الخميس، 9 فبراير 2012

مواقف حياتيــة (20)


جريدة عمان - الخميس 9/2/2012
هذه مواقف حياتية نصادفها يومياً.. نعرضها ليس من باب النقد، ولكن من أجل أن تكون الرؤية أكثر جمالاً ووضوحاً.
(1)
"وافق مجلس الوزراء في اجتماعه الأخير على مجموعة من الإجراءات من بينها:إنشاء وحدة مختصة للتسويق الزراعي بوزارة الزراعة والثروة السمكية، كما تمت الموافقة على قيام وزارة الزراعة والثروة السمكية ووزارة التجارة والصناعة وغرفة تجارة وصناعة عمان بدراسة إنشاء مؤسسة معنية بشراء وتسويق التمور العمانية وتخصيص مناسبة سنوية للاحتفاء بمنتجات النخيل، وكذلك استكمال الخطوات المتعلقة بإنشاء المدينة الطبية، وتشكيل لجنة وطنية لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية".
قرارات مهمة، والأهم من كل ذلك هو التفعيل الجيد لها. 
 (2)
"فاعل خير يتبرع بمبلغ (50) مليون ريال عماني لبناء مستشفى تخصصي لطب الأطفال". خبر أعلنه معالي وزير الصحة ، وتفاعلت معه عدد من مواقع الحوار الالكترونية المحلية، في ظل تعاطي إعلامي متواضع مع الخبر.
لابد لخبر كهذا أن يأخذ حقه من التغطية الإعلامية،فبدون الشراكة المجتمعية الفاعلة لن نتمكن من تحقيق كل ما نصبو إليه، وعمان زاخرة بكثير من رجال الأعمال الذين أعطتهم البلد الشيء الكثير، وبالتالي فإن عليهم المساهمة الفاعلة والإيجابية في خدمة هذا الوطن، ليس فقط بدعم فريق كروي معين ، أو رعاية حفل فني ساهر، وإنما بالالتفات إلى مجالات اجتماعية قد تكون أكثر أهمية، لعل من بينها إنشاء مراكز طبية أو تبني رعاية بعض مراكز الأيتام، أو تقديم منح دراسية لبعض الفئات المحتاجة.
أتمنى أن يكثر الله من أمثال فاعل الخير الكريم هذا.
(3)
ما إن أتجاوز حدود (الأشخرة) جنوباً في طريقي إلى مصيرة ، وأمر على التجمعات السكانية المتناثرة على طول الطريق، إلا وأتخيل (شاليهاً) جميلاً على الشاطئ أقضي به بعض الوقت لوحدي أو برفقة عائلتي في أي وقت من أوقات السنة.
نيابة الأشخرة والمناطق المحيطة بها جنوباً وشمالاً يمكن أن تكون رديفاً سياحياً مناسباً وقليل التكلفة لمن لا يستطيع الذهاب إلى خريف صلالة أو السفر خارج السلطنة، أو تحمل كلفة الشقق الفندقية المرتفعة في مسقط، ولم لا فكثير من العوامل التي تدخل في صناعة السياحة متوافرة بها،فالجو معتدل طوال العام، والشواطئ ذهبية صافية، ووجود البنية التحتية من طرق وهاتف محمول وخدمات تجارية متنوعة، إضافة إلى التنوع الثقافي من فلكلور مغنى ، وصناعات تقليدية مختلفة، والترحيب الواضح لسكان تلك المناطق بضيوفهم.
لن تتطور تلك المنطقة سياحياً إلا إذا تم تحويلها إلى مركز إداري مستقل، يتوافر به كافة المرافق من مركز خدمات بلدية، وخدمات أمن، ومركز خدمات سياحية، وأسواق شعبية ، وتخطيط عمراني يتناسب وموقع النيابة، ويمكن للقائمين على مجال السياحة أن يدرسوا تجربة مدينة (الأقصر) أو (شرم الشيخ) في مصر على سبيل المثال، أما في ظل الوضع الحالي، فستظل العشوائية السياحية موجودة، وسيتكرر منظر السياح الذين يتوزعون على مظلات إسمنتية صغيرة  متآكلة الجدران،تضطرك الرياح المحملة بالأتربة إلى أن تستنجد بها، وقد تعود أدراجك في حال لم تلق مظلة خالية.
ترى هل يتحقق هذا الحلم يوماً ما؟



(4)
في كل مرة أذهب فيها إلى مسقط أفاجأ بمقدار التغيير الكبير الحاصل في البنية التحتية والمشروعات المختلفة، فتختلف علي الأماكن والشوارع، وأتوه أحياناً في أماكن قضيت فيها سابقاً سنوات عدة، في الوقت التي تكاد فيه الخارطة  العمرانية لكثير من الولايات الأخرى لا تتغير إلا بشكل بسيط وغير ملحوظ .
مع سعادتي بالتقدم الهائل الذي تشهده (العاصمة) في مختلف المجالات إلا أنني أخشى أن تتحول مسقط بمرور الوقت  إلى (قاهرة )جديدة بكل تناقضاتها من ازدحام مروري، وظهور الطبقية الاجتماعية، ومشاكل أخرى مختلفة.
من المهم أن نستفيد من تجارب الآخرين، وألا نكرر نفس الأخطاء التي ارتكبوها.
 (5)
ماذا لو فكر كل منا في كل شهر أن يتذكر جاراً أو إنساناً محتاجاً  يعرفه، فيجود عليه بمبلغ بسيط، أو يقدم له بعض المساعدات العينية الضرورية.
الأمر لا يكلف سوى الرغبة أولاً، ومبلغ بسيط قد لا يتجاوز (5-10) ريالات، وهو مبلغ قد نصرفه يومياً في أمور ربما تكون أقل أهمية.
(6)
في ظل الانتقادات المتناثرة هنا وهناك  حول أداء بعض المؤسسات الحكومية، يلح علينا سؤال مهم:هل لدى الحكومة مؤشرات لقياس الرأي حول مدى جودة الخدمات المقدمة؟
برأيي أنه يمكن للحكومة أن تعوض النقص المعلوماتي حول رأي أفراد المجتمع  تجاه السياسات التي تتبعها في عدد من  المجالات،وكذلك الخدمات المقدمة في القطاعات المختلفة، بإنشاء مركز لدعم اتخاذ القرار، أو مراكز بحثية تابعة للمؤسسات المختلفة، من شأنها أن تقوم برصد مدى رضا الناس عن أداء  هذه المؤسسات، ومعرفة جوانب النجاح والقصور المتعلق بهذا الأداء، وبالتالي تحسن من أداء الحكومة، و تختصر الكثير من الوقت والجهد والمال ، و توفر البنية التحتية المعلوماتية الكافية، و تعزز من دور المواطن كشريك أساسي في عملية التنمية، مما ينعكس إيجاباً على استقرار المجتمع وتماسكه وتقدمه ونموه.
(7)
مما قاله الحسن البصري في الوعظ:
لا تَخضعنَّ لمخلوق على طمع
                                 فإن ذلك نقصٌ منك في الدين
لن يملك العبد أن يُعطِيكَ خَرْدَلة
                               إلا بإذن الذي سَوَّاك من طين
فلا تصاحب غنياً تستعين به
                             وكن عفيفا وعَظِّمْ حُرمة الدين
واسترزق الله مما في خزائنه
                             فإن رزقك بين الكاف والنون
واستغن بالله عن دنيا الملوك
                         ما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com



الثلاثاء، 7 فبراير 2012

الموقف الروسي من الأزمة السورية


جريدة الرؤية - الأربعاء 8/2/2012م

تابع العالم بأسره "الفيتو" الروسي الأخير على مشروع القرار العربي الغربي لإقرار خطة الجامعة العربية، الداعية إلى تنحّي الرئيس السوري بشار الأسد، وتسليم سلطاته إلى نائبه، على خلفية أعمال العنف المستمرة في سوريا، والتي أودت بآلاف  القتلى، وهو ليس "الفيتو" الأول الذي يتم استخدامه من قبل روسيا في هذه الأزمة، الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول الموقف الروسي تجاه ما يدور في سوريا، والانحياز الدائم على طول الخط إلى جانب النظام السوري على حساب مطالب الشعب  السوري.


وبالعودة إلى العلاقات الروسية – السورية في العصر الحديث، نجد أنها تبدأ منذ عام 1944، أي قبل استقلال سوريا بعامين، وبحلول الخمسينيات تبنت سوريا النظرية الاشتراكية، وأصبحت تدريجياً من أهم شركاء الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط، ثم ازدادت أهمية العلاقة بعد قيام السادات بطرد الخبراء الروس قبل حرب أكتوبر وتصريحه بعد ذلك بأن 99% من خيوط اللعبة في يد أمريكا، حيث دعمت موسكو حليفها السوري في معركتها مع إسرائيل وساعدت في تعزيز نفوذها في لبنان.

وبرغم تراجع المصالح الروسية في الشرق مع وصول جورباتشوف إلى السلطة أواخر الثمانينات واستمرار هذا التراجع مع انهيار الاتحاد السوفيتي إلا أن العلاقة سرعان ما عادت قوية بين الطرفين، فسوريا بحاجة إلى الدعم الروسي في مواجهة العزلة الدولية والعداء مع إسرائيل، وروسيا تهمها محورية مكانة سوريا في المنطقة، وهو الأمر الذي عبر عنه الساسة الروس ﻋﻠﻰ أن اﻟﺘﻌﺎون ﻣﻊ ﺳﻮرﻳﺔ ﻳﻮﻟﺪ "ﻣﻜﺎﺳﺐ اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ وﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻣﻠﻤﻮﺳﺔ"،بحسب ما ذكره الباحث الروسي (أﻟﻜﺲ ﺧﻠﺒﻨﻴﻜﻮف) في دراسته "لماذا ﺗﻘﻒ روﺳﻴﺎ إﱃ ﺟﺎﻧﺐ ﺳﻮرﻳا".

وﻣﻨﺬ تولي بشار الأسد السلطة مع مطلع الألفية الثالثة، تعززت العلاقات أكثر فأكثر ، حيث تم عقد عدد من الاتفاقيات المشتركة في مجالات عدة،وتم إسقاط حوالي  73٪ ﻣﻦ الديون السورية المقدرة ب(13)مليار دولار، وتبع ذلك زيارات متبادلة على مستوى رؤساء الدولتين.

وعند محاولتنا تحليل الموقف الروسي من الأزمة في سوريا، نجد أن هناك عدداً من الأسباب الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تمكن وراء هذا الموقف، فهناك علاقات اقتصادية مهمة بين البلدين، حيث أن حوالي 90% من السلاح السوري هو روسي الصنع، ويشكل 9% من إجمالي الصادرات الروسية، كما أن هناك صفقات عديدة تم عقدها بين الطرفين لتزويد سوريا بأسلحة حديثة تتضمن طائرات قتال ، وصواريخ مضادة للدبابات، وغيرها من الأسلحة، و تم توقيع العديد من العقود التجارية في مجال النفط والغاز، لعل من بينها مصنع للمشتقات النفطية قرب تدمر، وتشييد الجزء السوري من خط أنابيب الغاز العربي، كما أن هناك عدة شركات روسية تعمل في مجال الاستثمارات المعدنية المختلفة بسوريا، بالإضافة إلى وجود قاعدة بحرية روسية في مدينة (طرطوس) الساحلية التي تطل على البحر الأبيض المتوسط، تكمن أهميتها في أنها تمنح القوات الروسية الوصول السريع إلى البحر الحمر والمحيط الأطلسي.

كما أن ما حدث في ليبيا ليس ببعيد عن أذهان الساسة الروس ، فهم يشعرون بأنهم تعرضوا للخداع في ليبيا، حيث "ذهب حلف الناتو في ليبيا إلى أبعد مما جرى الاتفاق عليه، الأمر الذي أثار مخاوفهم عن ترسيخ نموذج العالم الأحادي القطب تحت أمرة الولايات المتحدة"، بحسب رأي ( الكسندرا غينيستي ) من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، كما إن روسيا خسرت كل شيء، وحتى دعمها للنظام كان متأخراً ومنفرداً، وكان يهدف فقط إلى دفع الغرب إلى مراعاة روسيا في حساباته السياسية والاقتصادية. ثم بقي الموقف الروسي في ذاكرة الثورة الليبية مناوئاً له.

ولا يمكن تغييب الانتخابات الرئاسية الروسية المقبلة عن الموقف الروسي من الحدث السوري، حيث يسعى (فلاديمير بوتين) إلى كسب التأييد الشعبي من خلال إظهاره للرأي العام انه يعمل لإبقاء روسيا طرفاً مهماً في العملية السياسية الدولية، وانه لا يمكن تجاهل الدور الروسي في  القضايا الدولية المختلفة.


وبحسب صحيفة "روسيسكايا غازيتا" الروسية،فإن روسيا تعتقد أن الرهان على المعارضة السورية والتخلي عن الأسد أصبح متأخراً، حيث أن المعارضة لن تسامح روسيا لاستخدامها حق الفيتو في أوقات سابقة، ففي حال تصرفت روسيا كما في ليبيا، فإنها ستفقد تأثيرها في المنطقة، إذ من الواجب أن تدافع عن استثماراتها، كأية قوة في العالم تثق بنفسها، وخصوصاً، عندما يتعلق الأمر باستثمارات ضخمة، تزيد عن أربعة مليارات دولار في القطاع العسكري وعشرين مليار في قطاعي النفط والغاز.

وترى صحيفة "الجمهورية" اللبنانية في تحليلها للموقف الروسي " أن التأييد الأوروبي والأميركي للتظاهرات وحركات الاحتجاج التي شهدتها موسكو اثر الانتخابات الأخيرة، دفع القيادة الروسية إلى التشدد في الموقف إلى جانب دمشق، في مواجهة ما يجري من تدخلات في الشأن السوري ومن دعم أوروبي وإقليمي وأميركي لمعارضي النظام، إلى حد أن موسكو تتهم الأميركيين والأوروبيين بتحريك التظاهرات في موسكو بقصد إضعاف الاتحاد الروسي ودوره على الساحة الدولية ".

كما لا يمكن تجاهل التخوف الروسي من إصابة الجمهوريات الإسلامية في داغستان ومناطق القوقاز الشمالية بعدوى الربيع العربي، وبالتالي المطالبة بالانفصال كما هو الحال في أزمة الشيشان، لذا فإن حرص القيادة الروسية على الإبقاء على النظام السوري الحالي هو من باب منع وصول هذه الثورات شمالاً إلى الحدود الروسية.

وبصفته يرى المحلل السياسي(علي حماده) في عموده الأسبوعي بجريدة"النهار" أن  المسألة بالنسبة إلى القيادة الروسية لا يمكن تلخيصها بصفقات تجارية، أو تسليحية من هنا أو هناك، بل بالحوار الاستراتيجي الكبير بين موسكو وواشنطن: بعضه متعلق بالمدى الحيوي الاستراتيجي لروسيا الاتحادية في أوروبا وآسيا الوسطى، وبعضه الآخر بالدرع الصاروخية التي تنوي الولايات المتحدة نشرها في أوروبا الشرقية سابقا، وتركيا تحت بند حماية الغرب من الصواريخ الباليستية الإيرانية، أما العامل السوري البحت فيعتبر الذين اطلعوا أخيرا على الموقف الروسي أنه ليس في صلب المعادلة الكبرى إلا بمقدار ما يتم استخدام ورقة منع سقوط بشار الأسد رافعة في ملفات أخرى، وبهذا المعنى فإن بشار هو رهينة الحوار الاستراتيجي الكبير الحاصل اليوم بين موسكو وواشنطن"

في الختام يبقى التساؤل المهم : ترى هل يصمد الموقف الروسي، أم أن هذا الموقف يمكن احتواؤه في إطار تسوية تحصل منها موسكو على نصيبها من القسمة مستقبلاً؟
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الأربعاء، 1 فبراير 2012

اعتداء جوزيف أبو فاضل على اللاذقاني -الاتجاه المعاكس-

مواقف حياتيــة (19)


جريدة عمان - الخميس 2/2/2012
هذه مواقف حياتية نصادفها يومياً.. نعرضها ليس من باب النقد، ولكن من أجل أن تكون الرؤية أكثر جمالاً ووضوحاً.
(1)
تابعت عن قرب خبر تدشين مركز الاتصالات التابع للهيئة العامة لحماية المستهلك بواحة المعرفة مسقط، والذي يأتي في إطار الجهود التي تقوم بها الهيئة بهدف تلقي كافة البلاغات والشكاوي والمقترحات، ورأيت بعيني عشرات الملصقات التثقيفية التي تم وضعها على واجهة المحلات والأسواق والمجمعات التجارية ،واستمعت إلى برنامج إذاعي أسبوعي يتناول أعمال الهيئة وأبرز جهودها، ويجيب على أسئلة مختلفة تتعلق بحماية المستهلك،  واطلعت في بعض مواقع الحوار الالكترونية على عدد من رسائل الشكر التي تقدم بها البعض للهيئة نتيجة التفاعل الايجابي لموظفي الهيئة تجاه اتصالاتهم وشكاويهم ، وأقرأ في وسائل الإعلام المحلية المختلفة أخباراً متوالية كل يوم عن قضايا كسبتها الهيئة، وعن  انجازات مختلفة في مجال حماية المستهلك ، وكلها تضاف إلى جهود سابقة قامت بها الهيئة في مدة زمنية لا تتجاوز العشرة أشهر.
ما زلت عند رأيي في أن حماية المستهلك هو عمل جماعي ينبغي أن يقوم به أفراد المجتمع ككل،ولن تحقق الهيئة العامة لحماية المستهلك النجاح المنشود الذي نصبو إليه ما لم نقلل من حملات التشكيك اليومية  في جهودها، والاعتقاد بوجود عصا سحرية يمكن لها من خلالها أن تقضي على كافة شكاوينا في غمضة عين،وفي ظل ثقافة استهلاكية(سلبية) مازالت منتشرة في أوساط المجتمع، متخذة أشكالاً مختلفة.
كل فرد فينا يمكن أن يكون عضواً فاعلاً في مجال حماية المستهلك، من خلال وعيه الكافي بدوره في هذا المجال، وتواصله الايجابي مع موظفي الهيئة، وعدم سكوته على أية سلوك مغالط يراه أمامه، والأهم من ذلك مراجعة ثقافته الاستهلاكية وأوليات معيشته اليومية.
(2)
في إحدى وسائل الإعلام العربية قرأت هذا الخبر :"عقد عضو المجلس البرلماني ... اجتماعاً تمهيديا مع عدد كبير من أهالي دائرته ، كخطة أولى في تنفيذ المبادرة التي أطلقها للتواصل معهم، حيث تمت مناقشة بعض مشكلات الدائرة والحلول المقترحة من جانبهم ، كما تم الاتفاق على وسائل الاتصال بين المتطوعين، على أن تعقد لقاءات متتالية بينهم، بهدف علاج المشكلات والسلبيات، والتخطيط سوياً لمشروعات تنموية تساهم في تحسين مستوى الحياة لهم بصفة عامة. و قد دعا .... إلى تشكيل لجان استشارية من أبناء دائرته المتخصصين  لمساعدته في مجالات العمل المختلفة"
نسخة من الخبر إلى (بعض) أعضاء مجلس الشورى الذين انقطعت أخبارهم عن أبناء ولاياتهم بمجرد فوزهم في الانتخابات.
 (3)
3 شهور مضت منذ صدور المرسوم السلطاني السامي بإنشاء اللجنة الوطنية للشباب، ومازالت اللجنة حتى الآن لم تر النور، ولم يتم اختيار الأعضاء الذين سيتولون تنفيذ المهام المنوطة بها، وبالتالي تحقيق الأهداف المرجوة منها.
برغم أهمية وجود هذه اللجنة، إلا أن هناك تساؤلات مشروعة حول دورها المستقبلي، فمثلاً هل ستكون هناك آلية واضحة لاختيار الأعضاء المناسبين والمؤهلين فعلاً لتنفيذ البرامج والفعاليات المتعلقة بعملها؟ وهل عدم تفرغ هؤلاء الأعضاء سيكون له تأثير على عمل اللجنة في ظل غياب (واضح) لأدوار كثير من المؤسسات التي يقع على عاتقها مسئولية الاهتمام بالشباب؟ وهل ستتمكن اللجنة من القيام بدورها في ظل ضعف البنية التحتية المتمثلة في المراكز الشبابية والمكتبات العامة والأندية العلمية وبيوت الثقافة، أم أن هذا الدور سيركز على الجانب النظري والتثقيفي أكثر من الجوانب العملية التطبيقية؟
(4)
تقوم بعض الوحدات الحكومية في نهاية كل عام ميلادي بتوزيع مبالغ مالية متفاوتة القيمة لعدد من موظفيها على اعتبار أنها مكافآت مالية بسبب وجود فائض في الميزانية المخصصة لهذه الوحدة.
أعلم أن الفائض قد يأت نتيجة لتدبير مالي معين تجاه مشروع معين تم الانتهاء منه، وتم على اثر هذا التدبير توفير بعض المبالغ، أما أن يتوافر هذا الفائض في ظل وجود استمرارية لعمل هذه الجهة، وعدم ارتباطها بفترة معينة من العمل، وفي ظل وجود عشرات المشاريع المستمرة، وفي ظل شكاوى متكررة من عدم وجود بنود مالية لجوانب وظيفية مهمة،  فإن هذا قد يكون سببه  خلل في توزيع بنود الصرف ، أو عدم تحديد دقيق للأولويات المطلوبة في خطة العمل، ويفترض أن يتم إرجاعه  إلى ميزانية الدولة ،  أو استغلاله في مشاريع ذات أولوية مهمة.
أما بالنسبة لمكافآت العاملين بهذه الوحدات فينبغي أن تكون بصورة أكثر ديناميكية ووضوح، بحيث لا تثير الحنق أو البلبلة أو التذمر بين نفوسهم، كأن يتم إضافة نقاط معينة في ملف كل موظف نتيجة كل عمل (مجيد)، أو انجاز وظيفي أو دراسي يقوم به، ويتم تحديد بنود ومعايير معينة يتم على أساسها قيمة المكافأة السنوية، كمتوسط الأداء الوظيفي، والمؤهل الدراسي، والمسمى الوظيفي، وسنوات الخبرة، ورصيد نقاط الإجادة،على أن يكون بند المكافأة السنوية بنداً ثابتاً لا علاقة له بالفائض السنوي أو بمزاج المسئول، وبالتالي يسعى الموظف إلى تعزيز قدراته وإنتاجيته ومقدرته على التنافسية، دون الدخول في إشكاليات هامشية، وشعور بالظلم أو التهميش تجاه توزيعات عشوائية قد لا يحسب المسئول عواقبها المستقبلية.   
بصراحة.. حتى هذه اللحظة لم أتمكن من فك شفرة لغز المكافآت المالية، والفائض السنوي، فهل لدى أحدكم التبرير الشافي؟
(5)
أقترح أن يتم تأجير الطريق المتجه من (سيح العلا) بولاية جعلان بني بو علي، حتى مدخل نيابة الأشخرة إلى إحدى الشركات العالمية المتخصصة في مسابقات الإثارة المختلفة، مع تأكدي بأنها ستكون صفقة رابحة للشركة التي ستفوز بالمناقصة،فكل الظروف مهيأة لذلك، من مصابيح إنارة لا تعمل ليلاً، ومن تقاطعات مريعة، و مجاري أودية مختلفة، و تراكم للكثبان الرملية على امتداد الطريق، وحيوانات سائبة تعبر الطريق ليلاً ونهاراً.
عدد الحوادث التي شهدها هذا الطريق خلال السنوات السابقة،  دليل على أمر واحد مهم، ألا وهو اللامبالاة العجيبة بقيمة الإنسان المستخدم لذلك الطريق.
(6)
مما قاله الولي الصالح عبد الله ابن المبارك :
كُلُّ  الْعَدَاوَةِ  قَدْ  تُرْجَى   إِمَاتَتُهَا       
                                         إِلاَّ عَدَاوَةَ مَنْ عَادَاكَ  مِنْ  حَسَدِ
فَإِنَّ فِي الْقَلْبِ مِنْهَا عُقْدَةً عُقِدَتْ       
                                            وَلَيْسَ  يَفْتَحُهَا  رَاقٍ   إِلى   الأَبَدِ
إِلاَّ  الإلَهُ  فَإِنْ  يَرْحَمْ   تُحَلَّ   بِهِ       
                                              وَإِنْ  أَبَاهُ  فَلا  تَرْجُوهُ  مِنْ   أَحَدِ
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com




الاثنين، 30 يناير 2012

عذراً..عبد الله خميس


جريدة الرؤية - الثلاثاء 31/1/2012م
عذراً صديقي عبد الله خميس.أعلم أنك تنتظر مني مقالاً يتناول قضية فكرية أو  اجتماعية أو اقتصادية محلية، أو تحليلاً لوضع سياسي راهن، ولكني سأخذلك هذه المرة،ولن أحقق لك ما تريد، برغم أني كنت قد شرعت بالفعل في الكتابة حول إحدى تلك القضايا، فالخبر الذي سمعته بالأمس أصابني  بحالة من الانفصام الفكري ،وحرمني  من الحصول على نوم هنيء، وجعل الكوابيس تعوي في داخلي طوال ساعات الليل الذي حسبته من فرط سواده أنه لن ينتهي.

الخبر يقول : قام عدد من (شبيحة) النظام بإحراق منزل  الطبيب السوري  (معد طايع ) المعتقل منذ شهور، واستشهد أطفاله الأربعة عز الدين (10) سنوات، وتقي (8) سنوات، وعيسى (4) سنوات، وحمزة البالغ من العمر ثمانية أشهر.

تسألني من هو معد طايع هذا؟ لا أعرفه يا صديقي، ولم أسمع عنه من قبل، ولا يهمني انتماؤه الفكري أو الديني أو السياسي، كل ما أعلمه أنه إنسان، من حقه أن يعبر عما يراه ، ومن حق الآخرين أن يوفروا له ما يمنحه حرية التعبير  دون أن يروا فيها انتقاصاً لحقوقهم، أو تقليلاً من مكانتهم.

تر ى أين هو الآن؟ في أي جحر تحت الأرض قد أخفوه؟ هل انتهوا من قلع كامل أظافره ؟ وهل تبقت شيئاً من أسنانه؟وهل أطفئوا أعقاب السجائر في عينيه؟  ولماذا تم اعتقاله وهو الذي لم يكن يوماً ما من المتاجرين في المخدرات، أو المتلاعبين في أسعار البورصة، أو الناهبين  لأراضي الدولة. كل جريرته فقط أنه  كان يجاهد كي يبحث لأطفاله عن وطن حر يعيشون فيه بحرية وكرامه. هل هذا يستوجب كل ما حدث له؟

هل تعتقد يا عزيزي  أنه تلقى خبر استشهاد أبناءه  أم لا؟ وماذا سيكون رد فعلك لو كنت مكانه وعلمت بما حدث؟ هل ستصرخ في وجه جلاديك متهماً إياهم بالقسوة والوحشية؟ أم ستحتسبهم عند الله وستعتبر ما حدث ضريبة دفعها قبلك كثير من الباحثين عن الحرية والكرامة والإنسانية؟

بل ماذا ستفعل لو حاصرتك ذكرياتك معهم. لو تذكرت ابتسامة (حمزة )البريئة وهو يلهو بجوارك أو يوقظك من نومك في براءة كي تلعب معه؟ وكيف ستقاوم صدى عبارة (عيسى) وهي ترن في أذنيك " بابا حبيبي"، وكيف ستتلاشى من أمامك دهشة (تقي) وأنت تشرح له معنى كلمة وطن، وكيف ستغيب أحلام (عز الدين) عن خاطرك وهو الذي كان يتمنى أن يصبح طبيباً مثل والده يخفف آلام المرضى، ويعالج أجسادهم المنهكة.

عزيزي عبد الله..ألم ترق قلوب أولئك المتوحشين وهم يسمعون صرخات الأطفال الأربعة وهي تتلاشى وسط النيران؟أم أنهم فعلوها خلسة ثم هربوا؟وهل استمتعوا بطعم الشاي أو (الزهورات) وهم يراجعون تفاصيل ما قاموا به من عمل بطولي يصب في مصلحة الوطن والحفاظ عليه من الخونة والإرهابيين؟ وهل ناموا ملء أجفانهم في تلك الليلة؟ ترى هل هم الضحية أم الجلاد؟

كعادتهم بعد كل جريمة، سيبحثون عن مبرر لما حدث، وقد يقولون إن  سبب الحريق هو ماس كهربائي حدث نتيجة خلل فني داخل جهاز التدفئة، ولكن لا تصدقهم يا صديقي، فقد مللنا مثل هذه المبررات التي تساق في مواقف كهذه.
أجبني يا عبد الله : لماذا تصل القسوة بالبعض إلى حد (إزهاق النفس التي حرم الله إلا بالحق)؟ أكل هذا من أجل كرسي دوار قد يذهب لغيرك الآن أو لاحقاً؟ملعون هذا الكرسي الذي يجعل البعض مستعداً لإزهاق أرواح ينبغي أن يكون مسئولاً عن الحفاظ عليها، وزائف هو الفكر المأجور الذي سيبرر له كل ما يفعله

لماذا يا صديقي يفعلون ذلك؟ لماذا يعذب الإنسان أخاه الإنسان؟  هل يفعل ذلك عن غل أ عدوانية أو رغبة في الإيذاء؟ أم أنه يفعل ذلك لأنه يراه أمراً طبيعياً فطر عليه ؟هل هؤلاء الناس بالفعل بشر عاديون مثلنا لكنهم بفعل الممارسة  وإطاعة الأوامر تم نزع الضمير منهم شيئاً فشيئاً حتى أصبحوا وحوشاً ضارية؟ وهل تجدي مناشدة هؤلاء الوحوش أم أنها تسعدهم أكثر باعتبارهم مرضى نفسيين؟

هل قرأت يا صديقي وأنت المهتم بقضايا المسرح عن مسرحية بعنوان "دماء على ملابس السهرة" للكاتب المكسيكي (انطونيو باييخو)، والتي تدور حول العذاب النفسي الذي يقاسيه أحد الجلادين المتقاعدين، وكيف استحالت حياته جحيماً بفعل استيقاظ كل الصور البشعة داخل نفسه واقتحامها صحوه ومنامه..صور الدماء والعظام المهشمة والجلود المسلوخة وارتجاف الضحايا وصرخاتهم.

ترى هل ستتشوه نفوسهم يوماً ما؟ وهل سينجون مما فعلوه؟وهل ستلتقط نفوسهم ما اقترفوه وتسجله عليهم وستطالبهم بتسديد الحساب مهما طال الزمن،  كما يعتقد الأديب المبدع (محمد المخزنجي ) في مقالته "أمة تمشي على أربع"؟

 وهل التقطت أذنك أبياتاً قالها المبدع صلاح جاهين يوماً ما:
"كل يوم أسمع فلان عذبوه..
أسرح في لبنان والجزاير وأتوه..
ماعجبش م اللي يطيق بجسمه العذاب..
وأعجب من اللي يطيق يعذب أخوه..
عجبي"

لماذا أصبحت أخبارنا لا تحمل سوى رائحة الدم؟ولماذا أصبح صوت البندقية أعلى دوياً من زقزقة العصافير ، ولماذا نحــينا مصطلحات كالحب والود والسلام والصفاء والتسامح والتعايش السلمي جانباً؟و غدا التلوث، والمجاعة، والتسلح النووي، والفقر، وغلاء المعيشة هي العناوين العريضة لعناويننا اليومية التي نصبح ونمسي عليها.لماذا كل ذلك؟ألم يأمرنا الله بأن نعمر الأرض؟ فلماذا نصر على تحويلها إلى ركام ؟

أنا متعب يا صديقي مما يحدث،وأفكاري تعبت معي كذلك..هل قالها قبلي نزار ؟ كان يتحدث عن قصائده ولكن أليست القصيدة هي في الأساس فكرة؟
عذراً صديقي.. عزائي أنك قد تجد لهلوستي ما يبررها، فأنا في حالة انفصام عن الواقع لا تسمح لي بمجرد التفكير في الكتابة، حتى أجد خبراً مفرحاً يعيد لي شيئاً من توازني، فهل أجد لديك طاقة فرح تبدد ما لدي من حزن؟

أرجوك يا عبد الله ، لا تقل لي إن خبراً  كهذا نسمعه كل يوم،واعتادت عليه عيوننا وآذاننا، فلماذا ترهق نفسك في التفكير فيه. ولا تنصحني بإغلاق التلفاز، والكف عن قراءة الصحف، والاستمتاع بفعاليات المهرجان المتنوعة، أو الذهاب إلى أقرب صالة عرض سينمائية لمشاهدة فيلم (أكشن)  وصل تواً، أو التفرغ للعب (الطاولة) أو (الدومينو) في أقرب مقهى، فأنا لست في النهاية سوى  كتلة مشاعر بشرية، ينبغي أن  تتأثر بما يحدث حولها، تفرح لفرح الآخرين وتحزن لحزنهم. 

سؤال أخير يا صديقي:هل تعتقد أساساً أن (معن طايع) ما زال حياً يرزق؟ شخصياً أشك في ذلك.
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الجمعة، 27 يناير 2012

مواقف حياتيــة (18)

جريدة عمان - الخميس 26/1/2012
هذه مواقف حياتية نصادفها يومياً.. نعرضها ليس من باب النقد، ولكن من أجل أن تكون الرؤية أكثر جمالاً ووضوحاً.
(1)
يعد مشروع "دار الحنان" والكائن خلف المستشفى السلطاني، أحد المشاريع الخيرية للجمعية الأهلية لمكافحة السرطان، ونموذجاً مشرفاً للعمل الاجتماعي التطوعي بالسلطنة.
خدمات عديدة يوفرها هذا المشروع الخيري الهام  للأسر المرافقة للمصابين بالسرطان في المستشفى السلطاني في ظل الحديث عن مركز واحد فقط لعلاج أورام السرطان في السلطنة، ومن بين هذه الخدمات توفير السكن والتغذية المناسبة ، والتأكد من إتباع المرضى لجدول العلاج الكيميائي والإشعاعي للمرضى غير المقيمين، وغيرها من الخدمات المادية والمعنوية التي يصعب حصرها هنا، ويمكن لكم أن تتخيلوا معاناة هؤلاء المرافقين عندما يأتون من أماكن بعيدة، ثم يضطرون إلى الاستئجار مرة، وإلى المبيت في بعض المساجد، أو على مداخل المستشفيات في أحيان كثيرة، ترغمهم ظروف علاج أبنائهم على ذلك.
كثير من المشاريع الخيرية المهمة بانتظار مبادرات تطوعية من لدن كثير من رجال الأعمال الذين أعطتهم هذا البلد الشيء الكثير، وحان الوقت لكي يردوا (شيئاً) من هذه العطاءات.
شكراً جزيلاً للجمعية الأهلية لمكافحة السرطان على هذا المشروع الخيري، وشكراً كذلك للصحفية النشيطة جميلة الجهورية التي أعجبت كثيراً بتغطيتها الرائعة لهذا المشروع.
(2)
أكثر من نصف ساعة قضيتها منتظراً دوري في الطابور الطويل كي أصل إلى (كاونتر) المحاسبة في أحد المجمعات التجارية الكبيرة، عشية ليلة نزول الراتب الشهري.
خلال وقت انتظاري جلست أتأمل العربات المتراصة جنبي، والمحملة بكل ألوان الطيف من مشتريات متنوعة، علني أجد مبرراً لهذا التهافت على الشراء، فهالني أن كثيراً من هذه المشتريات هي ليست بذات أهمية كبيرة، وبالإمكان الاستغناء عنها، كما أن بعضها كان بالإمكان شراءها بنظام المفرد دون الجملة، وتوصلت إلى قناعة مفادها أننا يمكن أن نوفر مبالغ لا بأس بها كل شهر لو قمنا بمراجعة سياستنا الاستهلاكية المتبعة، وتحديد مسبق لما نحتاجه من بنود صرف مختلفة.
(3)
ليلة البارحة صادف "كلاسيكو" العالم بين فريقي ريال مدريد وبرشلونة، وصادف  كذلك ذكرى سقوط مملكة غرناطة آخر معقل للمسلمين في الأندلس في أيدي النصارى القشتاليين عام 1492م.
ترى أي الحدثين كان أقرب إلى ذاكرة شبابنا بالأمس؟؟ وهل سمعوا أصلاً بالأندلس المفقود وغرناطة وقصر الحمراء وبقايا مجد عتيق للمسلمين هناك، وهل بكوا تأثراً بما حدث للمسلمين هناك من (محاكم تفتيش) رهيبة، كبكائهم على هزيمة فريقهم المفضل أمام منافسة، أو كتأثرهم بضياع فرصة خطيرة لنجمهم المحبوب؟ وماذا تعني لهم أسماء كعبد الرحمن الداخل والناصر وزرياب وابن رشد وابن حزم وابن زهر وابن جبير وابن عباد وابن زيدون، في مقابل أسماء كميسي وجوارديولا وتشافي وانيستا وكاسياس  ومورينهو وغيرهم؟
 (4)
برنامج (هذا الصباح )هو أحد البرامج الجماهيرية المباشرة المهمة التي تقدمها إذاعة سلطنة عمان، وهو  يعُنى بما تقوم به المؤسسات الحكومية من خدمات وما تبذله من جهود لخدمة الوطن والمواطن وبالتواصل مع المستمعين وعرض آرائهم ومطالباتهم الخدمية والتنموية وردود المسئولين عليها، كما يتابع البرنامج الفعاليات والأنشطة التنموية والثقافية.
في ظل الحديث عن أهمية هذا البرنامج، ودوره في طرح العديد من القضايا المجتمعية المهمة، أتساءل : لماذا الإصرار على بثه عبر برنامج الشباب، وليس على إذاعة البرنامج العام، في ظل عدم وصول تغطية برنامج الشباب إلى كافة الولايات في السلطنة، وتشويشها في بعض الولايات الأخرى؟
(5)
احتفل المصريون بالأمس بالذكرى السنوية الأولى لثورة (25) يناير، وقبلها بيوم تم افتتاح أول برلمان بعد الثورة ،والذي شهد مشاركة واسعة من قبل أطياف الشعب المصري المختلفة ، وضم كل القوى السياسية بكل ألوان الطيف.
مصر (الحبيبة) تستحق أخيراً أن تنعم بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، فهذا البلد كان (معطاءاً) على مر العصور، وتدفق الخير من أيادي أهلها كتدفق النيل في أراضيها.
لن ينس العرب والمسلمون لمصر تصديها لخطر المغول في عين جالوت، ولا كسوة الكعبة التي كان تجوب المدن والقرى والنجوع المصرية ، يشارك فيها الفقير قبل الغني، و لن ننس البعثات التعليمية التي جابت المدن والقرى العربية تنشر نور العلم، في ظروف اجتماعية واقتصادية كان (ابن البلد) نفسه  لا يستطيع تحملها، ولا آلاف المنح التعليمية التي قدمتها مصر لأبناء العروبة والإسلام للالتحاق بمدارسها وجامعاتها ومعاهدها، تحفهم الرعاية والاهتمام حالهم كحال أبناء البلد أنفسهم دون تفرقة، ولن تنس مجاهل أفريقيا وأدغال آسيا بعثات الأزهر التنويرية، تحاول نشر الإسلام الصحيح، وتغيير بعض المفاهيم الخاطئة التي التصقت بالإسلام نتيجة الفقر والجهل والاستعمار ، ولا يمكن  كذلك تجاهل  كثيراً من المواقف السياسية المهمة التي اتخذتها القيادات المصرية في القضايا السياسية المفصلية التي تهم المنطقة، أو دعمها لحركات التحرر من الاستعمار في دول العالم المختلفة.
لكم أيها (المصريون ) كل الود، فطيبة قلوبكم، وخفة دمكم، وتسامحكم مع ضيوفكم، كلها عوامل تضاف إلى ما سبق كي تعزز من مكانتكم في قلوبنا، فمن منا لم تؤثر مصر فيه؟

(6)
مما قاله الشاعر حافظ إبراهيم في وصف مصر:                                  
وَقَفَ الخَلقُ يَنظُرونَ جَميعاً 
                  
كَيفَ أَبني قَواعِدَ المَجدِ وَحدي
وَبُناةُ الأَهرامِ في سالِفِ الدَهر 
                  
 كَفَوني الكَلامَ عِندَ التَحَدّي
أَنا تاجُ العَلاءِ في مَفرِقِ الشَرق
                  
وَدُرّاتُهُ فَرائِدُ عِقدي
أَيُّ شَيءٍ في الغَربِ قَد بَهَرَ الناسَ
                  
جَمالاً وَلَم يَكُن مِنهُ عِندي
فَتُرابي تِبرٌ وَنَهري فُراتٌ 
                  
وَسَمائي مَصقولَةٌ كَالفِرِندِ




د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com





الأربعاء، 25 يناير 2012

برلمان الثورة ..الواقع والتحديات


جريدة الرؤية - الأربعاء 25/1/2012م

أكتب مقالي هذا قبل ساعات على بدء أعمال أولى جلسات أول برلمان بعد الثورة المصرية، والذي شهد مشاركة واسعة من قبل أطياف الشعب المصري المختلفة، وأسفرت نتائج انتخاباته عن فوز كاسح للقوى الإسلامية المتمثلة في حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، وحزب النور السلفي،إضافة إلى الفائزين من أحزاب "الوسط"، و"الفضيلة"، و"البناء والتنمية"، والتي تمكنت من الاستحواذ على ثلاثة أرباع البرلمان، وهي تيارات كانت إما محظورة أو  مسجونة خلال الفترة السابقة ،  فيما يشكل الليبراليون والقوميون والمستقلون والفلول الربع الباقي.

مما سيميز هذا البرلمان أنه"سيكون أول برلمان في تاريخ مصر يضم ممثلي 19 حزبًا مصريًا، وهو أول مجلس يضم كل القوى السياسية بكل ألوان الطيف، من أقصى اليسار (الشيوعي) إلى أقصى اليمين (السلفي)، وهو أول مجلس في تاريخ مصر يكون رئيسه من الإخوان المسلمين بعد 62 عامًا من الحظر والحل والتجريم والمطاردة والاعتقال" كما يرى ذلك  الخبير السياسي الدكتور أحمد مطر رئيس المركز العربي للبحوث السياسية والاقتصادية.

ولكن هناك تحديات كبيرة سيواجهها هذا البرلمان خلال المرحلة القادمة، لعل من أبرزها  مدى الصلاحيات  التي سيتمتع بها خلال المرحلة القادمة، فبرغم أن المادة (33) في الإعلان الدستوري تعطي البرلمان حقه في التشريع وإقرار السياسة العامة للدولة، وكذلك الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، إلا أن الرؤية غير واضحة حول آلية تنفيذ تلك الصلاحيات وحدودها، مما جعل الباب مفتوحاً للكثير من التأويلات والرؤى المختلفة التي نسمعها كل يوم من قبل فقهاء دستوريين وشيوخ قضاء وغيرهم،كما أن هناك  تصريحات معاكسة تخرج من حين لآخر تشكك في تلك الصلاحيات،  كتصريحات اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس العسكري الذي أكد"إن البرلمان القادم لن يكون له حق اختيار أو إقالة الحكومة أو سحب الثقة منها"، وهذا يتناقض مع تصريحات سابقة له بأن جميع الصلاحيات التشريعية ستنتقل إلى البرلمان تلقائيا فور انتخابه، كذلك فهل يستمر المجلس في عمله بعد الانتهاء من صياغة الدستور، أم سيكون هناك انتخابات جديدة، أو توضع ملاحق تضمن استمرار المجلس؟

كما أن هناك تحديات اقتصادية كبيرة ستواجه البرلمان ، خاصة وأن الكثير من المصريين ينظرون للمجلس الجديد على أنه يمكن أن يلعب دور المخلص من كثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي عانوا منها طوال الحقبة السياسية السابقة كالفقر والبطالة والعشوائيات والفساد والبيروقراطية  وانهيار الطبقة الوسطى،وغيرها، والتي كانت أحد الأسباب المهمة للقيام بالثورة ، في ظل الحديث عن أعضاء يراهم كثير من أفراد هذا الشعب أنهم  أكثر عفة ونزاهة، وأن اتجاهاتهم الإسلامية قد تصب في جانب تحقيق العدل الاجتماعي، والمساواة، والإحساس بمعاناة المواطنين، ومحاربة الفساد والاحتكار وسطوة فئة بعينها على مناحي الاقتصاد، ومع توالي التصريحات من قبل مسئولي حزب الحرية والعدالة بأن المشروع الاقتصادي القادم سيكون أكثر ( نجاعة )من التجربة التركية والماليزية. وهذه الرؤية تختلف مع ما يشير إليه الدكتور عمار على حسن الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، الذي  يرى أن البرلمان الحالي " لا يمثل الشريحة الفقيرة من المصريين إلا نادراً، لأن أغلب الذين فازوا ينتمون إلى تيار الفكر الاقتصادي الرأسمالي،  وبذلك لا يوجد فرق بين (الحرية والعدالة) و(المصريين الأحرار)، فكلاهما ينتصر للخصخصة ويأبى فكرة إعادة توزيع الثروة، والعدالة الاجتماعية لا تأخذ حيزاً كبيراً من اهتماماتهما".

كما أن  الأحزاب الإسلامية المسيطرة على مقاعد البرلمان، والتي عانت كثيراً من ممارسات البطش والتنكيل تجاهها طوال سنوات طويلة ماضية، و نجحت بامتياز في مجال الخدمات الدعوية والاجتماعية، وتمكنت في كثير من الأحيان من لعب دور ( حكومة الظل ) من خلال هذه الخدمات، مما أكسبها تعاطف الشارع، وبالتالي حصدها لأصوات الناخبين،  سيكون أمامها تحدياً مهماً في إثبات جدارتها السياسية، واستحقاقها للنسبة التي حصلت عليها، وهذا سيأتي بوجود وضوح في الرؤية السياسية القادمة لها، مع الابتعاد عن المناوشات التي لا تتطلبها المرحلة الحالية كقضية تطبيق الشريعة، أو فرض الحجاب، أو أسلمة السياحة، وغيرها من القضايا الجانبية التي ستستنزف كثيراً من الجهد والوقت، وستحيلهم إلى معارك هامشية، سيكون الجانب الليبرالي واليساري أكثر المستفيدين منها، في ظل اتهامات  من قبل هذا الطرف بأن الإسلاميين يلعبون بورقة الدين ، وسيعيدون تجربة الترابي في السودان، أو الخميني في إيران، أو طالبان في أفغانستان. ولعل تجربة أحزاب  ( العدالة والتنمية) في تركيا والمغرب، و(النهضة) في تونس، وهي أحزاب ذات مرجعية إسلامية قريبة ستكون ماثلة أمام مسئولي تلك الأحزاب الإسلامية.

ونفس الأمر ينطبق على الأحزاب الليبرالية واليسارية التي كان ينظر إليها على أنها أحزاب ورقية من صنيعة النظام السابق الذي نجح في اختراقها بإجادة، مما جعلهم يتفرغون للتنظير على وسائل الإعلام المختلفة، وكيل التهم لبعضهم البعض، وانتقاد الأحزاب ذات المرجعية الدينية على طول الخط، مع ابتعاد واضح  عن الاحتكاك بالشعب وتبني مطالبه الحقيقية، الأمر الذي أفقدهم تعاطف الشارع، وبالتالي تحقيق نتائج هزيلة في انتخابات البرلمان، لذا فإن تحديهم الحقيقي هو إثبات نفسهم كمعارضة قوية وجادة، وهذا يستلزم منهم التوقف عن التصريحات الكلامية، ومحاولة إيجاد تكتل قوي منظم يلعب دوراً مؤثراً في رسم سياسات البرلمان.

ومن التحديات كذلك شكل التحالفات القادمة في البرلمان والتي يلخصها سامح راشد الخبير والمحلل السياسي في مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية في " أنها ستخضع لمعايير السياسة وليس الفكر أو العقيدة ، لذا فهو لا يتوقع قيام تحالفات دائمة ثابتة، ولكنها ستكون صفقات مرحلية حسب كل قضية أو استحقاق".

ويبقى تحدي صياغة الدستور هو أحد التحديات المهمة التي ستواجه البرلمان كما يراها الباحث والمحلل السياسي محمد أمين، فعلى أساس هذا الدستور سيتم انتخاب رئيس الجمهورية، وسيحدد على أساسه كذلك آلية ممارسة الحياة الديمقراطية والعمل السياسي في الفترة القادمة، لذا "فإن حسن اختيار لجنة صياغة الدستور سيكون مؤشراً حقيقياً على نجاح أو فشل التجربة البرلمانية الأولى في مصر بعد الثورة، في ظل الحديث عن رقابة شعبية قاسية، ومليونيات مستعدة للخروج في أي وقت".

في ظل مشاركة شعبية واسعة أملاً بتحقيق مطالبهم التي عجزت المجالس السابقة عن تحقيقها، وفي ظل علاقة توجس أقرب إلى النفور بين عدد كبير من شباب الثورة والأحزاب الإسلامية المسيطرة على البرلمان، والذي يرى الشباب أنها خذلتهم خلال الوقفات الاحتجاجية التي تلت الثورة، وفي ظل تمثيل متواضع للشباب والأقباط والمرأة، وفي ظل وجود مجلس عسكري حاكم يقبض على مجريات الأمور، وفي ظل عدم وجود نظام سياسي واضح (رئاسي / برلماني / رئاسي برلماني)، وفي ظل أوضاع اقتصادية متأزمة، وتحديات اجتماعية وفكرية كبيرة، ترى كيف سيكون حال المجلس، وهل سيحقق شيئاً من مطالب الشعب؟ ربما ستتضح الرؤية في الفترة القادمة.فلننتظر ما تسفر عنه الأحداث.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com