّ بعد انتهاء آخر الموجودين بالخيمة. أخيراً ستسنح لي الفرصة أن أتناول طعاماً مع أحد كبار الأغنياء، إذاّ لابد أن يكون طعاماّ مغايراّ لما تناوله الآخرين. كيف لا وأنا أتحدث عن الإفطار الخاص لعائلة الشيخ، هكذا كانت تحدّثني نفسي ونحن في الطريق إلى أحد مجالس البيت العامر.

ندخل المجلس وإذا بإفطار عاديّ لا يختلف عمّا أتناوله كل يوم في منزلي، بل لن أبالغ إن قلت بأن الإفطار الجماعي الموجود بالخيمة أكثر تنوّعاّ منه. بعض الشوربة والأرز والسمك والفواكه والخفائف، أراقب أحمد وقد شمّر كمّ دشداشته وهو يأكل طعامه البسيط بيديه، دون ملاعق أو سكاكين أو شوك. أهمس لمرافقي: هل هذا هو الأكل الذي يتناوله أفراد عائلة الشيخ؟ يرد عليّ: وهل هناك طعاماً آخر غير الذي تراه؟ هل لابد من ( السيمون فيميه)، والكافيار، والسلمون المدخّن لمجرّد أنّهم أغنياء؟ هي القناعة يا صديقي.

لله درّكم أيها الأخيار.. أنتم لا تحتاجون إلى مقالي المتواضع هذا، يكفيكم دعاء الأرامل والأيتام، يكفيكم تضرّع  الشيوخ والعجائز، يكفيكم ذكر الناس لكم بالخير في كل محفل، تكفيكم أشياء كثيرة قمتم ولازلتم وستظلّون تقومون بها ما دمتم تؤمنون بمبادئ تناساها الكثيرون ممن وهبهم ربّهم من خيره فمنّوا بفضلهم، مبادئ أساسها العطاء، وقوامها الإحساس بالآخر، وهدفها نيل رضى الله .  
بعد أن غادرت بوّابة البيت طلبت من عبد الله أن يأخذني في جولة بالمنطقة المحيطة الراقية والتي يسكنها عدد من كبار الشخصيات من رجال السياسة والاقتصاد علّني أجد منظراً مشابهاً لما رأيت، أو ألمح آثار حركة دائبة، فلم أجد سوى أشباح بيوت يكاد الصمت يلفّها، ولولا ظلال أنوار جدران خافتة لاعتقدت أن المنطقة مهجورة. من يدري، ربما كان أصحابها معزومين اليوم صدفة في مكان آخر، أو ربّما كانوا في سفر طويل. ربّما.

د. محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com