الخميس، 1 مايو 2014

مشاهد وتساؤلات 14

مشاهد وتساؤلات (14)


(1)
بعد ثلاثة وثلاثون عاماً من تجربة الشورى العصريّة في السلطنة، وبعد الصلاحيات التي أعطيت  لمجلس عمان، والتي تؤكد على الإرادة السامية في دفع وتطوير مسيرة الشورى بالسلطنة، يلحّ سؤال مهم : هل يعي كثير من أعضاء مجلس الشورى أنّهم يمثّلون المجتمع ككلّ لا ولاياتهم فحسب، وأن أساس عملهم يتمثّل في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذيّة، وفي مناقشة التشريعات المختلفة، واقتراح تشريعات يمكن أن تغيّر كثيراً من الواقع الحالي في المجالات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والفكريّة، وأن تغيير جانب من هذا الواقع مرهون بمدى قدرتهم على صياغة قوانين تتناسب والظروف الوقتيّة والمجتمعيّة الحاليّة.

وهل ما زالت نظرة المجتمع إلى المجلس تنحصر في أعمال هي في الأساس من صلاحيات المجالس البلديّة وجهات التخطيط المختصّة كالمطالبة بإنشاء طريق معيّن، أو افتتاح مدرسة في قرية من قرى الولاية، أو مرافقة أحدهم لمقابلة مسئول ما، أو غيرها من الأعمال المشابهة.

يبدو أن المشوار ما زال في اوّله، وأنّنا ما زلنا بحاجة إلى عمل دؤوب كي نقتنع كمجتمع بأهمية هذا المجلس في الحياة السياسية والاجتماعية، وبالتالي وجود حرص كبير، ورغبة ملحـﱠــة في تفعيل أعماله بالشكل الايجابي، والوصول إلى ما يسمى (بثقافة الانتخاب)، وهذا يعني الاختيار الجيّد للمرشحين، والمفاضلة بين البرامج الانتخابية المطروحة.

 يستلزم الأمر تحولاً مجتمعياً ندرك أنه لن يأت بتلك السهولة، بل هو بحاجة لشيء من الحراك الفكري المتواصل، ومراجعة دقيقة للتجارب الحالية والسابقة، ولبرامج انتخابية متوافقة مع الواقع السياسي والاجتماعي للمجتمع، ولأشخاص لديهم رصيد من الرضا والتقدير في المجتمع.
إنشاء برلمانات طلابية مصغّرة، واتحادات طلبة في المدارس والجامعات، وإنشاء وتفعيل النقابات والجمعيّات المهنية والمجتمعيّة، ووضع مناهج تعنى بالتربية الوطنية أو المدنية، وتفعيل دور المجالس البلدية في الولايات، من بين  الأمور التي من شأنها أن تأتي بهذا التحول المطلوب.

هل سيأتي اليوم الذي سنجد فيه الناس تتوافد على طوابير الانتخابات منذ الصباح الباكر رغبة في اختيار مرشّح يحمل برنامجاً حقيقياً يعتقدون أنّه سيحقّق شيئاً من آمالهم الحياتيّة، أو يحلّ شيئاً من مشاكلهم المجتمعية؟

 (2)
لا يكاد يمرّ يوم دون أقرأ شيئاً عن نشاط فكري أو رياضي أو اجتماعي لشباب ولاية نخل، بل إن الأمر تعدّى موضوع تنظيم بطولة كرويّة معيّنة، أو بناء مرفق حيوي، أو القيام بحملة توعويّة ما، ليصل إلى تأسيس شركة أهليّة تعنى بالاستثمار في مجالات اقتصاديّة متنوعة في دليل واضح على مدى الإرتقاء بثقافة العمل التطوّعي، بحيث تستوعب أكبر قدر من أبناء الولاية في عمل مؤسساتي منظّم، وتحقق عائداً يضمن الديمومة والاستمرارية للأفكار والمشاريع الأخرى.

ما أثار استغرابي هو عدم وجود نادي بهذه الولاية العريقة، والتي عرفت على امتداد تاريخها بظهور أجيال من العلماء والمؤلفين في مختلف المجالات، بالرغم من وجود شباب متعطش إلى إقامة مثل هذه الفعاليات، ووجود فرق أهلية كثيرة تدار بجهود شخصية من قبل القائمين عليها.
دعوة لإعادة النظر في خريطة النشاط الثقافي والاجتماعي والرياضي في السلطنة.

(3)
تراه منكوش الشعر، (محزﱠق) البنطلون، مكشوف الصدر، ولا مانع من وجود بعض السلاسل أو الأساور في معصم اليد، وحبّذا لو صاحب المشهد سيارة رياضية ينبعث منها صوت موسيقى غربية صاخبة.

المشهد ليس مستوحىً من فيلم أجنبي، ولا من قصاصة مجلة أزياء غربية، بل هو لشباب عماني  يمكن أن تصادفه في مدرجات الكرة، أو شواطئ البحر، أو في المجمعات التجارية. شباب ربما لم يجد من يقول له إن مظاهر الرقي  والتمدن لا ترتبط دائماً بالتخلي عن العادات الأصيلة، وأن الزيﱠ العماني الأصيل ليس مقترناً بالتخلف، وأن التحضّر يرتبط بمدى قدرة الفرد منا على الإنجاز والنجاح في تكوين الشخصية الفاعلة التي تضيف للمجتمع، وتحافظ على مكتسباته، وليس في محاكاة الآخرين.

لم يأت  اختيار أجدادنا لهذه الأزياء والملابس الأصيلة عن عبث أو مصادفة. أبسط ما يمكن قوله أنها تتناسب مع طبيعة البيئة المكانية التي نقطن بها، عدا عن أنها تتميز بالبساطة والاحتشام وعدم التكلف.

 (4)
وأنا أتنقّل بين المقاطع المتنوعة التي يحتويها موقع (اليوتيوب) الشهير لفت نظري وجود سلسلة وثائقيّة تاريخيّة عمانيّة بعنوان (ذاكرة الأجداد)، تحوي لقاءات يجريها الصديق الشاعر أحمد بن هلال العبري مع عدد من كبار السن من أبناء ولايته (الحمراء) يتحدثون عن كثير من الجوانب السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة التي عايشوها خلال مسيرة حياتهم المختلفة.

المشروع من إشراف فريق (الصمود) بولاية الحمراء، ويهدف لرصد التاريخ الشفهي من كبار السن، وهناك خطّة لتحويله إلى مواد ورقية مطبوعة لتمكين الباحثين من الاستفادة منها في دراساتهم ومشاريعهم البحثيّة في ظلّ شحّ كبير في مصادر المعرفة التاريخيّة، وبالأخص في مجال التاريخ غير المكتوب بعد أن رحل كثير من رموز وعلماء البلد ورجالاتها بدون أن يفكّر البعض في تأريخ سيرهم وشهاداتهم على العصر، كما أنّها يمكن أن تشكّل مرجعاً للأجيال القادمة لمعرفة أساليب الحياة، والظروف المعيشية التي واجهها أولئك الأجداد، وتزوّدهم بكثير من القيم التي يحتاجون إليها في ظل تحدّيات العولمة التي بدأت تقضّ بعضاً من أركان الهويّة للمجتمع.

ما شدّني في المشروع كذلك مدى الوعي الذي وصل إليه أعضاء الفريق في وقت أصبح البعض يحصر فيه دور الأندية والفرق الأهليّة في لعبة واحدة فقط، ولعدد محدود من الأفراد.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com


الأربعاء، 23 أبريل 2014

أين حماية المستهلك(علامة تعجب)


"المياه مقطوعة منذ الأمس عن شقّتي بسبب انفجار أحد الأنابيب لأسباب لها علاقة وطيدة بالتخطيط العشوائي، وصاحب البناية يصرّ على أن يتقاضى مبلغ الإيجار قبل أوانه. أين ما يسمّى بحماية المستهلك"؟

"الازدحام فظيع، والشوارع أصبحت لا تطاق، ومسافة النصف كيلو التي تفصل مكان سكني عن أقرب دوّار أصبحت أقضيها في ربع ساعة، وبالتالي مزيد من التأخّر والخصومات التي تطال الراتب المحدود. أين أنت أيتها الهيئة".
"العمالة الآسيويّة تملأ الشوارع والأحياء والمجمّعات والمتنزّهات والطرقات، وفي كلّ مكان به بقعة ضوء أو ظلام. تفتح (الحنفيّة) فتجدهم، تنظر من الشبّاك فتراهم، تخشى أن تتثاءب كي لا يتساقطوا من فمك. مرّة أخرى أين الهيئة".
"السّويق يخرج من (الآسيويّة)، و(البرشا) ينهزم أمام الرّيال، وصور يخسر النقاط في آخر الثواني. لماذا لا تتدخّل حماية المستهلك وتضع حلاّ لهذه المشكلة"؟
تذكّرني النداءات السّابقة  بصورة (السوبرمان) في مسلسلات الكرتون بزيّه المميّز وهو يهبط من السماء كي ينقذ أحدهم، أو يقدّم مساعدة لآخر ثم سرعان ما يعود أدراجه مختفياً وسط السحاب. تذكرني كذلك  بالفانوس السحري ومارده الضخم كما تصفه القصص الشعبيّة والذي يحقق لك أمنياتك المختلفة. ولكن حتى هذا السوبرمان أو  المارد أو غيرهم من الشخصيات الأسطوريّة قد لا يحوزوا على رضانا طوال الوقت.
ولكن ما الذي دعاني إلى كتابة تلك المقدمة الطويلة والحديث عن برشلونة تارة، وعن الفانوس تارة أخرى؟ الأمر يا سادة يا كرام هو خبرين تصدّرا حديث الساعة في وسائل الإعلام المحلّيّة المختلفة في الأيام الأخيرة. الخبر الأول "حماية المستهلك تصدر قراراً يحظر بيع وتسويق وعرض وتوزيع الإطارات المستعملة و غير المستعملة المنتهية الصلاحية بجميع أنواعها وأحجامها"، أما الخبر الآخر فهو منشور لم يترك صاحبه زاوية ولا ركناً أو شقّاً في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة دون أن يغرسه فيه "أكّدت دراسة خليجيّة مؤخّراً أن أسعار السّيّارات وقطع غيارها في السّلطنة تعتبر الأعلى خليجياً.. وأتساءل: أين دور حماية المستهلك؟"
وقبل أن أجيب صاحب هذا التساؤل وغيره ممّن طرحوا تساؤلات مشابهة أحيلهم إلى خبر نشر اليوم الثلاثاء (تاريخ كتابة المقال) بالصحف المحليّة. الخبر يقول "مكتب مجلس الدّولة يستعرض مشروع قانون حماية المستهلك". ولو قام صاحب التساؤل أو غيره بنسخ هذا الخبر ووضعه في أحد محرّكات البحث الشهيرة لوجد أن هناك عشرات النتائج المشابهة لهذا الخبر خلال الفترة السابقة، كذلك لو قام باحث في مجال الصحافة بتحليل عيّنة من أخبار الصحف المحليّة على مدى السّتّة أشهر الأخيرة لوجد أن هذا الخبر يكاد يكون أكثر الأخبار المتكرّرة، فمشروع هذا القانون قد شبع دراسة، وتحليلاً، ولتّاً، وعجناً، وطحناً خلال الأشهر الأخيرة، ولم يبق مكتب أو لجنة أو غرفة أو شعبة لم تناقشه، هو وأخيه الآخر طيّب الذكر قانون (المنافسة ومنع الاحتكار).
تعالوا نحلّل الموضوع بهدووووووووووء (مع الاعتذار للإعلامي عماد أديب). أسعار السّيّارات وإطاراتها وقطع غيارها أعلى من بقيّة الدول المجاورة، وهذا الأمر يضطر بعض المستهلكين إلى الذهاب للدول المجاورة من أجل شراء سيّارات أو إطارات أو قطع غيار جديدة بسعر أقلّ عن نظيرها في السوق المحلّي، أو شراء إطارات وقطع غيار تجاريّة أو مقلّدة أو مستعملة من السّوق المحلّي لأنّه لا يستطيع شراء الأنواع الأصليّة أو الجديدة لارتفاع ثمنها وتأثير ذلك على ميزانيّته.
بعيداً عن الكلام المنمّق من قبيل أهمية تنظيم الميزانيّة وعدم المغامرة بشراء أشياء مستعملة كون أن سلامتك هي الأهم وبالتالي لا ضير لو تسلّفت أو حتّى بعت الغالي والنفيس من أجل إطار أو قطعة غيار أصليّة قد تضمن سلامتك وحياتك، دعونا في التساؤل الأهم: ما هو الدور المطلوب من الهيئة في هذا الجانب؟ وكيف يمكن للهيئة أن تسهم في تخفيض أسعار السّيّارات والإطارات وقطع الغيار أو أي سلع أخرى؟ وهل الهيئة أخطأت في إصدار قرار يمنع بيع الإطارات المستعملة والمنتهية الصّلاحيّة وهي تعلم أن كثير من المستهلكين ليس بإمكانهم شراء إطارات جديدة بالأسعار الحالية؟
سأبدأ من التساؤل الأخير: لو افترضنا جدلاً أن الخدمات الصحيّة في بلد ما ليست على ما يرام، وأن أسعار العلاج خياليّة، وبالتالي يلجأ الناس في تلك البلد إلى الذهاب للمشعوذين أو مدّعي العلاج بالطبّ الشعبي، أو لبعض الأطبّاء الوهميين الذين يستغلون عدم قدرة هؤلاء الناس على دفع رسوم العلاج الباهظة،  وفي نفس الوقت صدر أمر من جهة رقابيّة ما بمنع هؤلاء المعالجين الوهميين من مزاولة عملهم، فهل يحق للبعض أن (يولولوا) على هذا القرار بحجة أن الناس لن تجد مكانا تتعالج فيه؟ أم أن عليهم أن يعالجوا أصل المشكلة المتمثل في رداءة الخدمات وغلو ثمنها؟
نفس الأمر ينطبق على قرار رئيس الهيئة الأخير الخاص بمنع بيع الإطارات المستعملة والمنتهية الصّلاحيّة، فالمشكلة ليست في القرار، بل في التشريعات الأخرى، فكون الأسعار الحالية (نار)، فهذا لا يلغي مسئولية الهيئة في القيام بدورها في حماية المستهلك من الممارسات غير العادلة، ورعاية مصالحه، والمحافظة على حقوقه، ومكافحة الغش التجاري والتقليد، ولا يمكن أن نتجاهل أرقام الحوادث (المميتة) التي كان من بين أسبابها انفجار الإطارات لأسباب تتعلق بجودتها، كما لا يمكن كذلك تجاهل الضبطيات المختلفة المتعلقة بقيام بعض العمالة الآسيوية  بإعادة تصنيع وتلميع إطارات مختلفة الأحجام مستعملة ومنتهية الصلاحيّة، وبيعها للمستهلك على أنها صالحة للاستخدام مستغلين حاجة البعض إلى شرائها.
 وإذا رغبنا في أن نناقش الأمر بشفافيّة ومصداقيّة فعلينا أن نعود مرّة أخرى إلى العنوان الصحفي سالف الذكر والمتعلق بمناقشة القوانين المتعلقة بحماية المستهلك وتنظيم المنافسة ومنع الاحتكار، فالهيئة في الوقت الحالي وبعد جهود مضنية تمكنت (إلى حد كبير) من تحقيق استقرار في أسعار السلع والخدمات ، وهناك قرار سابق بمنع رفع أسعار السلع إلا بعد الحصول على موافقة الهيئة ولأسباب تراها منطقيّة،  أما كون هذه الأسعار مرتفعة في الأساس فهي ليست مشكلة الهيئة، بل هي سابقة لها، والهيئة لا تستطيع بجرّة قلم أن تذهب إلى كل محل أو مؤسسة تجارية لتغيّر من قوائم أسعارها الحالية، فهو عمل يتطلب تشريعات وقوانين وأشياء أخرى كثيرة  لا مجال لذكرها الآن.
لا يمكن للهيئة أن تلعب دور المنقذ أو (السوبرمان) طوال الوقت، نطالبها بتحقيق المستحيل، وفي نفس الوقت نجعلها شمّاعة نلقي عليها بأخطاء الآخرين وتقصيرهم. بدلاً من ذلك كلّه، علينا أن نطالب الجهات الأخرى بأن تقوم بعملها في هذا الجانب كل حسب اختصاصه. قبل أن نشتكي من ارتفاع الأسعار علينا أن نشجب الاحتكار، وكي نخفّض الأسعار الحاليّة فعلينا أولاً  أن نخلق سوقاً اقتصادياً متوازناً يستوعب الجميع، ويسمح للكل باستيراد ذات السلعة لا حكرها على (هامور) بعينه،  وبدون القوانين والتشريعات التي تحقق ذلك سيظل الأمر كما هو عليه.
بالمناسبة. أشعر اليوم بكآبة غير معهودة، فنيشان لم يضبط (الكرك) جيداً، والقهوة بها بعض المرارة، والتكييف به بعض المشاكل. أين أنت يا حماية المستهلك.
 د.محمد بن حمد العريمي
 
 

الأربعاء، 16 أبريل 2014

( رجل بألف )

قبل سنوات من الآن كنت في زيارة إلى أحد الأصدقاء في إحدى ولايات السلطنة، وبينما كنّا في مجلسهم العامر، إذ بصورة لأحد المشايخ قد وضعت في برواز جانبي. سألت عن صاحب الصورة فقيل لي إنّه الشيخ حمود الصوّافي.

لم أعر موضوع الصورة أهمّيّة وقتها، وقلت لنفسي: لربّما هو أحد الشباب المتأثّر بشيخه لدرجة الهوس. ولكنّ اسم الشيخ ظلّ يتردّد على مسامعي كثيراً بعد ذلك من حديث بعض الأصدقاء والمعارف الذين حرصت على أن أسألهم عن هذا الشيخ (الظاهرة) خاصّة وأنّ أصداء مدرسته الصّيفيّة، ورحلاته شبه السنويّة إلى شرقي أفريقيا أصبحت لا تفارق مسمعي في كل جلسة يأتي فيها ذكر الشيخ، حتّى وقع في يدي كتاب بعنوان "الشيخ حمود بن حميد الصوافي.. سيرة حياة" للمؤلف سالم بن مسعود الصّوّافي.

عندما اطّلعت على الكتاب، وقرأت شذرات عن حياة الشيخ في كتب أخرى كالنمير، و"قل هذا سبيلي" أدركت وقتها أن كل ما عرفته من قبل ربّما لا يساوي شيئاً من مواقف الشيخ وصفاته التي أترككم مع بعضها كما نقلته أو أعدت صياغته من الكتاب المشار إليه، فالشيخ مدرسة أخلاقيّة في كلّ شيئ، وهو في مواقفه المختلفة يضرب لمن حوله المثل، ويقدّم لهم الدروس في كيفيّة التعامل مع الآخرين واحتوائهم، وهي أمثلة قد تعجز برامج التنمية البشريّة الحديثة بكل أناقة مقدّميها، وبرغم أسعارهم المبالغ فيها أن يأتوا بجزء منها، فهو "عندما يرى يتيماً فإنّه يرفع غطاء رأسه من مصر ّ أو كمّة فيمسح على رأسه"، كما أنّه عند مروره على مجموعة من الأطفال فإنه يبادرهم بالسّلام، أو ينحني ليقترب منهم، ويداعبهم ويباسطهم في الكلام، كما كان من عادته بعد أن ينهي درسه الفقهي في مسجده أو قبل صلاة العيد، أو قبل صلاة الاستسقاء أن يسأل عن الصّغار فيوزّع عليهم بعض المبالغ النقديّة، أو شيئاً من اللوز والجوز، وذلك ليذهب الوحشة من قلوبهم، وليدخل شيئاً من السّعادة على قلوبهم.

أمّا في جانب التّكافل الاجتماعي فكثير من القصص والمواقف تدلّ على وقته الكثير الذي يقضيه في سبيل مساعدة الناس وإعانتهم على قضاء حوائجهم الدينيّة والدنيويّة، فكم من شاب ساعده على قضاء دينه وكشف كربته، وكم سعى إلى تخليص معاملة في دائرة من الدوائر الحكوميّة، وكم اجتهد لمساعدة شخص في اقتراض مبلغ من المال للزواج أو لقضاء دين، وكان يعاتب المقرّبين منه إذا ما علم أنّ ثمّة فقير أو محتاج يسكن في المنطقة، ولا يعلمون بحاله ولا بأحواله، ويرى أنّ ذلك من التقصير في الناس، فهو " يضجّ الجالس عنده من كثرة الزّحام وحاجات الناس، والشيخ مسرور تظهر البشاشة عليه، وعندما يسافر إلى الحجّ أو إلى مسقط أو إلى أيّ مكان آخر فإنه يتّصل ويسأل : هل هناك ضيوف، هل هناك صاحب حاجة؟ افتحوا الباب لهم".

كما أنّ إحسانه لم يقتصر فقط على البشر، بل تعدّاه إلى الحيوانات كذلك، حيث تجد القطط في بعض الأحيان تقترب من منزله فيسمع مواءهنّ فيستجيب الشيخ، ويأمر أحد طلابه بالإحسان إليهنّ ويقول : أكرموا الأضياف. يقول أحد طلابه" تسحرت معه ذات ليلة، فسمعته يتّصل بأهله ليحضروا شيئاً من الطعام للقطط، لأنّ الطّعام المقدّم للشيخ وطلابه في تلك الليلة لا يتناسب مع القطط".

وكان في تربيته للنشء يعتمد أسلوب القدوة، ففي إحدى المرّات وعندما سمع بإحدى النكبات الجوّيّة التي أصابت إحدى الدول الإسلاميّة، ذكّر الناس بعد إحدى الصلوات بمصاب إخوانهم، ودعاهم إلى الوقوف معهم، ثم أعقب كلامه بالتطبيق المباشر إذ تبرّع بشيء من المال، ثم قال : أين الطلبة؟ هل معكم شيء؟ تفضلوا ولو بمائة بيسة فإنها تنفع.

وكان يضرب به المثل في صلة الجيران والإحسان إليهم وحفظ حقوقهم حتى لو انتقل ذلك الجار إلى مكان آخر، ففي إحدى المرّات توفّي أحد الأشخاص من أهل البلد، فذهب الشيخ لتعزية أهله، وقال للطلبة "إنّ هذا الرجل كان جاراً لنا عندما كنّا نسكن في الحارة القديمة".

وبرغم رحلته الطّويلة مع العلم ومجالسه وعلماءه، إلا أنّك تراه متواضعاً وكأنّه طالب علم في مقتبل عمره، فقد حدث أن زاره سماحة المفتي في مدرسته بالصّيف، وأثناء جلوسه معه فجأة جثا الشيخ على ركبتيه ووضع يده على الأرض، وأخذ يسأل المفتي في العلم الشريف.

كما كان يجلّ أساتذته، ويشدّ الرحال لزيارتهم من وقت إلى آخر رغم ظروفه الصحيّة، وتقدّمه في العمر، ومشاغله الكثيرة، وقد يترك كرسيّه الذي يضطر للجلوس عليه إذا حضر أحد أساتذته أو أحد كبار السّن إلى مجلسه.

وفي تدريسه لطلّابه يحرص على ألا يعتمدوا على الإجابات الجاهزة دائماً ويتركوا جانب البحث والتنقيب عن المسائل، فهو مثلاً يوجّه طلابه حين يسأله أحدهم عن مسألة فيقول له: راجعها في الكتاب الفلاني وأتنا بالخلاصة، أو أن يسكت عن سؤال يسأله إياه أحد طلابه لأنه لم يحسن تركيب السؤال، أو أن يستنكر على أحد الطلاب استسهاله الحصول على إجابة لمسألة معيّنة من كتاب واحد دون البحث في الكتب الأخرى التي تناولت المسألة.

كما عرف الشيخ بسعيه في القيام بالاصلاح بين الناس وحل المشاكل التي قد تنشأ بين الأطراف المختلفة في بلدته أو خارجها، ومن القصص التي تروى عنه أنّه تأخّر في مرة عن موعد ضربه لأحدهم، فعاتبه صاحب الموعد على التأخر، فأخبره الشيخ بأنّه ماذاق طعم النوم أكثر من يومين، تؤرّقه خصومة حصلت، ويوقظه التفكير في حلّها. وفي إحدى المرّات مرّ على طفلين يتشاجران، فأصلح الشيخ بينهما، وأعطى كلّ واحد منهما مبلغاً من المال".

ولو تتبّعنا سيرة الشيخ الصّوافي في مختلف المجالات فنحن بحاجة إلى سلسلة مقالات قد لا تنتهي، وما ذكرته هنا ما هو إلا نزر لا يكاد يذكر من مواقفه التي كدنا أن نيأس من أن نجد من يعطيها اهتماماً في هذا العصر الذي تداخلت فيه الكثير من المفاهيم، وأصبحت القيم والهويّة تحت وطأة عواصف العولمة، والأمر الذي دعاني لكتابة هذا المقال هي النظرة الضيّقة التي يحملها البعض (وأقول البعض) من مدّعي الثقافة والتنوّر والتحضّر تجاه بعض رجال الدين،بحيث اعتقدوا أن أيّ صاحب لحية أو مظهر يدلّ على التّديّن فهو بالضرورة متشدّد غير متنوّر، لا عمل له سوى تهديد الناس بعذابي القبر والنّار، يعادي الإبداع ويرفض أيّ جديد، بل يغالي (هؤلاء المتنوّرون) أحياناً بإطلاق صفات مغلوطة على أمثال هؤلاء المتديّنين كوصفهم بحبّ الأكل وكثرة الزواج وغيرها، بينما هم أنفسهم (أقصد هؤلاء البعض) قد لا يعرفون أبسط مبادئ الوضوء، ولا أذكار الصّباح والمساء، وربّما لم يصلّ أحدهم من أسبوع أو أكثر، ولم يزر رحماً له منذ سنوات، ولم يتصدق يوماً ما ولو بريال، ثم يأتون للحديث عن التنوّر والتحضّر والانفتاح وكأن كل هذه المصطلحات لا يمكن تحقيقها سوى بالقصص والروايات والمقالات لا بالعمل الحقيقي، وكأنّهم هم الوحيدون الذين خلقوا لذلك.

أمّا عن مدرسة الشيخ فهي عنوان كتاب لا مقال.. ففيها من العجب العجاب ما يكفي.


الثلاثاء، 8 أبريل 2014

رشّــة ملح




(1)



قال لي : والآن بعد أن هدأت العاصفة. ما رأيك في كل ما حدث؟

قلت له: أراها تحمل تشخيصاً حقيقياً وواقعياً لثقافة المجتمع لدينا بكل أطيافها من مجتمع، ونخبة، ومؤسسات ثقافية حكوميّة وخاصّة، ومن الخطأ أن تمر دون أن نحاول تشخيص هذا الواقع وتدارك الأمر أملاً في وضع ثقافي أفضل.
(2)

قال لي : أنتم مجتمع ذكوري متحيّز، لم تطيقوا أن تكتب فتاة بضعة جمل مجتزأة عن سياقها فكشفتم عن عنصريّتكم البغيضة مع أن هناك الكثيرين من الكتّاب الذّكور  ممّن كتب كلاماً أشدّ وطأة ولم تشهروا سيوف نقدكم ضدّهم.

صديقي العزيز: قد يكون جنس الكاتب له دور، ولكنه لا يعني بالضرورة أن المجتمع يحابي طرفاً على الآخر، ولكن في ظل مجتمع اسلامي عربي شرقي فمن الطبيعي أن يستنكر أصحابه تصرفات المرأة أكثر من الرجل بحكم وضع المرأة دينياً واجتماعياً، وليس معنى هذا أن التصرف صحيح تماماً، ولكنه برأيي لا يحمل الإستقصاد والتعمّد بل هو أمر عفوي وردّة فعل طبيعيّة في ظل مجتمع شرقي مازال يحمل كثيراً من العادات التي تربّى ونشأ عليها.


برغم كل هذا فأنا أرفض تماماً المساس بشخصية الكاتب أياً كان، لأننا نناقش الفكرة وليس صاحبها.


(3)

قال لي: ولكن لماذا تأخّر انتقادكم للمجموعة إلى هذا الوقت مع أنها قد طبعت ودشّنت قبل حوالي شهر كامل من الآن؟

الأمر ببساطة يا صديقي يعود إلى عدم توافرها، فمعظم المجموعات والدواوين والروايات التي تطبع  في السلطنة بحجّة دعم الإبداع، فهي تطبع إمّا للمشاركة بها في المعارض، أو للتوزيع الشخصي، ومن لن ينال حظّ الحصول على احداهنّ من صاحبها فقد لا يجدها، وهذا أمر يدعونا الى التساؤل حول جدوى طباعة كتب لا يقرأها أحد.

لا أدّعي أنّي أملك المعلومة الكافية ولكني اعتقد أنك لو عملت جدولاً به اسم عشرين عملا أدبيّاً عمانيّاً طبع خلال السنتين الاخيرتين، ووزّعته على أيّ عينة تختارها فستجد أن النسبة الكبيرة لم تطّلع على هذه الاعمال.

(4)

قال لي: ما دمتم تملكون كلّ هذه الغيرة على المجتمع وقيمه ومبادئه، فأين أنتم من كتب التراث التي تمتلئ بقصص أشدّ وطأة ممّا حملته هذه المجموعة، أين أنتم من بعض الرّوايات ودواوين الشعر التي جسّدت  ، أين أنتم من المقاطع والصور التي تمتلئ بها هواتفكم وحواسيبكم؟ ألا ترى في هذا شيء من التناقض؟  

وهل هذا دفاع أم تبرير؟ ان كنت معجباً بالمجموعة فتحدّث عن ملامح هذا الاعجاب دون البحث عن تبريرات هنا وهناك، عموماً فحديثنا عن القيم والمبادي لا يعني الانغلاق والجمود ورفض كل ما يكتب، ولكن ما نطلبه هو الاعتدال ومراعاة قيم المجتمع أياً كان العصر الذي نعيشه، فالقيم لا تسقط بالتقادم، وإذا كان البعض يقوم ببعض الممارسات الاجتماعيّة السيئة، فهذا لا يعني التبرير لفعل الشيء ذاته مستقبلا من قبل أي طرف بحجّة أنّ هناك من فعل ذلك، كما أنّ وجود كتب أو روايات تناولت الأمر ذاته أو ما هو أشدّ منه فهو كذلك ليس مبرراً لترك الحبل على الغارب لكل من يأت لكتابة ما يريد تحججاً بأمور كهذه، كما أنّ علينا التفرقة بين الممارسات الشخصيّة والعامّة للأشخاص.
(5)

قال لي: ولكنّكم لا تفهمون في الفكر والابداع وتأخذون الالفاظ بمعانيها الحرفيّة لا أكثر، فالأدب لا يردّ عليه سوى بالأدب. ما الذي يدريكم أنتم بالإسقاطات الأدبيّة والصور والرسائل الخفيّة التي تحملها مثل هذه الكتابات ودورها في معالجة قضايا المجتمع المسكوت عنها والتي عجزتم أنتم عن التصدّي لها.  

ولماذا تفترض في الآخر التخلّف وعدم الفهم لمجرّد أنّه لم يستسغ عملاً ما؟ أتفهّم يا صديقي دور الأدب في معالجة قضايا المجتمع. أوافقك الرأي في أن القصّة أو الرواية ليست مقالاً أو بحثاً علميّاً جامداً، معك في أنّ هناك قضايا مجتمعيّة شائكة يحذر البعض من الاقتراب منها ولا تتطرّق إليها وسائل الإعلام والتربية والاصلاح بالشكل الحقيقي المناسب.

أتفهّم كل هذه المبرّرات،  ولكن  كذلك هناك عشرات الطرق لتشخيص عيوب المجتمع وأمراضه، وبأسلوب أدبي كذلك، هناك مثلاً قصائد غزل تقوم واقفاً من شدّة اعجابك بها دون أن تحمل عبارة خادشة، المشكلة في اصرار البعض على استخدام ألفاظ وجمل ومقاطع بعينها لمجرّد التأثر بكتّاب معينين نشأوا في بيئات أخرى تختلف فكرياً وثقافيّاً واجتماعيّاً، أو رغبة في وضع بعض (البهارات) التي من شأنها أن تروّج للعمل، أو لأية أسباب أخرى،  وكأنّه لا وسيلة لمعالجة قضايا المجتمع سوى بذكر الألفاظ الصريحة التي تتنافى والدين والقانون والعرف

هناك خط وهمي يفصل بين العبث والابداع، وإذا كنا نعتبر ان التطوّر يعني كسر القوالب فليس شرطا أن تكون القيم والعادات هي هذه القوالب، والا فعلينا أن ننظر للصلاة والصوم أنها أمور رجعية تجاوزها التقدم. للتطور مليون شكل سوى أن يهدم المبادي تحت دعوى الحرية والتمدن، وليست كل فكرة خارجيّة قابلة للنجاح في مجتمعنا مهما تحدثنا عن العالم الذي تحول إلى قرية صغيرة، فالهويّة والخصوصيّة الثقافية من الأمور المعقّدة التي لا يمكن تجاوزها وإلا لتلاشت معالم المجتمع وانهدّت أركانه. تذكر أن ما يعجبك قد لا يعجب الآخرين.

(6)

قال لي: هل تعتقد أنّ التيّار الرجعي قد انتصر في هذه الجولة؟

المشكلة يا صديقي أنّنا طوال الوقت نمارس سياسة التقسيم وكأنّنا في مدرّج درجة ثالثة نتعصّب لهذا الفريق أو ذاك دون أن نعرف أحياناً ماذا يحدث بالضبط في الملعب، فما دمت لا توافقني في الرأي فأنت بالضرورة ضدّي، وفي قضيّة (الملح) تجلّى هذا الأمر في أوضح صوره ، فما دمت قد اعترضت على ما كتب فأنت رجعيّ ظلامي لا تفقه في الثقافة والأدب، وما دمت قد وافقت على المجموعة فأنت إباحي تريد هدم أركان المجتمع وقيمه، ومع يقيني أن هناك من يمارس سياسة الرفض دون مبرّر، الا أن هناك في الوقت نفسه من يعتقد أنه لابد من الحرية المطلقة بداعي الابداع والتنوّر.

 لماذا هذا التحزّب الأعمى؟ ألا يمكن أن  متنوّراً وأرفض عملاً ما دون التحزّب الضيّق لمجرّد أنّ صاحب العمل محسوب عليّ فكرياٍ؟ ألا يمكن أن أكون محافظاً وأعجب في الوقت ذاته بعمل أدبيّ حتى لو لم أكن من مدرسة صاحبه الفكرية؟ لماذا ننادي بحرية التعبير وندافع عنها ثم عندما يعترض البعض على عمل ما لأسباب تخصّ ذائقته الأدبيّة نزجّه مع الآخرين في خانة واحدة ونتناسى أن له حقوقا مثلنا في ابداء الرأي والتعبير عنه؟



(7)

قال لي :ما رأيك في ردّة فعل بعض المثقّفين الذين دافعوا بضراوة عن المجموعة؟

للأسف البعض منهم اعتبر الموضوع وكأنّه صراع فكري بين طرفين متناقضين، وحكر القضية في الانتقادات التي نالت صاحب المجموعة، وفي انشغالهم بالمقارنات الخاطئة، وفي  التبرير لسطوة التيّار الديني، مع أنّك لو تتبّعت مفاصل الثقافة في عمان من جمعيّات وأندية ولجان وصفحات وملاحق وبرامج إذاعيّة  لوجدت أن من يسيطر على هذه المفاصل هم في الغالب تيّار واحد ، فمادام المجتمع سيئاً ومتطرفاً في أحكامه ونظرته إلى الابداع إلى هذا الحد فأين دورهم هم في النهوض بهذا المجتمع فكريّاً وجعله مجتمعاً منفتحاً يتقبّل الآخر كما هم يريدون، خاصة أنّهم هم من يمتلك البرامج والوسائل، بدلا من التقوقع الشّللي والتفرغ لوصم المجتمع بالتخلف؟

(8)

 قال لي : وماذا  عن المؤسّسات الثقافيّة وتعاطيها مع الحدث؟

يا صديقي. موضوع خطير كهذا لا تكفيه فقرة هنا.

 

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

الثلاثاء، 1 أبريل 2014

هل قرأتم النظام الأساسي؟



عندما كنت أسأل طلابي الذين أدرسهم في مقرر "النظام السياسي والإداري" بإحدى الكليّات الجامعيّة في بداية كل فصل دراسي إن كانوا قد اطلعوا على النظام الأساسي للدولة  أم لا،  أو سمعوا عن المواد التي يتضمّنها، أو عن الحقوق التي كفلها لهم،  كانت معظم الاجابات تنصبّ في خانة النفي.

كنت أعتقد وقتها أن هذا الأمر يعود إلى انشغالهم الشّخصي وعدم اطّلاعهم، حيث أن معظمهم هم من الموظّفين الملتحقين بالدراسة المسائيّة، وبالتّالي فلا وقت للقراءة أو المطالعة، وإن كنت أستغرب في الوقت ذاته كيف أنّ موظّفاً عاملاً في مؤسّسة مدنيّة أو أمنيّة أو عسكريّة لم يطّلع على مواد هذا النظام وهو الذي يتعامل مع كثير منها، وترتبط بطبيعة عمله، ولكني فوجئت بأن أمراً كهذا يتكرر مع شرائح مجتمعيّة كثيرة متباينة المستويات الثقافية والاجتماعيّة، ففي كلّ مرّة أوجّه سؤالي  لأي جمع ثقافي أو اجتماعي أو إلكترونيّ أحضره تصبّ معظم الإجابات في خانة واحدة، حتّى تصريحات أو مداخلات بعض المسئولين أو أعضاء مجلس الشورى  لم تكن تخلو من جهل بتلك الموادّ، حتى اطّلعت مؤخّراً على نتائج دراسة مهمّة قام بها الصّحفي النّشط أحمد بن سيف الهنائي على عيّنة  تكوّنت من 5317 فرداً، من مختلف فئات وشرائح المجتمع ذكوراً ونساءً، وعديد التخصصات العملية والمهن والدرجات الأكاديمية، حول ان كانوا قد اطلعوا على مواد النظام الأساسي للدولة أم لا.

وقد جاءت نتيجة الاستطلاع الذي استحوذت فئة المعلمين والإعلاميين ورجال الأعمال والأطباء وطلاب الجامعات والمدارس والموظفون الإداريون والفنيون بالقطاعين العام والخاص على النسبة الأكبر منه، على النحو التالي: 5159 فرد لم يطلعوا على النظام الأساسي، فيما تمكن من قراءته 158 فرداً، أي أن حوالي 97% من عيّنة الدراسة  لم تطّلع على دستور بلدها، وهي نسبة خطيرة خاصّة إذا ما اعتبرنا أن النظام الأساسي يعتبر دستور البلد، ويشتمل على كافّة الحقوق والواجبات، ويوفّر الإطار القانوني لتطوير وتنفيذ كافة التشريعات والسياسات الحكومية، كما أنّه يشكل الأساس لكافة التشريعات القانونية، ويتناول الجوانب المتعلّقة بالسلطات الثلاث التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة.

تفاوتت الأسباب حول عدم قراءته بالنسبة للمشاركين، تمركزت أغلبها حول الجهل بوجوده أساساً، فيما كان يظن البعض أن "النظام الأساسي للدولة" مجرد مرتكزٍ تنطلق منه المراسيم، وهو مخصّص للسّلطة العليا في نشر المراسيم فقط، ورغم غرابة الفكرة إلا أن نسبة من يؤمنون بها تبدو كبيرة، وهو يندرج تحت الجهل بحقيقته، فيما "ظنّت" فئة أخرى أنّهم غير مطالبين بقراءته لكونه يمثل بنوداً قانونية تختص بالقانونين فقط وهم غير معنيون به، فيما أجاب البعض أنهم لا يرون داعياً لقراءته دون الإفصاح عن تلكم الأسباب، عوضاً عن اعتراف البقية بتقصيرهم بقراءته وغياب المحفز على ذلك.

تبيّن للدراسة وجود ضعف شديد في القراءة بشكلٍ خاص حول هذا الموضوع، مع وجود إخفاق من المؤسسات التربوية والثقافية والقانونية في توعية المواطنين والمقيمين بأهمية قراءته، عوضاً عن الصمت الإعلامي وعدم ممارسة دوره في التعريف بالنظام وتناوله وإفراد برامج متخصصة للحديث عنه، كما اشتكى العموم (السواد الأعظم من المشاركين) من عدم توفره وصعوبة الحصول عليه في المكتبات والأسواق والأماكن العامة، بالرغم من توفره على مواقع الإنترنت.

فئة رجال الأعمال، رغم قلة المشاركين إلا أنه حصلت على نسبة قراءة معدومة بلغت 0%. فيما كان فئتي "المحامون" و"الإعلاميون" هم الأكثر حرجاً، إذ يتصور للأذهان أن هاتين الفئتين هما الأكثر اطّلاعا على النظام، فيما رصدت الدراسة وجود بعض المحامين والإعلاميين لم يطّلعوا عليه، وإن كانوا في حقيقتهم لا يزالون في سنواتهم العملية الأولى في المهنة.

أثنت الدراسة على بادرة جريدة "عمان" قبل عام، في طباعة "النظام الأساسي للدولة" وتوزيعه على القرّاء في أعدادها اليومية الصادرة، وكان ذلك أثناء التعديل الأخير في النظام الأساسي، وهي بادرة جيدة خصوصاً وأن الجريدة تطبع أكثر من 10 آلاف نسخة.

أوضحت الدراسة أيضاً أن مجلس الشورى تبنّى تقديم مقترحٍ لوزارة التربية والتعليم في إدخال "النظام الأساسي للدولة" في المنهج الدراسي القادم، بمتابعة مباشرة من رئيس المجلس.

أوصت الدراسة بضرورة الحديث عن "النظام الأساسي للدولة" إعلامياً وثقافيا وتربوياً واجتماعياً، وبمجرد الحديث عنه تتفتّح الرغبة للآخرين للاطلاع عليه، وهذا ما حدث مع جزء من المشاركين الذين تواصلوا مع "الزمن"  في كيفية الحصول عليه لقراءته.

تواصلت "الدراسة" مع عدد من المتخصصين الذين توصّلوا جميعاً إلى وجود "كسل" لدى الإنسان العماني في الاطلاع على أنظمته وقوانينه، أوعزوا ذلك إلى الأمن والطمأنينة وتوسع مظلة العدل في البلد الذي جعل الجميع يشعرون بالراحة والاستقرار الاجتماعي والسياسي والتنموي، إضافة إلى أن المجتمع الحديث بعد تولي صاحب الجلالة الحكم انشغل بالبناء والتعمير ومواكبة العصر تقنياً وعلمياً، كل ذلك ساهم في غياب المجتمع عن نظامه الأساسي، مطالبين  في الوقت ذاته بوجود مبادرات من القطاعين الحكومي والخاص وحتى الأهلي والأفراد في المشاركة بتفعيله وإثارة الفضول حوله لدفع الناس لقراءته، فيما يطالب بعض القانونين والمثقفين بضرورة مساءلة الجهات المعنية التي لم تطبق بعض ما نصّ عليه النظام الأساسي في الدولة، فهناك قصور في التطبيق في جوانب القضاء وغيره.

انتهت نتائج الدّراسة التي قام بها الصّحفي  الرائع أحمد بن سيف  الهنائي، وهي بلا شك دراسة في غاية الأهميّة، ونتائجها تهمّ عدداً من الجهات المسئولة عن تنمية الوعي الحقوقي والقانوني والمجتمعي لدى أفراد المجتمع، فمعرفة المواطن بحقوقه التي كفلها له النّظام ، واطلاعه على المبادئ الموجّهة لسياسة بلده في مختلف المجالات، وإدراكه لاستقلاليّة السلطات الثلاث التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة، تجعله أكثر ثقة واطمئناناً، فهو سيشعر أنّه في دولة مؤسّسات حقيقيّة، كما أنّها تسهم في جعله أكثر حرصاً على الالتزام بعدم الوقوع في أخطاء أو هفوات نتيجة عدم معرفته بالواجبات المطلوبة منه، إضافة إلى أنّ مبادئ كالعدل والمساواة وتكافؤ الفرص والتعاضد والتراحم وغيرها من المبادئ والحقوق التي تمتلئ بها مواد النظام هي مبادئ  تسهم في تعزيز الوحدة الوطنيّة، ولا يقلل من أهميتها عدم تواكب بعض القوانين المطبّقة حالياً مع هذه المبادئ، أو التصرّفات والسياسات الفرديّة التي تحسب على الأفراد لا على النظام، وهي مهمّة بحاجة إلى قيام السلطة التشريعيّة بمراجعة وتعديل وسنّ تشريعات تتناسب وطبيعة المرحلة  كي يشعر المواطن بأهميّة مواد النظام الأساسي وتحققها بشكل كبير على أرض الواقع.

فهل سنرى في المستقبل القريب اهتماماً يتوازى مع هذه الأهميّة، وهل سيعود أبنائنا من مدارسهم يوماً ما وهم يحملون في حقائبهم نسخاً من هذا النظام، وهل سنرى ولي الأمر يحرص على وضع نسخة في مكتبته كي يطّلع عليها بقية أفراد الأسرة، ولتجاور الكتب الفخمة المجلّدة التي يشتريها كل عام من معرض الكتاب كديكور يزيّن به صدر مجلسه، وهل ستتكفّل اللجنة الوطنيّة للشباب بتنظيم ورش عمل تشمل كافّة أنحاء السلطنة تناقش مدى إلمام الشباب العماني بمواد دستوره ومعرفة حقوقه وواجباته التي كفلها لهم، وهل سنرى برامج  اعلاميّة حواريّة مباشرة تستهدف توعية المجتمع بأهميّة اطّلاعه على القوانين والتشريعات التي تهمّه من خلال الحوار المباشر ، وهل ستخصّص مؤسّسات التعليم العالي مواداً أساسيّة كانت أم اختياريّة تركّز على غرس  الثقافة القانونيّة لدى طلّابها

تساؤلات أترك اجابتها للمستقبل القريب.

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

الثلاثاء، 25 مارس 2014

تنـاقضــات



(1)

اتّصل بالمدير كي يحجز له طاولة كبيرة في المطعم الفخم الذي اعتاد الذهاب إليه من حين لآخر، ثم هاتف زوجته كي تؤكّد على أبنائها أن يلبسوا الملابس الجديدة التي اشتراها لهم قبل يومين حيث سيمرّ عليهم بعد قليل كي يأخذهم لتناول وجبة الغداء في البوفيه المفتوح الذي يقيمه ذلك المطعم كلّ جمعه. في طريقه إلى البيت عبث في مؤشر الإذاعة فإذا بصوت طفلة سوريّة تصيح بصوت عال  كفيل بتحطيم قلب أعتى القساة " قتلوا إخوااااتي ".

اضطرب قليلاً، وسرت جسمه بعض الرّعشة، وظهرت أمامه شاشة وهمية تحوي مشاهد لأطفال عصرهم البرد والجوع والألم وفقدان الأهل.

 ما لبث أن تخلّص من كلّ هذا بتغيير مؤشر القناة.

(2)

ملأ عربتي الشراء بالبضائع والسّلع المتنوّعة، ولم ينس أن يلحقهما ببعض من علب المكسّرات والشكولاتة الفاخرة لزوم تسلية الوقت في السيّارة، كما لم ينس أن يحضر لابنته الصغيرة الذرة الصفراء التي تحبّها. في طريقه إلى السيارة طلب من أحد العمّال البسطاء أن يعاونه في حمل العربتين ووضع المشتريات في السيّارة، فهي من الكثرة بحيث لا يستطيع حملها أو تفريغها لوحده.

بحث في جيبه المتخم عن مبلغ يعطيه لهذا العامل الذي كان يحاول في صعوبة رفع أحد الصناديق إلى السيارة فلم يجد عملة أصغر من الريال ممّا اضطرّه للذهاب إلى أقرب محلّ كي يصرفه لنصفين، ثم عاد ليعطي العامل أحدهما وهو يحدّث نفسه إن كان يستحقّ كل ذلك المبلغ أم لا.

أخذ العامل الورقة النقديّة ووضعها على رأسه ثمّ قبّلها شاكراً ربّه على نعمته.

(3)

كان على موعد مع مجموعة من زملاء العمل التطوّعيّ لتأسيس مبادرة اجتماعيّة جديدة تهدف إلى حثّ المقتدرين على التبرع لبناء المؤسسات الخيرية الدينيّة والاجتماعيّة. هو ناشط في هذا المجال، وله العديد من المقالات والكتابات التي تدعو المجتمع إلى التكافل والتراحم والشعور بالآخر.

في طريقه إلى "الكافيه" الفخم الذي يقع في أحد ضواحي العاصمة الراقية حيث موعده مع الزملاء، وحيث اعتاد أن يكتب مقاله الأسبوعي، كعادته كل يوم حانت منه التفاتة إلى اللافتة البلاستيكيّة الضخمة التي تواجه مدخل منزله والتي تحثّ الناس على التبرّع "ولو بريال" لبناء المسجد الجامع ومدرسة القرآن الملحقة به في الحيّ الجديد الذي يسكنه والذي لم تكتمل بنيته التحتيّة بعد.

فتح الصندوق الملحق بالسيارة والذي تعوّد أن يضع فيه بعض (الفكّة) وبقايا المبالغ المسترجعة من المحلات القريبة فوجده عامراً بالكثير من الريالات والأنصاص. تردّد قليلاً ثمّ أكمل مسيره نحو الكافيه.

(4)

اليوم هو موعد نزول راتبه الذي تضاعف خلال السنتين الأخيرتين ووصل إلى رقم لم يكن ليحلم به . اليوم سيفعلها كما كان يمنّي نفسه بذلك منذ فترة طويلة مع بداية كل شهر ثم يتراجع لأسباب مختلفة.

في كل مرة يذهب فيها إلى (البلد) كانت تطالعه صورة جارهم الفقير الذي توفي والده العامل الأعمى البسيط وترك له (دستة) من الإخوان والأخوات مما اضطرّه إلى ترك المدرسة والعمل في نفس وظيفة والده البسيطة برغم أنّه لم يتجاوز العشرين بعد، بدشداشته الزرقاء التي كادت أن تتحول إلى اللون الأسود، والإنهاك الواضح على محيّاه.

يذهب إلى ماكينة الصرف الآلي، هذه خمسين قيمة لحم الوليمة التي وعدت الشباب به، وهذه ثلاثين لتلميع السيارة، وهذه عشرين لشراء الكمّة التي رأيتها بالأمس، وهذه عشـ..، لا، عشرة مبلغ كبير بعدين الراتب ما بيبقى فيه شيء، هذه خمسة ريالات لجارنا فلان.

يذهب إلى بيت جاره ظهراً حيث الناس في حارته يتناولون غدائهم مبكّراً، يطرق الباب مرة وثانية وثالثة في تلاحق مستمر برغم أن أصوات المكيّفات، وفناء البيت الواسع كعادة البيوت في مثل تلك الحارات القديمة كاف بأن لا يسمعه أحد.

يعود من حيث أتى وهو يشعر بنشوة غريبة ويحدّث نفسه: الحمد لله. سوّيت اللي عليّ.

(5)

يجلسان في المقهى (الشيك) الذي يتوسط ردهة أحد المجمّعات التجاريّة، كان كل منهما في كامل أبّهته كعادتهم في كل مساء حيث يلتقون، الكمّة المتناسقة مع لون الم دشداشة وفصّ الخاتم الفضّي وحزام الساعة الثمينة، واللحية الخفيفة المهذّبة بعناية.

كان حديثهم يدور حول الصفقة الأخيرة التي قاموا بها صباح اليوم عندما تمكنوا من بيع أرض تجارية في موقع مهم، كان نصيبهم من عمولتها رقماً أمامه ثلاثة أصفار، وهي العمليّة الثالثة لهم في ظرف أسبوع واحد.

تحدثوا عن مشاريعهم القادمة، وتذكروا وضعهم قبل سنتين عندما كانوا لا يملكون سوى الراتب البسيط في إحدى الشركات الخاصة قبل أن تجرّهم يد القدر إلى العمل في مجال السمسرة العقاريّة، فاتح أحدهم الآخر في رغبته بتغيير سيارته الفخمة التي اشتراها قبل بضعة أشهر، وتحدّث الثاني عن (التوين فيلّا) الثالثة التي يفكر في بنائها.

 تحدثوا عن  كل شيئ الا....الزكاة التي نسوا دفعها.

 

د. محمّد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 11 مارس 2014

أحبوا وطنكم

كان سؤالاً غريباً ذلك الذي وجّهته إلي ابنتي (سالمة) ذات الخمس سنوات وهي منكبّة على مطالعة شيء ما في غرفتها: أبويه (أبي بلهجة أهل صور وجعلان)، شي هناك قصّة في المعرض عن سالمه؟ ابويه اشتريها لي.

اقتربت منها فأدركت السّبب في سؤالها، ذلك أنها كانت تطالع بشغف تلك المجموعة القصصيّة (أحب وطني)، للمؤلّفة زينب بنت محمد الغريبية، بألوانها الصفراء والحمراء الزاهية، وتصميمها الجميل، وبطلتها شيخة، والتي اشتريتها لها كختام جميل لزيارتي إلى معرض مسقط الدولي للكتاب والذي رحل قبل أيّام على أمل العودة بعد عام من الآن.

المجموعة (لمن لم يطّلع عليها بعد) تتكوّن من ثمانية كتيّبات تحوي قصصاً تناقش قضايا مجتمعيّة مهمّة ، أتى الأوّل بعنوان (أحبّ عمان)، وذلك من خلال قصّة تعرض بشكل مبسّط للطفل بعض الحقوق والواجبات المتعلّقة به من خلال غرس بعض المفاهيم المهمّة كالوطن، والأسرة، والنظام، والتعليم، والبيئة، والأمن، وغيرها، بينما ركّز الكتيّب الثاني على إكساب الطفل ثقافة مروريّة سليمة، ومراعاة قواعد المرور، فيما اهتم كتيّب (حديقتي الجميلة) بغرس قيم المحافظة على البيئة والمرافق العامّة، وأن يتعلّم الطفل كيف يكون مواطناً مسئولاً، وأن يتّبع السلوك الحضاري في تعاملاته المختلفة، وجاء الكتيّب الرابع ليبرز قيمة العمل وأهميّته في بناء الوطن، ولكي يسهم في توجيه الطفل نحو اختيار مهنة مستقبليّة تناسب ميوله ورغباته، وفي نفس الوقت يحترم كافّة المهن الأخرى وعدم الاستخفاف بها مهما كانت نوعيّتها وقيمتها.

فيما أتى كتيّب (شيخة والسلحفاة) ليكسب الطفل قيماً مهمّة تتعلّق بالرفق بالحيوان، وأهميّة التعاون بين أبناء الفريق الواحد، وتقديم المساعدة للآخرين، مع إبراز المعلومات السياحيّة المتعلّقة بالمحميّات الطبيعيّة بالسلطنة والهدف من إنشائها، بينما هدف الكتيّب السادس إلى إكساب الطفل ثقافة الترشيد والاقتصاد في استهلاك الماء والكهرباء، وضرورة المحافظة على الموارد الطبيعيّة المختلفة، واهتم الكتيّب السابع (ليلى والنّخلة) بتعريف الطفل بألوان علم بلده وشعارها ومعانيها ودلالاتها، بينما اختتمت السلسلة بكتيّب (كلّنا إخوة) والذي هدف إلى غرس قيمة التسامح الدينيّ عند الأطفال، وتوجيههم نحو تقبّل الآخر، واحترام جميع البشر وعدم التمييز بينهم لسبب ديني أو عرقي أو طائفي.

وأنا أتصفّح المجموعة شدّتني أشياء كثيرة جعلتني أقف احتراماً وتقديراً وامتناناً لمعدّتها برغم معرفتي المسبقة بإمكاناتها الفكريّة والتربويّة العالية، إلا أنني لم أتوقع كلّ هذا الاتقان والجودة لأسباب لا تتعلق بإمكانات المعدّة بقدر ما تتعلق بعوامل وظروف أخرى لا مجال لذكرها هنا.

اختارت المعدّة أسلوب القصّة وهو أسلوب تربوي كان له دور كبير في تربية أجيال كثيرة من خلال حكاوي الجدّات والأمّهات التي نشأنا وتربّينا عليها، والتي ما زلنا نحفظ كثير من القيم المرتبطة بها، وكأنّ المعدّة توجّه رسالة خفيّة للأمّهات بأن يعدن إلى ممارسة الدور التربوي الذي كان، وأن غرف الأطفال المختار أثاثها وأصباغ جدرانها بعناية، والألعاب الثمينة المتناثرة في أركان هذه الغرف، والملابس الغالية المشتراة من أرقى المحلات، وركن الألعاب في المجمّعات الفخمة، والمربّيات المجلوبات من بلدان ترطن الانجليزية لا تكفي لوحدها لإحداث التغيير الفكري والقيمي المطلوب مالم يصحبها اهتمام حقيقي ومسئول من قبل الأسرة أولاً .

شدّني في المجموعة كذلك حسن اختيار القضايا وتنوعها، وارتباطها بالقضايا المجتمعيّة المطروحة حالياً على الساحة المحلّيّة، فقصّة (اللهم احفظني على الطريق) تأتي في وقت تبحث فيه الجهات المختصّة عن السبل التي من شأنها الحدّ من الحوادث المروريّة التي أصبحت خطراً يهدّد تركيبة المجتمع لا يقل أثره عن الحروب الفتّاكة والأمراض المستعصية، كما أن قصّة ( أحبّ أن أعمل) تأتي كسند لكثير من المطالبات المجتمعيّة بغرس ثقافة العمل لدى جيل المستقبل في ظل (تغوّل) فئة وافدة أصبح عشم التخلّص من سطوتها كـعشم ابليس في الجنّة، وبالتالي فلا حل سوى بإعداد جيل مستقبلي يدرك جيداً أهميّة العمل الحر أو اليدوي ، وإن مقولة (إن فاتك الميري اتمرّغ بترابه) التي ترى في الوظيفة الحكومية وسيلة أمان وظيفي سهلة ومضمونة ليست دائماً هي الحلّ الأنجع لتحقيق الأمنيات المستقبليّة وظيفياً وحياتياً، وقس على ذلك بقيّة القصص التي تناقش أهميّة الحفاظ على الممتلكات العامّة، وترشيد الاستهلاك في ظل مجتمع يعاني من ثقافة استهلاك سلبيّة تؤثر كثيراً على أمنه الغذائي والصحيّ، بل ووضعه الاقتصادي كذلك.

أعجبني كذلك حسن اختيار عناوين القصص، فعنوان كـ ( اللهم احفظني على الطريق)، و(أحب أن أعمل)، و(كلّنا إخوة) على سبيل المثال هي عناوين تقترب من الطفل، وتخاطب فيه الدافع الوجداني، مما تجعله يتقبّلها ويتأثر بالدروس والقيم التي احتوتها.
شدّني في السلسلة كذلك جرأتها في الطّرح، ووضوحها في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود منها بطريقة مباشرة دون مواربة أو تمييع للمعنى، فقصّة (كلّنا إخوة) تتحدّث عن مجموعة من الطلاب في صفّ دراسيّ معين يؤدّون صلاتهم كلّ حسب مذهبه في تسامح ليس بالمستغرب في بلد لم يعرف طوال تاريخه أيّة حروب مذهبيّة، وهي ثقافة يحتاج لها المجتمع في وقت أصبح (البعض) فيه يعتقد أنّ حرّيّة الفكر تعطيه الحق في ازدراء أفكار الآخرين دون مبالاة بما يمكن أن يحدثه ذلك من تأثير على نسيج المجتمع المتماسك.

بهرني في المجموعة اختيار اسم الشخصيّة الرئيسة للقصص الثمان وهي (شيخة) بزيّها العماني الأصيل، وهو اسم وزيّ يرمزان إلى الأصالة الجميلة في ظل تهافت البعض على اختيار أسماء غربية وشرقيّة غريبة عن مجتمعنا، وملابس تتواكب مع آخر صيحات الموضة، لمجرّد أنّه يعتقد أنّ في تمسّكنا بأسماء وزيّ كهذا نوع من الرّجعيّة، وكأن الأسماء والأزياء الحديثة هي من ستجعل أطفالنا يتقنون فنّ الاتيكيت، ويأكلون بالشوكة والسّكّين، بل وقد يتمكّنون من حل لغز النظريّة النسبيّة. ما زلت أحلم بعودة الخيّاطة العمانيّة إلى الساحة مرة أخرى.

تأتي هذه المجموعة في زمن تعاني فيه كثير من القيم المجتمعيّة من تحدّيات كثيرة في ظلّ تسارع معلوماتي وحياتيّ رهيب، وضعف قدرة المؤسسات التربوية والإعلامية والمجتمعيّة على كبح جماح هذه التحدّيات لأسباب كثيرة لعل من بينها مدى وجود الرغبة (الحقيقية) لذلك، وانعدام الاستراتيجيات المشتركة للجهات التي يهمّها أمر هذه الفئات العمريّة، فكل يعمل على هواه، وكلّ لا يبالي إن كانت برامجه ناجعة أم لا، تتشابه مع برامج الآخرين أم لا، فالأهم هو التقرير الختامي الذي (يبري الذمّة)، ويظهر انجازات المؤسسة (الكبيرة) في هذا المجال، بغضّ النظر عن تحقق الهدف المنشود من عدمه.
إن وجود مجموعة عمانيّة كهذه في معرض الكتاب الأخير أعاد لي الأمل في وجود أدب راق وهادف للطفل في ظل شحّ هذا النوع من الأدب في مجتمعنا، واعتمادنا على كتابات مستوردة أعدّت لأطفال آخرين في بيئات أخرى قد  لا تتوافق فكرياً مع مجتمعنا ، كما أنّ وجودها كذلك خفّف لديّ كثيراً من المرارة التي أحملها، والحنق الذي ينتابني وأنا أرى أموال الدولة تهدر أحياناً على طباعة دواوين وقصص من عيّنة ( آهات نملة متصابية)، و(الأرق المتململ)، و(شخبطة ورقة) بداعي تشجيع الإبداع والمبدعين، وكأن الإبداع يقتصر فقط على أمثال هذه الكتابات في مجتمع تعاني فيه أغلب قراه من عدم وجود أكشاك لبيع الصحف، وتفتقر فيه معظم مدنه إلى المؤسسات الثقافية الأولية المتمثلة في المكتبات العمومية، وبيوت الثقافة، وما يرتبط بها من مسارح ، وقاعات مطالعة، وغيرها من المرافق التي ينبغي أن يكون وجودها ضمن أولويات البنية الأساسية التي لا يجوز النقاش حول توفيرها.

ترى هل سيحرص أولياء الأمور على اقتناء مجموعة كهذه، وهل ستتبنّى المؤسسات الثقافية والتربويّة الرّسميّة والخاصّة هذه المجموعة من خلال المناهج والمكتبات التابعة لهذه المؤسسات، أو دعم طباعة سلاسل تالية، وهل سنرى بعض قصصها وشخصياتها تتحول إلى مسلسلات كارتونية، وهل ستفكر مؤسسات أخرى في الاستعانة بمعدّة المجموعة كي تعدّ قصصاً مماثلة تدعم رغبة هذه المؤسسات في ايصال رسالتها التوعوية والتثقيفية إلى شريحة مجتمعية مهمّة ألا وهي المستهلك الصغير.. وهل وهل وهل؟ أسئلة أترك إجاباتها للمستقبل القريب.

تحيّة للداعم الكريم علي مال حبيب الذي اعتدنا منه الوقوف وراء كثير من الأعمال الفكريّة والمجتمعيّة التي تصب في مصلحة الوطن، ولا غرابة في ذلك فهو نجل المثقف الكبير مال الله علي حبيب. تحيّة لزينب الغريبية معدّة هذه المجموعة والتي تحدّت كثيراً من الظروف، وسخّرت امكاناتها وخبراتها المتوالية في عمل رائع كهذا، وتحيّة ثالثة للصديق الدكتور سيف المعمري مستشار المجموعة الذي حمل على عاتقه قضية المواطنة كرسالة آمن بها وعمل من أجلها الكثير لدرجة اعتقادي من شدّة اشفاقي عليه وأنا القريب منه والذي عايشت جهوده المتوالية في هذا المجال أنه.. (يؤذن في مالطا).

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الأربعاء، 5 مارس 2014

مشاهد وتساؤلات 13


مشاهد وتساؤلات (13)

 

(1)

بعد أن تجاوز عددهم حاجز المليون ونصف، وبعد أن بلغت نسبتهم حوالي 40% من عدد السكان بالسلطنة، أشار معالي وزير القوى العاملة في خبر صحفيّ نشرته الرؤية مؤخراً إلى وجود (توجّه) لدى الحكومة  للحد من أعداد الوافدين العاملين في القطاع الخاص، من خلال عدد من التدابير التي ستعمل الوزارة على تنفيذها في المرحلة المقبلة.

لم يوضّح لنا معاليه أيّ نوع من العمالة الوافدة تلك التي ستستهدفها تدابير الوزارة، وهل ستوجّه هذه التدابير نحو أصحاب الشوارب الكثّة الذين باتوا يتحكّمون في مفاصل الاقتصاد المحلّي المختلفة، ولم يتركوا قطاعاً لم يطرقوا بابه، ولم تفلت من أيديهم سوى بضعة حرف تقليدية مازالت تقاوم توغّلهم، ولن يكون مستغرباً أن  يطوونها تحت أجنحتهم مستقبلاً، أم ستكون (الرّهوة على المربوطة) وتكون العمالة الوافدة البسيطة هي ضحيّة هذه التدابير القادمة؟

(2)

الأفاضل المسئولين عن تنظيم معرض الكتاب: خالص الشكر والتقدير لجهودكم، فقط لدي اقتراح: أليس من الأجدى أن تخصصوا كافة المعرض للنساء والطلاب مادامت كل الأيام قد تم حجز الفترة الصباحية لهم باستثناء يومين أو ثلاثة فقط؟

 ماذا لو حضر شخص ما من ظفار او مسندم أو الدقم لعمل في مسقط في الفترة الصباحية وأراد أن يعرج على المعرض للزيارة وفوجئ بأن الدخول مقصور على فئة النساء أو طلاب وطالبات المدارس، ماذا يفعل، وهل سيتم منعه من الدخول، وهل يفترض فيه أن يكون حافظاً لجدول الزيارات،  وهل سيتم تخصيص ولو يوم واحد للرجال فقط في الفترة المسائية؟

 أفهم أن أمراً  كهذا قد يحدث في مناسبة خاصة أو معرضاً خيرياً أو متعلقا بمؤسسة بعينها،  ولكن أن يحدث أمر كهذا في معرض تجاري بحت فهذا أمر لم أستطع استيعابه؟ هناك دور نشر أتت من آخر العالم ودفعت مبالغ طائلة، فما ذنبهم أن يتم حرمانهم من جمهور كبير، ما ذنب دور النشر المتخصصة في الكتب الفكرية والثقافية  والفلسفيّة والتاريخيّة عندما يرون أن معظم زوّار الفترة الصباحيّة من الأطفال والطلاب والنساء؟ وهل نحن فعلاً بحاجة لأوقات مخصصة للنساء فقط مادامت النساء أصبحت تزاحم الرجال في كل شبر وكل موقع، ومادامت النساء كذلك يشكلن نسبة كبيرة من رواد المعرض في الفترة المسائية.

قد يقول البعض: ولكن يمكنك أن تأتي في الفترة الصباحيّة ولن يمنعك أحد خاصة في الأيام المخصّصة للطلاب. ما دام الأمر كذلك، فلماذا التخصيص من أساسه؟ ولماذا يتم تعويدنا على عدم الالتزام بمواعيد الزيارة الموضوعة لمجرد أن الأمر أصبح عادة، و ما جدواها إن لم نكن لنطبّقها أو نمشي عليها.

(3)

فوضى مرورية وعبث تنظيمي رهيب شهدته شوارع العامرات قبل بضعة أيّام، فرغماً عن عدم وجود شوارع رئيسية تربط العامرات بالدوّار المؤدي إلى عقبة بوشر للقادمين من المناطق السكنيّة الجديدة بالولاية، وهي المناطق التي تضم أغلب سكان العامرات، الا أن القائمين على العمل البلدي لم يجدوا وقتا لإغلاق الطريق الفرعي المليء بكاسرات السرعة  بهدف مدّ (كيبل) معيّن سوى في منتصف الاسبوع، وكأنّ القيام بهذا العمل في نهاية الاسبوع يعد رجساً من عمل الشيطان.

كان الأمر قاسياً بالنسبة لي وأنا أقطع المسافة من بيتي إلى الدوّار، والتي لا تزيد عن نصف كيلو في حوالي نصف ساعة، وكان المنظر كذلك مثيراً  للشفقة وأنت تشاهد السيارات المتدفّقة من كل صوب وهي تبحث عن (خرم) تصل منه إلى الشارع، وهو منظر يذكّرني بالهيستيريا التي تصيب البعض عند فرارهم من مجذوم مرّ بالقرب منهم أو من نار تكاد تلمس أجسادهم.

ألن ينتهي مسلسل شق بطون الشوارع من أجل مدّ كابلات  الكهرباء والمياه والهاتف بعد سنوات ضوئية من سكنى الناس في مناطق هي جزء من مخططات سكنية بالأساس، ثم ألا توجد دراسات ترفد المسئولين عن حجم الهجرة الداخلية ونسب تزايد السكان في أحياء مسقط كي يتواكب التخطيط مع هذه الطفرة؟ وهل ستظل العامرات تعيش على خدمات صمّمت لبضعة آلاف قبل أربعين عاماً بينما يكاد عدد سكّانها الحالي يشكّل حوالي نصف سكّان عمان؟

هل هناك من يستكثر على العامرات أن تتطوّر كبقيّة الولايات والأحياء التابعة لمسقط؟ أوليس من حقّ سكانها أن يحلمون بجزء من الخدمات التي تتوافر في لمح البصر بسيح خطط للتوّ في الخوض، أو تلّة رملية ببوشر، أو هضبة صخريّة  بأطراف السيب؟


(4)

حفاظاً على أرواح من تبقى من سكان جعلان، أطالب بإغلاق طريق الجوابي – وادي سال. قد ينقرض سكان الولاية إن ظلّ هذا الشارع لعشر سنوات قادمة. لا أطالب بإعادة تأهيله، فلقد أهّل قبل ذلك عشرين مرة، ولا أطالب بمحاسبة من صممه وأشرف على تنفيذه، فهذا حلم صعب المنال. فقط أطالب بإغلاقه.
قلت عن هذا الشارع أكثر من مرة أنه رصف على غير رغبة، فهو رقيق المشاعر لدرجة أن أية نسمة هواء، أو زخـﱠــة مطر بسيطة كافية لأن تقلبه رأساً على عقب، وهذا ما يحدث بالفعل.

ترى هل ستحاول الجهة المسئولة عن الشارع حفظ ما تبقى من ماء الوجه وإغلاقه، أم أنها ستكتفي بعمل معالجات سطحية هنا وهناك ما تلبث أن تعود لحالتها السابقة بعد أشهر من انتهاء العمل بها ما لم تعجّل رشّة مطر قريبة  بهذا الأمر.

 (5)

تعريف القهر: هو أن تقود سيارتك في أمان الله وأنت مستمتع بالجو الرائع، وتنظر للحياة بتفاؤل، وتفكر في أحلام مستقبليّة تنوي تحقيقها، وفجأة تشعر بوهج أبيض يكاد يعمي عينيك فتكتشف أن راداراً قريباً قد (ضبطك)  مع أن سرعة المركبة لم تتجاوز حاجز  80كم، ومع أن الطريق سريع ذو ثلاث حارات، كما حدث لي قبل أيام على طريق وادي عدي-العامرات، وكما يحدث لي مرات عديدة في الطريق الواصل بين عقبة بوشر وجراند مول .

لديّ 7مخالفات خلال ستة أشهر معظمها تتعلق بمخالفات رادار في سرعة 80 كم،  بينما خلال عشرة سنوات سابقة لم تسجل علي سوى مخالفة رادار واحدة. ترى هل أنا من تغير للأسوأ أم ماذا؟

لست ضد استخدام الرادار، وأرى أنه من الوسائل المهمّة للحدّ من حوادث السير التي أصبحت من أهم أسباب الوفاة لدينا، وهناك شرائح شبابية لا تقدّر حق الآخرين في استخدام الطريق، ولكن في نفس الوقت أنادي بالتطبيق الأمثل لهذه الرادارات بحيث تحقق الأهداف المنشودة من استخدامها، وأرى أنه ليس من العيب أن يتم مراجعة عمل بعض هذه الرادارات، فمستخدم الطريق ليس رجلاً آلياً ينبغي أن يعرف كل صغيرة  وكبيرة عن قوانين المرور والسرعات المقدّرة، كما أن من يستخدم طريقاً سريعاً كطريق صور – مسقط مثلاً، وهو طريق يحتوي على حوالي 100 رادار ثابت، ليس بالضرورة أن يكون ملاكاً من السماء فيلتزم حرفياً بكل سرعة مقررة في مكان كل رادار، أو يعرف أن في هذا المكان تكون السرعة كذا، بينما بعد كيلو واحد تتغير السرعة إلى كذا، ثم تصبح كذا في الكيلو الثالث وهكذا.. لو فعل كل سائق كذا لانتحر نصف من يستخدم هذا الطريق، ولمات البقية أو أصيبوا من جراء انشغالهم بحفظ السرعة المقررة عند كل رادار. كما أنني لا أجد سبباً مقنعاً لأن تقدر السرعة بحوالي80 كيلو أو أقل في شوارع مزدوجة مفتوحة  لا تطل على أماكن سكنية، أو تشتمل على مناطق عبور مشاة أو تقاطعات، بحجة أن اللجنة المشكّلة من عدّة جهات ارتأت تقدير السرعة بهذا الرقم أو ذاك.