السبت، 12 يوليو 2014

رمضانيّات


(1)

في إحدى برامج المسابقات الإذاعيّة التي تصحو فجأة  في هذا الشهر الفضيل من بياتها السّنوي، طرحت مذيعة إحدى القنوات الإذاعيّة الخاصّة هذا السؤال: ما عاصمة الخلافة العربيّة الإسلاميّة زمن الدولة العبّاسيّة؟

لم تكد المذيعة تنتهي من إكمال طرح السؤال حتّى يتّصل أحدهم، وهو نموذج للشاب الذي تستطيع وأنت تسمع نبرات صوته أن تتخيّل لون دشداشته وكمّته، وشكل لحيته التي لابد أن تمر على حلاق تركيّ مساء كلّ يوم، ويمكن أن تستنتج كذلك هواياته التي ليست من بينها بالطبع قراءة الكتب.

بعد السلام والسؤال عن الأخبار، وبعد أن تطلب منه الإجابة يأتي الجواب الخالد: " ماشي خيارات"؟  فتردّ عليه المذيعة : عندك خيارين. دمشق، أم بغداااااااااااااد، أم بغداااااااااااد. بعد فترة من الحيرة والتردّد برغم كلّ المحاولات الجبّارة التي بذلتها المذيعة للتلميح بالإجابة، إلا أنّ صاحبنا : نتوكّل على الله ونقول دمشق.

على قناة أخرى وبعد أن أسهبت المذيعة في شرح قصّة المثل أتى السّؤال كالآتي : أكمل المثل التالي "عادت حليمة لـعادتها....". يتّصل أبو فهمي وهو متصل لا يختلف عن نظيره السابق. اعطنا الإجابة يا أبا فهمي، الإجابة هي البخل.

 تنذهل المذيعة من الإجابة وتقول لأبو فهمي: أنت بالتأكيد تمزح معنا، هيا قول الإجابة الصحيحة. يفكّر أبو فهمي قليلاً ويستحضر كلّ الموسوعات الثقافيّة التي يحتفظ بها في عقله الباطن ليجيب مرّة أخرى: زين نقول السّمن؟

المسكينة لا تعلم أنّ أبو فهمي كان جادّاً في إجابته، وأنّه باستثناء بضعة معلومات عن ميسّي ورونالدو وريال مدريد وبرشلونه وكأس العالم، والواتساب، وطرق تزيين السيّارات، وأهم محلات الحلاقة فإنّ الحصيلة الثقافيّة الجادّة تكاد تكون فارغة، وليس وحده من يعاني من ذلك، بل كثير من أبناء هذا الجيل الذين لم يقرأوا مجلّة ماجد، ولم يتربّوا على المسابقات الثقافيّة المدرسيّة أو المجتمعيّة. هو باختصار الجيل الذي يصطدم بك في كلّ مرّة تذهب إلى مجمّع تجاري، أو تمشي في ممرّات إحدى الكلّيّات الخاصّة والعامّة كذلك، أو لا يعطيك وجهاً في أيّ جلسة تجمعكم معاً لأنّه مشغول (لشوشته) بمحادثة إلكترونيّة مع مستقبل وهمي.

تذكّرت كيف كنّا نتعارك من منّا سيقرأ مجلّات "ماجد" أو " باسم" أو "مشاعل" أوّلاً، ومن منّا سيسعده الحظ للمشاركة في مسابقة المدرسة، أو الفريق، أو النادي الثقافيّة. تذكرت كذلك افتخاري وفرحتي في كلّ مرة أحصي فيها عدد المشاركين من السلطنة في البرامج الثقافيّة التي تعدّها إذاعة كالبي بي سي، أو الفائزين في مسابقة مجلّة " العربي" الثقافيّة، أو المساهمات الثقافيّة  والرسومات العمانيّة المنشورة في مجلات الأطفال السالف ذكرها.

(2)

أمّا الإعلانات التجاريّة المسموعة فذاك موّال آخر، وللأسف فإنّ كثيراً من هذه الإعلانات تمتاز بالسماجة وثقل الدم، وتحاول أن تصوّر المستهلك العماني وكأنّه مستهلك ساذج يلهث وراء أيّ عرض، ويصدّق أيّ كلام يقوله هذا الإعلان أو ذاك، كالإعلان الذي يبشّر فيه الزوج زوجته بأنّ مشاكلهم الماليّة في طريقها للحلّ من خلال زيارتهم للمحلّ الفلاني وتعبئتهم لكوبون الشراء الذي سيؤهّلهم للحصول على عشرة آلاف ريال مرّة واحدة، وكأنّه لا كوبونات أخرى سيتم تعبئتها من قبل الآخرين، وبالأخص من العمالة الوافدة، أو كالإعلانات ذات الجينات  الواحدة والتي تتحدّث عن فتاة  تخبر صديقاتها عن منتج أو عرض معيّن فتبادر الأخريات في نفس التوّ واللحظة إلى (الركض) نحو مصدر ذلك العرض أو المنتج للحصول عليه قبل فوات الأوان.

إعلان آخر يتحدث عن انتهاء مشكلة المواطن السكنية، وقدرته (أخيراً)على بناء منزل العمر، وذلك من خلال العرض (الخيالي) الذي يقدمه هذا البنك من خلال فوائده البسيطة،  والغريبة أنّ هذا المواطن يصدّق العرض ويركض جرياً كما يفعل الآخرون في بقيّة الإعلانات، نحو البنك وكأنّه لم يتعلّم من دروس الماضي في تعاملاته البنكيّة، وكأنه لا يعيش وسط مجتمع يعاني أغلب أفراده من التزامات مصرفيّة تكاد تقصم الظهر والوسط كذلك، أو تلك المؤسّسة المتخصّصة في الأدوات المنزليّة والتي اختارت لإعلاناتها عن تخفيضاتها السنويّة الوهميّة شخصاً علاقته باللغة العربيّة كعلاقتي برياضة (اليوجا)، وبعد أن كنت أغيّر المؤشر في كلّ مرّة أسمعه فيها، أصبحت متلهّفاً لانتظار وصلته الإذاعيّة كي أتخيّل ردّة فعل الخليل بن أحمد وسيبويه وبقيّة طلابهم تجاه هذا الإعلان لو سمعوه، وكنت أسأل نفسي في كلّ مرّة أسمعه: هل الرجل سيء جدّاً في النّحو إلى هذا الحدّ البشع، أم إنّها حيلة من المؤسّسة المعلنة لاجتذاب أكبر عدد من المستهلكين؟

المشكلة في بعض هذه الإعلانات أنّها تحاول تقمّص دور (السوبرمان) أو المنقذ من المشاكل المختلفة للمستهلك، أو أن تلعب دور مؤسّسة الضمان الاجتماعي، المشكلة كذلك أن بعض من يقدّمها أو يشارك فيها يكاد يتخلّى عن ضميره ورسالته مقابل العائد المادّي الذي سيحصل عليه، فجلّهم يعلمون أنّ هذه الإعلانات لا تعبّر عن حقيقة المضمون، وأنّ هدفها هو جذب المستهلك بأيّ طريقة كانت. وقد نعذر البعض في بعض الإعلانات التي قد لا تؤثّر على صحّة وسلامة المستهلك، ولكن المصيبة في من يشترك في تقديم إعلان حول منتج غذائي أو تجميليّ مضر بالصحّة أو بالجسد، ثمّ يأتي ليقول لك إنّه منتج طبيعي 100%، أو أن يصوّر لك لهفة أطفال العائلة على تناوله في وجبات الطعام الرئيسيّة وهو يعلم علم اليقين أضرار هذا المنتج وتأثيراته.

من أغرب الإعلانات التي سمعتها ذلك الإعلان الذي يقول " سيّارة لك، وسيّارة للعيلة.. السما مطّرت ذهب وأنا ما أدري"، ولعلّ وجه الغرابة في هذا الإعلان يعود إلى أنّ كلمة (العيلة) باللهجة العامّيّة العمانيّة تعني "بنت البقرة".

ولا أعلم كيف تمرّ هذه الإعلانات من مقصّ الرقيب دون إبداء أيّة ملاحظات كهذه. وهل أصبح المواطن ساذجاً إلى هذا الحد في نظر البعض ؟ فلنكثر من  هذه الإعلانات دامها ستساهم في حل مشاكلنا بهذه البساطة.

(3)

في الوقت الذي يخشى فيه المجتمع من التأثير السلبي لبعض أدوات التواصل الاجتماعي وتحديداً (الواتساب) إلا أنّ هناك بعض المجموعات الشبابيّة التي تجمع نخبة من جيل الخبرة والشباب من مختلف التوجهات الفكرية والثقافية والعلمية التي استطاعت أن تطوّع وسيلة كهذه كي تكون أداة ايجابيّة يتم استغلالها في مناقشة القضايا المجتمعيّة المختلفة، وطرح الحلول والمبادرات ، بل إنّ بعضها قد نجح في الخروج من فضاء التكنولوجيا إلى حيّز الواقع، عبر إدارة وتنظيم  سلسلة من الفعاليّات الفكريّة والاجتماعيّة المختلفة، الرامية إلى الإسهام في دفع الحراك الشعبي وتفعيل الحوار الوطني.

ما لمسته الأسبوع الفائت من دعاية وإعلان وتنظيم وإدارة وحسن تعامل في ندوة "التراث والثقافة العمانية " التي دشّنها صالون صوت عمان الثقافي، كباكورة لفعالياته الثقافيّة خلال هذا الشّهر الفضيل كان فوق مستوى الوصف، فمن يرى ذلك التنظيم والحضور لن يعتقد مطلقاً أنّ وراء تلك الفعاليّة مجموعة من الشباب جمعهم الفضاء الإلكتروني عبر تطبيق الواتساب. ذلك أن الفعاليّة كانت فوق قدرة مؤسّسات بأكملها، فما بالك بمجموعة من الشباب المتحمّس.

حقّاً إنّها عمان.

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

الثلاثاء، 8 يوليو 2014

"حديث الشموع"


لم يكن هناك من صوت يعلو فوق صوت الشموع مساء الاثنين الفائت في العامرات، تلك الولاية المحسوبة اسماً على محافظة مسقط، وهي ليست كذلك على أرض الواقع، وبدلاً من أن يهدي الجيران بعضهم بعضاً طبقاً من (الفتّة)، أو شيئاً من (اللقيمات)، أو أيّ شيء له علاقة بالشهر الفضيل كما جرت العادة الجميلة التي نتذكّرها شهراً واحداً طوال العام ثمّ ننساها بقيّة السنة، وكأن الفقراء والمحتاجين لم يخلقوا سوى في رمضان، وكأنّ حقوق الجيرة لا يصحّ أن نتذكّرها سوى في هذه الأيام، كانت الشموع هي البديل عن كلّ تلك الأطباق اللذيذة، وكان منظراً عاديّاً أن تفتح باب بيتك لتجد أبناء الجيران وهم يحملون كيسة بها بعض الشموع وعلبة كبريت. أمّا السّبب وراء تصدّرها المشهد في ذلك اليوم فهو تفاجئ جزء كبير من سكّان تلك الولاية بانقطاع التيّار الكهربائي عن منازلهم منذ الثالثة والنصف عصراً فجأة ( بدون إحم ولا دستور) ولأجل لا يعلمونه، ولأسباب لا يعلمون عنها شيئاً كذلك.

وقد يقول البعض: لماذا كلّ هذا التهويل لمجرّد انقطاع الكهرباء لعدّة ساعات (أو حتّى لأيّام)، صحيح أنّنا في شهر صوم يمتاز بطول ساعات نهاره، وصحيح أنّ  العامرات هي حالة استثنائيّة عندما يأتي الحديث عن درجات الحرارة، بفضل سيوحها الجرداء، وجبالها وهضابها ووهادها السّوداء التي تخزّن الحرارة نهاراً لتنفثها ليلاً كتنّين أسطوري، ولكن كلّ هذا وذاك لا يلغي أن ننظر إلى الجانب الممتلئ من الكأس، فلعلّ هناك من حكمة وجوانب ايجابيّة أراد المسئولون عن الكهرباء غرسها فينا من خلال قطع التيّار لأكثر من خمس ساعات متواصلة، ولم يجدوا أفضل من هذه الأيّام المباركة لذلك، كالإحساس بالآخرين في الدول التي تنقطع فيها الكهرباء بالساعات الطّويلة والأيام، أو تحقيق شيء من مقاصد هذا الشهر الفضيل من خلال التعود على الصبر والتحمل، أو ربّما العودة لحياة البساطة التي فقدناها، عندما كنّا نفطر على ضوء سراج خافت في ألفة وحميميّة مفتقدة.

صحيح أنّ تلك الدول التي تعاني من انقطاعات الكهرباء الطويلة لا تتمتّع بأجواء خلابة كجوّ العامرات، وصحيح أنّ السبب غالباً وراء تلك الانقطاعات هي ظروف قهريّة كالحروب والتوتّرات الأمنيّة، ومعلوم أنّ تحقيق مقاصد الشهر الفضيل لها ألف وجه ليس من بينها تعذيب الناس بقطع  مرفق حيويّ كالكهرباء، ومؤكّد أن طبيعة تصميم البيوت الحاليّة، وصغر مساحة (الأحواش) لا تسمح بقضاء أوقات حميميّة كتلك التي كان يقضيها آبائنا في الباحات المفتوحة، تحت ظلال أشجار وارفة لم يعد لها وجود في عالمنا الحالي، وبالقرب من مصادر تلطيف وتبريد كالأفلاج والعيون، ولكن كلّ هذا لا ينبغي أن يجعل نيّتنا سيّئة فنسيء الظنّ بالآخرين لمجرّد أنّ الكهرباء قد قطعت لبضعة ساعات.

صحيح أنّي حاولت الاتصال أكثر من 5678643257 مرّة بمكتب طوارئ كهرباء العامرات دون أن أتلقّى أيّ رد منهم، وصحيح كذلك أنني اتصلت عدد مرات مشابهة للرقم السابق بالخطّ الساخن ليأتيني الردّ في كلّ مرّة بالعبارة الخالدة   "جميع موظّفينا مشغولون بخطوط أخرى"، وصحيح أيضاً أنّني قد( استعوضت )الله في بضعة كيلو جرامات من اللحم البلدي، والسّمك الطازج التي تعرضت للتلف، وصحيح أنّي أخذت أطفالي لأحد المجمّعات التجاريّة المكيّفة بالرغم من حاجتي وقتها للراحة من جرّاء يوم عمل مرهق، إلا أنّ هذا كلّه يجب ألا يفتّ في عضدي، وعليّ أن أبقى (ريلاكس) طوال الوقت، وأن أجد لإخواني (مسئولي الكهرباء) سبعين عذراً، وأنا شخصيّاً سامحتهم برغم أنّهم لم يبلغوني برغبتهم المسبقة في قطع التيّار، ولم يردّوا على اتّصالاتي المتكرّرة، وفداهم الّلحم والسّمك الذي فسد.

المشكلة للأسف في البعض الذي يحاول أن  يكون سوداويّاً طوال الوقت، وأن يصنع من الحبّة قبّة كما يقال،  فيأتي ليصدّع رأسك  بعبارات  وجمل  وأسئلة من قبيل : أين هي ثقافة إدارة الأزمة؟ وكيف لمرفق حيوي أن ينقطع لساعات أو لأيّام دون أيّة حلول احتياطيّة؟ وما ذنب كثير من البسطاء الذين ربما يكونوا قد استلفوا من أجل شراء بضعة كيلوغرامات من اللحم لا يأكلونه سوى في الأعياد والمناسبات بعد أن تجاوز الكيلو البلدي منه حاجز السبعة ريالات ثمّ يذهب كلّ هذا هباء منثورا؟ وما ذنب كبار السنّ والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصّة كذلك؟ ولماذا لا أملك الحقّ كمواطن أن أقاضي شركات الكهرباء والمياه والاتّصالات في حالة تعرّضي لأضرار نفسيّة، أو تعرّض بعض أدوات منزلي للتلف، بينما هم يملكون الحقّ في أن يقطعون الخدمة في أيّ وقت يشاؤون؟ ولماذا ليس من حقّي كذلك أن أحظى بأدنى درجات الشفافيّة من قبل هذه الشركات كأن يتمّ الردّ على  اتصالاتي المتكرّرة، أو أن يصلني (مسج) بتوقيتات القطع كي أتمكّن من أخذ احتياطاتي اللازمة؟ بل ولماذا تتكرّر هذه المواقف دون أيّة وقفة جادّة، أو محاولات لتصحيح مسار عمل تلك الشركات؟

أنت قلتها بنفسك: لماذا تتكرّر هذه المواقف بنفس الصورة. راجع سجلّ انقطاعات المياه والكهرباء خلال السنوات الأخيرة لتكتشف أنّ كلّ ما تتحدّث عنه من مصطلحات فضفاضة كثقافة إدارة الأزمة وغيرها ما هي إلا وهم. لو كانت هناك إدارة أزمة لما انفجرت أنابيب المياه مرّة كلّ ثلاثة أشهر وبنفس النسخة الكربونيّة لنظيرتها السابقة، ولما انقطعت الكهرباء قبل حوالي سنتين عن قطاع جعلان لمدّة ثلاثة أيّام متوالية سكنوا خلالها الفنادق والشقق الفندقيّة في الولايات المجاورة، ولما ولما...ألخ.

يا عمّ كبّر دماغك. أيّ إدارة أزمة تتحدّث عنها.

 

"رمضانيّات"


(1)

في إحدى برامج المسابقات الإذاعيّة التي تصحو فجأة  في هذا الشهر الفضيل من بياتها السّنوي، طرحت مذيعة إحدى القنوات الإذاعيّة الخاصّة هذا السؤال: ما عاصمة الخلافة العربيّة الإسلاميّة زمن الدولة العبّاسيّة؟

لم تكد المذيعة تنتهي من إكمال طرح السؤال حتّى يتّصل أحدهم، وهو نموذج للشاب الذي تستطيع وأنت تسمع نبرات صوته أن تتخيّل لون دشداشته وكمّته، وشكل لحيته التي لابد أن تمر على حلاق تركيّ مساء كلّ يوم، ويمكن أن تستنتج كذلك هواياته التي ليست من بينها بالطبع قراءة الكتب.

بعد السلام والسؤال عن الأخبار، وبعد أن تطلب منه الإجابة يأتي الجواب الخالد: " ماشي خيارات"؟  فتردّ عليه المذيعة : عندك خيارين. دمشق، أم بغداااااااااااااد، أم بغداااااااااااد. بعد فترة من الحيرة والتردّد برغم كلّ المحاولات الجبّارة التي بذلتها المذيعة للتلميح بالإجابة، إلا أنّ صاحبنا : نتوكّل على الله ونقول دمشق.

على قناة أخرى وبعد أن أسهبت المذيعة في شرح قصّة المثل أتى السّؤال كالآتي : أكمل المثل التالي "عادت حليمة لـعادتها....". يتّصل أبو فهمي وهو متصل لا يختلف عن نظيره السابق. اعطنا الإجابة يا أبا فهمي، الإجابة هي البخل.

 تنذهل المذيعة من الإجابة وتقول لأبو فهمي: أنت بالتأكيد تمزح معنا، هيا قول الإجابة الصحيحة. يفكّر أبو فهمي قليلاً ويستحضر كلّ الموسوعات الثقافيّة التي يحتفظ بها في عقله الباطن ليجيب مرّة أخرى: زين نقول السّمن؟

المسكينة لا تعلم أنّ أبو فهمي كان جادّاً في إجابته، وأنّه باستثناء بضعة معلومات عن ميسّي ورونالدو وريال مدريد وبرشلونه وكأس العالم، والواتساب، وطرق تزيين السيّارات، وأهم محلات الحلاقة فإنّ الحصيلة الثقافيّة الجادّة تكاد تكون فارغة، وليس وحده من يعاني من ذلك، بل كثير من أبناء هذا الجيل الذين لم يقرأوا مجلّة ماجد، ولم يتربّوا على المسابقات الثقافيّة المدرسيّة أو المجتمعيّة. هو باختصار الجيل الذي يصطدم بك في كلّ مرّة تذهب إلى مجمّع تجاري، أو تمشي في ممرّات إحدى الكلّيّات الخاصّة والعامّة كذلك، أو لا يعطيك وجهاً في أيّ جلسة تجمعكم معاً لأنّه مشغول (لشوشته) بمحادثة إلكترونيّة مع مستقبل وهمي.

تذكّرت كيف كنّا نتعارك من منّا سيقرأ مجلّات "ماجد" أو " باسم" أو "مشاعل" أوّلاً، ومن منّا سيسعده الحظ للمشاركة في مسابقة المدرسة، أو الفريق، أو النادي الثقافيّة. تذكرت كذلك افتخاري وفرحتي في كلّ مرة أحصي فيها عدد المشاركين من السلطنة في البرامج الثقافيّة التي تعدّها إذاعة كالبي بي سي، أو الفائزين في مسابقة مجلّة " العربي" الثقافيّة، أو المساهمات الثقافيّة  والرسومات العمانيّة المنشورة في مجلات الأطفال السالف ذكرها.

(2)

أمّا الإعلانات التجاريّة المسموعة فذاك موّال آخر، وللأسف فإنّ كثيراً من هذه الإعلانات تمتاز بالسماجة وثقل الدم، وتحاول أن تصوّر المستهلك العماني وكأنّه مستهلك ساذج يلهث وراء أيّ عرض، ويصدّق أيّ كلام يقوله هذا الإعلان أو ذاك، كالإعلان الذي يبشّر فيه الزوج زوجته بأنّ مشاكلهم الماليّة في طريقها للحلّ من خلال زيارتهم للمحلّ الفلاني وتعبئتهم لكوبون الشراء الذي سيؤهّلهم للحصول على عشرة آلاف ريال مرّة واحدة، وكأنّه لا كوبونات أخرى سيتم تعبئتها من قبل الآخرين، وبالأخص من العمالة الوافدة، أو كالإعلانات ذات الجينات  الواحدة والتي تتحدّث عن فتاة  تخبر صديقاتها عن منتج أو عرض معيّن فتبادر الأخريات في نفس التوّ واللحظة إلى (الركض) نحو مصدر ذلك العرض أو المنتج للحصول عليه قبل فوات الأوان.

إعلان آخر يتحدث عن انتهاء مشكلة المواطن السكنية، وقدرته (أخيراً)على بناء منزل العمر، وذلك من خلال العرض (الخيالي) الذي يقدمه هذا البنك من خلال فوائده البسيطة،  والغريبة أنّ هذا المواطن يصدّق العرض ويركض جرياً كما يفعل الآخرون في بقيّة الإعلانات، نحو البنك وكأنّه لم يتعلّم من دروس الماضي في تعاملاته البنكيّة، وكأنه لا يعيش وسط مجتمع يعاني أغلب أفراده من التزامات مصرفيّة تكاد تقصم الظهر والوسط كذلك، أو تلك المؤسّسة المتخصّصة في الأدوات المنزليّة والتي اختارت لإعلاناتها عن تخفيضاتها السنويّة الوهميّة شخصاً علاقته باللغة العربيّة كعلاقتي برياضة (اليوجا)، وبعد أن كنت أغيّر المؤشر في كلّ مرّة أسمعه فيها، أصبحت متلهّفاً لانتظار وصلته الإذاعيّة كي أتخيّل ردّة فعل الخليل بن أحمد وسيبويه وبقيّة طلابهم تجاه هذا الإعلان لو سمعوه، وكنت أسأل نفسي في كلّ مرّة أسمعه: هل الرجل سيء جدّاً في النّحو إلى هذا الحدّ البشع، أم إنّها حيلة من المؤسّسة المعلنة لاجتذاب أكبر عدد من المستهلكين؟

المشكلة في بعض هذه الإعلانات أنّها تحاول تقمّص دور (السوبرمان) أو المنقذ من المشاكل المختلفة للمستهلك، أو أن تلعب دور مؤسّسة الضمان الاجتماعي، المشكلة كذلك أن بعض من يقدّمها أو يشارك فيها يكاد يتخلّى عن ضميره ورسالته مقابل العائد المادّي الذي سيحصل عليه، فجلّهم يعلمون أنّ هذه الإعلانات لا تعبّر عن حقيقة المضمون، وأنّ هدفها هو جذب المستهلك بأيّ طريقة كانت. وقد نعذر البعض في بعض الإعلانات التي قد لا تؤثّر على صحّة وسلامة المستهلك، ولكن المصيبة في من يشترك في تقديم إعلان حول منتج غذائي أو تجميليّ مضر بالصحّة أو بالجسد، ثمّ يأتي ليقول لك إنّه منتج طبيعي 100%، أو أن يصوّر لك لهفة أطفال العائلة على تناوله في وجبات الطعام الرئيسيّة وهو يعلم علم اليقين أضرار هذا المنتج وتأثيراته.

من أغرب الإعلانات التي سمعتها ذلك الإعلان الذي يقول " سيّارة لك، وسيّارة للعيلة.. السما مطّرت ذهب وأنا ما أدري"، ولعلّ وجه الغرابة في هذا الإعلان يعود إلى أنّ كلمة (العيلة) باللهجة العامّيّة العمانيّة تعني "بنت البقرة".

ولا أعلم كيف تمرّ هذه الإعلانات من مقصّ الرقيب دون إبداء أيّة ملاحظات كهذه. وهل أصبح المواطن ساذجاً إلى هذا الحد في نظر البعض ؟ فلنكثر من  هذه الإعلانات دامها ستساهم في حل مشاكلنا بهذه البساطة.

(3)

في الوقت الذي يخشى فيه المجتمع من التأثير السلبي لبعض أدوات التواصل الاجتماعي وتحديداً (الواتساب) إلا أنّ هناك بعض المجموعات الشبابيّة التي تجمع نخبة من جيل الخبرة والشباب من مختلف التوجهات الفكرية والثقافية والعلمية التي استطاعت أن تطوّع وسيلة كهذه كي تكون أداة ايجابيّة يتم استغلالها في مناقشة القضايا المجتمعيّة المختلفة، وطرح الحلول والمبادرات ، بل إنّ بعضها قد نجح في الخروج من فضاء التكنولوجيا إلى حيّز الواقع، عبر إدارة وتنظيم  سلسلة من الفعاليّات الفكريّة والاجتماعيّة المختلفة، الرامية إلى الإسهام في دفع الحراك الشعبي وتفعيل الحوار الوطني.

ما لمسته الأسبوع الفائت من دعاية وإعلان وتنظيم وإدارة وحسن تعامل في ندوة "التراث والثقافة العمانية " التي دشّنها صالون صوت عمان الثقافي، كباكورة لفعالياته الثقافيّة خلال هذا الشّهر الفضيل كان فوق مستوى الوصف، فمن يرى ذلك التنظيم والحضور لن يعتقد مطلقاً أنّ وراء تلك الفعاليّة مجموعة من الشباب جمعهم الفضاء الإلكتروني عبر تطبيق الواتساب. ذلك أن الفعاليّة كانت فوق قدرة مؤسّسات بأكملها، فما بالك بمجموعة من الشباب المتحمّس.

حقّاً إنّها عمان.

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

الثلاثاء، 24 يونيو 2014

لماذا "الرؤية"؟



في صبيحة كلّ يوم عمل، وبينما يقدّم لي جريدة الصّباح اليوميّة يبادرني هاني بنفس السؤال الخالد: لماذا     (الرؤية)دون غيرها؟أراها صغيرة الحجم مقارنة بالبقيّة، فلماذا لا تطلب منّي أن أحضر لك الأخريات؟

أي هاني.. ربما لا تكون جريدتي المفضّلة  هي الأكثر انتشاراً، وربّما لا تكون الأكثر في عدد الصفحات، وربّما لا تحوي الملاحق (إيّاها) التي تحوي اعلانات تعيد الشيخ إلى صباه، وتهبك فرصة الحصول على إكسير الشباب الخالد، وتمنح جسدك النضارة والنقاء، وتخلّصك من كافّة الأمراض المستعصية وغير المستعصية، ومع ذلك أنا حريص على البحث عنها صبيحة كلّ يوم، وقد أقيم الدنيا على رأسك لو لم تحضرها لي. هل تعلم لماذا كلّ هذا؟ ما يعجبني في ( الرؤية ) أوّلاً هي الواقعيّة في الطرح، فلا عناوين مثيرة، ولا تهويل في طرح القضايا والمواضيع، ولا ألوان حمراء هنا وهناك، ولا نفاق زائد عن الحد.

يعجبني فيها كذلك  أنّها تحترم وقت القارئ، فلا (لتّ)، أو (عجن) للأخبار، ولا تكرار في الأفكار. خذ معك الصفحة الرياضيّة على سبيل المثال هي صفحة واحدة ولكنها تختصر لك كل ما تحويه عشرات الصفحات في ملاحق الصحف الأخرى، وقس على ذلك بقيّة الأبواب والموضوعات.

يشدّني فيها أيضاً الحياد الصحفي والتوازن الكبير في عرض الأخبار العربيّة والاقليميّة والعالميّة دون تحيّز لهذا الطرف أو ذاك، ودون توجيه لفكر القارئ، فمادامت الجريدة لا تمثل جهة رسميّة أو  حكوميّة أو حزبيّة أو نقابيّة، وما دامت جريدة خاصّة فهي إذاً ملك القارئ لا ملك أصحابها، وإذا كان لمالكها أو رئيس تحريرها رأي فكري أو سياسي خاص فليعبّر عنه في عموده اليوميّ أو الأسبوعيّ، وليعط للآخرين فرصة طرح آرائهم حتّى لو اختلفوا معه، فهذه هي أبسط بديهيّات الصحافة، أمّا أن ترغم قارئك على مسار فكريّ معيّن، أو أن تجبره على أن يكتب في نفس الاتجاه الذي تسير فيه، أو أن تحاول توجيه فكره لمجرّد أنّك تميل للطرف هذا أو ذاك، أو لمجرّد أنّك تحبّ الوجبة أو الأغنية هذه دون غيرها، فهذه من وجهة نظري هي قمّة الديكتاتوريّة في الطرح الصحفي، حتّى لو تكفّلت ملاحقك التجارية بتحقيق المطلوب من انشائك لهذه الصحيفة، وحتّى لو اقتنعت أنّ هناك من سيشتري صحيفتك لمجرّد كبر حجمها، أو عدد أوراقها، أو احتوائها على إعلانات وظائف، أو اعلانات من النوع الذي يعيد الشيخ إلى صباه.

مما يجعلني متلهّفاً عليها كذلك هما صفحتي المقالات "رأي"، و"رؤى" اللتان أعتبرهما درّة تاج الجريدة، بمقالاتهما المتنوّعة، والمتباينة، بحيث يمكن أن تجد مقالاً يؤيّد فكرة أو قصيّة ما، وبجواره مقال آخر يعارض الفكرة تماماً، في جوّ من الحرّيّة الصحفيّة التامّة، والاحترام الكبير لصاحب المقال وللمتلقّي كذلك، وهو أمر يصعب أن تجده في صحف خليجيّة وعربيّة كثيرة يغلب عليها طابع الرأي الواحد.

يأسرني في (الرؤية) احترامها وتقديرها لكتّابها والمنتسبين إليها، فبرغم البون الشاسع في الإمكانات المادّيّة مقارنة ببعض المؤسسات الصحفيّة الأخرى، إلا أن كتّاب الرؤية لهم قيمتهم الكبيرة لدى أصحاب المؤسسة، فعدا المكافئات الشهريّة التي تدفع لهم، فإنّه لا تكاد تمرّ مناسبة اجتماعيّة ما دون دعوتهم لحفلات إفطار أو غداء أو تكريم، يلتقون فيها معاً، يجددون صداقاتهم، ويناقشون أفكارهم ورؤاهم في جو أدبيّ واجتماعيّ نكاد نفتقده كثيراً في حياتنا اليوميّة.

مّما يجعلني أرفع القبّعة كذلك لهذه المؤسّسة هي مبادراتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأدبيّة المتنوّعة، والتي هي بحاجة إلى سلسلة مقالات قد لا توفيها حقّها، خذ لديك على سبيل المثال لا الحصر: منتدى الرؤية الاقتصادي، جائزة الرؤية الاقتصادية، مبادرة "مركز الرؤية للشباب" لتعزيز ثقافة ريادة الأعمال"، مكتبة السندباد المتنقلة للأطفال، دعم طباعة الكتب المتنوعة...ألخ.

ترى هل سمعت عن ( حاتم الطائي)؟  لا أقصد حاتم الطائي الذي درست سيرته في تاريخ العرب القديم، والذي سمعت عن حكاياته الأسطورية في الكرم هنا وهناك، أقصد الأستاذ حاتم بن حمد الطائي رئيس تحرير جريدة الرؤية. عموما لا اختلاف كبير بين الشخصيتين، فهما من نفس القبيلة، ويحملان كثيراً من الجينات المتشابهة. الأستاذ حاتم الطائي هو رجل أعمال، ولكنّه في نفس الوقت صحفي ناجح، وسينمائي بارع. يعني باختصار هو رجل مثقّف وهنا مربط الفرس. أن تكون رئيس تحرير مثقّف خير من أن تكون رئيس تحرير غني أو ذو واسطة، الأمران يختلفان تماماً لكل من درس الصحافة أو عمل بها، أو حتّى يتابع خباياها بشكل مستمر . كان بإمكان الأستاذ حاتم أن يستثمر أمواله في عشرات المشاريع التي قد تجلب الربح المضمون دون "دوخة رأس"، ولكنه اختار الاستثمار في مجال يعلم جيداً أنّه سيعاني في سبيله الكثير، وسيبذل الأكثر، كل ذلك مقابل الفكرة والرسالة والهدف الذي آمن به. أمثال الاستاذ حاتم يخلصون جدّاً للفكرة التي آمنوا وحلموا بها منذ صغرهم، لذا ليس غريباً أن يكون مكوثهم في مكاتبهم الصحفيّة أضعافها في صالوناتهم الوثيرة، وأن تكون رائحة أحبار الطباعة أكثر شذى من روائح العطور الباريسيّة. لا يمكن لصحيفة أن تنجح ما لم يكن ورائها رجل يقدّر بالفعل حجم المتاعب التي يمكن أن يجنيها من وراء رسالة صحيفته، وبالتالي يمتلك النفس الطويل في الصبر والاستمرار، وهذا لن يتأتّى ما لم يكن هذا الرجل من نفس (الكار)، أي أنّه تشرّب الصنعة، وعرف أسرارها، وهذا ما ينطبق على رئيس تحرير (الرؤية).

هل تعرف (عبد الله خميس)؟ في زمن أصبح فيه كثير ممّن يدّعون الثقافة والتنوّر يتعاملون مع الآخر بحسب توجّهاته الفكريّة، ويحوّلون اختلاف الرؤى إلى خلافات شخصيّة، مقدمين المبدأ الذي يقول "إن لم تكن معي فأنت ضدّي"، ولتذهب العبارة القائلة" اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضيّة" إلى الجحيم،   إلا أن عبد الله  خميس هو شخص آخر مغاير لهؤلاء تماماً، فبالرغم من أنّه يحمل أفكاراً وتوجّهات قد تختلف مع كثيرين من كتّاب صفحة "رؤى" التي يشرف على إعدادها(وهذا حقّه)، ومع أن بعضاً لا بأس به من مقالات هؤلاء الكتّاب قد تتعارض مع قضايا يؤمن بها عبد الله، أو تحمل نقداً لها، إلا أنّه لم يسع يوماً لكي يمارس ديكتاتوريّة معيّنة، أو أن يفرض رأياً أو أسلوباً أحاديّاً يطغى على الصفحة، أو أن يستبدل كتّابها بآخرين يشاركونه نفس التوجّه الفكري، بل على العكس تماماً، فهو خارج حدود الصّفحة قد يناقشك في آرائك وتوجّهاتك حول قضيّة فكريّة ما حتى الصباح، وقد يختلف معك مليون درجة، ولكنّه مستعد أن يواجه العالم بأكمله من أجل حقّك في نشر فكرتك كاملة دون أي تغيير أو تعديل، وقد يترك الصحيفة نفسها فيما لو شطب حرف واحد من مقالك دون رغبتك، ولا تتعدى ملاحظاته أو تدخّلاته إبداء رأي بشكل مهذّب في تغيير عنوان المقال إلى آخر أكثر تأثيراً أو وضوحاً، أو حذف كلمة صيغت بشكل لغوي غير سليم. شخص كهذا هل يتكرر كثيراً في صحفنا العربيّة؟

هل عرفت الآن لماذا أحرص على قراءة هذه الجريدة كل صباح؟

 

(إنّه زمن الدّنجو)
 

في الوقت الذي كان فيه المجتمع العماني مشغولاً بمتابعة ومناقشة تداعيات قرار مجلس الوزراء الموقّر القاضي بتعديل قرار حظر رفع أسعار السلع والخدمات الذي أصدره رئيس الهيئة العامّة لحماية المستهلك في وقت سابق، وتحديد قائمة السلع التي تراقب الهيئة العامة لحماية المستهلك أسعارها، كانت قاعة (السرايا) في فندق سيتي ستار انتركونتننتال بالقاهرة تشهد افتتاح مؤتمر "حماية المستهلك في الوطن العربي.تحديات ورؤى مستقبلية"، والذي تنظمه الهيئة العامة لحماية المستهلك بالتعاون مع مجلس الوحدة الإقتصاديّة العربيّة، وجهاز حماية المستهلك المصري، بمشاركة دولية واقليمية واسعة، وحضور إعلامي فاق التوقّع، وسط اعجاب الكثير من هذه الجهات بتجربة الهيئة الرائدة خلال الفترة القصيرة لنشأتها، واتخاذها كأنموذج يحتذى به في مجال حماية المستهلك، بل والتوصية بإنشاء هيئة عربيّة لحماية المستهلك يكون مقرّها السلطنة.

وفي الوقت الذي كانت إحدى حواسّي مشغولة بتمعّن فقرات القرار (العجيب) ومحاولاتي اليائسة لفهمه وإدراك مغزاه، كانت حاسّتي الأخرى تستمع إلى كلمات الإطراء العفويّة الصادقة التي كانت تنطلق من حناجر وأفئدة مسئولين وأساتذة ومختصّين في مجال حماية المستهلك تجاه التجربة العمانيّة غير المسبوقة عربيّاً، بينما يلاحقني مندوبي الصحف والقنوات الإعلاميّة المصريّة بسؤال واحد: ما سرّ هذا النجاح الذي يجعل الكل لا حديث له سوى هذه التجربة، بل إنّ إحداهنّ تساءلت عن جنسيّة أمين عام مجلس الوحدة الاقتصاديّة العربيّة، وهل هو عمانيّ، وذلك تعليقاً على كلمته الافتتاحيّة التي حملت عنواناً واحداً، هو عمان، وشعبها الطيّب، وتجربتها المهمّة في مجال حماية المستهلك.

أترك المؤتمر قليلاً لأعود إلى القرار، فبعيداً عن مدى كون الدنجو، والفول، والفاصوليا، ومعجون الأسنان تعدّ هي السّلع الأساسيّة الأهم بالنسبة للمستهلك العماني، وبعيداً عن أنّ اللجنة الاقتصاديّة بمجلس الوزراء لم تجد أيّة قضايا اقتصاديّة محلّيّة أخرى مهمّة لتدارسها سوى هذا القرار، وبعيداً عن أنّها لم تسمع عن الاحتكار الذي يمارسه البعض في كثير من السلع الأساسيّة وغير الأساسيّة، وبعيداً عن صمت اللجنة عن (تغوّل) الوافدين في السوق المحلّي وسيطرتهم على كثير من مفاصل الاقتصاد الوطني، وبعيداً عن أهميّة  توجيه الشباب بشكل حقيقي إلى سوق العمل بدلاً من تهافتهم على الوظائف الحكوميّة، وبعيداً عن أن هناك قضايا اقتصاديّة واجتماعيّة كثيرة بحاجة إلى قرارات (ملزمة) كهذه، وبعيداً عن وجود كثير من التوصيات والمقترحات (المهمّة) التي تطرحها الجهات المختلفة تجاه القضايا المجتمعيّة المختلفة مهملة خلف الأدراج في خبايا مجلس الوزراء قد عفى عليها الزمن وأكل وشرب منها، والتي لو نفّذ ربعها لغدا مجتمعنا مختلفاً بشكل كبير.

بعيداً كذلك عن كون غرفة تجارة وصناعة عمان (التي تم الاعتماد على دراسة قديمة لها في هذا الشأن) تعبّر عن طرف واحد فقط ألا وهم التجّار ورجال الأعمال، وهؤلاء بالطبع يتحرّكون وفق مبدأ الربح والخسارة.

بعيداً أيضاً عن أنّ المبرّر القائل بأنّ قرار رئيس الهيئة بحظر رفع الأسعار يخلّ بمبادئ الاقتصاد الحرّ من منطلق أن "الاقـتصاد الوطني أساسه مبادئ الاقـتصاد الحـر"، كما أشار النظام الأساسي بذلك، هو مبرّر واهي كون أنّ هذا النظام أتى بكلمة مهمّة قبل الجملة السابقة بحيث يكون البند كالآتي "الاقـتصاد الوطني أساسه (العدالة) ومبادئ الاقـتصاد الحـر، وقوامـه التعاون البناء المثمـر بين النشاط العـام والنشاط الخاص"، إذاً فالعدالة قد سبقت تلك المبادئ، وتحقيق هذه العدالة يستدعي عدداً من الأمور يأتي قرار رئيس الهيئة كأحدها.

 بعيداً عن التساؤل البديهي الذي يمكن أن يطرحه أيّ متابع للقرار حول كيف للمجلس أن يسمح لقراراً كهذا طيلة ثلاث سنوات أن يثبّط عمليّات الانتاج، ويقتل روح الابتكار، ويخفّض الجودة، ويوجد سوق سوداء ألخ ألخ ألخ ألخ، دون تدخّل من قبلهم، وأين هي المؤشرات التي توضّح ذلك، ولماذا الآن فقط بدأ الشعور بخطورة ذلك القرار.

بعيداً عن علاقة السوق السوداء بقرار حظر رفع أسعار السلع، علماً بأنّ السوق السوداء (كا يعلم أيّ طفل في الروضة) تنشط في حالات عديدة من بينها وجود احتكار للسلع من قبل البعض، أما في حالة قرار رئيس الهيئة فالموضوع يتعلّق بتثبيت أسعار السلع مع عدم الممانعة في تخفيضها، فكيف سيشجع على ظهور سوق سوداء.

بعيداً عن كلّ هذا وذلك، يبدو أنّنا مقدمون في المرحلة القادمة على تغيير كثير من الثقافات المجتمعيّة لدينا بحيث يصبح (الدنجو) والفول والفاصوليا الحمراء هي الوجبات الأساسيّة لدينا، ويبدو أن قائمة الطعام التي كنت أتندّر عليها وأنا أراها مكتوبة على ظهر عربات الفول المحمولة في شوارع القاهرة كلّ صباح ستصبح إلزاميّة بالنسبة للعبد لله ولغيره من المواطنين، وليس غريباً أن يصحى الفرد منّا صباحاً ليجد زوجته قد أعدّت له بعضاً من الفاصوليا الحمراء، والفول بالزّيت الحار، وبعض (الدنجو) المطبوخ، ولا تستغرب عزيزي القارئ إن رأيت في طريقك محلات وأكشاك جديدة صمّمت على طريقة محلات (الكرك) بتسمياتها المختلفة، وبدلاً من عبارات شاي بالحليب، أو شاي كرك بالهيل، أو خبر الرغال، ستظهر مصطلحات غذائيّة جديدة مثل فول مدمّس، فول نابت، فول بالدقّة، فول بالليمون والبصل، فول بالبيض والطحينة، فاصوليا بالطماطم، حمّص الشام.

كما أنّ معرض الكتاب القادم قد يحوي كتباً جديدة للطبخ على غرار (50 طريقة لإعداد الفول)، (الفول المدمّس..كل وغمّس)،( دنجو ام خلفان)، (فوائد الفاصوليا في الشريعة الإسلاميّة والعلم الحديث).

ولا تنس عزيزي القارئ أننا مقبلون على شهر رمضان الكريم، وبما أنّ اليوم سيكون طويلاً، والأجواء حارّة، فلا طعام أفضل من الفول كي تتناوله في السحور، فهو ( يخلّي البطن زيّ الزلط) على قول أحبابنا المصريين، ومع الفول سيكون صيامك هذه السنة خفيفاً، بحيث لن تشعر معه بالجوع أو العطش.

بالمناسبة.. حمّص الشام هو اسم الدلع للدنجو.

د.محمد بن حمد العريمي

 

 

 

الأحد، 8 يونيو 2014

(كيف نرتقي بمنظومة التعليم)


في ندوتنا شبه اليوميّة قال لي: إذا ما أخذنا في الاعتبار تاريخ عمان الطويل مع العلم والعلماء، وتجانس الشعب العماني، وارتباطه ببلده، وولائه لقائده، وحرص جلالة السلطان واهتمامه البالغ بمسألة دفع المسيرة التعليمية في البلاد، ونهجه السّامي نحو اتخاذ العلم الطريق الأمثل لتشكيل الإنسان العمانيّ، ونقله نحو الآفاق الحضارية مع الاحتفاظ بالقيم الأصيلة للشعب العماني، فإنّنا نستطيع أن نجعل من بلدنا في مصاف الدول المتقدمة في المنطقة، بل وفي العالم ككلّ. فما الذي يستلزمه منّا تحقيق ذلك؟
 قلت له: موضوع كهذا يكاد يكون قد أشبع بحثاً ونقاشاً، وكثيرة هي الندوات والمؤتمرات والورش، بل وحتّى الجلسات الخاصّة والعامّة التي تناولته، ووضعت لأجله عشرات المقترحات والتوصيات التي تنتظر فقط من يلتفت إليها بصدق ويأخذ ببعض ما ذهبت إليه.
وما دمت قد طرحت السؤال فلا بأس بشيء من التكرار حوله، وإليك هذه النقاط: يستلزم منا تحقيق ذلك أن نبدأ من الأساس، وأن نحدّد الأهداف العامة التي نريد انجازها، أي بمعنى ماذا نريد من هذا المنتج بعد نحو 16 عاماً من التعليم المدرسي والجامعي، وما درجة الجودة المصاحبة له والتي تؤهله لكي ينافس في سوق العمل، فلا تكفي زيادة عدد الجامعات الحكومية والخاصة، أو كثرة  عدد معاهد التدريب المهني وكليات التقنية العليا، أو ارتفاع نسبة عدد البعثات، إذا لم يصاحب ذلك كله تحديداً دقيقاً  للأهداف من كل ذلك، وتغييراً في الفكر لدى المجتمع ككل حول أهمية التعليم كاستثمار طويل المدى قد يغنينا عن كثير من الثروات الطبيعية، وأن يعي الطالب أهمية اختيار التخصص المناسب لفكره ومهارته، وألا يستهين بأي نوع من التدريس ما دام قادراً على صقل مهاراته وإبراز إمكاناته، وما دام قادراً على إضافة ما يجعله يخرج إلى المجتمع فرداً مهماً منتجاً.
    يستلزم منا كذلك إيجاد شراكة حقيقية بين القائمين على شئون التعليم المدرسي، ونظرائهم في التعليم العالي الخاص والحكومي من حيث الاشتراك في وضع البرامج وتقييمها، وتبادل الخبرات، والاشتراك في برامج الإنماء المهني المتعددة، ومن حيث التركيز على أهمية التحاق الطالب بالتخصص المناسب لإمكاناته وقدراته، ووضع معايير تقيس مدى رغبة أو قدرة هؤلاء الطلبة على الالتحاق بالتخصصات التي يريدونها، لأن العملية التعليمية ينبغي أن تكون متصلة طوال فترة الدراسة في المرحلتين بنفس الأهداف العامة دون فصل بينهما.
    يستدعي كذلك أن تتغير النظرة تجاه التعلم التقني والمهني، فمازالت شريحة من المجتمع تنظر  لهذا النوع من التعليم  نظرة دونية، وأنه مكان من لا مكان لهم بين أروقة الجامعات، وللأسف فهذه النظرة لم تتغير كثيراً منذ فترة طويلة، ومازلت أتذكر العشرات من المعارف ممن تركوا هذا النوع من التعليم لحجج واهية، دون تبصير حقيقي بأهميته من قبل الأطراف المعنية سواء كانوا أهلاً أم وسائل إعلام، أم مسئولين عن هذا النوع من التعليم، متناسين أن المجتمع لا يقوم بدون مخرجات هذا النوع، وغير مدركين أن بعض الدول قد تقبل السباك أو النجار أو الميكانيكي الماهر للهجرة إليها، وفي نفس الوقت قد ترفض حامل شهادة الدكتوراه في أحد التخصصات الإنسانية، لأن هذه المجتمعات تدرك جيداً أهمية هذا النوع من التعليم، ومدى تأثيره في المجتمعات المتقدمة المتواصلة النمو الاقتصادي، ولربما يعود جزء من هذه النظرة الدونية لدينا تجاه التعليم التقني إلى ضعف الاهتمام به في مدارسنا في ظل نظام حصص لا يسمح كثيراً بأن نكشف عن إمكانات الطلاب المهنية، خاصة بعد إلغاء نظام التعليم الثانوي التجاري والصناعي والزراعي الذي كان مطبقاً في فترة من الفترات.
        يستدعي ذلك مراجعة أنظمتنا التعليمية من فترة لأخرى، للتحقق من مدى مواكبتها للتطور الحاصل في المعلوماتية، والاطلاع على تجارب الدول التي قدمت نماذج مجيدة في الاستثمار في مجال  التنمية البشرية، وأخذ المفيد من هذه التجارب بعد تطويعها لتتماشى مع واقع المجتمع العماني وخصائصه المختلفة.
يتطلب أيضاً التفعيل الجيد للتكنولوجيا في التعليم، فما زالت كثير من الأسر لا تقتني  جهاز حاسوب واحد، ومازال التعامل الورقي سائداً، ومازالت كثير من أنماط التعليم تعتمد على التلقين والحفظ والمحاضرة.
يستلزم منا أيضاً الاهتمام بالبحث العلمي بشكل جاد، وتخصيص ميزانيات مفتوحة لتمويل المشاريع والبحوث المختلفة، وتوفير المطبوعات العلمية المحكمة، فبلدنا زاخرة بالكثير من الخبايا المهمة في كافة المجالات، أين نحن مما تحويه بحارنا وصحارينا وجبالنا وسهولنا وودياننا، وأين نحن من تراثنا الزاخر بأنماط الثقافة المختلفة.
يستدعي ذلك تخصيص يوم للعلم، تخصص فيه جوائز على أعلى مستوى  لتكريم المجيدين في مجالات العلم المختلفة سواء كتشجيع للبعض، أو كتقدير للبعض الآخر، وتعرض فيه آخر ما توصلنا إليه من نتائج  لمشاريعنا ودراساتنا وبحوثنا المتعددة.
     يستلزم الاستفادة من العشرات من الباحثين والمتخصصين القابعين خلف المكاتب، والذين ينتظرون من يحنّ عليهم بدعوتهم لندوة، أو للاشتراك في بحث، أو لإلقاء محاضرة، أو لعرض نتائج ما قام به من دراسة في إحدى مجالات المعرفة المتنوعة.
يستلزم برامج إعلامية موجّهة، تبدأ من الناشئة، تفعّل الحوار، وتعرض للنماذج المجيدة من أبناء الوطن، وتناقش ما يتم تجميعه من ملاحظات قد تثري العملية التعليمية، وتجعل الشباب أكثر وعياً بأهميتها وأهميتهم في تشكيل مستقبل وطنهم، وتكون عوناً لصانع القرار من خلال ما تطرحه من رؤى وأفكار بنّاءه.
يتطلب كذلك مشاركة جادة من القطاع الخاص وأصحاب رؤوس الأموال، فلا يكفي أن نتبرع لبناء مسجد فقط، أو لدعم فريق الكرة بالنادي الفلاني، ما الذي يمنع لو تبنى بعض المقتدرين تدريس عشرة طلاب كل سنة على سبيل المثال، أو لو خصصت بعض المؤسسات نسب محددة من إجمالي دخلها لدعم العملية التعليمية في المجتمع المحيط بها.
يتطلب الاهتمام بالتعليم أشياء كثيرة قد لا تكفيها عشرات المقالات.. الأهم من هذا وذاك هو أن نعي بصدق أن العلم هو طريقنا الحقيقي والمضمون للحفاظ على مكاسبنا التي تحققت، ولضمان الرخاء الذي تحقق، فبلد الخليل وابن القاسم وابن دريد والسالمي وغيرهم ممن سطّرت كتب التاريخ أسماؤهم مقترنة بعمان لقادرة على إنجاب أسماء أخرى يكون لها السبق في مجالات العلم المختلفة، تكمل مسيرة من سبقها، وتستحث من يليها على مواصلة السير في نفس الطريق.

الأربعاء، 28 مايو 2014

(ارحموهم)


  الساعة الثانية ظهراً.. درجة الحرارة تقترب من الخمسين برغم أن كل كتب المسابقات الثقافية ومناهج الدراسات الاجتماعية التي درسناها منذ عشرين عاماً ما زالت تصرّ على أن   (العزيزيّة ) الليبيّة هي من سجّلت أعلى درجة حرارة في العالم العربي ( ربّما لم يسمعوا عن العامرات وحرّها الذي يسير بخبره الركبان، وجبالها وتلالها ووهادها التي تختزن الحرارة طوال اليوم لتنفثه ليلاً وكأنّها تنّين أسطوري)، الحرارة تعدّت مرحلة الارتفاع ودخلت مراحل صهر كلّ ما تصله أشعّتها، والشوارع خالية إلا من موظفين عائدين من أماكن عملهم. عامل آسيوي يبدو عليه من مظهره البؤس وسوء التغذية، يمسك بإحدى يديه خرطوم ماء يسقي به بعض الحشائش والورود في أحد الدوّارات المسقطية، ويجاهد بيده الأخرى كي يقي رأسه من ضربة شمس محتمله.

شدّني المنظر واستغرقت في تأمل قسمات وجه ذلك العامل، وجالت بخاطري بعض التساؤلات: تر فيم يفكّر الآن، وبماذا ستصف تلك الورود التي يسقيها هذا المشهد لو أتيح لها النطق؟

لم يكن هذا المشهد هو الأول الذي أراه، ولن يكن الأخير، ففي كل يوم أعود فيه من عملي أصادف نماذج عديدة من المشهد السابق، فهذا عامل يقطع الحديد الساخن بينما وهج النار الحامية يكاد يصيبه بالعمى، وذاك آخر يتعاون مع زميله في عمل خلطة اسمنتيّة لبناء جدار يبدو أنّه لا يمكن إقامته سوى في هذا الوقت من اليوم، وثالث ينظّف شارعاً فرعيّاً وكأنّه يزيح أوراق أشجار أوراق متساقطة بفعل الخريف في غابة ألمانيّة، ورابع يسوق قلاباً حمل عليه أطناناً من الرمال كي يقوم بقية رفاقه برصف شارع لم يجد المسئولين وقتاً أفضل لطرح مناقصته سوى في فصل الصيف، وخامس، وسادس، وعاشر...ألخ.

ومن خلال اطّلاعي على قانون العمل العماني وتعديلاته وجدت كثيراً من المواد المتعلّقة بتحديد ساعات العمل اليوميّة، وتخصيص أوقات للراحة خلال أوقات العمل، وتوفير بعض المستلزمات الغذائيّة والطبّيّة للعمال خلال فترات عملهم، وغيرها من المواد التي تصبّ في مصلحة العامل، ولكن تبقى التساؤلات الأهم : هل هناك التزام فعليّ من قبل (بعض) أصحاب الأعمال بهذه المواد؟ وهل هناك مراقبة دوريّة دقيقة من قبل جهات الاختصاص تجاه تنفيذ هؤلاء لبنود تلك التشريعات؟

وبغض النظر عن وجود قانون من عدمه، هل يحتاج الأنسان (أيّاً كان دينه أو جنسه) إلى قوانين وتشريعات ومقالات ونداءات تطالبه أو (تجبره) على الإحساس بالآخر من بني جنسه، وأن يعامله بانسانيّه، وألا يحمّله ما يطيق خاصّة وأن كل الديانات والتشريعات السماويّة أتت بكثير من مبادئ حقوق الإنسان قبل أن يطالب بها البعض مؤخراً، وخاصّة كذلك أن أنّنا نتلو في صلواتنا التي نتقرب فيها إلى الله كثيراً من الآيات التي حملت هذه المعاني.

وقد يقول قائل: ولكنّك بطرحك هذا قد تظلم المقاولين وأصحاب الشركات، فلربّما كان هؤلاء العمّال يعملون من تلقاء أنفسهم كي ينجزوا العمل بأسرع وقت، ولربّما هم قد تعوّدوا على ذلك في بلدانهم الأصليّة، ولربّما كان (الفورمان) هو من أمرهم بذلك، ولربّما كذلك يقومون بالعمل لصالحهم مقابل إعطائهم للكفيل نسبة معيّنة.

ولكنّ كل هذه الحجج تبدو من وجهة نظري حججاً واهية، فلا يمكن للعمّال أن يعملوا من تلقاء أنفسهم في جوّ كهذا لمجرّد أنّهم يحبّون فعل ذلك مالم يأمرهم أحداً بذلك، كما أنّ مسألة تعوّدهم على ذلك في بلدانهم ليس حجّة يعتدّ بها، فالظروف البيئيّة قد تختلف من مكان لآخر، كما أنّ حقوق الإنسان لا تتجزّأ، والخطأ لا يعالج بالخطأ ذاته، أمّا إذا كان الفورمان هو من أمرهم بذلك فهل يمكن له فعل ذلك ما لم يكن ربّ العمل مهملاً لأعماله، غير متابع لها؟ أمّا مسألة العمل من الباطن وقيام الكفيل بأخذ نسبة مقابل تسريح عمّاله هنا وهناك فهذه معضلة حقيقيّة بحاجة إلى وقفة جادّة في ظل استفحال أمر كهذا في مختلف مجالات العمل.

صحيح أنّنا نلمح جهوداً ومبادرات (نبيلة) يقوم بها البعض من أبناء المجتمع بكل شرائحه نحو الشعور بالمسئوليّة تجاه هذه الفئة المغلوبة على أمرها، كالطفل الذي رأيته ينزل من سيارته والده متّجهاً إلى بعض العمّال وهو يحمل لهم شيئاً من الماء، وصديقي الذي اعتاد كل أسبوع أن يخصّص يوماً يشتري فيه كرتوناً من الماء، وآخر من العصير، وثالث من البسكويت، باحثاً عن أمثال هؤلاء في أماكن عملهم، وغيرها من المشاهد النّبيلة التي تنم عن وعي حقيقي وإحساس صادق.

ولكن برغم كل هذه المبادرات التي تنمّ عن روح المجتمع العماني بفطرته الصادقة، وبقيمه العربية الإسلامية التي تحتّم عليه الإحساس بالآخر، إلا أنّها تبقى محاولات يتيمة في ظل عدم إحساس بعض المقاولين وأصحاب الأعمال بمسئوليتهم الدينيّة والاجتماعيّة تجاه هذه الفئة، وفي ظل عدم تطبيق كثير من بنود اللوائح والقوانين المنظّمة للعمل.

ختاماً.. عندما سألت ذلك العامل البسيط عن سبب قيامه بقطع أسياخ الحديد في ذلك الوقت الحارّ ، ولماذا لا يذهب إلى سكنه لينام، بينما مكيّف سيّارتي يعمل بكامل طاقته، وبالكاد أفتح النافذة كي يسمع صوتي، كان الجواب المصحوب بأعلى درجات القهر :  "إذا مافي شغل كومباني فيه كنسل فيزا مال أنا".

د.محمد بن حمد العريمي

                                                         Mh.oraimi@hotmail.com

الخميس، 22 مايو 2014

الجمعيّات الفكريّة بين الواقع والمأمول


في إحدى الجلسات الثقافيّة تحدّث رئيس إحدى الجمعيّات الفكريّة بأسى عن عزوف الأعضاء عن حضور الفعاليّات التي تقيمها الجمعيّة، وأردف كلامه بأنّ عدد من يحضر هذه الفعاليّات لا يتجاوز 10% من إجمالي عدد الأعضاء.

وفي جلستنا شبه اليوميّة في مقهى يحمل اسم مقهى شهير بالقاهرة ولا يشابهه في الإمكانات أو الخدمات (لمحبيّ التخمين لا أقصد الفيشاوي بالقطع) سألني صديقي الصحفيّ النشط : ما سبب عزوفك عن الانضمام إلي أيّ من الجمعيات الفكريّة الموجودة لدينا؟

أجبته: يا صديقي العزيز، الجمعيّات أو النقابات أو اللجان أو الأندية أو أيّاً كان الاسم، يأتي إنشاؤهن لتحقيق أهداف خاصة بفئة بعينها، سواء كانت فئات لها علاقة بشرائح اجتماعيّة معيّنة، أو بمهن، أو حرف، أو نشاط فكري أو اجتماعي أو اقتصادي معيّن. بمعنى أنّ هناك مجموعة من الأفراد يتوافقون فكريّاً أو وظيفيّاً أو عمريّاً، أو اجتماعيّاً، أو أيّاً كان مصدر التوافق، فيسعون إلى تشكيل كيان خاص بهم يحقّق لهم أغراض معيّنة، ويوفّر لهم خدمات مختلفة قد لا توفّرها لهم تجمّعات أو كيانات أخرى، وبالتالي فهم يجدون في هذا الكيان الذي يضمّهم بمثابة الحاضن لهم، المدافع عن حقوقهم، المقرّب لأفكارهم، المحقّق لجزء من طموحاتهم.

لم تصل الفكرة بعد؟ لا بأس، سأعطيك مثالاً أكثر قرباً، وسأطرحه كمجرد مثال وليس لغرض الاسقاط أو التلميح. دعني أطلق على نفسي جزافاً لقب كاتب مع إني لا أملك هذا الحق لأنّه ملك القارئ والمجتمع لا ملكي أنا، ولكني سأتجاوز ذلك في هذا المثال. ما دمت كاتباً، فالأولى أن أنضم للجمعيّة العمانيّة للكتّاب والأدباء كونها الجهة المجتمعيّة الأقرب إلى ميولي أو اهتماماتي، وهذا يعني أن أقوم بالحصول على بطاقة عضويّة ودفع رسوم ماليّة مقابل هذه العضويّة. ستسألني ماذا تريد من الجمعيّة، وسأجيبك إن لي مطالب أربع مهمّة أولها المطلب القانوني والتشريعي، فما دمت كاتباً، ومادامت معظم المطبوعات ترفع مسئوليتها عمّا أكتبه فأنا معرّض في أي لحظة للمساءلة حول فكرة أو  نقطة أو جملة أو عنوان أو سطر معيّن قمت بكتابته، في هذه الحالة أنا أطالب جمعيّتي بالتحرّك نحو ايجاد تشريعات تجعلني أكثر ثقة واطمئناناً في المستقبل القريب عند رغبتي في تناول أي موضوع من المواضيع المجتمعيّة المختلفة، كما أطالبهم بالوقوف القانوني في حالة تعرّضي لأيّة مساءلة أو مضايقة معيّنة.

نأتي إلى المطلب الثاني وهو المطلب المهني، فأنا وبرغم أني أصنّف نفسي ككاتب إلا أنّه تنقصني الكثير من الخبرات والمهارات والطرق والأساليب المتعلّقة بإمكاناتي ككاتب، لذا فعلى الجمعيّة ككيان أنتمي إليه أن تسعى إلى تعزيز هذه الإمكانات من خلال خطط تدريب وإنماء واضحة تستهدف كافّة منتسبيها، وبالتالي يتحقق جزء من الأهداف التي من أجلها أنشئت الجمعيّة، ومن أجلها قام هؤلاء الكتّاب أو الأدباء بالاشتراك فيها.

هناك مطلب ثالث مهم وأقصد به المطلب الاجتماعي، فأنا كفرد بحاجة إلى الكيان لتحقيق أغراض اجتماعيّة قد لا أجدها في كيانات أو تجمّعات أخرى، بمعنى أنّني بحاجة إلى توافر الامكانات الترفيهيّة التي تجعلني أحرص على ارتياد مبنى الجمعيّة بشكل مستمر، والاقتراب أكثر وأكثر من بقيّة الأعضاء، وهذا لن يتأتّى إلا في ظل وجود بعض الأنشطة الاجتماعيّة الترفيهيّة كالمطعم والكافتيريا والحديقة وصالة الألعاب وغيرها، اضافة إلى الأنشطة الاجتماعيّة الموسميّة كرحلات الصيف، وحفلات الافطار الجماعي، والرحلات الخارجيّة المدعومة، ناهيك عن بعض التسهيلات التي يمكن للجمعيّة أن تحصل عليها لأعضائها كخدمات الشراء بالتقسيط من بعض المحلات، وخدمات العلاج المخفّض في بعض المؤسسات الصحيّة الخاصّة، ويمكن للجمعيّة أن تتجاوز كل ذلك لتوفير خدمات اجتماعيّة أكثر ديمومة واستمراريّة كالحصول على قطع سكنيّة أو شقق إسكانيّة بأسعار تشجيعيّة.
ويرتبط بهذا المطلب الاجتماعي الخدمات الاجتماعيّة التي يمكن أن أحصل عليها في حالات استثنائيّة، كالانقطاع عن العمل، أو العجز عن مزاولته، أو التقاعد، أو الوفاة لا قدّر الله، فهذا مطلب يمكن أن يحقق شيئاً من التكافل الاجتماعي الذي هو أساس مهم في عمل كثير من النقابات والجمعيّات على مستوى العالم.

نأتي للمطلب الأخير وهو المطلب الفكري، وأعني أن تقوم الجمعيّة بتنظيم الفعاليات الفكريّة والثقافيّة التي تدخل في إطار عملها، داخلياً أم خارجياً، وبالتالي إتاحة مزيد من الفرص لي للظهور وتقديم أعمالي أو أنشطتي، أو الاحتكاك بآخرين في نفس المجال، وبالتالي مزيد من الخبرة وتقييم النفس والامكانات.

عندما سأضمن أن تتحقق كل هذه المطالب أو بعضها يمكن لي وقتها أن أبحث عن جمعيّة أنضم إليها وأحرص على متابعة فعالياتها، والمشاركة الدائبة فيها، ولكن يبقى السؤال المهم: هل أفكار كالتي طرحتها يتم تنفيذها بشكل حقيقي وواقعي على مستوى جمعيّاتنا ولجاننا؟ واذا ما استثنينا بعض الانشطة التدريبية والاجتماعيّة التي تقوم بها جمعيّة الصحفيين (برغم الانتقادات اليوميّة التي أسمعها من هنا وهناك من أعضاء غير منتسبين لها في الأساس)، فهل تقوم الجمعيّات الأخرى بهذه الأنشطة، أم أنها أصبحت حكراً على أعضاء بعينهم.

ماذا سأستفيد أنا كعضو عندما تقصر جمعيّة ما جلّ أعمالها على استضافة شخصية عربية أو أجنبيّة معيّنة كل يوم أو حتّى كل ساعة، او تنظيم ندوة أو فعاليّة فكريّة ما، أو القيام بجولات خارجيّة غالباً ما يكون أفرادها هم أنفسهم في كل مرة، أو طباعة أعمال فكريّة معيّنة كلّ سنة.

حتى لو سلمنا أن هذه الأعمال مهمّة ورائعة فما علاقتها بي كعضو، وماذا قد تضيف إليّ (كعضو) كذلك، وهل أعطيت حق الرأي أو الاختيار في الموافقة عليها على سبيل المثال؟ وماذا سأفرق في هذه الحالة عن المتلقّي الخارجي الذي لا يشاركني العضويّة، بل وماذا اختلف عمل الجمعيّة هنا (أيّاً كانت) عن دور المؤسسات الحكوميّة العاملة في نفس المجال؟ في هذه الحالة إذا علينا أن نكتفي بعدد من الموظفين يقومون بكافّة هذه الأدوار من تنظيم وتجهيز وحجوزات وغيرها دون الحاجة إلى الأعضاء الآخرين، فأنا لم أنضم لهذه الجمعيّة أو تلك من أجل حضور فعالية أيّاً كانت قامة من سيقدّمها، ولم أشترك فيها لأجل الاستماع إلى محاضرة أيّا كان عنوانها. كل هذه الأشياء يمكن لي أن أحصل عليها بضغطة زر على أقرب جهاز معلوماتي حديث. أنا قررت الانضمام كي أبحث عن كيان يضمّني وأشعر بذاتي فيه ويحقق لي خدمات تسهم في تغيير حياتي إلى الأفضل وقد لا تتحقق لآخرين لا يشاركونني نفس العضوية.

عندما ستجد هذا الكيان يا صديقي الصحفي فأخبرني كي أسارع في الانضمام إليه.

د.محمد بن حمد العريمي

MH.ORAIMI@HOTMAIL.COM   

الأربعاء، 7 مايو 2014

مشاهد وتساؤلات (15)


 

(1)

"جات الحزينة تفرح.. ما لقت لها مطرح" هو المثل الذي ينطبق على حالة أحد الأصدقاء، فبعد أن قام بشراء منزل صغير في إحدى ضواحي العاصمة يلمّه وأسرته الصغيرة بقية العمر بعد أن اكتوى لسنوات بنار أسعار الإيجارات المغالى فيها، تفاجأ بأنّه لابد وأن يدفع مبلغاً لا يقل عن الألف والنصف من الريالات لوزارة الإسكان كرسوم مقابل شراء هذا المنزل، وهو الذي لا يملك (شروى نقير)، بعد أن عانى (الأمرّين) للحصول على قروض بنكيّة تفي بسداد قيمة البيت ، وسيعاني مستقبلاً كي يوفّر قيمة مستلزمات المنزل من أثاث  وأجهزة وغيرها، فمن أين سيأتي بمبلغ الإسكان كي يدفعه.

 في الحقيقة ما زلت عاجزاً عن فهم أو تصوّر أو إدراك مغزى الحكمة من قيام المواطن بدفع نسبة  (3%) من قيمة أية أرض أو عقار قام بشرائه من حرّ ماله لوزارة الإسكان، فما هو الجهد الذي بذلته الوزارة في شراء هذا المواطن لأرضه أو مسكنه كي تأخذ مثل هذه النسبة، وما الذي قدّمته الوزارة لهذا المواطن أو لغيره عدا أرض  تفتقر في كثير من الحالات إلى الخدمات الأساسيّة. أوليست سياسات الوزارة هي من جعلت هذا المواطن وغيره يلجؤون لشراء أراضي فضاء تعادل قيمتها قيمة منزل من طابقين في أماكن أخرى؟ أوليست هذه السياسات هي من جعلت قيمة العقار في مدينة كمسقط تفوق قدرة المواطن البسيط عشرات المرات؟ وهل قامت الوزارة طوال تاريخها بمبادرة اسكانيّة واحدة تخفف من العبء الذي يحمله المواطن على كاهله نحو توفير منزل يليق به وبأسرته؟ هل عدّلت قوانين بنك الاسكان بحيث تكون أكثر يسراً وانسيابية بدلاً من الوقوف في طابور لا يقل عن سنوات ثلاث من تاريخ تقديم الطلب؟ هل تبنّت مشاريع اسكانيّة شبابيّة رائدة كبناء مجمعات سكنيّة وبيعها أو تأجيرها بأسعار تشجيعيّة؟ هل قامت بعمل محافظ استثمارية إسكانيّة توفر السكن المناسب بأسعار مناسبة وتحدّ من تغوّل سماسرة العقارات؟ وهل تدرك الوزارة من الأساس أن الإسكان هو ثالوث اجتماعي لا يقل أهمية عن التعليم والصحة وبالتالي لابد من اعطاءه أهميّة قصوى لا اختزاله في توزيع أراضي هنا وهناك، أو بناء بعض المساكن لفئة الضمان الاجتماعي؟

المضحك في الأمر أن الوزارة قد تكون أخذت نفس الرسوم على ذات الأرض أو العقار من خلال تعاملات سابقة قام بها أشخاص كانوا يملكون هذه الأراضي أو العقارات.  

(2)

كثرة عدد المطاعم والمقاهي في المدن والولايات، هل هي دليل على رخاء معيشي، أم ثقافة استهلاكية سلبية؟

أكتب هذا الكلام، وأنا أرى الانتشار الكبير للمطاعم والمقاهي في الشوارع والحارات والقرى، لدرجة أنك يمكن أن تلاحظ وجود أكثر من مطعم أو مقهى في بناية واحدة، مع تشابه كبير في التصميم المعماري، ونوعية الوجبات المقدمة، وسيطرة مطابخ غير عمانية على أصناف هذه الوجبات.

الغريب أننا نتحدث عن غلاء معيشة، وجشع بعض أصحاب هذه المطاعم، ولا نتحدث بتاتاً عن ثقافة أكل سلبية، وعن وجبات منزلية تبحث عمن يقترب منها، ولا تجد سوى صناديق القمامة كمأوى لها.

نحتاج إلى إعادة النظر مرات عديدة في ثقافتنا الاستهلاكية، وسنجد بعدها أن كثيراً من ميزانياتنا الشهرية تذهب في بنود كمالية ليست لها تلك الدرجة من الأهمية، وكان من الممكن استغلالها في أشياء أكثر أهمية وجدوى.

 (3)

كنت حاضراً قبل فترة قريبة مناسبة اجتماعيّة لأحد أقاربي، وبينما كنت أساعد أصحاب المناسبة في عملية

توزيع الطعام على الضيوف هالني حجم الطعام المتبقّي، والذي تفوق كمياته عدد المدعوين وحاجتهم إليه ،  وهالني أكثر أن ما تبقّى من الطعام سوف يرمى لأن الوقت متأخر، ولأنّه لا توجد طريقة للتصرّف فيه.

 تذكرت وقتها عشرات المناسبات الاجتماعيّة المشابهة التي يهدر فيها كثير من الطّعام نتيجة سلوكنا وعاداتنا،

ورغبتنا في الحفاظ على موروثاتنا المتعلّقة بالجود والكرم، ورغبتنا كذلك في التميّز عن الآخرين في هذا المجال. تذكّرت كذلك أنّ هناك كثير ممّن هم بحاجة إلى هذا الطعام المهدر، وقد لا تسمح كرامتهم بتسوّله.

في وسط زخم المبادرات الاجتماعيّة التي أسمع عنها كل يوم، والتي تعدّ مؤشراً ايجابيّاً على تفاعل أبناء المجتمع مع  ثقافة العمل التطوّعي، وترسيخ قيمة التكافل الاجتماعي، أتمنى أن أجد مبادرة يتبنى أصحابها الاستفادة من الأغذية غير المستغلة والفائضة من المصادر المختلفة كالفنادق والمطاعم والمناسبات الاجتماعية المختلفة، أو حتى من الأشخاص العاديين، بحيث يكون هناك عنوان معين لأصحاب هذه المبادرة يستطيع الفرد أو الجهة الاتصال بمندوبها  لكي يأتي لاستلام الفائض من الطعام لإعادة تجهيزه بطرق صحية وتوزيعه على الأسر الفقيرة والمحتاجة.

 (4)

أمن غائب، وأوضاع اقتصادية واجتماعية متردّية، وسجالات ومناوشات فكريّة عقيمة هنا وهناك. البلد التي أنجبت رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وسعد زغلول وحسن البنا ومصطفى النحاس وجمال عبد الناصر والسنهوري باشا، عاجزة حتى الآن عن تدارك أمورها وتصحيح مسارها، وتعديل أوضاعها. 

ترى ما الذي يحدث في مصر؟

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com