الاثنين، 25 مارس 2013

إلى بطين.. أشد الرحال (1-2)


إلى بطين.. أشد الرحال (1-2)

عندما علمت أن أستاذ الجيل أحمد بن عبد الله الفلاحي على وشك الانتهاء من كتاب جديد يتحدث فيه عن مرابع الطفولة وذكريات الصبا في قريته (بطين) أدركت أنه لن يكون كتاباً عادياً يوثق لبقعة عزيزة من عمان كحال بقية الكتب التي تناولت هذا الجانب، ذلك أن من يعرف فكر الفلاحي وأسلوبه الكتابي، أو من حضر جلساته الأدبية الشيقة سيدرك مبكراً أنه سيكون كتاباً استثنائياً جامعاً لمتع كثيرة، لذا فقد كنت أترقب بلهفة موعد معرض الكتاب بعد أن قرأت إعلانات صحفية عدة تؤكد على أن الكتاب سيكون حاضراً في هذا المعرض.

كانت علاقتي ببطين علاقة مسافر بلوحة إرشادية على الطريق، فباستثناء بعض زملاء السكن المنتمين إليها سنوات الدراسة الجامعية، لم أكن أعرف عن هذه القرية سوى أنها تقع في وادي نام التابع لولاية إبراء، وكنت أتخيلها قرية صغيرة تحيط بها بعض الجبال، وتنتشر بها عدد من مزارع النخيل ومحاصيل أخرى بسيطة، ويجري فيها فلج صغير يكاد لا تسمع لمائه خرير، وبضع مئات من السكان، قرية عمانية صرفة كبقية القرى التي تقع في داخل عمان، وتكاد تتشابه معالمها حتى لتشك أنها نشأت بطريقة (الكوبي بيست)، ثم عرفت أن الأديب الكبير الأستاذ أحمد الفلاحي ينتمي إليها فأدركت حينها أنها ليست كباقي القرى، وأنه لابد من سر يحيط بهذه القرية وإلا لما أنجبت موهبة فذة وموسوعة شاملة كأستاذنا متعنا الله بعمره.

إلى معرض الكتاب شددت رحلي تسبقني لهفتي الشديدة في البحث عن هذا الكتاب واقتنائه وقضاء سهرة جميلة بصحبته، مع إدراكي المسبق أنها ستكون سهرة قصيرة سرعان ما تنقضي مع انبلاج نور فجر اليوم التالي، فأي كتاب للفلاحي مهما كان عدد صفحاته لا يمكن أن يمكث في يديك سوى لبضعة ساعات سرعان ما تتمنى لو أن لديك خاصية (الريستور) كي تعود لقراءته مرة أخرى وكأنك تقرأه لأول مرة.

في إحدى المكتبات وجدت ضالتي ونقدت البائع مبلغه دون حاجة للفصال أو النقاش، فمن ذا الذي سيجرؤ على أن يفاصل في درة أدبية يكتبها فطحل مثل أديبنا الرائع، وأي إهانة ستلحق بالكاتب ( أي كاتب) إذا ما علم أن القارئ له يستغلي فكراً هو خلاصة تجربة طويلة مع الإبداع ، وسهر طويل مع صياغة الحرف.

وكي أقنع نفسي فقد اشتريت بلا اهتمام كبير عدداً من الكتب الأخرى هي في الغالب كتب كنت أقتنيها ثم فقدتها لأسباب مختلفة، سرعان ما غادرت المعرض بعدها باحثاً عن أقرب ركن جميل يصلح للاحتفاء بأحمد الفلاحي وكتابه، فكان اختياري على ردهة بحرية جميلة في أحد الفنادق المسقطية الراقية. ترى هل هناك علاقة بين الفلاحي والرقي؟ وهل هناك عامل مشترك بينه والبحر؟ هل هو الامتداد في كل الاتجاهات. هل هي سعة الأفق. أوليس الفلاحي بحراً من الأفكار والمعرفة وأشياء أخرى كثيرة؟ فقط يختلف عن البحر في هدوء أمواجه، وعذوبة ماءه، وصفاء منبعه.

بعد أن أكملت كافة استعداداتي لولوج عالم الفلاحي الجميل من شاي منعنع وأغنية كلثومية رائعة بصوت المؤلمة آمال ماهر، وبينما أمد يدي للبحث عن الكتاب في الكيس الذي يحمل شعار معرض الكتاب الدولي إذ بي أفاجأ بأن الكتاب غير موجود، وبعد فترة من البحث والتنبيش عنه هنا وهناك اكتشفت أنني من فرط اللهفة والفرحة باقتنائه قد نسيت الكتاب في المعرض، وأنه لا حل سوى العودة مرة أخرى أو الانتظار للغد لشراء نسخة أخرى. لن أستطيع العودة مرة أخرى اليوم، فالزحمة كفيلة بالقضاء على ما تبقى لدي من أعصاب وأنا الذي أكرهها ككره مشجع الملكي للبرشا أو العكس كي لا يزعل البقية. ما الحل إذاً؟ غداً آخر يوم وربما لا تسمح لي ظروف السفر إلى البلد بالذهاب إليه. ما الحل ما الحل. أمممم ليس هناك سوى أحد حلين: إما أن أتصل بالأستاذ وأطلب منه صراحة وبدون استحياء أن يهديني نسخة موقعة، وإما أن أذهب إلى جريدة الرؤية التي قامت بطباعة ونشر الكتاب، وهي فرصة للسلام على الأحباب الذين لم أرهم منذ بضعة أشهر بسبب ظروف الحياة المختلفة، وفرصة كذلك للحصول على نسخة من الكتاب. ولكن الأستاذ لا يحمل هاتفاً نقالاً كبقية البشر، ومريدوه لا يتركونه دون أخذه إلى ندوة هنا، أو محاضرة هناك، أو فعالية فكرية في مكان آخر. هو الحل الثاني إذاً.

على بركة الله أخذت بعضي ( لم أجد تفسيراً لهذه العبارة برغم سنوات مكوثي الأربعة في مصر) وذهبت إلى الجريدة. وبعد السلام والعتاب والسؤال عن الأحوال أعلنتها صريحة أنني أتيت للبحث عن كتاب (بطين) ولن أخرج بدونه، فكان الرد البارد كبرودة ماء الجبل الأخضر في فجر يومي صيفي: للأسف فلانة المسئولة عن المخزن غير موجودة اليوم. يعني بالعربي وبكل لغات الدنيا لن أحصل على الكتاب لأن جدولي اليومي في بقية الأيام مزدحم من فجره وحتى عشيته. هل كتب علي ألا أقرأ هذا الكتاب؟

قبل يومين من الآن وبينما كنت أتبادل أطراف الحديث مع مديري بالعمل، وهو شخصية إعلامية مرموقة يشار إليها بالبنان والسبابة والإبهام كذلك، وأعشق الحوار معه كعشقي لإفطار أمي قبل سنوات طويلة من الآن، ومنه أستقي كثيراً من أفكار شخبطاتي المتواضعة إذ بظرف (مكلبظ) يسلم إليه، وبينما هو يفتح المظروف أمامي إذ تلوح لي كلمة بطين، فما كان مني إلا أن أنتزع الكتاب من يده وأهرول إلى مكتبي تاركاً إياه سارحاً مع دهشته واستغرابه وأنا أقول في سري : على جثتي لو استطعت أن تسترجع الكتاب مني قبل الغد، وأهلاً بالمعارك إذا كان ثمن الانتصار فيها ملحمة فكرية تضيف إلى نفسك المتعبة ساعات استثنائية من السعادة الحقيقية في ظل ركام من الهموم والقلق.

هذه المرة لم أفكر في انتقاء المكان الذي سأحتفي فيه بالكتاب، فقط انتهيت سريعاً مما في يدي من أعمال، ثم اتصلت بالبيت كي أخبرهم أن لدي أعمال مهمة ستعوقني عن الحضور للغداء وهم الذين لا أشاركهم الغداء سوى مرة كل أسبوع لارتباطي المسائي اليومي بالتدريس في إحدى الكليات البعيدة عن مقر سكني، بعدها تأبطت الكتاب إلى أقرب مقهى صادفته ومع كوب الزعتر بدأت في تصفح الكتاب تارة من البداية وحيناً من النهاية، ومرات من المنتصف وكأني أقول له بالعامية المصرية (آكلك منين يا بطة)، وهي كناية عن الفرحة الشديدة واللهفة اللا متناهية تجاه الطرف الآخر أياً كان. (يتبع)

د. محمد بن حمد العريمي
mh.oraimi@hotmail.com

الأربعاء، 13 مارس 2013

زينب.. نحن لا نستحقك

زينب.. نحن لا نستحقك


"تابعوا أخبار العاشرة. سيعرض لقاء مع الطالبة زينب محمد فاضل الحراصية من قرية طيمساء بنزوى وحصلت على نسبة 92%  في الفصل الأول، علماً بأنها طالبة معاقة تكتب عن طريق مسك القلم بفمها".

وصلني هذا الخبر في هاتفي بينما كنت في طريقي ليلاً عائداً من رحلة عملي المضنية التي تبدأ مع إشراقة الصباح ولا تنتهي إلا عندما يغفو نصف سكان المدينة والتي تتوزع ما بين عمل مكتبي طويل، وساعات تدريس جامعية يومية منهكة، وخربشات اعلامية هنا وهناك. كنت وقتها أشعر بشيء من الضيق والتشاؤم والتساؤل الملح: إلى متى سيستمر هذا الوضع، ولماذا أنا وحدي من كتب عليه أن يعاني بينما الآخرون في راحة ونعيم.

بعد أن سكبت دموعي الزائفة قليلاً وأبديت تأثري الذي انتهى بعد دقائق من قراءة الخبر ومطالعة الصور الملحقة، طلبت من مرسلي ، بعض المعلومات عن هذه الفتاة التي تناسيت أنا وكثيراً من المثقفين المتحذلقين وجودها بيننا في وسط غمرة اهتمامنا بقضايا أخرى كنا نراها أكثر إثارة وتشويقاً.
لم تولد زينب معاقة، أصيبت بعد ذلك بمرض جعلها معاقة الأطراف الأربعة، لكن هذا الأمر لم يثنها أن تقبل على الحياة بتفاؤل وأمل، فألحت على والدها أن يدخلها المدرسة أسوة بأخواتها وبنات جيرانها.

أتى بها والدها إلى المدرسة، وفي استحياء يغلفه الرجاء طلب من المديرة أن تقبلها ولو لأيام كي لا يكسر بخاطرها ويحرمها من لحظة سعادة يمكن أن تعيشها. فما كان من تلك المديرة الفاضلة، والمربية الواعية، والنتاج الجيد لمخرجات التربية إلا أن قبلتها كطالبة، وشجعتها، ووقفت بجانبها، وكانت لها الأم والأخت والصديقة والمعلمة، وأشعرتها أن العطاء الانساني لا يوقفه عائق، ولا تحده حدود، وأن الإعاقة قد تتلاشى برغم وجودها كواقع. فقط هو التفاؤل والإصرار والإرادة والرغبة الصادقة ونبذ المستحيل. فكان الغراس على قدر التربة الخصبة، وعلى قدر الماء المسكوب عليها. كان الغراس زينباً القوية، المصرة، المتفاءلة.. زينب الأنموذج الإنساني النادر.

عذرا زينب. لن أسألك كيف كنت تمسكين بالقلم واية آلام كنت تعانيها في سبيل ذلك، ولن أسألك كيف كنت تتفوقين في الأنشطة المختلفة، فمثلك لا يسأل بل منه يتعلم أمثالي من المتشائمين. وأنت أيتها المديرة الفاضلة هل أعدت ورفيقاتك الوجه التاصح للتربوي الناجح؟ بالطبع نعم.

زينب.. اتفقت كل قواميس المعاني على ان اسمك يعني الشجرٌ حَسَنُ المنظرِ طيّبُ الرائحةِ أزهاره جميلة بيضاء اللون فوّاحة الرَّائحة، فهل خلقك الله لكي تبثي في دواخلنا شيئاً من هذا النقاء، وهل أرسلك كي تكسري فينا كثيراً من الصلف والجمود والسوداوية والتشاؤم والتبرم وقلة العطاء برغم أشياء كثيرة منحنا إياها، وبرغم ترف كبير يعيش فيه كثير منا.

عذراً زينب لأنك كشفت كثيرا من سوءاتنا.. عذراً لأنك قمت بتعريتنا أمام أنفسنا.. عذراً لأنك كشفت عن أقنعة كثيرة كان ينبغي لها أن تكشف، وعذراً لأنك أشعرتينا بأن كل ما فعلناه في حياتنا يتلاشى مع يوم مرير من أيامك التي لا يقدر الصخر على تحمل قساوتها لولا إرادة من حديد، وقدرة من فولاذ، وأمل لا ينتهي.

عذراً زينب. من أنت كي نهتم بك. لست الفنانة المعروفة، ولا مصممة الأزياء المشهورة، ولا سيدة المجتمع المرموقة. أنت مجرد زينب، فتاة بسيطة معاقة، ربما كانت نظرتنا لك على أنك زيادة لا حاجة لنا بها، أو عالة علينا. ربما كنا نمن عليك وأمثالك بحفل سنوي، أو بمناسبة بها كثير من البهرجة وقليل من الصدق، نتذكر فيها بكثير من الكذب والنفاق أن هناك فئة يجب أن نهتم بها، وأنها جزء لا يتجزأ من المجتمع، وأنها قادرة على العطاء، وأنها وأنها.. كثير من الكلام المزيف، بينما في دواخلنا ننتظر الحفل كي ينتهي، وكي نخرج من القاعة بأسرع وقت كي نبتعد عن رؤية نواظركم، وكي لا نشعر أننا سجناء مثلكم، فالحياة بالنسبة لنا هي المتعة، وهي الحرية، وهي السفر، وهي الواتساب، وهي الحبيب، وهي المقهى، وهي الملعب، وهي السينما، وهي أشياء كثيرة قد لا تستمتعي أنت بها. ثم نرفع لمسئولينا ما قمنا به من عمل انساني كبير قمنا به كي يرفعونه إلى مستوى أعلى، وكي تبرز وسائل الإعلام مدى تكافلنا وتوادنا وإحساسنا بالآخر. هل رأيت أيتها المتسامية زيفاً  أكثر من ذلك؟ لا تتضايقي أيتها الطاهرة فأنت وحدك من تقف لك ملائكتك احتراماً وتقديراً.

عذرا زينب فما زالت دموعي تنسكب وأنا أكتب هذه الكلمات. ليست دموع الشفقة، بل هي دموع الخجل، والاعجاب. الخجل عندما أتذكر ضيقي وتبرمي وامتعاضي لمجرد أنني لست سعيداً طول الوقت، وأن كل أحلامي لا تتحقق في وقت واحد. الخجل كذلك عندما يلامس قلمي قضايا زائفة كثيرة ويتجاوز حقيقة جميلة هي تجربتك الإنسانية الرائعة التي لن تستطع كل دورات البرمجة العصبية واللغوية والذاتية وغيرها، وكل الكتب الأكثر مبيعاً في العالم والتي نقبل عليها دون فهم لمعناها والتي تتناول السعادة وتطوير الذات وتنمية النفس وغيرها من العناوين البراقة. أقول لن تستطع كل تلك البرامج والكتب أن تقدم تجربة حقيقية رائعة كتجربتك، ولن يستطيع كل أولئك المدربون والخبراء والمستشارون وزملاء الأكاديميات المختلفة أن يرسموا مشهداً واقعياً واحداً من مشاهد حياتك اليومية المختلفة.

عذراً زينب.. سيحتفون بك الآن كثيراً.. ربما وجدوا فيك أخيراً خبراً صحفياً مثيراً أو مادة إعلامية دسمة. ستزعجك كاميراتهم بأضوائها الزائفة، وستبقع ثيابك حبر أقلامهم، وستصدع آذانك صوت ميكروفوناتهم، وسينوهون عنك بمواقعهم الالكترونية المختلفة وكأنك صيد ثمين سيضيف إلى هذا أو ذاك شيئاً من رصيده المهني. ولعلك تتساءلين في صدق وبراءة: لماذا اهتموا بي الآن، وأين هم عني سابقاً. هي الحياة هكذا يا زينب فلا تهتمي كثيراً وفاجئيهم كل مرة بأنك أكثر قوة وصلابة عن ذي قبل.

ترى كم من زينب بيننا قد رحلت في صمت، وكم من زينب موجودة بيننا الآن، وكم من زينب ستأتي.. عذراً زينب.. وعذراً لكثير من أمثالك. فنحن لا نستحقكم.

تحدثكم هنا زينب " أنا زينب "..
فتاة في ربيع العمر قوية عزم لا أهرب..
وقلبي قلب عصفور رقيق بالأمل يطرب..
وأحلام كثيرات بلون الحب يتخضب..

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com



الأحد، 10 مارس 2013

مقال للنفاق


مقـال.. للنفاق "

".. لم يكن في عمان إلا القليل القليل مما ينعم به الناس في البلاد الأخرى، فلا شوارع ولا مبانٍ حديثة ولا إذاعة ولا تلفزيون ولا وسائل ترفيه، وكانت الحياة بالليل  أشبه ما تكون  بما يسمى حظر التجول".

".. أول شيء تعلمته في مسقط هو أن صحة الشعب ضعيفة، والشيء الثاني الأسوأ، هو أن السبب الأساسي لذلك هو الحالة الاقتصادية.. إن الصحة هي سلعة يمكن شراؤها، ولكن لأن العمانيين لا يملكون الماء فهم لا يستطيعون شراء ذلك الشيء الثمين".

" .. كانت عمان مركزاً بغيضاً للملاريا.. أما أمراض المعدة فالمسؤول عنها هو هذا العدد الكبير من الذباب.. وينتشر الجذام في كل مكان.. بينما يعد الجدري سوطاً مدمراً فيها.. وتنتشر كذلك أمراض العيون حيث يبلغ عدد العميان في عمان الآلاف.."

" .. كنا نرى عمالقة من ذوي اللحى السوداء أتوا من بلاد بعيدة عن مسقط، أقول كنا نراهم وقد أتوا زحفاً بسبب الملاريا التي افترستهم حيث أن مسقط كانت تعج بأسراب البعوض، ولم يستطع غريب أن يهرب من الإصابة بالحمى.."

" .. هناك حقيقة يجب ألا نغفلها، وهي أننا إذا وضعنا مستشفيات أمريكا في أعيننا فلن نستطيع القول بأن ما بمطرح يسمى مستشفى.. في حقيقة الأمر ما لدينا هو منزل للعناية بالمرضى، لا يوجد راديو، ولا أسرة، ولا شيء آخر.. فقط يوجد بالحجرة ركن واحد مملوء بكيس كبير للفحم، وكمية من أخشاب الوقود، وفراش فوق الأرض، ودائماً توجد الأواني وقدور القهوة، وأهل المريض يقومون بشراء أصناف الطعام، ويقومون أيضاً بعملية الطهي في نفس المكان".

" .. وفي عمان يجب أن يشتري كل انسان من المكان المدين له، ولكن هذا النظام وصل بعدد قليل من الرجال إلى أن يصبحوا مليونيرات، لكنه جعل عدداً كبيراً منهم فقراء".
" .. أما موارد عمان فهمي شمسها وأمطارها وتربتها، فالشمس هناك تكفي مدينتين، بينما لا تكفي الأمطار مدينة واحدة. لهذا ينظر الزائر إلى عمان وهو مشفق عليها ويتساءل: لماذا يريد الناس أن يعيشوا هناك؟ ومن يستطيع أن يستخرج الحياة من هذه المنطقة المليئة بالجبال".

" .. وتعتبر الضرائب شيئاً جديداً في عمان، إذ يجب أن يزيد الدخل بعد أن انخفضت الرسوم الجمركية، ونتيجة لذلك رحل ملاك الحدائق إلى زنجبار، أو الهند، أو إلى أي مكان آخر حيث تقل الأعباء.. هكذا كان المواطن العماني محاصراً حتى في قوت يومه..".
".. إن الحياة الدنيا الوارد ذكرها في القرآن الكريم هي مسقط. أجل، أقولها صدقاً، أن الغالبية العظمى من أبناء جيلي يظنون أن مسقط هي العالم كله..".

كانت هذه عمان السابقة، لا أقول عمان في مجمل تاريخها الحضاري والفكري الممتد عبر قرون طويلة من العطاء والتأثير على بقاع عديدة من العالم، ولكني أتحدث عن مرحلة بعينها سبقت مرحلة النهضة التي نعيش في ظلها، ونرتوي من معين خيرها.

وكأني أسمع من يقول لي: لماذا كل هذا؟ ألا يعرف الناس كل ما سبق، ألم يملوا من تكراره عليهم صباح مساء، ألم يتكفل بعض (المطبلين) بالحديث عنه آناء الليل وأطراف النهار. ألم تملوا من النفاق والمزايدة.

أممم .. لا لشيء يا صديقي وأخي وابن وطني وشريكي فيه. السبب أبسط مما تتوقع، وهو أنني صحوت مبكراً لأجد أن محفظتي ونظارتي الشمسية الجديدة التي ابتعتها بالأمس، وعطري الذي أعتز به لسبب لن أخبرك عنه مازالت في مكانها برغم إهمالي المتكرر في قفل الشباك الخلفي لسيارتي، أضف إلى ذلك الجو الرائع والسماء الملبدة بالغيوم، كل ذلك أعطاني إحساساً بالتفاؤل والأمل، فأدركت برغم قراءتي لعشرات الكتب المتعلقة بالحرية والديمقراطية والاشتراكية والبعثية والعبثية والوجودية والقومية والخنفشارية والحلمنجية وسيل آخر من المصطلحات المتشابهة أنني أعيش في بلد رائع تحقق لي سياسة نظام حكمه كثيراً مما نادت به هذه النظريات ولم تطبق على أرض الواقع في معظم الدول التي تبنتها، فأردت مجاملته ببضع كلمات قد لا يقرأها غيري. هل هذا يكفي كي يكون سبباً لكل ما كتبت؟ لست مقتنعاً؟ عادي. اعتبرني منافقاً.

وأنت أيها الوطن الجميل.. لا تفرح كثيراً بكل هذا المدح، وإذا كنت قد سلمت هذه المرة من انتقادي لتصرفات (بعض) أبناءك الذين يختصرونك في مجرد عزبة لهم ولمنتفعيهم، أو يرون فيك كرسياً للوجاهة، أو مطية لتحقيق مكاسب اجتماعية أو اقتصادية دون اعتبار لشركاء آخرين يقاسمونهم فيك، فهو لأنني اعتقدت أنك تستحق شيئاً جميلاً دون منغصات ولو لمرة واحدة. اعتبرها استراحة محارب قصيرة. فلأني أحبك فسأعود عما قريب لمحاولة إزالة بعض النقاط السوداء عن ثوبك الناصع البياض. لست وحدي، ولكن برفقة كثير من الشرفاء من أبناءك مهما اختلف مسارنا الفكري، ومهما تباينت توجهاتنا الايديولوجية، فنحن تأكيداً نتفق على حبك.  

ولكن يا صديقي المعاتب.. هل ما زال "الناس مرضى في عمان، لأنه لا يوجد إلا طبيب واحد لكل مائة ألف مواطن.. وهل مازالوا جياعاً فقراء، لأنهم يجهلون شق الأرض، وإخراج الغذاء والماء.. وهل مازالوا جهلاء ، لأنه لم تفتح مدرسة يتعلمون فيها"، وهل مازالت عمان "قطعة من العالم القديم.. دجل وترﱠهات وخزعبلات.. وظلام فوق ظلام.. وأناس طيبون يروحون ويغدون"، وهل الوقت هو أرخص السلع في عمان؟ وهل عادت الأسنان تخلع بالدوبارة؟ وهل مازال الناس يأكلون المكرونة بالسكر.

هكذا كانوا يقولون.. فما رأيك أنت.

د. محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الأحد، 3 مارس 2013

"هل نحن فاشلون؟"


"هل نحن فاشلون؟"

"إن خطر الموت جوعاً، أو من العوز والفاقة، لا يهددان حياة ساكن الجزيرة العربية رغم كل الظروف ، فحالة ضيق ذات اليد هذه يسهم في معالجتها عاملان: أولها أهله الذين لا يسمحون له بتردي وضعه إلى هذا الحد، وثانيهما هو ذلك التقليد الصحراوي الممتع المتبع باستضافة أي عابر سبيل لمدة ثلاثة أيام. إنه مظهر رائع من مظاهر الديمقراطية في الجزيرة العربية".

جملة عابرة كتبها "هارولد ديكسون" الوكيل البريطاني السياسي في الكويت في كتابه المهم (عرب الصحراء) والذي ألفه في ثلاثينيات القرن الماضي وقدم من خلاله وصفاً حياً وكاملاً لحياة البدو في شبه الجزيرة العربية. أما الدافع لاقتباس هذه العبارة فهو المشهد المؤلم الذي رأيته بالأمس القريب وفي حوالي الساعة الثانية عشر ليلاً على رصيف شارع جانبي من شوارع العامرات. عجوز سبعينية تفترش الأرض وبيدها بضعة أكياس تحتوي على قليل من الطعام، تنادي على المارة الذين قل عددهم كثيراً في تلك الساعة  المتأخرة بأن يجودوا عليها بأي شيء، بينما دموع الألم وقسوة الزمان تبلل ردائها البالي.

لا أعلم أي شيطان قاس بداخلي ذلك الذي جعلني أتعامل مع المشهد بشيء من الحزن والألم الوقتي، ثم  نسيان كل ذلك وذهابي إلى فراشي ونومي الهانئ وكأن شيئاً لم يكن، وكأنه لا جريمة حدثت أمامي قبل قليل، علماً بأنه لم يكن المشهد الأول من نوعه، فما زال منظر  المرأة  التي رأيتها عصر يوم بارد في حي الخوير الراقي وهي تفتش في بعض الأكياس السوداء المكدسة في  مجمع قمامة كبير يجاور بناية سكنية فخمة تحتل واجهتها لافتات لعدد من المحلات والمطاعم الراقية، ماثلاً في مخيلتي، وما برح منظر الرجل الخمسيني الذي لم يجد سوى أحد الوافدين كي يستجديه طلباً للمساعدة بينما أربعة من أبناءه يرقبون المشهد في درس مستقبلي مؤلم  (يعشعش) في ذاكرتي، ومازال التحقيق الصحفي الذي نشرته إحدى صحفنا المحلية عن الوضع الانساني الصعب لامرأة طاعنة في السن لا تجد مأوى يقيها مفاجئات ما تبقى لها من أيام في رصيد عمرها يحتفظ بمساحة كبيرة من مخي الذي يوشك على التهالك من جراء أشياء كثيرة ليس أقلها مشاهد كهذه.

ترى هل أنا مبالغ وسوداوي في طرحي هذا، أم هذا هو الواقع. أوليس المجتمع مازال بخير،  أوليس هناك الكثير من أشكال التكافل والتواصل تعم مجتمعنا من أقصاه لأقصاه. أو لسنا نزور مرضانا، ونعزي موتانا، ونفرح لعرساننا، ونتذكر جيراننا في رمضان؟

ولكن ماذا عن حالات التسول الفردي والجماعي التي كنا نراها في المناسبات، وأصبحنا الآن نراها كل الحين، وماذا عن الظواهر التي نطالع أخبارها هنا وهناك  والتي تتعلق بالتفكك الأسري، أو العقوق العائلي، أو الجريمة، أو تعاطي المخدرات وغيرها من المظاهر الغريبة التي لم يعتدها مجتمعنا وتزايدت كثيراً في الفترة الأخيرة.

أولا أجد في كل هذا مبرراً لدق ناقوس خطر يهدد نسيج المجتمع وتماسكه؟وهل تعقد العلاقات الاجتماعية، وتسارع نمط الحياة، وتحسن المستوى المعيشي وبالتالي عدم الحاجة للآخر، وكذلك وجود مؤسسات حكومية تعنى بأمر بعض الفئات التي هي بحاجة إلى اهتمام ورعاية هي مبررات حقيقية تجعلنا نتجاهل  الآخر ولا نهتم به كما يعتقد بعض المثاليين؟

إذاً أين خصوصية مجتمعنا الثقافية والاجتماعية المستوحاة من تعاليم الدين الحنيف، وقيمنا العربية الأصيلة التي تستوجب علينا أن نكون أكثر حرصاً على الآخر دون أن ننتظر دوراً حكومياً، أو تدخلاً لجمعيات حقوق إنسان كما يحدث في مجتمعات أخرى انشغلت بمادية الحضارة، ولهثت وراء ما يدعى بالتطور والتمدن، حتى استيقظت على مشاكل اجتماعية كثيرة أحدثت شروخاً  وتصدعات مســت واقعها الاجتماعي. وأين تشدقنا الدائم بالتكافل والتواصل والترابط مادامت هذه العجوز أو تلك تعاني الأمرين دون التفاتة حانية، أو يد تمسح عنهن هموم الزمن وتقلباته. وأين هي ثقافة (المواطنة)  التي استنزفنا الكثير من الحبر والأشرطة في الحديث عنها ليل نهار. ترى هل كانت دموع تلك العجوز تحمل سخرية مؤلمة تجاهنا؟ هل أعلنها بأعلى الصوت أن كل خططنا في هذا المجال فاشلة وأننا جميعاً يعترينا الفشل، وأن كل ما نفعله هو مجرد (هباء) لا يساوي شيئاً ما دمنا قد عجزنا أن نجعل تلك (الأم) تنام باطمئنان ما تبقى لها من أيام عمرها؟ هل نحن فاشلون بالفعل؟ وهل يعفينا كل تقدمنا الهائل في بقية المجالات عن  تحمل مسئولية .....كهذه؟

هناك رجال أعمال خيرون؟ جميل. هناك من يحرص على الزكاة؟ رائع. هناك بعض الجمعيات التي تبذل جهوداً مجتمعية مهمة في هذا المجال؟ ممتاز. هناك خطط حكومية تستهدف بعض هذه الفئات؟ أمر مطلوب. ولكن أين البقية؟ مازالت كل هذه الأدوار خجولة ولا تتناسب مع التغير الاجتماعي المذهل في التسارع والذي يلامس كل طوبة في جدار نسيجنا الاجتماعي.

والحل.. لن أطرح أية حلول أو مقترحات. تعب كياني بأكمله من ذلك. فعلتها سابقاً في كثير من المرات ولا أحد يبالي. كل ما سأقوله هو أنه  لن تنجح كل حلول الدنيا  ما لم يكن هاجس الإحساس بالآخر يسكن بداخل كل فرد منا، وهو أمر لا يتطلب سوى مراجعة علاقتنا ببعضنا البعض، والحرص على استرجاع ما فقدناه في زحمة ما يدعى بالمدنية والحضارة.

نسيت أن أخبركم . يشير(ديكسون ) في كتابه  إلى هذه العبارة "إن الإنسان الذي لا يملك فلساً واحداً، سيكون وضعه في (لندن) أسوأ كثيراً مما لو كان في الجزيرة العربية حيث يحدوه الأمل دائماً أن يجد خيمة سوداء تستضيفه".

                                                                                د. محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 25 فبراير 2013

اعتذارية.. الى سيدي المعلم


اعتذارية .. إلى سيدي المعلم

سيدي. سليل الأنبياء وخليفتهم  وحامل رسالتهم.  لأن رسالتك هي الأهم ، ولأنها الأسمى والأرقى،  وجب علي أن أكتب لك هذه الاعتذاريات التي قد لا تفيك حقك، ولا تقلل من مكانتك التي تحفظها القلوب قبل الدفاتر والكشوف والمحاضر.

سيدي ..اعتذر منك أولاً  نيابة عن ابني الذي أتاني ذات صبيحة كئيبة طائراً على جناح الفرح لأن مدرسته سوف تقوم بصرفهم بعد العاشرة لأنها ستحتفل بيوم يدعى (يوم المعلم)، وبالتالي فلا حصص ولا دراسة برغم أنه (أي ابني)ليس من المحسوبين على أعداء المدارس من الطلاب الذين لم يستوعبهم المجتمع جيداً. لست أدري هل هو خطأه، أم خطأي وخطأ المجتمع أجمع لأننا لم نغرس فيه معناك وقيمتك ومكانتك.

أعتذر منك كذلك لأننا لا نرى في رسالتك تلك الأهمية التي تستدعي تمييزك أو حتى مساواتك بالبعض، حتى ولو قلنا عكس ذلك في وصلات النفاق التي نمارسها هنا وهناك حول دورك وأهميتك ومكانتك وبقية الطقم الذي يقال في كل مناسبة. كتب عليك أن تلعق العلقم بينما الشهد لغيرك، و لا تستغرب لو طاولك أحد طلابك بعد سنة من توظفه . نتحدث عن مكانتك بينما نميز غيرك بالرواتب والهبات والمكافآت والكوادر الخاصة ونمن عليك بذلك، على الرغم من أن رسالتك هي الأخطر، وعلى الرغم أيضاً من أن هؤلاء جميعاً قد خرجوا من تحت عباءة فكرك وجهدك وتضحيتك. هل رأيت أستاذي  تناقضاً أشد من ذلك؟

أعتذر منك سيدي لأنهم لا يتذكرونك سوى مرة كل عام، بخطبة متكلفة أعدت مسبقاً، وغيرت بعض كلماتها وتواريخها. كتبها أناس يجيدون دبج الكلمات لا المشاعر ، وراجعها آخرون بالحذف والاضافة عشرات المرات كي ترضي المسئول، وكي لا ترهقه وتأخذ من وقته الثمين في تعديلها مرة أخرى، ثم صدرت بشأنها عشرات المراسلات كي تصل إلى وجهاتها المعنية، ثم  قرأها ببرود وسط ضجيج الطلاب وصخبهم ولا مبالاتهم،  مدير  أو مساعد أو مدرس أو طالب مجتهد. ليس لأنها تعني لهم شيئاً مهماً،  ولكن لأنه طلب منهم أن يقرأوها كما اعتادوا ذلك كل عام.

اعتذر منك بحجم الملايين التي تصرف على المشاريع والندوات والورش والاحتفالات والزيارات  وقائمة أخرى تطول، بداعي تحقيق الجودة التعليمية، ورفع كفاءة الأداء التربوي، وتحقيق الإنماء المهني لك، بينما لا يتطلب تحقيق أبسط معايير تلك (الجودة ) سوى معاملة كريمة لك تتمثل في توفير مقعد مناسب تجلس عليه بعد ساعات وقوف طويلة  كرسول علم ومعرفة، وخلق بيئة اجتماعية مناسبة  تجعلك أكثر تحفزاً وارتياحاً ورغبة في العطاء،  ولن أتحدث عن حقوقك الأخرى ، فسنتركها بعد توفير المقعد أولاً.

أعتذر منك بعدد آلاف اللجان والفرق  التي تشكل سنوياً لغرض أو بدونه، والتي ترى فيك حقلاً لتنفيذ برامج وفعاليات أغلبها غير ذي جدوى، فهي لا تفعل شيئاً سوى أن تسلب منك وقتاً ثميناً كان يمكن أن تستغله في تعديل سلوك أحد طلابك، أو غرس قيمة نبيلة، أو إضافة معلومة مهمة، أو حتى التفكير في مشروع تربوي هادف.

اعتذر منك  بحجم آهات معلم ناضل كثيراً من أجل استكمال دراسته هنا أو هناك، وبعد أن قطع شوطاً كبيراً في ذلك، وضحى بالمال والأهلون وبأشياء أخرى كثيرة ، كان نصيبه ركن مظلم خلف كرسي عتيق أكلت عوامل الدهر منه كثيراً، أو وظيفة إدارية علاقته بها كعلاقة كاتب المقال باللغة الصينية،  بينما السؤال الأبدي الملح هو لماذا سمح له باستكمال الدراسة مادامت لا توجد الرغبة الصادقة والأكيدة في الاستفادة من خبراته وإمكاناته.

أعتذر منك بحجم طاقات الإبداع  المختلفة المهدرة وسط روتين العمل واللجان والأوراق والقرارات  وتوصيات الاجتماعات واللقاءات التي تشهدها أرقى الفنادق وأفخمها، والتي لم تستطع أن تجعل نهر عطائك متدفقاً رقراقاً فحرم الكثيرون من نبع معينك، ومن شهد عسلك.

أعتذر منك بعدد دمعات عجوز ذاق الأمرين كي يعلم ابنته البكر لتكون له عوناً وظهراً وسنداً بعد أن حنت ظهره مرارات السنين، وعندما أتى ميعاد فرحه أخيراً  فجع بها (شهيدة) في محراب العلم بعد عودتها من تلك القرية النائية البعيدة التي  فشلت لجان التخطيط الكثيرة في أن توفر مقاعد (استثنائية) لعدد من أبناءها كي يقوموا  مستقبلاً بدورهم في تنميتها والنهوض بها فكرياً واجتماعياً، فكان حتماً على تلك البنت أن تضحي بنفسها من أجلهم حتى لو كلفها ذلك حادث أليم بسبب وعورة الطريق أو بعد المسافة، وحتى لو كان الثمن مصير أسرة بكاملها كل ذنبها أنها قدمت للمجتمع فلذة كبدها بعد أن ذاقت الصعاب في سبيل تنشئته وتكوينه كي يكون مواطناً صالحاً باراً بهم.. وبمجتمعه.

أعتذر منك بعدد الذين تركوا وظيفتهم السامية وانتقلوا لجهات أخرى،  والذين يجاهدون لفعل الشيء ذاته بعد أن أيقنوا بصعوبة الاستمرار في تأدية الرسالة لأسباب نفسية ووظيفية مختلفة، والذين هم ذاتهم يحققون معادلة النجاح الكاملة عند انتقالهم لتلك الجهات، ويصبحون مدارس تتعلم منها فئات أخرى في هذه المؤسسة أو تلك.

أعتذر إليك بعدد من علمتهم وساهمت في تشكيلهم وتوجيههم الوجهة الصحيحة، وعبرت بهم مخاطر كثيرة، وكنت أباً وأخاً وصديقاً وحاضناً رحوماً عطوفاً بهم،  وأخذت بأيديهم إلى طريق النجاح  ليشقوا طريقهم وسط أمواج الحياة العاصفة، وليكونوا لبنة حقيقية تضاف إلى لبنات هذا الوطن الغالي.
سيدي. أعتذر منك لأشياء كثيرة وكثيرة  قد لا أجد في ذكرها سوى مزيد من الألم، وكثير من الحسرة ، ولكن العزاء هو في دعوات الكثيرين لك  وذكرهم لك بالخير. وفي ابتساماتهم وسلامهم الحار أينما التقوك. فهو أرقى وأصدق تقدير لك. وشرف لك أن تكون الأساس  الذي لولاه لما قامت الحضارات أو بنيت.

سيدي ومعلمي  وتاج رأسي . عذراً لأني تذكرتك اليوم فقط، وعذراً لأني قد أنساك بعد قليل حتى يذكرني بك بعد عام من الآن خبر صحفي صغير عن يوم ابتدعناه لك سرعان ما ننساه.
د. محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 18 فبراير 2013

قاطعوهم


"قـاطعوهم"

 

  حين قام تجار اللحم زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب برفع سعره من غير سبب لتكثر
 أرباحهم، ذهب وفدٌ إلى الفاروق يطلب منه التدخل لتخفيض الأسعار، فقالوا له: غلا اللحم فسعّره
 لنا،  فقال لهم: أرخصوه أنتم، فقالوا: وكيف نرخصه وليس في أيدينا يا أمير المؤمنين؟ قال: اتركوه
 لهم. فترك الناس شراء اللحم أياماً، وبعد أن تعفن لدى الجزارين أرخصوه مجبورين.

وحين غلا الزبيب بمكة كتب أهلها إلى على بن أبى طالب بالكوفة أن الزبيب قد غلا علينا، فكتب أن أرخصوه بالتمر. أي استبدلوه بشراء التمر الذي كان متوفرا في الحجاز وأسعاره رخيصة فيقل الطلب على الزبيب فيرخص . وإن لم يرخص فالتمر خير بديل .

وعندما أراد (غاندي) مقاومة المستعمر الانجليزي ونيل استقلال بلده الهند كانت جملته الشهيرة "احمل مغزلك واتبعني" سلاح مقاطعة فعال كانت له نتائجه الإيجابية الفعالة فيما بعد.

وعندما توحد العرب يوماً ما واستخدموا سلاح المقاطعة في ظاهرة استثنائية غريبة قد لا تتكرر قريباً كانت النتيجة هي انتصار عسكري وسياسي رائع في حرب 1973، ونتائج اقتصادية مبهرة من خلال ارتفاع سعر برميل البترول من دولار واحد إلى ما يقارب الأربعين، مما حقق طفرة عمرانية وتنموية واسعة في بلدان النفط العربي.

وعندما استيقظ المواطن الأرجنتيني يوماً على ارتفاع طفيف في سعر البيض بسبب جشع تجار
 الدواجن، لم يستسلم للأمر وكأن شيئاً لم يكن، إنما أخذ الطبق وأعاده إلى مكانه وقال " هناك أمور
 تعوضني عن البيض فلا داعي له"، وأجبروا التجار بعدها على تقديم اعتذار رسمي للشعب
الأرجنتيني عن طريق جميع وسائل الإعلام، وتخفيض سعر البيض عن سعره السابق بربع القيمة السابقة.

وعندما دخلت سيدة بريطانية عجوز إلى محل البقالة الكائن في قريتها الصغيرة وتفاجأت بارتفاع
 سعر الطماطم، قامت بإرسال رسالة نصية قصيرة إلى كافة معارفها وصديقاتها قائلة لهم " بلاها طماطم اليوم".

وعندما طفح الكيل في دول عربية عدة من الممارسات الجشعة لبعض التجار كان الحل هو تنظيم
 حملات مقاطعة اعلامية منظمة كحملة "اتركها على الرف"، و"لا ترفع الأسعار فالبديل في
 الانتظار"، و"خلوها تصدى"، و"خلوها تغبر"، و" خلوها تفسد "، وهي حملات كان لها أثر ايجابي
 فيما بعد، واضطر التجار لإعادة الأسعار كما كانت.

إذن هي ثقافة أمم  وشعوب لم ترض أن يبتزها أحد في حاجاتها الأساسية، أو يحرمها من قوتها
 اليومي، فكانت المقاطعة أمضى سلاح يتم استخدامه كتعبير معنوي عن الاحتجاج ورفض الإهانة.  

والمقاطعة في أبسط تعريفاتها هي قطع العلاقات بين المستهلك والمُنتِج أو مُقدم الخدمة والتي
 تنطوي على الامتناع عن شراء أو استخدام هذه السلعة أو الخدمة، كتعبير عن الاحتجاج، وعادة
 ما تكون بسبب رفع السعر بلا مبرر واضح أو سوء في الخدمة من توفير قطع الغيار أو سوء في التعامل.

ويعد توجه المستهلكين نحو ثقافة مقاطعة السلع إحدى الوسائل المهمة لإعادة الأسعار لوضعها الطبيعي، وتعد رسالة إلى التجار بعدم مناسبة السلع لقدرات المستهلك الشرائية، وعلى المستوى الاجتماعي تعد ثقافة مقاطعة السلع أمر إيجابي معبر عن موقف اجتماعي تجاه مؤثرات اقتصادية تشهدها السلع من غلاء وتدني مستوى جودة السلع وما قد يلحق بها من عيوب لا يرضاها المستهلك، كما أن ظهور حملات المقاطعة على السطح الاجتماعي يدفع لتنشيط سوق العرض والطلب ومن شأنه المنافسة بين الشركات في طرح منتجات ذات جودة عالية وأسعار تنافسية وفق القدرات الشرائية للمستهلكين.

ومتى كانت المقاطعة مدروسة ومنظمة وتم تطبيقها بأكبر عدد ممكن من مؤيدي المقاطعة قولا وفعلا  فسوف تؤتي ثمارها المرجوة، وبالتالي تحقق أهدافها.

وبرغم الحديث عن دعوات لمقاطعة بعض السلع والمنتجات هنا وهناك إلا أن ثقافة المقاطعة تكاد تكون غائبة بشكل كبير عن مجتمعنا المحلي، ولعل ذلك يعود إلى أسباب عدة لعل من بينها عدم وجود تنظيم يجمع قطاعات المستهلكين حول إرادة واحدة تحمى مصالحهم، بينما في المقابل هناك تنظيمات تحمى مصالح التجار وتتيح لهم فرصة الاتفاق على رفع الأسعار وممارسة الاحتكار، وكذلك عدم وجود أدوار مهمة للمجتمع المدني في هذا الشأن، وأقصد به تنظيمات مجتمعية  خاصة بحماية المستهلك يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في ذلك، لذا فإن كثيراً من الدعوات للمقاطعة يكون محكوماً عليها بالفشل في غالبها من أول وهلة.

وكي يكون سلاح المقاطعة ناجحاً وفعالاً فلابد له من عوامل مهمه كقوة الحجة واقتناع الناس بما يكفي لمقاطعة هذا المنتج أو ذاك، والتهيئة والتنظيم للمقاطعة إعلانيا، وجدية المستهلكين وصبرهم بمقاطعة المنتج حتى لو لم تتوفر لديه البدائل المناسبة في بعض السلع الغير ضرورية جداً، ووجود جمعيات تعاونية تتوفر فيها السلع لكافة الشرائح لمواجهة غلاء الأسعار، والتوجه إلى شراء البدائل من المنتجات أو الاستغناء عن السلعة إذا كانت الحاجة لها غير ملحة، وانشاء المجموعات التوعوية من خلال (قروبات الكترونية) في وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك تطبيقات الهواتف الذكية يتضمن أسعار السلع التي طالتها الزيادة ويفيد أيضا بالمنتجات ذات الجودة الأقل، ويساهم في نشر الثقافة الاستهلاكية ليميز المستهلك بين الجيد والرديء.

عزيزي المواطن. التاجر لا يحترم المستهلك السلبي والذي يتبعه دون تفكير، التاجر يحترم فقط من يقول له: بضاعتك لك لا نريدها. لن يضيرنا شيئاً لو توقفنا عن شراء منتج معين اعتدنا عليه، ولن تقوم القيامة لو استبدلنا هذا المنتج بمنتج آخر يؤدي نفس الغرض، ولن ينتهي الكون لو راجعنا سياستنا الشرائية الخاصة بمستلزماتنا المختلفة، ولا تقل أين البديل، فلو التفت حولك فستجد عشرات البدائل، فالعجوز البريطانية ليست أكثر وعياً منا أحفاد الفاروق، والشعب الأرجنتيني ليس أكثر ثقافة من أبناء علي، وغاندي ليس شخصاً خارقاً. المسألة تتعلق بالمبدأ يتبعه العزم والتصميم، وهناك من التجار من يعتقد بسلبيتنا وسذاجتنا وعدم قدرتنا على اتخاذ مواقف مضادة. أفلم يحن الوقت كي نقول لهم كفى؟

 

قـاطعوهم


"قـاطعوهم"

  حين قام تجار اللحم زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب برفع سعره من غير سبب لتكثر أرباحهم، ذهب وفدٌ إلى الفاروق يطلب منه التدخل لتخفيض الأسعار، فقالوا له: غلا اللحم فسعّره لنا،  فقال لهم: أرخصوه أنتم، فقالوا: وكيف نرخصه وليس في أيدينا يا أمير المؤمنين؟ قال: اتركوه لهم. فترك الناس شراء اللحم أياماً، وبعد أن تعفن لدى الجزارين أرخصوه مجبورين.

وحين غلا الزبيب بمكة كتب أهلها إلى على بن أبى طالب بالكوفة أن الزبيب قد غلا علينا، فكتب أن أرخصوه بالتمر. أي استبدلوه بشراء التمر الذي كان متوفرا في الحجاز وأسعاره رخيصة فيقل الطلب على الزبيب فيرخص . وإن لم يرخص فالتمر خير بديل .

وعندما أراد (غاندي) مقاومة المستعمر الانجليزي ونيل استقلال بلده الهند كانت جملته الشهيرة "احمل مغزلك واتبعني" سلاح مقاطعة فعال كانت له نتائجه الإيجابية الفعالة فيما بعد.

وعندما توحد العرب يوماً ما واستخدموا سلاح المقاطعة في ظاهرة استثنائية غريبة قد لا تتكرر قريباً كانت النتيجة هي انتصار عسكري وسياسي رائع في حرب 1973، ونتائج اقتصادية مبهرة من خلال ارتفاع سعر برميل البترول من دولار واحد إلى ما يقارب الأربعين، مما حقق طفرة عمرانية وتنموية واسعة في بلدان النفط العربي.

وعندما استيقظ المواطن الأرجنتيني يوماً على ارتفاع طفيف في سعر البيض بسبب جشع تجار الدواجن، لم يستسلم للأمر وكأن شيئاً لم يكن، إنما أخذ الطبق وأعاده إلى مكانه وقال " هناك أمور تعوضني عن البيض فلا داعي له"، وأجبروا التجار بعدها على تقديم اعتذار رسمي للشعب الأرجنتيني عن طريق جميع وسائل الإعلام، وتخفيض سعر البيض عن سعره السابق بربع القيمة السابقة.
وعندما دخلت سيدة بريطانية عجوز إلى محل البقالة الكائن في قريتها الصغيرة وتفاجأت بارتفاع سعر الطماطم، قامت بإرسال رسالة نصية قصيرة إلى كافة معارفها وصديقاتها قائلة لهم " بلاها طماطم اليوم".

وعندما طفح الكيل في دول عربية عدة من الممارسات الجشعة لبعض التجار كان الحل هو تنظيم حملات مقاطعة اعلامية منظمة كحملة "اتركها على الرف"، و"لا ترفع الأسعار فالبديل في الانتظار"، و"خلوها تصدى"، و"خلوها تغبر"، و" خلوها تفسد "، وهي حملات كان لها أثر ايجابي فيما بعد، واضطر التجار لإعادة الأسعار كما كانت.

إذن هي ثقافة أمم  وشعوب لم ترض أن يبتزها أحد في حاجاتها الأساسية، أو يحرمها من قوتها اليومي، فكانت المقاطعة أمضى سلاح يتم استخدامه كتعبير معنوي عن الاحتجاج ورفض الإهانة.  
والمقاطعة في أبسط تعريفاتها هي قطع العلاقات بين المستهلك والمُنتِج أو مُقدم الخدمة والتي تنطوي على الامتناع عن شراء أو استخدام هذه السلعة أو الخدمة، كتعبير عن الاحتجاج، وعادة ما تكون بسبب رفع السعر بلا مبرر واضح أو سوء في الخدمة من توفير قطع الغيار أو سوء في التعامل.

ويعد توجه المستهلكين نحو ثقافة مقاطعة السلع إحدى الوسائل المهمة لإعادة الأسعار لوضعها الطبيعي، وتعد رسالة إلى التجار بعدم مناسبة السلع لقدرات المستهلك الشرائية، وعلى المستوى الاجتماعي تعد ثقافة مقاطعة السلع أمر إيجابي معبر عن موقف اجتماعي تجاه مؤثرات اقتصادية تشهدها السلع من غلاء وتدني مستوى جودة السلع وما قد يلحق بها من عيوب لا يرضاها المستهلك، كما أن ظهور حملات المقاطعة على السطح الاجتماعي يدفع لتنشيط سوق العرض والطلب ومن شأنه المنافسة بين الشركات في طرح منتجات ذات جودة عالية وأسعار تنافسية وفق القدرات الشرائية للمستهلكين.

ومتى كانت المقاطعة مدروسة ومنظمة وتم تطبيقها بأكبر عدد ممكن من مؤيدي المقاطعة قولا وفعلا  فسوف تؤتي ثمارها المرجوة، وبالتالي تحقق أهدافها.

وبرغم الحديث عن دعوات لمقاطعة بعض السلع والمنتجات هنا وهناك إلا أن ثقافة المقاطعة تكاد تكون غائبة بشكل كبير عن مجتمعنا المحلي، ولعل ذلك يعود إلى أسباب عدة لعل من بينها عدم وجود تنظيم يجمع قطاعات المستهلكين حول إرادة واحدة تحمى مصالحهم، بينما في المقابل هناك تنظيمات تحمى مصالح التجار وتتيح لهم فرصة الاتفاق على رفع الأسعار وممارسة الاحتكار، وكذلك عدم وجود أدوار مهمة للمجتمع المدني في هذا الشأن، وأقصد به تنظيمات مجتمعية  خاصة بحماية المستهلك يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في ذلك، لذا فإن كثيراً من الدعوات للمقاطعة يكون محكوماً عليها بالفشل في غالبها من أول وهلة.

وكي يكون سلاح المقاطعة ناجحاً وفعالاً فلابد له من عوامل مهمه كقوة الحجة واقتناع الناس بما يكفي لمقاطعة هذا المنتج أو ذاك، والتهيئة والتنظيم للمقاطعة إعلانيا، وجدية المستهلكين وصبرهم بمقاطعة المنتج حتى لو لم تتوفر لديه البدائل المناسبة في بعض السلع الغير ضرورية جداً، ووجود جمعيات تعاونية تتوفر فيها السلع لكافة الشرائح لمواجهة غلاء الأسعار، والتوجه إلى شراء البدائل من المنتجات أو الاستغناء عن السلعة إذا كانت الحاجة لها غير ملحة، وانشاء المجموعات التوعوية من خلال (قروبات الكترونية) في وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك تطبيقات الهواتف الذكية يتضمن أسعار السلع التي طالتها الزيادة ويفيد أيضا بالمنتجات ذات الجودة الأقل، ويساهم في نشر الثقافة الاستهلاكية ليميز المستهلك بين الجيد والرديء.

عزيزي المواطن. التاجر لا يحترم المستهلك السلبي والذي يتبعه دون تفكير، التاجر يحترم فقط من يقول له: بضاعتك لك لا نريدها. لن يضيرنا شيئاً لو توقفنا عن شراء منتج معين اعتدنا عليه، ولن تقوم القيامة لو استبدلنا هذا المنتج بمنتج آخر يؤدي نفس الغرض، ولن ينتهي الكون لو راجعنا سياستنا الشرائية الخاصة بمستلزماتنا المختلفة، ولا تقل أين البديل، فلو التفت حولك فستجد عشرات البدائل، فالعجوز البريطانية ليست أكثر وعياً منا أحفاد الفاروق، والشعب الأرجنتيني ليس أكثر ثقافة من أبناء علي، وغاندي ليس شخصاً خارقاً. المسألة تتعلق بالمبدأ يتبعه العزم والتصميم، وهناك من التجار من يعتقد بسلبيتنا وسذاجتنا وعدم قدرتنا على اتخاذ مواقف مضادة. أفلم يحن الوقت كي نقول لهم كفى؟


الاثنين، 11 فبراير 2013

نجاة الصغيره - نسي يا خساره نسي

فشريكك يا ولدي.. مفقود


"فشريكك يا ولدي...مفقود"

بعد أن أفاق الرأي العام من الصدمة الكبيرة التي تلقاها بعد أن أعلنت هيئة حماية المستهلك عن ضبط كميات كبيرة جدا تجاوزت في أعدادها المليون وثمانمائة ألف سلعة منتهية الصلاحية ويتم إعادة تغيير تواريخ انتهائها وكتابة تواريخ صلاحية جديدة تمتد لسنوات عدة وجميعها من علب وأكياس الحلوى والمنتجات المخصصة للأطفال، كان السؤال الذي يدور (وما يزال) في أوساط المجتمع المحلي : أين الشريك العماني للمستثمرين الوافدين المتهمين في هذه القضية، أو بالمصري " هو ابن مين في البلد دي"، ولماذا لم يتم تقديمه للرأي العام بحجة أنه شريك في المؤسسة المتهمة، كما تنص قوانين تنظيم الاستثمار في السلطنة من حيث ضرورة وجود شريك عماني لأي مستثمر  أجنبي يود الاستثمار في السلطنة.

وعندما تم ضبط مؤسسة تتلاعب في تواريخ صلاحية وجودة وسعر 31 الف كيس من الارز بولاية صحم، تكرر نفس السؤال : أين الشريك.
وعندما قامت مجموعة من العمالة الوافدة المخالفين لقانون العمل بصناعة الخبز العماني ( خبز الرقاق) منزلياً وبصورة غير شرعية، تكرر السؤال ذاته ولكن بصورة أخرى هذه المرة: أين الكفيل.
وعندما نسمع يومياً عن مئات (البلاوي) التي تقوم بها هذه العمالة الوافدة بمستثمريها وبسطاءها، والتي تستهدف أمن البلد الغذائي، وعاداته، ومعتقداته، وبيئته، وسلامة أبناءه، يتردد صدى نفس السؤال المؤلم : أين الكفيــــــــــــــــــــل...أين الشريـــــــــك.

وهي أسئلة يبدو أننا سنظل نطرحها كثيراً في ظل عدم وجود تشريعات صارمة تتناسب وفداحة ما يحدث من تجاوزات (صارخة) تنم عن لا مبالاة واستهتار واستغفال وضحك على الذقون واعتبارنا مجموعة من السذج الذين ينطلي عليهم أي شيء، وفي ظل قوانين عتيقة بحاجة إلى جهود برلمانية وتشريعية صادقة ومخلصة تتتبعها بمراجعة موادها، وإعادة النظر فيها، وتعديلها، أو استحداث قوانين جديدة تتناسب وطبيعة المرحلة، وتكون أكثر قدرة على جعل المجتمع أكثر أماناً وسلامة وصحة ونظافة وتكافؤ فرص بين أبناءه ، وفي ظل جشع البعض وركضهم الملهوف وراء ريالات قليلة لا بأس من قبضها مادامت العملية سهلة ولا تتطلب أي مجهود يبذل، وفي ظل انتظام وصول التحويلات المطلوبة إلى الحسابات الشخصية للبعض في بنوك العالم المختلفة من قبل (اللوبي) الذي يدير المؤسسة الضخمة لهذا أو ذلك من (الحيتان)، وفي ظل اشكالية كبيرة في تفسير مفهوم المواطنة لدى البعض، وضعف الوعي والادراك لمفهوم خطير وكبير يدعى (الوطن).

لا يهم أن تحترق (روما) بما فيها، فالمصلحة الشخصية أهم، وهذا الشريك أو المكفول سيظل الأقرب إلى القلب ما دامت الجيوب عامرة، حتى ولو كان ذلك على حساب مصلحة وطن بمؤسساته وأبناءه و.. فلذة أكباده.

ليست حجة مقبولة أن لا يتم معاقبة الشريك أو الكفيل بحجة عدم علمه بما قام بها شريكه أو مكفوله، وليست مشكلة الوطن أو مشكلة أبناءه البسطاء أن هؤلاء الشركاء قد تركوا (الحبل على الغارب) لشركائهم ومكفوليهم في أن يمارسوا ما يحلو لهم، وأن يتخذوا منا حقل تجارب في ظل (شبق) مادي باعتبارنا لا نبالي بما في جيوبنا، أو لا نهتم بما نصرفه، أو كما لقنوهم في بيئاتهم الأصلية قبل أن يأتوا إلينا نحفاء ضامري البطون سرعان ما تتحول وجناتهم المقعرة إلى كرات تضاهي (الجابولاني) التي استخدمت في نهائيات كأس العالم الأخيرة من معلومات تتركز حول آبار النفط التي توجد في كل بيت من بيوتنا، وكمية النقود التي نستخدمها أحيانا كوقود للطبخ من كثرتها. وعلينا أن ندرك أنه لا كبير أو صغير ، فالمعيار هو الصواب والخطأ، وما دمنا نطالب بإثابة المصيب والمخلص والمنجز، فإننا في الوقت ذاته نطلب عقاب المخطئ وتحمله للمسئولية مهما كانت، ومهما كان وضعه ومكانته الشخصية، خاصة إذا كانت الجريمة بحجم الوطن وأبناءه.

ترى هل سيقتنع (هواميرنا) الكبار أن شباب وطنهم لديهم من القدرة والكفاءة ما يجعلهم يستطيعون الاعتماد عليهم في إدارة مؤسساتهم بدلاً من (لوبي) الوافدين الذي يقنعونهم طوال الوقت بأن لا يشغلوا أنفسهم بأي شيء في ظل وجودهم ( وإخوانهم وأقاربهم وسابع جار)، وهل ستعي تلك المرأة التي أبدت قدراً كبيراً من الذهول والاندهاش والاستغراب بعد أن وصلها خبر ضبط العامل الأسيوي الذي تكفله بسبب متاجرته في زيوت المحركات المغشوشة، أن نفس الوطن أكبر من حفنة ريالات تقبضها نهاية كل شهر، وهل سيشعر خلفان أو سيف أو حمد أو أي مواطن آخر وجد في تجارة (الفيز)، أو في تسريح العمالة الوافدة مقابل مبالغ معلومة، أن ما يقوم به يتنافى مع مفهوم المواطنة الصالحة الذي أشك أن يكون قد سمع به، وهل ستعي كل تلك النماذج السابقة أن الوطن ليس مزرعة نجرب فيها محاصيل رديئة، أو معمل مدرسي صغير نمارس فيه تجارب علمية ندرك مسبقاً أن مصيرها هو الفشل مع بضعة فرقعات هنا وهناك قد تصل إلى حد إحراق المكان.

إن المجتمع هو عبارة عن منظومة متكاملة الأركان، يمكن تشبيهها بالدولاب الخشبي المستخدم في بعض العربات، لا يمكن أن تسير بانتظام طالما كان هناك خلل في أحد اركانها، لذا فإن التأكد من سلامة المكونات، و(التشييك) على أجزائها المختلفة هو مطلب ضروري وملح متى ما رغبنا في انتظام المسيرة بسلامة ويسر، وهذا لن يأتي سوى باستحضار قيمة الوطن، وباستشعار أهميته، وبتكافل أبناءه، وبحرصهم على تذليل كل ما يواجهه من عوائق ومطبات.

ختاماً.. علينا أن لا نركز عند تعاملنا مع القضايا المجتمعية المهمة على التعامل مع النتائج فقط دون البحث عن المسببات، وألا تشبه ردة فعلنا الضجيج الذي سرعان ما يخفت صوته، ثم ننسى كل شيء في زحمة الأشياء وتراكمها، وقتها سنردد متأخرين كلمات أغنية نجاة "يا خسارة نسي".

د.محمد 

الاثنين، 4 فبراير 2013

"ارفعوا أيديكم عن الوطن"


"ارفعوا أيديكم عن الوطن"


لم تكن قضية ضبط الحلويات منتهية الصلاحية والتي تجاوزت في أعدادها المليون وثمانمائة الف سلعة يتم إعادة تغيير تواريخ انتهائها وكتابة تواريخ صلاحية جديدة ، سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة سابقة من الضبطيات التي لا تقل خطورة وأهمية عنها، ولكنها لم تكن تجد الاهتمام الإعلامي والمجتمعي والنخبوي والبرلماني الكافي وكأن الأمر لا يحتمل التفاتة متسائلة حول ماهية ما يحدث وأبعاد ما سيكون، وكأن الأمر كذلك لا يتعدى في نظر البعض بضعة أسطر تحاول من خلالها هيئة حماية المستهلك تلميع صورة سوداء تم رسمها لها قبيل أن تظهر للنور.

قبل هذه الضبطية كانت هناك أخبار من قبيل " ضبط 19 ألف علبة ألبان مخالفة في مصنع لمنتجات الألبان تعمد ختم علب الألبان المعدة للتسويق بتواريخ إنتاج لاحقة لتواريخ الانتاج الفعلية"، و"ضبط أكثر من 8 الاف كيلو جرام من الاسماك غير الصالحة للاستهلاك، و"ضبط عامل في أحد محلات بيع الملابس النسائية بحوزته أكثر من 70 زجاجه مشروبات كحولية يقوم بالترويج لها"، و"ضبط مطعم يقوم بطهي سلع منتهية الصلاحية ويقدمها للمستهلكين دون علم المستهلك بذلك"، و"اكتشاف كميات كبيرة من الاسفنج والملابس المستعملة يتم استخدامها لحشو الأثاث وبيعه على أنه جديد"، و" قيام أحد بائعي الفواكه من العمالة الآسيوية ببيع مجموعه من صناديق المانجو الغير مغطاة على ناصية أحد الشوارع، نصفها محشوة بالأكياس"، و"ضبط أحد العمالة الوافدة التي تعمل في إحدى محطات الوقود الزيت ذات الجودة العالية من العبوات المخصصة له بزيت أقل جوده ومن ثم بيعه للمستهلك"، وعشرات الضبطيات التي لا يتسع المجال لعرضها هنا.
القاسم المشترك في هذه الضبطيات هو ملامستها المباشرة لصحة وسلامة الإنسان المقيم على أرض هذا الوطن، وكذلك دور العمالة الوافدة في معظم هذه الضبطيات وغيرها، الأمر الذي يطرح تساؤلات عدة حول التشريعات والقوانين الحالية ومدى قدرتها على التصدي لمثل هذه القضايا، وكذلك دور بعض الجهات الحكومية والتشريعية والخاصة تجاه هذه القضايا التي تمس المجتمع وسلامته، ولبعض هؤلاء أوجه عدداً من الرسائل.

أصحاب السعادة المحترمين أعضاء البرلمان الذين فوضكم الشعب ممثلاً عنه كي تبحثون له عن حياة أفضل ومستقبل أكثر إشراقاً من خلال قيامكم بدور الرقابة، وممارستكم لسلطة التشريع، واستجواب المقصرين، بعد وعود براقة، وبرامج انتخابية لا يأتيها الباطل عن يمينها أو شمالها، أين أنتم مما يحدث؟ هل عجزت عبقريتكم التي تمكنت من (لحس) عقول الناخبين وابتزاز أصواتهم، عن استيعاب الموقف بعد؟ أيعقل أن تكونوا غير قادرين حتى الآن على تمرير قانون مازال حبيس الأدراج منذ سنة وأربعة أشهر، أو حتى سن تشريعات جديدة تكون قادرة على تأمين مستوى أفضل من العيش الكريم والصحة والسلامة للمواطن.

يا غرفة تجارة وصناعة عمان. الوطن أهم من التاجر، وحماية المستهلك شريك قبل أن تكون خصماً لدوداً، أعتقد أن الرسالة واضحة والمغزى لا يحتاج لتبيان.

معشر التجار من الهوامير والصغار.. وطنكم أعطاكم الشيء الكثير، فلا تبخلوا عليه بالقليل، نحن واياكم في مركب واحد، ونحن معاً من يستطيع أن يوصله إلى بر الأمان، فلا تكونوا ثقباً في مركب هذا الوطن. خذوا ما تشاءون من تسهيلات ومنح، ولكن.. امنحونا شيئاً من انسانيتكم، فنحن لا نستحق المرض، ولا نستحق كذلك أن تأتون بمن يعبث في نسيج هذا الوطن فكرياً واجتماعياً لمجرد نظرة بعضكم أن حفنة المال التي ستضاف إلى جيوبكم (المتخمة) هي أكثر أهمية من مواطن بسيط ينظر بعين الحسرة لوافد جلبتموه كي يشاركه في رزقه، ولأمراض أصابته من جراء رغبة وافديكم في الضحك علينا كما ضحكوا عليكم من قبل عندما أوهموكم أنهم أكثر إخلاصاً وصدقاً ووفاءً وإنتاجية من أبناء جلدتكم، فكانت الضبطية الأخيرة وما سبقها دليلاً على نيتهم ولا مبالاتهم.

أيها الإعلام المحلي بمختلف أطيافه.. ستجد في الضبطيات اليومية المختلفة عشرات القضايا التي تصلح كمواد إعلامية متنوعة يمكن من خلالها أن تقوم بدورك المطلوب في مجال التوعية والتثقيف والإرشاد، فلا تنتظر المشكلة كي تقع، ثم تصنع منها مادة إعلامية تحقق مزيداً من السبق الإعلامي أو زيادة عدد المتابعين، فالقضية أكثر عمقاً وأهمية من مجرد سبق إعلامي.

خطباء مساجدنا. لقد مللنا خطب عذاب القبر والثعبان الأقرع، نريد موضوعات تلامس واقع مجتمعنا، وتجعلنا نصحو من اغفاءة النوم التي تنتابنا عند سماعنا لخطبكم تلك.

أيها المفكرين والمثقفين والنخبويين الأشاوس الذين تنظرون للوطن على أنه بقعة داكنة السواد لا مكان فيها للإجادة أو الابداع أو البذل والتضحية. ليس بالنقد الأسود وحده تصلح البلد، وإنما بتقديم المقترحات والملاحظات كذلك، وإذا كانت هناك جهات لم تراوح مكانها منذ أمد، فهناك أخرى تجاوزت مراحل عدة في سبيل العمل المخلص والجاد، فلنقف مع كل خطوة ايجابية، ولنبارك كل جهد مشكور، ولنكن شركاء لا خصوم، فبدون أفكاركم لن ينهض البلد، وبدون رأيكم لن يتقدم كثيراً.

أيها الوافد. وطننا الجميل عرف على امتداد تاريخه الحضاري الطويل باستقباله للغريب، واحتضانه لكل من يريد الخير له، وفي كتب التاريخ والأدب التي لا تعرفونها وصف أهلنا بصفات من بينها النخوة والكرم وحسن استقبال الغريب وإغاثة الملهوف. نقدر لكم دوركم في بناء هذا الوطن في بعض مراحله، لذا فوطننا يفتح أبوابه لكم ما دمتم رسل خير وسلام. كونوا إضافة لهذا البلد المضياف لا نقمة عليه، أفيدوا البلد بما تملكونه من خبرات ومهارات قد لا يمتلكها بعض أبناءه، لكن لا تعتقدوا يوماً أن بإمكانكم الضحك علينا أو اعتبارنا قطيعاً من السذج لمجرد أننا شعب ودود عطوف يساعد الغريب ويمد إليه يديه، أو لمجرد أن (بعض) أبناء جلدتنا لا يعرف قيمة هذا الوطن كما نعرفه نحن البقية، أو لمجرد أن قوانيننا ما زالت قاصرة عن مجابهة (تغول) بعضكم. سوف لن تستمروا طويلاً في محاولاتكم، ولن يكون مجتمعنا مرتعاً لتجاربكم، فتماسكنا كشعب، ووعينا لما يحدث من حولنا، واعترافنا بالقصور الحادث، ووجود جهات تعي دورها الحقيقي، كل ذلك من شأنه أن يوجد حلولاً أكثر نجاعة وقدرة على كبح جماح نظرتكم إلى الوطن على أنه بلد  " الفرص الممتنعة السهولة".

أخيراً.. هيئة حماية المستهلك. سوف لن تغردي وحيدة بعد الآن في مجابهة القضايا التي تمس صحة وسلامة أبناء المجتمع، واقتصاده، فالمجتمع قد أدرك الآن مدى الدور (الجبار) الذي تقومين به، وأن الأمر يتجاوز بمراحل مجرد الشو الإعلامي كما كان يصفه بذلك بعض (المتحذلقين)، وما كون القضية الأخيرة حديث المجالس المحلية بتعددها إلا دليلاً واضحاً على مدى المتابعة والاهتمام، ومؤشر امتنان جلي نتمنى أن يبشر مستقبلاً بمزيد من الشراكة الناجحة في سبيل تخليص الوطن من كثير من الآفات التي تهدد أمنه وسلامته الصحية والغذائية والفكرية كذلك.

أختم مقالي بخبر طريف ومحزن في آن واحد، فقد تم ضبط شخص من الجنسية الأسيوية يعمل جزارا في احدى الملاحم حاول ذبح ثور ميت في أحد الاماكن المخصصة للذبح بولاية إبراء.


د. محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com