الخميس، 28 أغسطس 2014

في شارع العرب


بمثل ما استقبلتنا به من الحفاوة غادرنا شنجماي باتجاه بانكوك كي نقضي بها بقية أيام الرحلة، وكما وصلنا بيسر كانت المغادرة سهلة وميسّرة، فلم تستغرق اجراءات تخليص معاملات الرحلة سوى بضع دقائق، وكان لكلّ شركة طيران مكتبها الذي يجيبك من خلاله موظّفيها على أيّ استفسار أو مساعدة ترغب في الحصول عليها، كما أنّ هناك عشرات المحلات والمطاعم التي تنتشر في أرجاء المطار الصغير بحيث لا تترك لك مجالاً للملل، وكان آخر من ودّعنا ونحن نركب سلّم الطائرة هو أحد جبال المدينة الخضراء الذي شكّلت الغيوم قبّعة بيضاء تليق بهيبته وشموخه.

ما إن وصلنا مطار بانكوك الجديد حتّى تغيّر كلّ شيئ من حولنا، فالمطار عبارة عن مدينة مجهولة المعالم بسبب كبر حجمه واتّساعه، كما أنّ المئة بات قيمة التوصيل من المطار إلى الفندق في شنجماي أصبحت سبعمائة هي قيمة تسعيرة تكاسي المطار، وألف وخمسمائة لتكاسي الشركات الخاصّة، والعشرة دقائق مسافة الطريق إلى الفندق تضاعفت لتصبح ساعة كاملة. مقدّمات كهذه جعلتنا نشعر ببعض الانقباض، وتنذرنا بأنّ القادم لن يكون جميلاً كما كان خلال الأيّام السابقة. 

ما ان اقتربنا من شارع سوكموفيت، وتحديداً شارع (نانا) الذي يقع فيه الحيّ العربيّ حتى تضاعف الانقباض ليصبح سمة لازمتنا طوال بقيّة الأيّام الستّة التي قضيناها في المدينة، والتي لم تفلح كلّ الجهود لازالتها، على الرغم من أنّنا لم نترك أيّ معلم من معالم المدينة دون زيارته سواء كانت مدناً ترفيهيّة، أومجمّعات تجاريّة، أو حتّى أسواقاً شعبيّة، وغيرها من المعالم التي تزخر بها المدينة، وأدركت هنا أنّ مخاوفي من اختيار هذا الحيّ للنزول فيه طوال مدّة إقامتي في بانكوك كانت في محلّها.

أمّا لماذا كلّ هذا الانقباض والتبرّم من هذا الحيّ الذي يقصده الكثيرون من العرب والخليجيّين على وجه الخصوص فهي لأسباب عدّة لعلّ من بينها حالة الفوضى العارمة التي يمتاز بها الحيّ أو (السوق) على وجه الدّقّة، فالشوارع والسكك مليئة بخليط من السيّاح الخليجيّين، والمتسوّلين، وباعة كلّ شيئ، وهي قريبة من الوضع في شارع جامعة الدول بالمهندسين في مصر، بحيث يعتقد البعض أنّ مصر هي شارع جامعة الدول دون أن يضعوا في حسبانهم آلاف الشوارع والمدن والقرى والنجوع التي تختلف كلّيّاً عن ذلك الشارع، والتي تمثّل وجه مصر الحقيقي بكرم أهلها وطيبتهم وأصالتهم وحفاوتهم.

الأمر الآخر الذي زاد في تبرّمي وضيقي هو سوء المعاملة التي وجدتها الفندق الذي نزلت فيه بعكس ما وجدته في شينغماي، فالصور التي رأيتها في موقع الفندق الإلكتروني تختلف كلّيّاً عمّا رأيته عند وصولي، واللّوبي أشبه ما يكون بخليّة نحل لا تكاد تجد لرجلك مكاناً فيه لكثرة النزلاء من أبناء الخليج وبناته الذين لم يتركوا ركناً فيه دون أن يجلسوا عليه طلباً لشبكة قد تقرّبهم مّمن تركوهم من أحباب وهميّين على مواقع المحادثة المختلفة، كما أنّك ملزم بدفع ما لايقلّ عن ستين ريالاً عمانيّاً كتأمين في وقت أنت في أمسّ الحاجة لمبلغ مثل هذا.

الأمر الثالث هو حالة (الإفتراس) الواضحة على محيّا العاملين في هذا الفندق وغيره من الفنادق القريبة، ابتداء برجال الأمن، وانتهاء بحاملي الشنط وعمّال النظافة، فالكل يريدك أن تدفع له طوال الوقت، والكل يعرض عليك خدماته التي لا سقف لحدودها، ولا تكاد تخرج من بوابة الفندق حتى يتلقّفونك بالأسئلة وعرض الخدمات، أو حتّى فتح باب التكسي والوقوف بجواره كالصّنم انتظاراً لبقشيش تنفحه إيّاهم.

الأمر الرابع هو حالة الاستغلال (الفظيع) لجنس كلّ ماهو خليجي، وكأنّ أهل الخليج هم قطيع من البلهاء، أو اللامبالين بما يحملونه من أموال لا تنفد، فأيّ شيّ تطلبه تجده بأضعاف قيمته خارج الشارع، ولا مجال للاعتراض، فهناك مغفّلين كثر مستعدّون للدفع، ولك أن تتخيّل أنّ قيمة كيّ قميص واحد يكلّفك 30 باتاً في حين أنّها بعشرة في شينجماي، وحلاقة الذقن ب250 بات، في حين أنّها بستين في ضواحي بانكوك الأخرى، وقس على ذلك بقيّة الأشياء من أطعمة ومأكولات، وخشب يباع على أنّه عود خام، ومراهم عديمة الجدوى تباع باعتبارها مقوّيات ومغذّيات ومشهّيات،ووو.. ألخ.

الأمر الخامس هو الإزعاج الشديد الذي تشعر به طوال الوقت، فالمحلات في الغالب لا تغلق أبوابها، والسّكك مزدحمة بالبشر حتّى لتكاد تشعر أنّك في سوق (العتبة) الشهير بوسط القاهرة، وهو الأمر الذي يجعلك تسأل نفسك في كل ثانية: أيّ استجمام هذا الذي أتيت أنشده وسط ورشة كهذه؟ وهل هذه هي تايلند الخضراء التي دفعت الغالي والرخيص كي أحظى ببضعة ليال جميلة تنسيني تعب السنين؟

أمور كهذه جعلت من أسرتي الصغيرة تلزم غرفها الضيّقة، ولا تكاد تخرج منها إلا للذهاب إلى إحدى المدن الترفيهيّة أو المجمّعات التي كنّا نحاول المكوث فيها أكبر مدّة من الوقت بحيث نعود إلى الفندق طلباً للنوم فقط، ولسان حالنا يقول: لماذا تركنا شينجماي الجميلة بكل روعة طبيعتها، وطيبة أهلها، ونظافة فنادقها، وهدوء شوارعها، ورخص أسعارها؟
وقد يسأل البعض: مادامت الأمور بهذه البشاعة فلماذا اخترت الإقامة هناك على الرغم من أنّ بانكوك تعجّ بمئات الفنادق والشقق والنزل الفخمة والرخيصة نسبيّاً في نفس الوقت؟

هو الجهل أيّها الأصدقاء، فعلاقتي ببانكوك مقطوعة منذ أربعة عشر عاماً عندما زرتها لليلة واحدة فقط، كما أنّ حالة الخوف من الجوع هي من جعلتني أختار هذا المكان بالذات للإقامة تقرّباً من مطاعمها العربيّة، اضافة إلى اعتقادي أنّني سأحظى بإقامة مثاليّة في ظلّ فنادق غالية تتجاوز قيمة سكنى الليلة الواحدة حاجز الخمسين ريالاً للغرفة مقارنة بكثير من الفنادق الأخرى التي اكتشفت (متأخراً) أنّها أكثر رقيّاً وشياكة وأناقة، وأنّ سبب رخص ثمنها مقارنة بفنادق شارع العرب هو قلّة إقبال العرب عليها، كما أنّني كنت أتوقّع أن أجد بعض الأسر الخليجيّة التي قد تؤنس وحدة عائلتي كما هو الأمر في شينجماي، فإذا بي أكتشف أنّ الخليج كلّه بقضّه وقضيضه هنا، وأنّ المسئولين عن التعداد في بعض الدول الخليجيّة لن يجدوا أنسب من هذا الشارع لعمل التعداد السّكّاني لدولهم.

يبقى سؤال أسأله لنفسي في كلّ مرّة أزور فيها تجمعاً لعرب، وخليجيين على وجه الخصوص في بلدان عدّة : لماذا تحتوي هذه التجمّعات على أسوأ ما في سكّان تلك البلدان من صفات؟ ولماذا لا نجد تصرّفات كهذه في تجمّعات الشعوب الأخرى؟ ولماذا الناس خارج محيط حيّ نانا، أو شارع جامعة الدول، أو حيّ الروشة وشارع الحمراء وغيرها من الشوارع التي تحوي أماكن مفضّلة للخليجيّين يختلفون عمّن بداخل تلك الشوارع والأحياء؟ أسئلة كهذه قد أتركها لبعض الخليجيّين كي يجيبوا عليها بأنفسهم.
أمّا هل كانت الإقامة في بانكوك كلّها مساوئ، فالإجابة حتماً لا، فهناك أمور ايجابيّة عديدة قد تجد في المقال القادم متّسعاً لعرضها.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com


الأحد، 24 أغسطس 2014

مشاهد من شيانجماي

الحديثُ عن مدينة شيانجماي التايلندية ومعالمها السياحية المتنوعة، أمرٌ لا يُمكن حصره في مقال؛ فجوُّها الاستثنائي، وجبالُها الخضراء التي تُعانق الغيوم، وشلالاتها المتدفقة، وأسواقها الشعبية العديدة، وقراها ذات الخصوصية الثقافية، هي من الأشياء التي لا يُمكن وصفها بالكلام؛ ففي ذلك ظُلم بيِّن للمدينة، ولكني سأشير هنا إلى بعض الملاحظات المتعلقة بسلوكيات شعب تلك المدينة، وكيف أنَّ هذه السلوكيات قد أصبحت سمة حياة لديهم، وقد تكون أحد أبرز عوامل الجذب السياحي لديهم.

عندما نزلتُ مطار شيانجماي، لم يستغرق حصولي على وسيلة نقل تقلني إلى المنتجع الذي سأنزل فيه أكثر من خمس دقائق، هي الفترة التي قضيتها في الاطلاع على عروض أسعار مكاتب تأجير السيارات بالمطار التي كانت معروضة على الملأ، ومن ثم إعطاء مُوظف المكتب البيانات المتعلقة بالجهة التي سأذهب إليها، وعدد الأفراد. وبعدها مباشرة، ركوب السيارة التي كانتْ حديثة ومناسبة لعدد أفراد العائلة، ولكم أن تتخيلوا أن قيمة التوصيل من المطار إلى المنتجع الذي يقع على أطراف المدينة لم تتجاوز الريال والنصف. وقتها خطر في بالي (بعض) أصحاب التاكسيات في مطار مسقط، الذين يُمكن أن يتجاوز المشوار لديهم من المطار وحتى روي حاجز الخمسين ريالاً -بحسب "التساهيل"، وبحسب جنسية السائح، ومدى معرفته بالبلد.

ما إنَّ وصلت إلى المنتجع الذي كُنت قد حجزت فيه مسبقاً عن طريق أحد مكاتب حجوزات السفر، حتى كان طاقم الاستقبال في انتظاري على المدخل بانحناءاتهم الجميلة، وابتساماتهم التي لا تفارق محياهم، وكأن من وصل هو شخصية مهمة وليس مجرد سائح عادي كبقية نزلاء المنتجع. بمجرد انتهائي من شرب عصير الضيافة، كانت الغرف جاهزة، والحقائب في طريقها إلى هناك تسبقها باقة ورد كبيرة، وسلة فواكه صيفية، ومزيد من الانحناءات والابتسامات.

من الأشياء الجميلة التي شدَّتني في شيانجماي: تعامل أصحاب وسائل النقل من تاكسيات و"تكاتك" وشركات سياحة...وغيرها؛ فالابتسامة هي أول من يستقبلك وآخر من يودِّعك، والفصال ينتهي في أقل من دقيقة، ولن تجد من يتبعك في (رذالة) كي يُجبرك على الركوب، كما أنَّ بيانات السائق الشخصية مُلصقة بوضوح على وسيلة النقل التي يمتلكها، وبمجرد وصولك للجهة التي تريدها، فإنَّ السائق سرعان ما يترجَّل من مقعده كي يفتح الباب لك، ويقوم بتحميل أغراضك الشخصية بدلاً عنك، ولا يمكن بتاتاً أن تسمع صَوْت بوق، أو نغمة تذمر عند أي ازدحام أو إشارة مرور أو احتكاك بسائق آخر، كالذي أفعله كل صباح عندما تفوتني إشارة جراند مول الخضراء في آخر لحظة وأنا في طريقي إلى العمل، أو عندما تقف صاحبة السيارة التي تسير أمامك فجأة رغم أن الإشارة مازالت خضراء؛ لتكتشف أنها من جنسية آسيوية حديثة العهد بالسياقة، أو أن ثقل الدم من أساسيات الحياة لدى بني جِنْسها. وما زلتُ أذكر سائق التاكسي الذي ظلَّ يعتذر لي طوال الطريق لمجرد أنني اندفعت قليلاً إلى الأمام إثر فرملة استثنائية من قبل السائق. وتأكيداً، ستنسى كلَّ القصص الوهمية التي يُمكن أن تسمعها لدى أي سائق عربي من قبيل ابنته المصابة بسرطان الدم، أو والدته التي تحتاج إلى عملية جراحة عاجلة، ولا بأس ببعض الدموع، بينما المصحف الذي لم يُفتح منذ تاريخ شراء السيارة يتصدر مقدمتها.

شدَّني كذلك فصال الباعة الجميل، وعدم إلحاحهم عليك في الشراء لدرجة الغثيان، أو أن يلاصقوك في كل حركة وسَكَنة. شدَّني أيضاً توسلهم إلى درجة ذرف الدموع أحياناً من أجل الحصول على مبلغ أعلى مُقابل البضاعة التي اشتريتها، لمجرد أنك أنزلت سعرها إلى مستوى يقل عن قيمة التكلفة.

شدَّتني المواعيد المضبوطة بالثانية مع كل اتفاق على القيام بعمل معين؛ كحجز رحلة سياحية، أو الذهاب لزيارة معلم ما، أو الاتفاق مع شخص ما، فلا يوجد (كمان ساعة)، أو (حسب التساهيل)، أو (مسافة السكة)/ أو (الطريق واقف). وأذكر أنني تأخرت لمدة دقيقتين بالضبط عن أحد المواعيد لأكتشف أن باص المنتجع المجاني الذي سيقلني إلى أحد المجمعات التجارية كان قد تحرك لتوِّه.

شدَّني لديهم كذلك استمتاعك بالرحلات السياحية التي تقوم بها؛ فلا يُوجد من يزعجك بشراء هذه البضاعة أو تلك السلعة، ولا يوجد من يلح عليك بركوب هذا الفيل أو تلك العربة، ولا يُوجد كذلك من يجعلك تلعن اليوم الذي قرَّرت فيه زيارة هذا المعلم من خلال ملاحقته لك كظلك من أجل الحصول على أي مبلغ مقابل أي شيء، ولا يوجد كذلك السائق الذي يحرمك من متعة الاستمتاع بيومك من خلال اتفاقه مع الآخرين على ابتزازك. أشياء كهذه قد تجدها في بعض دولنا العربية. أما في شيانجماي، فالأمر نادر إن لم يكن معدوما.

أشياء أخرى كثيرة لفتت انتباهي في تلك المدينة الاستثنائية التي يظلمها كثير من أبناء جلدتي؛ باعتقادهم أنها مدينة صغيرة تنام بعد العشاء، وتحوي بعضاً من الجبال الخضراء، وعدداً من المصانع، وكيف أنهم ينصحون كلَّ من يذهب إليها بألا تطول مدة إقامته عن ليلتين أو ثلاثة بالكثير، بينما هي في الحقيقة تختلف عن ذلك الوصف تماماً بطبيعتها الخلابة التي تتوزع في كل اتجاه بها، وبمجمعاتها التجارية التي تضاهي المجمعات العالمية، وبأسواقها العصرية، وبأشياء كثيرة لا تقل عن أي مدينة عالمية كبيرة زرتها من قبل.

ومن بين هذه الأشياء التي لفتت انتباهي نظافة الشوارع بشكل مذهل يجعلك تشعر بالتوتر وأنت تحمل ورقة مناديل في يدك خوفاً من سقوطها سهواً، وهدوء أهلها الشديد لدرجة تعتقد أنك يمكن أن تقوم بضربهم أو بالصراخ عليهم دون أية ردة فعل من قبلهم سوى الابتسامة ولا شيء غيرها، وكذلك الإخلاص العجيب في كل عمل يقومون به دون أن يطالبوك بالمقابل، فلا بقشيش يطلب، ولا مجاملات سمجة في غير محلها، ولا أشياء من هذا القبيل كالتي في بالي عن بعض الدول العربية.

الشيء الوحيد الذي نغَّص عليَّ متعة الاستمتاع بالمدينة؛ هو: عدم وجود الحروف العربية بلوحات مفاتيح أجهزة مركز الأعمال بالمنتجع؛ مما اضطرني إلى تخمين أماكن الحروف عند الكتابة مستعيناً بخبرتي المتواضعة في ذلك.

أنا في طريقي الآن إلى بانكوك، وأخشى أن أرتكب أسوأ اختيار يُمكن أن يفعله الفرد في بانكوك، ألا وهو الإقامة في شارع العرب

د. محمد بن حمد العريمي
.Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 12 أغسطس 2014

الشبكة في الوضع E


    ربّما لم يقتنع زملائي في العمل حتّى الآن بعدم قدرتي على تحميل المقطع الصوتيّ الذي قام أحدهم بعرضه في جروب الواتساب الخاص بالدائرة كي يأخذ رأينا الفنّيّ فيه قبل رفعه إلى المسئولين لاعتماده، وذلك على الرغم من قيامي بأخذ (سكرين) للشاشة وعليها العبارة الخالدة " لم يكتمل التحميل. الرجاء المحاولة لاحقاً" بعد كلّ محاولة تحميل فاشلة كنت أقوم بها، ذلك أنّ المقطع لم يتجاوز حجمه (660) كيلو بايت، كما أنّني كنت وقتها في صور وليس في مجاهل الرّبع الخالي، فكيف لمدينة تعدّ من كبريات المدن في السلطنة، ومركزاً إداريّاً لإحدى محافظاتها، وحاضرة عرفت بنشاطها التّجاريّ والسياحيّ البارز أن تكون خدمات الإنترنت بها رديئة للدرجة التي لا يستطيع معها الشخص أن يحمّل مقطعاً صغيراً أو حتّى يتصفّح موقعاً عاديّاً إلا بشقّ الأنفس؟ وإذا كان الوضع هو كذلك في مدينة بهذا الحجم والأهمّية، فما بالكم بعشرات المدن والحواضر والقرى الأخرى!!

وفي كلّ مرّة يتكرّر هذا الوضع أعمد إلى مراجعة برمجة هاتفي فلربّما كان الخلل منه لا من الشركة المزوّدة للخدمة، فما زلت غير مستوعب (بتاتاً) أن تكون الخدمة بتلك الرداءة في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا من متطلّبات العصر المهمّة التي لا يقدر المرء على تسيير أمور يومه بدونها، فما بالكم ونحن في دولة عصريّة تسدّ فيها الإعلانات التي تحث على استخدام التكنولوجيا في كلّ مناحي الحياة عين الشمس، فهذا إعلان يدعو إلى تسجيل رغبات الدراسة عن طريق الموقع الإلكتروني، وذلك يهدّد بعدم استقبال الطلبات إلا لو كانت مرسلة عبر البريد الإلكتروني، وثالث يعد بجوائز مغرية لمن يستخدم العناوين الإلكترونيّة للشركة من مواقع تواصل، ورسائل sms، وبريد، وموقع في دفع الفواتير أو الاستفسار عن قيمتها، وما بالكم كذلك وأنا أتحدّث عن أماكن ليست بالوعرة جغرافيّاً، أو مصنّفة كأماكن ذات نقاط حمراء لأسباب مختلفة.

وفي كلّ مرّة كذلك أتأكّد أنّه لا علاقة لهاتفي بالمشكلة، فهو حديث الصّنع، ذو علامة تجاريّة معروفة، ومن نوعيّة الهواتف الذكيّة التي صمّمت للتعامل مع مختلف البرامج ذات العلاقة بشبكة المعلومات، كما أنّه كان قبل بضعة سويعات قادراً على التصفّح والتحميل عندما لم أكن قد غادرت مسقط بعد!

أين المشكلة إذاً! ما أعرفه أنّ الشركات المزوّدة لخدمات الإتصالات المختلفة من هاتف وانترنت وغيره تعدّ من أكثر الشركات ربحيّة واستقراراً على المستوى المادّي، كما أن كثير من  موظّفيها يتمتّعون بمزايا قد لا يحصل عليها أمثالهم ممّن يعملون في قطاعات أخرى من حيث الرواتب والبدلات والمكافئات والأسهم والدورات التدريبيّة، وحتّى الدورات المتعلّقة بتنمية الذات، ناهيك عن حفلات العشاء والغداء والإفطار، وو..ألخ، ويكاد أن تميّز موظّفي هذه الشركات من بين الآخرين عند مصادفتك لهم في أيّ مقهى أو مطعم فاخر، ناهيك عن اعلانات هذه الشركات التي تكاد تتعثّر بها في أيّ مكان تمرّ به من حيث الحديث عن العروض والمزايا المختلفة لخدماتهم بحيث تعتقد أنّ تيّاراً هوائيّاً سيطيح بك وأنت توشك على استخدام المتصفّح الالكتروني من فرط سرعته.

مرّة أخرى.. ما دامت تلك الشركات تتمتّع بكل هذه الإمكانات، ومادامت تستقطب كل أولئك الكوادر المدرّبين جيّداً فأين المشكلة، وأين هيئة تنظيم الإتصالات عمّا يحدث، وهل لها دور فيما نتحدّث عنه؟ أقسم لكم أنني ظللت أسبوعاً بأكمله طوال إجازة العيد لم أتمكّن من تحميل مقطع واحد من المقاطع التي أرسلت إليّ عبر الواتساب، وكنت أنتظر حلول الفجر كي أتمكّن من ارسال تهنئة استعضت فيها بالكلام بدلاً من الصور، وكي أتمكّن كذلك من الحصول على رفاهيّة أكبر تتمثّل في تصفّح الفيسبوك أو التويتر برغم أن بعض المنشورات كانت تظلّ لساعات دون تغيير بسبب البطء الرهيب الذي تعانيه الشبكة.

هل يعقل أن يحدث هذا في مدن تقع في قلب عمان، وفي القرن الحادي والعشرين! وهل لنا (عين) أن نتحدّث عن تطوير السياحة أو الإقتصاد أو منظومات التعليم والصحّة وغيرها، أو أن نشجّع الشباب على تبنّي مشاريع اقتصاديّة تخفّف من الأعباء الملقاة على كاهل الحكومة، في ظلّ رداءة خدمات الإتصالات المقدّمة! وهل يعقل كذلك أن تظلّ قرى يتجاوز عدد سكّانها الخمسة آلاف نسمة وتتميّز بمقوّمات سياحيّة واقتصاديّة واعدة دون خدمات الهاتف الثابت وملحقاته من فاكس وتلكس وانترنت أرضي وغيره! 

أتذكّر أنّني قبل حوالي شهرين من الآن وبينما كنت في زيارة عمل إلى مصر، أن قمت باستخراج شريحة هاتف كي أستخدمها في اتصالاتي خلال الفترة التي سأقضيها هناك فكان عرض شركة الاتصالات التي صادفني فرعها هو الحصول على ثلاث شرائح ذات أرقام مميّزة تحوي كلاً منها (1600) دقيقة مكالمات محليّة مجّانيّة، مع (1.700) جيجابايت اشتراك انترنت، وكل ذلك بسعر مائة جنيه مصري فقط للشرائح الثلاث مجتمعة، أي ما يعادل حوالي خمسة ريالات ونصف، وأذكر أنّني وقتها وبرغم اقامتي في أحد فنادق الخمسة نجوم التي توفّر خدمة (الواي فاي) المجّانيّة، إلا أنّني كنت أستخدم شريحة الهاتف في عمليّات التصفّح والتحميل، واستفدت منها في تحميل سلاسل من الكتب والروايات التي لم أكن لأقدر على تحميلها هنا، وبرغم تكرار زيارتي لمصر مرتين بعد ذلك، واستخدامي لها في كلتا المرّتين إلا أنّ العرض ما زال سارياً، ومازال بالشريحة حزمة بيانات كافية تسمح بالتصفّح والتحميل دون أدنى مضايقة أو بطء أو انقطاع متكرّر كما يحدث هنا، علماً بأنّ الشركة التي قدّمت لي هذا العرض كانت أقلّ الشركات الثلاث (هناك شركة رابعة ستدخل السوق المصريّة قريباً) في الإمكانيّات وجودة الخدمات.

على المسئولين في شركات الاتصالات مصارحتنا بحقيقة الأمر، فأمر كهذا لا يمكن (ابتلاعه) أو السكوت عنه، فلقد سئمنا الدّفع دون تلقّي الخدمات التي تتناسب والقيمة المدفوعة، وسئمنا اختزال عمان في مدينة أو اثنتين، وسئمنا الوعود التي نسمعها منذ زمن الجاهليّة بأنّ هناك مقسماً سيتم افتتاحه قريباً، وآخر في طور الإنشاء، وأنّه سيتم الانتقال قريباً ( وهي كلمة مفتوحة الحدود) إلى استخدام الألياف البصريّة..ألخ، وهي ذات النغمة التي تكرّرها كثير من الجهات عند تقديم انتقاد معيّن لخدماتها، بحيث تشعر وكأنّ السماء ستمطر خدمات لا حدود لها، ثم يهدأ كلّ شيء، ويعود الوضع إلى حاله، ويا دار ما دخلتك شر.

د.محمد بن حمد العريمي

 Mh.oraimi@hotmail.com

الأربعاء، 6 أغسطس 2014

(عن وهم السياحة)

 ربّما لن يغفر لي صديقي (النزواني) ما فعلته ذات مغربيّة ساحرة في ثالث أيّام العيد، عندما انتزعته من عالمه الخيالي، وهو يحتسي شاياً أسوداً بنكهة الريحان بينما رجلاه تداعبان زبد البحر، ونسمات الكوس الباردة تلعب بما تبقّى من شعيرات رأسه في ذلك المنتجع السياحي الذي يقع بين قريتي السويح وأصيلة التابعتان لولاية جعلان بني بو علي، والذي أحسن صاحبه اختيار مكانه على تلّ ربوة تطلّ على بحر العرب، وتحيط به (عروق) الرمل الناعمة من كلّ جانب، ذلك أنّ الليل كان قد أطلّ بعباءته السوداء، والدنيا أصبحت ظلاماً، وبالتّالي كان لزاماً علينا أن نعود إلى غرفتنا التي حجزناها بشقّ الأنفس في قلب سوق الأشخرة التي تبعد عن المكان بمسافة تزيد عن العشرين كيلو من الأمتار.

أمّا لماذا هذا المقال، فالحكاية أيّها القرّاء الأعزاء أنّني ارتكبت في هذا العيد نفس الخطأ الذي أرتكبه في كل عيد أو إجازة سابقة، ألا وهو الذهاب إلى ساحل جعلان المطلّ على بحر العرب بغية الحصول على نسمات باردة تنعش الروح وتننسيني بعضاً من حرّ العامرات المقيت التي تسير بذكره الرّكبان.

وقد تقولون: وما المشكلة في ذلك؟ (فالدنيا ربيع.. والجوّ بديع.. قفّل على كل المواضيع)، وكلّنا يعرف روعة جوّ جعلان خلال الصيف بل والعام كّله، فما بالك بساحل بحر العرب من رأس الحد وحتى صلاله، وما بالك بالأشخرة وهوائها العليل الذي لأجله تشدّ الرحال، وفي سبيله تهون النفوس والأموال. 

دعوني إذاً أحكي لكم هذه المغامرة التي عشتها أول أيام العيد، خرجت من مركز الولاية ظهراً عاقداً العزم على قضاء وقت جميل بصحبة كتاب كنت قد أجّلت قراءته تحسّباً لهذا اليوم، وبرفقة قهوة سوداء بنكهة الهيل والزعفران صنعت خصيصاً للجوّ الذي كنت آمله، كان الجو منعشاً ولكن مع بعض التيّارات الهوائيّة التي تجعلك تقبض على مقود سيارتك كمن يقبض على مال يخشى سرقته، خوفاً من أن تنحرف سيارتك يميناً أو يساراً ويحدث ما لا يحمد عقباه. بمجرّد أن بدأت في دخول الطريق المؤدي إلى الأشخرة وما حولها من قرى وتجمّعات سكّانية، شعرت وكأنّني انتقلت إلى إحدى حلبات السّباق العالميّة، أو كأنّني دخلت إحدى غرف الإثارة في مدينة ألعاب ضخمة، ذلك أن معظم من كان يمرّ من خلفي أو بجواري لديه معتقد أن رجولته ستكون ناقصة لو لم يقد بسرعة 150 كيلو فما فوق، وسط تيّارات هواء عنيفة، وفي ظلّ كثبان رمل ترحّب بك بعد كل كيلو تقطعه في طريقك. واصلت طريقي في خوف وسط رغبة عارمة في كتابة وصيّتي، فمن يدر فربّما لن أكمل مشواري وسط ظروف وأجواء جنائزيّة كهذه.

كانت أصيلة محطّتي الأولى. قرية جميلة على ساحل بحر العرب، تتميّز بجوّ خرافي كبقيّة القرى المطلّة على الساحل، ولكن مع عدم وجود خدمات إلا القليل منها كالبقيّة كذلك، أكملت سيري باتجاه السويح شمالاً، ومن ثمّ عدت أدراجي إلى أصيلة كمحطة وسيطة، ومنها إلى الأشخرة عبر الطريق الساحلي الذي يربط بينهما. لم أجد موطأً لقدم من كثرة السياح الذين افترشوا أي شيء يقابلونه أمامهم على البحر وسط عشوائية مؤلمة، والشباب الذين اعتقدوا أن اكبر حلم يمكن أن يفكّر فيه انسان هو امتلاك سيارة قديمة من طرازات معيّنة وكتابة عبارات وأبيات رومانسيّة لا تعبّر عن واقعهم الشخصي، او لصق صور لأشخاص ربّما لم يقرأوا عنهم سطراً واحداً، وممارسة هواية التفحيط،  لذا لم أمكث بالأشخرة سوى بضع دقائق أقفلت بعدها عائداً إلى جعلان وأنا أدعو الله أن أنام وأصحو لأجد أن الإجازة انتهت، وبالتالي العودة إلى مسقط حيث الحياة ممثلة في الهاتف والانترنت والمجمّعات والمقاهي الجميلة...ألخ.

أمّا لماذا (للمرة المليون) كل هذا التشاؤم والتبرّم فالأمر بكل بساطة وبدون أيّة محاولة للتقعّر في الكلام أو استخدام ألفاظ ومصطلحات تنم عن ثقافة عالية، أو حسّ كتابيّ جميل، فهي كالآتي: هذه المناطق وتلك السواحل أيها المسئولين عن قطاع التنمية والسياحة والاقتصاد هي مناطق يمكن أن تدرّ ذهباً على البلد، ويمكنها أن تكفيكم رغبة أبنائها في مطالبتكم بالوظائف، ويمكن كذلك أن توجّه قطاعاً كبيراً من السياّح المحليين والوافدين إليها. هل تعلمون لماذا؟ أولاً لأن جوّها معتدل طوال العام، ثانياً هي تتميّز بجوّ منعش طوال فترة الصيف لا يقلّ روعة عن جوّ ظفار باستثناء زخّات المطر، ثالثا تتميّز بمصائد وفيرة نتيجة وقوعها على بحر العرب، رابعاً تمتاز بتنوّع بيئي وجيولوجي فريد، خامساً يمتاز سكّانها بالطيبة والكرم والاحتفاء بالغريب بشكل كبير، ويمكن أن أعدّ لكم بقيّة مميّزاتها حتى الألف لو أردتم. يعني من الآخر بيئة واعدة لعشرات المشاريع في مجالات السياحة والصيد وتعليب الأسماك وغيرها.

أمّا ما هو وضعها الحالي فخذ معك: استثمارات سياحيّة ضئيلة جداً وبجهود فرديّة برغم عشرات الوعود والتصريحات الرّنّانة، وبنية تحتيّة متهالكة جداً، فلا اتصالات أرضيّة سوى في الأشخرة، ولا انترنت، ولا شوارع منارة، ولا نزل ايواء كافية، ولا دورات مياه آدميّة، ولا متنزّهات، ولا ولا ولا ولا...ألخ.
من الآخر، من سيأتي إلى هذه المناطق لن يجد سوى جوّاً منعشاً قد يكون مزعجاً عندما تشتدّ الرياح قليلاً وذلك لقلّة المباني، وعدم وجود أشجار (كالنارجيل) تصدّ تلك الرياح، ولن يجد سوى فندق أو اثنين غالباً ما يكون محجوزاً بأكمله أيام المناسبات، أما المظلات فغالبها حوّلته الظروف البيئية إلى منحوتات سيريالية تصلح للمشاركة بها في معرض فنّي وجودي، وعليك عزيزي السائح أن تنسى رفاهيّة الإنترنت، والمقاهي، والمأكولات الصينيّة والأوروبيّة، بل وحتّى العمانيّة ما لم تكن قد أحضرت قدور الطبخ معك، وقبلها بحثت عن مكان مناسب للطبخ، وآخر للإقامة.

والحل؟ الحل يعرفه المسئولين جيداً، كتبناه هنا عشرات المرات، ورفع إليهم عشرات أخرى، وكثيرة هي الندوات والورش والمؤتمرات التي تطرقت إليه. فقط عندما ستأتي الإرادة ستظهر تلك الحلول من تلقاء نفسها إلى السطح ويمكن أن تكون واقعاً جميلاً أتمنى أن أعيش جزء منه يوماً ما.

على طاولة الشاي التي جهّزها لنا صديقي صاحب منتجع (بحر العرب السياحي) ضحكت بأسى وهو يخبرني عن معاناته في سبيل إنشاء هذا المنتجع، وعن مبالغ ايجار الأرض والضرائب التي يدفعها سنوياً برغم عدم وجود أيّ ترويج حكومي للمنتجع، وعن (تناكر) الماء التي تلتهم ايرادات المنتجع لأنه لا ماء حكومي يصل إليه، وعن ساعات الانتظار التي يقضيها في الشوارع الموصلة إلى المنتجع ليلا بانتظار وصول فوج سياحي نتيجة الظلام الدامس الذي يلفّ الشوارع بسبب عدم انارتها، وكانت قمّة التراجيديا عندما أخبرنا عن السائح الذي قدّم بلاغاّ ضدّه بسبب اضطراره للتوقف في (تحويلة) قريبة من المنتجع لم يكتمل العمل بها منذ سنوات سبع اعتقد السائح أنّه كمين ارهابي دبّره صاحب المنتجع له. 

بالمناسبة.. ما أخبار الواجهة البحرية للأشخرة التي تم (التصريح) عن انشائها منذ شهور!
د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com   

السبت، 12 يوليو 2014

رمضانيّات


(1)

في إحدى برامج المسابقات الإذاعيّة التي تصحو فجأة  في هذا الشهر الفضيل من بياتها السّنوي، طرحت مذيعة إحدى القنوات الإذاعيّة الخاصّة هذا السؤال: ما عاصمة الخلافة العربيّة الإسلاميّة زمن الدولة العبّاسيّة؟

لم تكد المذيعة تنتهي من إكمال طرح السؤال حتّى يتّصل أحدهم، وهو نموذج للشاب الذي تستطيع وأنت تسمع نبرات صوته أن تتخيّل لون دشداشته وكمّته، وشكل لحيته التي لابد أن تمر على حلاق تركيّ مساء كلّ يوم، ويمكن أن تستنتج كذلك هواياته التي ليست من بينها بالطبع قراءة الكتب.

بعد السلام والسؤال عن الأخبار، وبعد أن تطلب منه الإجابة يأتي الجواب الخالد: " ماشي خيارات"؟  فتردّ عليه المذيعة : عندك خيارين. دمشق، أم بغداااااااااااااد، أم بغداااااااااااد. بعد فترة من الحيرة والتردّد برغم كلّ المحاولات الجبّارة التي بذلتها المذيعة للتلميح بالإجابة، إلا أنّ صاحبنا : نتوكّل على الله ونقول دمشق.

على قناة أخرى وبعد أن أسهبت المذيعة في شرح قصّة المثل أتى السّؤال كالآتي : أكمل المثل التالي "عادت حليمة لـعادتها....". يتّصل أبو فهمي وهو متصل لا يختلف عن نظيره السابق. اعطنا الإجابة يا أبا فهمي، الإجابة هي البخل.

 تنذهل المذيعة من الإجابة وتقول لأبو فهمي: أنت بالتأكيد تمزح معنا، هيا قول الإجابة الصحيحة. يفكّر أبو فهمي قليلاً ويستحضر كلّ الموسوعات الثقافيّة التي يحتفظ بها في عقله الباطن ليجيب مرّة أخرى: زين نقول السّمن؟

المسكينة لا تعلم أنّ أبو فهمي كان جادّاً في إجابته، وأنّه باستثناء بضعة معلومات عن ميسّي ورونالدو وريال مدريد وبرشلونه وكأس العالم، والواتساب، وطرق تزيين السيّارات، وأهم محلات الحلاقة فإنّ الحصيلة الثقافيّة الجادّة تكاد تكون فارغة، وليس وحده من يعاني من ذلك، بل كثير من أبناء هذا الجيل الذين لم يقرأوا مجلّة ماجد، ولم يتربّوا على المسابقات الثقافيّة المدرسيّة أو المجتمعيّة. هو باختصار الجيل الذي يصطدم بك في كلّ مرّة تذهب إلى مجمّع تجاري، أو تمشي في ممرّات إحدى الكلّيّات الخاصّة والعامّة كذلك، أو لا يعطيك وجهاً في أيّ جلسة تجمعكم معاً لأنّه مشغول (لشوشته) بمحادثة إلكترونيّة مع مستقبل وهمي.

تذكّرت كيف كنّا نتعارك من منّا سيقرأ مجلّات "ماجد" أو " باسم" أو "مشاعل" أوّلاً، ومن منّا سيسعده الحظ للمشاركة في مسابقة المدرسة، أو الفريق، أو النادي الثقافيّة. تذكرت كذلك افتخاري وفرحتي في كلّ مرة أحصي فيها عدد المشاركين من السلطنة في البرامج الثقافيّة التي تعدّها إذاعة كالبي بي سي، أو الفائزين في مسابقة مجلّة " العربي" الثقافيّة، أو المساهمات الثقافيّة  والرسومات العمانيّة المنشورة في مجلات الأطفال السالف ذكرها.

(2)

أمّا الإعلانات التجاريّة المسموعة فذاك موّال آخر، وللأسف فإنّ كثيراً من هذه الإعلانات تمتاز بالسماجة وثقل الدم، وتحاول أن تصوّر المستهلك العماني وكأنّه مستهلك ساذج يلهث وراء أيّ عرض، ويصدّق أيّ كلام يقوله هذا الإعلان أو ذاك، كالإعلان الذي يبشّر فيه الزوج زوجته بأنّ مشاكلهم الماليّة في طريقها للحلّ من خلال زيارتهم للمحلّ الفلاني وتعبئتهم لكوبون الشراء الذي سيؤهّلهم للحصول على عشرة آلاف ريال مرّة واحدة، وكأنّه لا كوبونات أخرى سيتم تعبئتها من قبل الآخرين، وبالأخص من العمالة الوافدة، أو كالإعلانات ذات الجينات  الواحدة والتي تتحدّث عن فتاة  تخبر صديقاتها عن منتج أو عرض معيّن فتبادر الأخريات في نفس التوّ واللحظة إلى (الركض) نحو مصدر ذلك العرض أو المنتج للحصول عليه قبل فوات الأوان.

إعلان آخر يتحدث عن انتهاء مشكلة المواطن السكنية، وقدرته (أخيراً)على بناء منزل العمر، وذلك من خلال العرض (الخيالي) الذي يقدمه هذا البنك من خلال فوائده البسيطة،  والغريبة أنّ هذا المواطن يصدّق العرض ويركض جرياً كما يفعل الآخرون في بقيّة الإعلانات، نحو البنك وكأنّه لم يتعلّم من دروس الماضي في تعاملاته البنكيّة، وكأنه لا يعيش وسط مجتمع يعاني أغلب أفراده من التزامات مصرفيّة تكاد تقصم الظهر والوسط كذلك، أو تلك المؤسّسة المتخصّصة في الأدوات المنزليّة والتي اختارت لإعلاناتها عن تخفيضاتها السنويّة الوهميّة شخصاً علاقته باللغة العربيّة كعلاقتي برياضة (اليوجا)، وبعد أن كنت أغيّر المؤشر في كلّ مرّة أسمعه فيها، أصبحت متلهّفاً لانتظار وصلته الإذاعيّة كي أتخيّل ردّة فعل الخليل بن أحمد وسيبويه وبقيّة طلابهم تجاه هذا الإعلان لو سمعوه، وكنت أسأل نفسي في كلّ مرّة أسمعه: هل الرجل سيء جدّاً في النّحو إلى هذا الحدّ البشع، أم إنّها حيلة من المؤسّسة المعلنة لاجتذاب أكبر عدد من المستهلكين؟

المشكلة في بعض هذه الإعلانات أنّها تحاول تقمّص دور (السوبرمان) أو المنقذ من المشاكل المختلفة للمستهلك، أو أن تلعب دور مؤسّسة الضمان الاجتماعي، المشكلة كذلك أن بعض من يقدّمها أو يشارك فيها يكاد يتخلّى عن ضميره ورسالته مقابل العائد المادّي الذي سيحصل عليه، فجلّهم يعلمون أنّ هذه الإعلانات لا تعبّر عن حقيقة المضمون، وأنّ هدفها هو جذب المستهلك بأيّ طريقة كانت. وقد نعذر البعض في بعض الإعلانات التي قد لا تؤثّر على صحّة وسلامة المستهلك، ولكن المصيبة في من يشترك في تقديم إعلان حول منتج غذائي أو تجميليّ مضر بالصحّة أو بالجسد، ثمّ يأتي ليقول لك إنّه منتج طبيعي 100%، أو أن يصوّر لك لهفة أطفال العائلة على تناوله في وجبات الطعام الرئيسيّة وهو يعلم علم اليقين أضرار هذا المنتج وتأثيراته.

من أغرب الإعلانات التي سمعتها ذلك الإعلان الذي يقول " سيّارة لك، وسيّارة للعيلة.. السما مطّرت ذهب وأنا ما أدري"، ولعلّ وجه الغرابة في هذا الإعلان يعود إلى أنّ كلمة (العيلة) باللهجة العامّيّة العمانيّة تعني "بنت البقرة".

ولا أعلم كيف تمرّ هذه الإعلانات من مقصّ الرقيب دون إبداء أيّة ملاحظات كهذه. وهل أصبح المواطن ساذجاً إلى هذا الحد في نظر البعض ؟ فلنكثر من  هذه الإعلانات دامها ستساهم في حل مشاكلنا بهذه البساطة.

(3)

في الوقت الذي يخشى فيه المجتمع من التأثير السلبي لبعض أدوات التواصل الاجتماعي وتحديداً (الواتساب) إلا أنّ هناك بعض المجموعات الشبابيّة التي تجمع نخبة من جيل الخبرة والشباب من مختلف التوجهات الفكرية والثقافية والعلمية التي استطاعت أن تطوّع وسيلة كهذه كي تكون أداة ايجابيّة يتم استغلالها في مناقشة القضايا المجتمعيّة المختلفة، وطرح الحلول والمبادرات ، بل إنّ بعضها قد نجح في الخروج من فضاء التكنولوجيا إلى حيّز الواقع، عبر إدارة وتنظيم  سلسلة من الفعاليّات الفكريّة والاجتماعيّة المختلفة، الرامية إلى الإسهام في دفع الحراك الشعبي وتفعيل الحوار الوطني.

ما لمسته الأسبوع الفائت من دعاية وإعلان وتنظيم وإدارة وحسن تعامل في ندوة "التراث والثقافة العمانية " التي دشّنها صالون صوت عمان الثقافي، كباكورة لفعالياته الثقافيّة خلال هذا الشّهر الفضيل كان فوق مستوى الوصف، فمن يرى ذلك التنظيم والحضور لن يعتقد مطلقاً أنّ وراء تلك الفعاليّة مجموعة من الشباب جمعهم الفضاء الإلكتروني عبر تطبيق الواتساب. ذلك أن الفعاليّة كانت فوق قدرة مؤسّسات بأكملها، فما بالك بمجموعة من الشباب المتحمّس.

حقّاً إنّها عمان.

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

الثلاثاء، 8 يوليو 2014

"حديث الشموع"


لم يكن هناك من صوت يعلو فوق صوت الشموع مساء الاثنين الفائت في العامرات، تلك الولاية المحسوبة اسماً على محافظة مسقط، وهي ليست كذلك على أرض الواقع، وبدلاً من أن يهدي الجيران بعضهم بعضاً طبقاً من (الفتّة)، أو شيئاً من (اللقيمات)، أو أيّ شيء له علاقة بالشهر الفضيل كما جرت العادة الجميلة التي نتذكّرها شهراً واحداً طوال العام ثمّ ننساها بقيّة السنة، وكأن الفقراء والمحتاجين لم يخلقوا سوى في رمضان، وكأنّ حقوق الجيرة لا يصحّ أن نتذكّرها سوى في هذه الأيام، كانت الشموع هي البديل عن كلّ تلك الأطباق اللذيذة، وكان منظراً عاديّاً أن تفتح باب بيتك لتجد أبناء الجيران وهم يحملون كيسة بها بعض الشموع وعلبة كبريت. أمّا السّبب وراء تصدّرها المشهد في ذلك اليوم فهو تفاجئ جزء كبير من سكّان تلك الولاية بانقطاع التيّار الكهربائي عن منازلهم منذ الثالثة والنصف عصراً فجأة ( بدون إحم ولا دستور) ولأجل لا يعلمونه، ولأسباب لا يعلمون عنها شيئاً كذلك.

وقد يقول البعض: لماذا كلّ هذا التهويل لمجرّد انقطاع الكهرباء لعدّة ساعات (أو حتّى لأيّام)، صحيح أنّنا في شهر صوم يمتاز بطول ساعات نهاره، وصحيح أنّ  العامرات هي حالة استثنائيّة عندما يأتي الحديث عن درجات الحرارة، بفضل سيوحها الجرداء، وجبالها وهضابها ووهادها السّوداء التي تخزّن الحرارة نهاراً لتنفثها ليلاً كتنّين أسطوري، ولكن كلّ هذا وذاك لا يلغي أن ننظر إلى الجانب الممتلئ من الكأس، فلعلّ هناك من حكمة وجوانب ايجابيّة أراد المسئولون عن الكهرباء غرسها فينا من خلال قطع التيّار لأكثر من خمس ساعات متواصلة، ولم يجدوا أفضل من هذه الأيّام المباركة لذلك، كالإحساس بالآخرين في الدول التي تنقطع فيها الكهرباء بالساعات الطّويلة والأيام، أو تحقيق شيء من مقاصد هذا الشهر الفضيل من خلال التعود على الصبر والتحمل، أو ربّما العودة لحياة البساطة التي فقدناها، عندما كنّا نفطر على ضوء سراج خافت في ألفة وحميميّة مفتقدة.

صحيح أنّ تلك الدول التي تعاني من انقطاعات الكهرباء الطويلة لا تتمتّع بأجواء خلابة كجوّ العامرات، وصحيح أنّ السبب غالباً وراء تلك الانقطاعات هي ظروف قهريّة كالحروب والتوتّرات الأمنيّة، ومعلوم أنّ تحقيق مقاصد الشهر الفضيل لها ألف وجه ليس من بينها تعذيب الناس بقطع  مرفق حيويّ كالكهرباء، ومؤكّد أن طبيعة تصميم البيوت الحاليّة، وصغر مساحة (الأحواش) لا تسمح بقضاء أوقات حميميّة كتلك التي كان يقضيها آبائنا في الباحات المفتوحة، تحت ظلال أشجار وارفة لم يعد لها وجود في عالمنا الحالي، وبالقرب من مصادر تلطيف وتبريد كالأفلاج والعيون، ولكن كلّ هذا لا ينبغي أن يجعل نيّتنا سيّئة فنسيء الظنّ بالآخرين لمجرّد أنّ الكهرباء قد قطعت لبضعة ساعات.

صحيح أنّي حاولت الاتصال أكثر من 5678643257 مرّة بمكتب طوارئ كهرباء العامرات دون أن أتلقّى أيّ رد منهم، وصحيح كذلك أنني اتصلت عدد مرات مشابهة للرقم السابق بالخطّ الساخن ليأتيني الردّ في كلّ مرّة بالعبارة الخالدة   "جميع موظّفينا مشغولون بخطوط أخرى"، وصحيح أيضاً أنّني قد( استعوضت )الله في بضعة كيلو جرامات من اللحم البلدي، والسّمك الطازج التي تعرضت للتلف، وصحيح أنّي أخذت أطفالي لأحد المجمّعات التجاريّة المكيّفة بالرغم من حاجتي وقتها للراحة من جرّاء يوم عمل مرهق، إلا أنّ هذا كلّه يجب ألا يفتّ في عضدي، وعليّ أن أبقى (ريلاكس) طوال الوقت، وأن أجد لإخواني (مسئولي الكهرباء) سبعين عذراً، وأنا شخصيّاً سامحتهم برغم أنّهم لم يبلغوني برغبتهم المسبقة في قطع التيّار، ولم يردّوا على اتّصالاتي المتكرّرة، وفداهم الّلحم والسّمك الذي فسد.

المشكلة للأسف في البعض الذي يحاول أن  يكون سوداويّاً طوال الوقت، وأن يصنع من الحبّة قبّة كما يقال،  فيأتي ليصدّع رأسك  بعبارات  وجمل  وأسئلة من قبيل : أين هي ثقافة إدارة الأزمة؟ وكيف لمرفق حيوي أن ينقطع لساعات أو لأيّام دون أيّة حلول احتياطيّة؟ وما ذنب كثير من البسطاء الذين ربما يكونوا قد استلفوا من أجل شراء بضعة كيلوغرامات من اللحم لا يأكلونه سوى في الأعياد والمناسبات بعد أن تجاوز الكيلو البلدي منه حاجز السبعة ريالات ثمّ يذهب كلّ هذا هباء منثورا؟ وما ذنب كبار السنّ والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصّة كذلك؟ ولماذا لا أملك الحقّ كمواطن أن أقاضي شركات الكهرباء والمياه والاتّصالات في حالة تعرّضي لأضرار نفسيّة، أو تعرّض بعض أدوات منزلي للتلف، بينما هم يملكون الحقّ في أن يقطعون الخدمة في أيّ وقت يشاؤون؟ ولماذا ليس من حقّي كذلك أن أحظى بأدنى درجات الشفافيّة من قبل هذه الشركات كأن يتمّ الردّ على  اتصالاتي المتكرّرة، أو أن يصلني (مسج) بتوقيتات القطع كي أتمكّن من أخذ احتياطاتي اللازمة؟ بل ولماذا تتكرّر هذه المواقف دون أيّة وقفة جادّة، أو محاولات لتصحيح مسار عمل تلك الشركات؟

أنت قلتها بنفسك: لماذا تتكرّر هذه المواقف بنفس الصورة. راجع سجلّ انقطاعات المياه والكهرباء خلال السنوات الأخيرة لتكتشف أنّ كلّ ما تتحدّث عنه من مصطلحات فضفاضة كثقافة إدارة الأزمة وغيرها ما هي إلا وهم. لو كانت هناك إدارة أزمة لما انفجرت أنابيب المياه مرّة كلّ ثلاثة أشهر وبنفس النسخة الكربونيّة لنظيرتها السابقة، ولما انقطعت الكهرباء قبل حوالي سنتين عن قطاع جعلان لمدّة ثلاثة أيّام متوالية سكنوا خلالها الفنادق والشقق الفندقيّة في الولايات المجاورة، ولما ولما...ألخ.

يا عمّ كبّر دماغك. أيّ إدارة أزمة تتحدّث عنها.

 

"رمضانيّات"


(1)

في إحدى برامج المسابقات الإذاعيّة التي تصحو فجأة  في هذا الشهر الفضيل من بياتها السّنوي، طرحت مذيعة إحدى القنوات الإذاعيّة الخاصّة هذا السؤال: ما عاصمة الخلافة العربيّة الإسلاميّة زمن الدولة العبّاسيّة؟

لم تكد المذيعة تنتهي من إكمال طرح السؤال حتّى يتّصل أحدهم، وهو نموذج للشاب الذي تستطيع وأنت تسمع نبرات صوته أن تتخيّل لون دشداشته وكمّته، وشكل لحيته التي لابد أن تمر على حلاق تركيّ مساء كلّ يوم، ويمكن أن تستنتج كذلك هواياته التي ليست من بينها بالطبع قراءة الكتب.

بعد السلام والسؤال عن الأخبار، وبعد أن تطلب منه الإجابة يأتي الجواب الخالد: " ماشي خيارات"؟  فتردّ عليه المذيعة : عندك خيارين. دمشق، أم بغداااااااااااااد، أم بغداااااااااااد. بعد فترة من الحيرة والتردّد برغم كلّ المحاولات الجبّارة التي بذلتها المذيعة للتلميح بالإجابة، إلا أنّ صاحبنا : نتوكّل على الله ونقول دمشق.

على قناة أخرى وبعد أن أسهبت المذيعة في شرح قصّة المثل أتى السّؤال كالآتي : أكمل المثل التالي "عادت حليمة لـعادتها....". يتّصل أبو فهمي وهو متصل لا يختلف عن نظيره السابق. اعطنا الإجابة يا أبا فهمي، الإجابة هي البخل.

 تنذهل المذيعة من الإجابة وتقول لأبو فهمي: أنت بالتأكيد تمزح معنا، هيا قول الإجابة الصحيحة. يفكّر أبو فهمي قليلاً ويستحضر كلّ الموسوعات الثقافيّة التي يحتفظ بها في عقله الباطن ليجيب مرّة أخرى: زين نقول السّمن؟

المسكينة لا تعلم أنّ أبو فهمي كان جادّاً في إجابته، وأنّه باستثناء بضعة معلومات عن ميسّي ورونالدو وريال مدريد وبرشلونه وكأس العالم، والواتساب، وطرق تزيين السيّارات، وأهم محلات الحلاقة فإنّ الحصيلة الثقافيّة الجادّة تكاد تكون فارغة، وليس وحده من يعاني من ذلك، بل كثير من أبناء هذا الجيل الذين لم يقرأوا مجلّة ماجد، ولم يتربّوا على المسابقات الثقافيّة المدرسيّة أو المجتمعيّة. هو باختصار الجيل الذي يصطدم بك في كلّ مرّة تذهب إلى مجمّع تجاري، أو تمشي في ممرّات إحدى الكلّيّات الخاصّة والعامّة كذلك، أو لا يعطيك وجهاً في أيّ جلسة تجمعكم معاً لأنّه مشغول (لشوشته) بمحادثة إلكترونيّة مع مستقبل وهمي.

تذكّرت كيف كنّا نتعارك من منّا سيقرأ مجلّات "ماجد" أو " باسم" أو "مشاعل" أوّلاً، ومن منّا سيسعده الحظ للمشاركة في مسابقة المدرسة، أو الفريق، أو النادي الثقافيّة. تذكرت كذلك افتخاري وفرحتي في كلّ مرة أحصي فيها عدد المشاركين من السلطنة في البرامج الثقافيّة التي تعدّها إذاعة كالبي بي سي، أو الفائزين في مسابقة مجلّة " العربي" الثقافيّة، أو المساهمات الثقافيّة  والرسومات العمانيّة المنشورة في مجلات الأطفال السالف ذكرها.

(2)

أمّا الإعلانات التجاريّة المسموعة فذاك موّال آخر، وللأسف فإنّ كثيراً من هذه الإعلانات تمتاز بالسماجة وثقل الدم، وتحاول أن تصوّر المستهلك العماني وكأنّه مستهلك ساذج يلهث وراء أيّ عرض، ويصدّق أيّ كلام يقوله هذا الإعلان أو ذاك، كالإعلان الذي يبشّر فيه الزوج زوجته بأنّ مشاكلهم الماليّة في طريقها للحلّ من خلال زيارتهم للمحلّ الفلاني وتعبئتهم لكوبون الشراء الذي سيؤهّلهم للحصول على عشرة آلاف ريال مرّة واحدة، وكأنّه لا كوبونات أخرى سيتم تعبئتها من قبل الآخرين، وبالأخص من العمالة الوافدة، أو كالإعلانات ذات الجينات  الواحدة والتي تتحدّث عن فتاة  تخبر صديقاتها عن منتج أو عرض معيّن فتبادر الأخريات في نفس التوّ واللحظة إلى (الركض) نحو مصدر ذلك العرض أو المنتج للحصول عليه قبل فوات الأوان.

إعلان آخر يتحدث عن انتهاء مشكلة المواطن السكنية، وقدرته (أخيراً)على بناء منزل العمر، وذلك من خلال العرض (الخيالي) الذي يقدمه هذا البنك من خلال فوائده البسيطة،  والغريبة أنّ هذا المواطن يصدّق العرض ويركض جرياً كما يفعل الآخرون في بقيّة الإعلانات، نحو البنك وكأنّه لم يتعلّم من دروس الماضي في تعاملاته البنكيّة، وكأنه لا يعيش وسط مجتمع يعاني أغلب أفراده من التزامات مصرفيّة تكاد تقصم الظهر والوسط كذلك، أو تلك المؤسّسة المتخصّصة في الأدوات المنزليّة والتي اختارت لإعلاناتها عن تخفيضاتها السنويّة الوهميّة شخصاً علاقته باللغة العربيّة كعلاقتي برياضة (اليوجا)، وبعد أن كنت أغيّر المؤشر في كلّ مرّة أسمعه فيها، أصبحت متلهّفاً لانتظار وصلته الإذاعيّة كي أتخيّل ردّة فعل الخليل بن أحمد وسيبويه وبقيّة طلابهم تجاه هذا الإعلان لو سمعوه، وكنت أسأل نفسي في كلّ مرّة أسمعه: هل الرجل سيء جدّاً في النّحو إلى هذا الحدّ البشع، أم إنّها حيلة من المؤسّسة المعلنة لاجتذاب أكبر عدد من المستهلكين؟

المشكلة في بعض هذه الإعلانات أنّها تحاول تقمّص دور (السوبرمان) أو المنقذ من المشاكل المختلفة للمستهلك، أو أن تلعب دور مؤسّسة الضمان الاجتماعي، المشكلة كذلك أن بعض من يقدّمها أو يشارك فيها يكاد يتخلّى عن ضميره ورسالته مقابل العائد المادّي الذي سيحصل عليه، فجلّهم يعلمون أنّ هذه الإعلانات لا تعبّر عن حقيقة المضمون، وأنّ هدفها هو جذب المستهلك بأيّ طريقة كانت. وقد نعذر البعض في بعض الإعلانات التي قد لا تؤثّر على صحّة وسلامة المستهلك، ولكن المصيبة في من يشترك في تقديم إعلان حول منتج غذائي أو تجميليّ مضر بالصحّة أو بالجسد، ثمّ يأتي ليقول لك إنّه منتج طبيعي 100%، أو أن يصوّر لك لهفة أطفال العائلة على تناوله في وجبات الطعام الرئيسيّة وهو يعلم علم اليقين أضرار هذا المنتج وتأثيراته.

من أغرب الإعلانات التي سمعتها ذلك الإعلان الذي يقول " سيّارة لك، وسيّارة للعيلة.. السما مطّرت ذهب وأنا ما أدري"، ولعلّ وجه الغرابة في هذا الإعلان يعود إلى أنّ كلمة (العيلة) باللهجة العامّيّة العمانيّة تعني "بنت البقرة".

ولا أعلم كيف تمرّ هذه الإعلانات من مقصّ الرقيب دون إبداء أيّة ملاحظات كهذه. وهل أصبح المواطن ساذجاً إلى هذا الحد في نظر البعض ؟ فلنكثر من  هذه الإعلانات دامها ستساهم في حل مشاكلنا بهذه البساطة.

(3)

في الوقت الذي يخشى فيه المجتمع من التأثير السلبي لبعض أدوات التواصل الاجتماعي وتحديداً (الواتساب) إلا أنّ هناك بعض المجموعات الشبابيّة التي تجمع نخبة من جيل الخبرة والشباب من مختلف التوجهات الفكرية والثقافية والعلمية التي استطاعت أن تطوّع وسيلة كهذه كي تكون أداة ايجابيّة يتم استغلالها في مناقشة القضايا المجتمعيّة المختلفة، وطرح الحلول والمبادرات ، بل إنّ بعضها قد نجح في الخروج من فضاء التكنولوجيا إلى حيّز الواقع، عبر إدارة وتنظيم  سلسلة من الفعاليّات الفكريّة والاجتماعيّة المختلفة، الرامية إلى الإسهام في دفع الحراك الشعبي وتفعيل الحوار الوطني.

ما لمسته الأسبوع الفائت من دعاية وإعلان وتنظيم وإدارة وحسن تعامل في ندوة "التراث والثقافة العمانية " التي دشّنها صالون صوت عمان الثقافي، كباكورة لفعالياته الثقافيّة خلال هذا الشّهر الفضيل كان فوق مستوى الوصف، فمن يرى ذلك التنظيم والحضور لن يعتقد مطلقاً أنّ وراء تلك الفعاليّة مجموعة من الشباب جمعهم الفضاء الإلكتروني عبر تطبيق الواتساب. ذلك أن الفعاليّة كانت فوق قدرة مؤسّسات بأكملها، فما بالك بمجموعة من الشباب المتحمّس.

حقّاً إنّها عمان.

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

الثلاثاء، 24 يونيو 2014

لماذا "الرؤية"؟



في صبيحة كلّ يوم عمل، وبينما يقدّم لي جريدة الصّباح اليوميّة يبادرني هاني بنفس السؤال الخالد: لماذا     (الرؤية)دون غيرها؟أراها صغيرة الحجم مقارنة بالبقيّة، فلماذا لا تطلب منّي أن أحضر لك الأخريات؟

أي هاني.. ربما لا تكون جريدتي المفضّلة  هي الأكثر انتشاراً، وربّما لا تكون الأكثر في عدد الصفحات، وربّما لا تحوي الملاحق (إيّاها) التي تحوي اعلانات تعيد الشيخ إلى صباه، وتهبك فرصة الحصول على إكسير الشباب الخالد، وتمنح جسدك النضارة والنقاء، وتخلّصك من كافّة الأمراض المستعصية وغير المستعصية، ومع ذلك أنا حريص على البحث عنها صبيحة كلّ يوم، وقد أقيم الدنيا على رأسك لو لم تحضرها لي. هل تعلم لماذا كلّ هذا؟ ما يعجبني في ( الرؤية ) أوّلاً هي الواقعيّة في الطرح، فلا عناوين مثيرة، ولا تهويل في طرح القضايا والمواضيع، ولا ألوان حمراء هنا وهناك، ولا نفاق زائد عن الحد.

يعجبني فيها كذلك  أنّها تحترم وقت القارئ، فلا (لتّ)، أو (عجن) للأخبار، ولا تكرار في الأفكار. خذ معك الصفحة الرياضيّة على سبيل المثال هي صفحة واحدة ولكنها تختصر لك كل ما تحويه عشرات الصفحات في ملاحق الصحف الأخرى، وقس على ذلك بقيّة الأبواب والموضوعات.

يشدّني فيها أيضاً الحياد الصحفي والتوازن الكبير في عرض الأخبار العربيّة والاقليميّة والعالميّة دون تحيّز لهذا الطرف أو ذاك، ودون توجيه لفكر القارئ، فمادامت الجريدة لا تمثل جهة رسميّة أو  حكوميّة أو حزبيّة أو نقابيّة، وما دامت جريدة خاصّة فهي إذاً ملك القارئ لا ملك أصحابها، وإذا كان لمالكها أو رئيس تحريرها رأي فكري أو سياسي خاص فليعبّر عنه في عموده اليوميّ أو الأسبوعيّ، وليعط للآخرين فرصة طرح آرائهم حتّى لو اختلفوا معه، فهذه هي أبسط بديهيّات الصحافة، أمّا أن ترغم قارئك على مسار فكريّ معيّن، أو أن تجبره على أن يكتب في نفس الاتجاه الذي تسير فيه، أو أن تحاول توجيه فكره لمجرّد أنّك تميل للطرف هذا أو ذاك، أو لمجرّد أنّك تحبّ الوجبة أو الأغنية هذه دون غيرها، فهذه من وجهة نظري هي قمّة الديكتاتوريّة في الطرح الصحفي، حتّى لو تكفّلت ملاحقك التجارية بتحقيق المطلوب من انشائك لهذه الصحيفة، وحتّى لو اقتنعت أنّ هناك من سيشتري صحيفتك لمجرّد كبر حجمها، أو عدد أوراقها، أو احتوائها على إعلانات وظائف، أو اعلانات من النوع الذي يعيد الشيخ إلى صباه.

مما يجعلني متلهّفاً عليها كذلك هما صفحتي المقالات "رأي"، و"رؤى" اللتان أعتبرهما درّة تاج الجريدة، بمقالاتهما المتنوّعة، والمتباينة، بحيث يمكن أن تجد مقالاً يؤيّد فكرة أو قصيّة ما، وبجواره مقال آخر يعارض الفكرة تماماً، في جوّ من الحرّيّة الصحفيّة التامّة، والاحترام الكبير لصاحب المقال وللمتلقّي كذلك، وهو أمر يصعب أن تجده في صحف خليجيّة وعربيّة كثيرة يغلب عليها طابع الرأي الواحد.

يأسرني في (الرؤية) احترامها وتقديرها لكتّابها والمنتسبين إليها، فبرغم البون الشاسع في الإمكانات المادّيّة مقارنة ببعض المؤسسات الصحفيّة الأخرى، إلا أن كتّاب الرؤية لهم قيمتهم الكبيرة لدى أصحاب المؤسسة، فعدا المكافئات الشهريّة التي تدفع لهم، فإنّه لا تكاد تمرّ مناسبة اجتماعيّة ما دون دعوتهم لحفلات إفطار أو غداء أو تكريم، يلتقون فيها معاً، يجددون صداقاتهم، ويناقشون أفكارهم ورؤاهم في جو أدبيّ واجتماعيّ نكاد نفتقده كثيراً في حياتنا اليوميّة.

مّما يجعلني أرفع القبّعة كذلك لهذه المؤسّسة هي مبادراتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأدبيّة المتنوّعة، والتي هي بحاجة إلى سلسلة مقالات قد لا توفيها حقّها، خذ لديك على سبيل المثال لا الحصر: منتدى الرؤية الاقتصادي، جائزة الرؤية الاقتصادية، مبادرة "مركز الرؤية للشباب" لتعزيز ثقافة ريادة الأعمال"، مكتبة السندباد المتنقلة للأطفال، دعم طباعة الكتب المتنوعة...ألخ.

ترى هل سمعت عن ( حاتم الطائي)؟  لا أقصد حاتم الطائي الذي درست سيرته في تاريخ العرب القديم، والذي سمعت عن حكاياته الأسطورية في الكرم هنا وهناك، أقصد الأستاذ حاتم بن حمد الطائي رئيس تحرير جريدة الرؤية. عموما لا اختلاف كبير بين الشخصيتين، فهما من نفس القبيلة، ويحملان كثيراً من الجينات المتشابهة. الأستاذ حاتم الطائي هو رجل أعمال، ولكنّه في نفس الوقت صحفي ناجح، وسينمائي بارع. يعني باختصار هو رجل مثقّف وهنا مربط الفرس. أن تكون رئيس تحرير مثقّف خير من أن تكون رئيس تحرير غني أو ذو واسطة، الأمران يختلفان تماماً لكل من درس الصحافة أو عمل بها، أو حتّى يتابع خباياها بشكل مستمر . كان بإمكان الأستاذ حاتم أن يستثمر أمواله في عشرات المشاريع التي قد تجلب الربح المضمون دون "دوخة رأس"، ولكنه اختار الاستثمار في مجال يعلم جيداً أنّه سيعاني في سبيله الكثير، وسيبذل الأكثر، كل ذلك مقابل الفكرة والرسالة والهدف الذي آمن به. أمثال الاستاذ حاتم يخلصون جدّاً للفكرة التي آمنوا وحلموا بها منذ صغرهم، لذا ليس غريباً أن يكون مكوثهم في مكاتبهم الصحفيّة أضعافها في صالوناتهم الوثيرة، وأن تكون رائحة أحبار الطباعة أكثر شذى من روائح العطور الباريسيّة. لا يمكن لصحيفة أن تنجح ما لم يكن ورائها رجل يقدّر بالفعل حجم المتاعب التي يمكن أن يجنيها من وراء رسالة صحيفته، وبالتالي يمتلك النفس الطويل في الصبر والاستمرار، وهذا لن يتأتّى ما لم يكن هذا الرجل من نفس (الكار)، أي أنّه تشرّب الصنعة، وعرف أسرارها، وهذا ما ينطبق على رئيس تحرير (الرؤية).

هل تعرف (عبد الله خميس)؟ في زمن أصبح فيه كثير ممّن يدّعون الثقافة والتنوّر يتعاملون مع الآخر بحسب توجّهاته الفكريّة، ويحوّلون اختلاف الرؤى إلى خلافات شخصيّة، مقدمين المبدأ الذي يقول "إن لم تكن معي فأنت ضدّي"، ولتذهب العبارة القائلة" اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضيّة" إلى الجحيم،   إلا أن عبد الله  خميس هو شخص آخر مغاير لهؤلاء تماماً، فبالرغم من أنّه يحمل أفكاراً وتوجّهات قد تختلف مع كثيرين من كتّاب صفحة "رؤى" التي يشرف على إعدادها(وهذا حقّه)، ومع أن بعضاً لا بأس به من مقالات هؤلاء الكتّاب قد تتعارض مع قضايا يؤمن بها عبد الله، أو تحمل نقداً لها، إلا أنّه لم يسع يوماً لكي يمارس ديكتاتوريّة معيّنة، أو أن يفرض رأياً أو أسلوباً أحاديّاً يطغى على الصفحة، أو أن يستبدل كتّابها بآخرين يشاركونه نفس التوجّه الفكري، بل على العكس تماماً، فهو خارج حدود الصّفحة قد يناقشك في آرائك وتوجّهاتك حول قضيّة فكريّة ما حتى الصباح، وقد يختلف معك مليون درجة، ولكنّه مستعد أن يواجه العالم بأكمله من أجل حقّك في نشر فكرتك كاملة دون أي تغيير أو تعديل، وقد يترك الصحيفة نفسها فيما لو شطب حرف واحد من مقالك دون رغبتك، ولا تتعدى ملاحظاته أو تدخّلاته إبداء رأي بشكل مهذّب في تغيير عنوان المقال إلى آخر أكثر تأثيراً أو وضوحاً، أو حذف كلمة صيغت بشكل لغوي غير سليم. شخص كهذا هل يتكرر كثيراً في صحفنا العربيّة؟

هل عرفت الآن لماذا أحرص على قراءة هذه الجريدة كل صباح؟

 

(إنّه زمن الدّنجو)
 

في الوقت الذي كان فيه المجتمع العماني مشغولاً بمتابعة ومناقشة تداعيات قرار مجلس الوزراء الموقّر القاضي بتعديل قرار حظر رفع أسعار السلع والخدمات الذي أصدره رئيس الهيئة العامّة لحماية المستهلك في وقت سابق، وتحديد قائمة السلع التي تراقب الهيئة العامة لحماية المستهلك أسعارها، كانت قاعة (السرايا) في فندق سيتي ستار انتركونتننتال بالقاهرة تشهد افتتاح مؤتمر "حماية المستهلك في الوطن العربي.تحديات ورؤى مستقبلية"، والذي تنظمه الهيئة العامة لحماية المستهلك بالتعاون مع مجلس الوحدة الإقتصاديّة العربيّة، وجهاز حماية المستهلك المصري، بمشاركة دولية واقليمية واسعة، وحضور إعلامي فاق التوقّع، وسط اعجاب الكثير من هذه الجهات بتجربة الهيئة الرائدة خلال الفترة القصيرة لنشأتها، واتخاذها كأنموذج يحتذى به في مجال حماية المستهلك، بل والتوصية بإنشاء هيئة عربيّة لحماية المستهلك يكون مقرّها السلطنة.

وفي الوقت الذي كانت إحدى حواسّي مشغولة بتمعّن فقرات القرار (العجيب) ومحاولاتي اليائسة لفهمه وإدراك مغزاه، كانت حاسّتي الأخرى تستمع إلى كلمات الإطراء العفويّة الصادقة التي كانت تنطلق من حناجر وأفئدة مسئولين وأساتذة ومختصّين في مجال حماية المستهلك تجاه التجربة العمانيّة غير المسبوقة عربيّاً، بينما يلاحقني مندوبي الصحف والقنوات الإعلاميّة المصريّة بسؤال واحد: ما سرّ هذا النجاح الذي يجعل الكل لا حديث له سوى هذه التجربة، بل إنّ إحداهنّ تساءلت عن جنسيّة أمين عام مجلس الوحدة الاقتصاديّة العربيّة، وهل هو عمانيّ، وذلك تعليقاً على كلمته الافتتاحيّة التي حملت عنواناً واحداً، هو عمان، وشعبها الطيّب، وتجربتها المهمّة في مجال حماية المستهلك.

أترك المؤتمر قليلاً لأعود إلى القرار، فبعيداً عن مدى كون الدنجو، والفول، والفاصوليا، ومعجون الأسنان تعدّ هي السّلع الأساسيّة الأهم بالنسبة للمستهلك العماني، وبعيداً عن أنّ اللجنة الاقتصاديّة بمجلس الوزراء لم تجد أيّة قضايا اقتصاديّة محلّيّة أخرى مهمّة لتدارسها سوى هذا القرار، وبعيداً عن أنّها لم تسمع عن الاحتكار الذي يمارسه البعض في كثير من السلع الأساسيّة وغير الأساسيّة، وبعيداً عن صمت اللجنة عن (تغوّل) الوافدين في السوق المحلّي وسيطرتهم على كثير من مفاصل الاقتصاد الوطني، وبعيداً عن أهميّة  توجيه الشباب بشكل حقيقي إلى سوق العمل بدلاً من تهافتهم على الوظائف الحكوميّة، وبعيداً عن أن هناك قضايا اقتصاديّة واجتماعيّة كثيرة بحاجة إلى قرارات (ملزمة) كهذه، وبعيداً عن وجود كثير من التوصيات والمقترحات (المهمّة) التي تطرحها الجهات المختلفة تجاه القضايا المجتمعيّة المختلفة مهملة خلف الأدراج في خبايا مجلس الوزراء قد عفى عليها الزمن وأكل وشرب منها، والتي لو نفّذ ربعها لغدا مجتمعنا مختلفاً بشكل كبير.

بعيداً كذلك عن كون غرفة تجارة وصناعة عمان (التي تم الاعتماد على دراسة قديمة لها في هذا الشأن) تعبّر عن طرف واحد فقط ألا وهم التجّار ورجال الأعمال، وهؤلاء بالطبع يتحرّكون وفق مبدأ الربح والخسارة.

بعيداً أيضاً عن أنّ المبرّر القائل بأنّ قرار رئيس الهيئة بحظر رفع الأسعار يخلّ بمبادئ الاقتصاد الحرّ من منطلق أن "الاقـتصاد الوطني أساسه مبادئ الاقـتصاد الحـر"، كما أشار النظام الأساسي بذلك، هو مبرّر واهي كون أنّ هذا النظام أتى بكلمة مهمّة قبل الجملة السابقة بحيث يكون البند كالآتي "الاقـتصاد الوطني أساسه (العدالة) ومبادئ الاقـتصاد الحـر، وقوامـه التعاون البناء المثمـر بين النشاط العـام والنشاط الخاص"، إذاً فالعدالة قد سبقت تلك المبادئ، وتحقيق هذه العدالة يستدعي عدداً من الأمور يأتي قرار رئيس الهيئة كأحدها.

 بعيداً عن التساؤل البديهي الذي يمكن أن يطرحه أيّ متابع للقرار حول كيف للمجلس أن يسمح لقراراً كهذا طيلة ثلاث سنوات أن يثبّط عمليّات الانتاج، ويقتل روح الابتكار، ويخفّض الجودة، ويوجد سوق سوداء ألخ ألخ ألخ ألخ، دون تدخّل من قبلهم، وأين هي المؤشرات التي توضّح ذلك، ولماذا الآن فقط بدأ الشعور بخطورة ذلك القرار.

بعيداً عن علاقة السوق السوداء بقرار حظر رفع أسعار السلع، علماً بأنّ السوق السوداء (كا يعلم أيّ طفل في الروضة) تنشط في حالات عديدة من بينها وجود احتكار للسلع من قبل البعض، أما في حالة قرار رئيس الهيئة فالموضوع يتعلّق بتثبيت أسعار السلع مع عدم الممانعة في تخفيضها، فكيف سيشجع على ظهور سوق سوداء.

بعيداً عن كلّ هذا وذلك، يبدو أنّنا مقدمون في المرحلة القادمة على تغيير كثير من الثقافات المجتمعيّة لدينا بحيث يصبح (الدنجو) والفول والفاصوليا الحمراء هي الوجبات الأساسيّة لدينا، ويبدو أن قائمة الطعام التي كنت أتندّر عليها وأنا أراها مكتوبة على ظهر عربات الفول المحمولة في شوارع القاهرة كلّ صباح ستصبح إلزاميّة بالنسبة للعبد لله ولغيره من المواطنين، وليس غريباً أن يصحى الفرد منّا صباحاً ليجد زوجته قد أعدّت له بعضاً من الفاصوليا الحمراء، والفول بالزّيت الحار، وبعض (الدنجو) المطبوخ، ولا تستغرب عزيزي القارئ إن رأيت في طريقك محلات وأكشاك جديدة صمّمت على طريقة محلات (الكرك) بتسمياتها المختلفة، وبدلاً من عبارات شاي بالحليب، أو شاي كرك بالهيل، أو خبر الرغال، ستظهر مصطلحات غذائيّة جديدة مثل فول مدمّس، فول نابت، فول بالدقّة، فول بالليمون والبصل، فول بالبيض والطحينة، فاصوليا بالطماطم، حمّص الشام.

كما أنّ معرض الكتاب القادم قد يحوي كتباً جديدة للطبخ على غرار (50 طريقة لإعداد الفول)، (الفول المدمّس..كل وغمّس)،( دنجو ام خلفان)، (فوائد الفاصوليا في الشريعة الإسلاميّة والعلم الحديث).

ولا تنس عزيزي القارئ أننا مقبلون على شهر رمضان الكريم، وبما أنّ اليوم سيكون طويلاً، والأجواء حارّة، فلا طعام أفضل من الفول كي تتناوله في السحور، فهو ( يخلّي البطن زيّ الزلط) على قول أحبابنا المصريين، ومع الفول سيكون صيامك هذه السنة خفيفاً، بحيث لن تشعر معه بالجوع أو العطش.

بالمناسبة.. حمّص الشام هو اسم الدلع للدنجو.

د.محمد بن حمد العريمي

 

 

 

الأحد، 8 يونيو 2014

(كيف نرتقي بمنظومة التعليم)


في ندوتنا شبه اليوميّة قال لي: إذا ما أخذنا في الاعتبار تاريخ عمان الطويل مع العلم والعلماء، وتجانس الشعب العماني، وارتباطه ببلده، وولائه لقائده، وحرص جلالة السلطان واهتمامه البالغ بمسألة دفع المسيرة التعليمية في البلاد، ونهجه السّامي نحو اتخاذ العلم الطريق الأمثل لتشكيل الإنسان العمانيّ، ونقله نحو الآفاق الحضارية مع الاحتفاظ بالقيم الأصيلة للشعب العماني، فإنّنا نستطيع أن نجعل من بلدنا في مصاف الدول المتقدمة في المنطقة، بل وفي العالم ككلّ. فما الذي يستلزمه منّا تحقيق ذلك؟
 قلت له: موضوع كهذا يكاد يكون قد أشبع بحثاً ونقاشاً، وكثيرة هي الندوات والمؤتمرات والورش، بل وحتّى الجلسات الخاصّة والعامّة التي تناولته، ووضعت لأجله عشرات المقترحات والتوصيات التي تنتظر فقط من يلتفت إليها بصدق ويأخذ ببعض ما ذهبت إليه.
وما دمت قد طرحت السؤال فلا بأس بشيء من التكرار حوله، وإليك هذه النقاط: يستلزم منا تحقيق ذلك أن نبدأ من الأساس، وأن نحدّد الأهداف العامة التي نريد انجازها، أي بمعنى ماذا نريد من هذا المنتج بعد نحو 16 عاماً من التعليم المدرسي والجامعي، وما درجة الجودة المصاحبة له والتي تؤهله لكي ينافس في سوق العمل، فلا تكفي زيادة عدد الجامعات الحكومية والخاصة، أو كثرة  عدد معاهد التدريب المهني وكليات التقنية العليا، أو ارتفاع نسبة عدد البعثات، إذا لم يصاحب ذلك كله تحديداً دقيقاً  للأهداف من كل ذلك، وتغييراً في الفكر لدى المجتمع ككل حول أهمية التعليم كاستثمار طويل المدى قد يغنينا عن كثير من الثروات الطبيعية، وأن يعي الطالب أهمية اختيار التخصص المناسب لفكره ومهارته، وألا يستهين بأي نوع من التدريس ما دام قادراً على صقل مهاراته وإبراز إمكاناته، وما دام قادراً على إضافة ما يجعله يخرج إلى المجتمع فرداً مهماً منتجاً.
    يستلزم منا كذلك إيجاد شراكة حقيقية بين القائمين على شئون التعليم المدرسي، ونظرائهم في التعليم العالي الخاص والحكومي من حيث الاشتراك في وضع البرامج وتقييمها، وتبادل الخبرات، والاشتراك في برامج الإنماء المهني المتعددة، ومن حيث التركيز على أهمية التحاق الطالب بالتخصص المناسب لإمكاناته وقدراته، ووضع معايير تقيس مدى رغبة أو قدرة هؤلاء الطلبة على الالتحاق بالتخصصات التي يريدونها، لأن العملية التعليمية ينبغي أن تكون متصلة طوال فترة الدراسة في المرحلتين بنفس الأهداف العامة دون فصل بينهما.
    يستدعي كذلك أن تتغير النظرة تجاه التعلم التقني والمهني، فمازالت شريحة من المجتمع تنظر  لهذا النوع من التعليم  نظرة دونية، وأنه مكان من لا مكان لهم بين أروقة الجامعات، وللأسف فهذه النظرة لم تتغير كثيراً منذ فترة طويلة، ومازلت أتذكر العشرات من المعارف ممن تركوا هذا النوع من التعليم لحجج واهية، دون تبصير حقيقي بأهميته من قبل الأطراف المعنية سواء كانوا أهلاً أم وسائل إعلام، أم مسئولين عن هذا النوع من التعليم، متناسين أن المجتمع لا يقوم بدون مخرجات هذا النوع، وغير مدركين أن بعض الدول قد تقبل السباك أو النجار أو الميكانيكي الماهر للهجرة إليها، وفي نفس الوقت قد ترفض حامل شهادة الدكتوراه في أحد التخصصات الإنسانية، لأن هذه المجتمعات تدرك جيداً أهمية هذا النوع من التعليم، ومدى تأثيره في المجتمعات المتقدمة المتواصلة النمو الاقتصادي، ولربما يعود جزء من هذه النظرة الدونية لدينا تجاه التعليم التقني إلى ضعف الاهتمام به في مدارسنا في ظل نظام حصص لا يسمح كثيراً بأن نكشف عن إمكانات الطلاب المهنية، خاصة بعد إلغاء نظام التعليم الثانوي التجاري والصناعي والزراعي الذي كان مطبقاً في فترة من الفترات.
        يستدعي ذلك مراجعة أنظمتنا التعليمية من فترة لأخرى، للتحقق من مدى مواكبتها للتطور الحاصل في المعلوماتية، والاطلاع على تجارب الدول التي قدمت نماذج مجيدة في الاستثمار في مجال  التنمية البشرية، وأخذ المفيد من هذه التجارب بعد تطويعها لتتماشى مع واقع المجتمع العماني وخصائصه المختلفة.
يتطلب أيضاً التفعيل الجيد للتكنولوجيا في التعليم، فما زالت كثير من الأسر لا تقتني  جهاز حاسوب واحد، ومازال التعامل الورقي سائداً، ومازالت كثير من أنماط التعليم تعتمد على التلقين والحفظ والمحاضرة.
يستلزم منا أيضاً الاهتمام بالبحث العلمي بشكل جاد، وتخصيص ميزانيات مفتوحة لتمويل المشاريع والبحوث المختلفة، وتوفير المطبوعات العلمية المحكمة، فبلدنا زاخرة بالكثير من الخبايا المهمة في كافة المجالات، أين نحن مما تحويه بحارنا وصحارينا وجبالنا وسهولنا وودياننا، وأين نحن من تراثنا الزاخر بأنماط الثقافة المختلفة.
يستدعي ذلك تخصيص يوم للعلم، تخصص فيه جوائز على أعلى مستوى  لتكريم المجيدين في مجالات العلم المختلفة سواء كتشجيع للبعض، أو كتقدير للبعض الآخر، وتعرض فيه آخر ما توصلنا إليه من نتائج  لمشاريعنا ودراساتنا وبحوثنا المتعددة.
     يستلزم الاستفادة من العشرات من الباحثين والمتخصصين القابعين خلف المكاتب، والذين ينتظرون من يحنّ عليهم بدعوتهم لندوة، أو للاشتراك في بحث، أو لإلقاء محاضرة، أو لعرض نتائج ما قام به من دراسة في إحدى مجالات المعرفة المتنوعة.
يستلزم برامج إعلامية موجّهة، تبدأ من الناشئة، تفعّل الحوار، وتعرض للنماذج المجيدة من أبناء الوطن، وتناقش ما يتم تجميعه من ملاحظات قد تثري العملية التعليمية، وتجعل الشباب أكثر وعياً بأهميتها وأهميتهم في تشكيل مستقبل وطنهم، وتكون عوناً لصانع القرار من خلال ما تطرحه من رؤى وأفكار بنّاءه.
يتطلب كذلك مشاركة جادة من القطاع الخاص وأصحاب رؤوس الأموال، فلا يكفي أن نتبرع لبناء مسجد فقط، أو لدعم فريق الكرة بالنادي الفلاني، ما الذي يمنع لو تبنى بعض المقتدرين تدريس عشرة طلاب كل سنة على سبيل المثال، أو لو خصصت بعض المؤسسات نسب محددة من إجمالي دخلها لدعم العملية التعليمية في المجتمع المحيط بها.
يتطلب الاهتمام بالتعليم أشياء كثيرة قد لا تكفيها عشرات المقالات.. الأهم من هذا وذاك هو أن نعي بصدق أن العلم هو طريقنا الحقيقي والمضمون للحفاظ على مكاسبنا التي تحققت، ولضمان الرخاء الذي تحقق، فبلد الخليل وابن القاسم وابن دريد والسالمي وغيرهم ممن سطّرت كتب التاريخ أسماؤهم مقترنة بعمان لقادرة على إنجاب أسماء أخرى يكون لها السبق في مجالات العلم المختلفة، تكمل مسيرة من سبقها، وتستحث من يليها على مواصلة السير في نفس الطريق.