الثلاثاء، 1 أبريل 2014

هل قرأتم النظام الأساسي؟



عندما كنت أسأل طلابي الذين أدرسهم في مقرر "النظام السياسي والإداري" بإحدى الكليّات الجامعيّة في بداية كل فصل دراسي إن كانوا قد اطلعوا على النظام الأساسي للدولة  أم لا،  أو سمعوا عن المواد التي يتضمّنها، أو عن الحقوق التي كفلها لهم،  كانت معظم الاجابات تنصبّ في خانة النفي.

كنت أعتقد وقتها أن هذا الأمر يعود إلى انشغالهم الشّخصي وعدم اطّلاعهم، حيث أن معظمهم هم من الموظّفين الملتحقين بالدراسة المسائيّة، وبالتّالي فلا وقت للقراءة أو المطالعة، وإن كنت أستغرب في الوقت ذاته كيف أنّ موظّفاً عاملاً في مؤسّسة مدنيّة أو أمنيّة أو عسكريّة لم يطّلع على مواد هذا النظام وهو الذي يتعامل مع كثير منها، وترتبط بطبيعة عمله، ولكني فوجئت بأن أمراً كهذا يتكرر مع شرائح مجتمعيّة كثيرة متباينة المستويات الثقافية والاجتماعيّة، ففي كلّ مرّة أوجّه سؤالي  لأي جمع ثقافي أو اجتماعي أو إلكترونيّ أحضره تصبّ معظم الإجابات في خانة واحدة، حتّى تصريحات أو مداخلات بعض المسئولين أو أعضاء مجلس الشورى  لم تكن تخلو من جهل بتلك الموادّ، حتى اطّلعت مؤخّراً على نتائج دراسة مهمّة قام بها الصّحفي النّشط أحمد بن سيف الهنائي على عيّنة  تكوّنت من 5317 فرداً، من مختلف فئات وشرائح المجتمع ذكوراً ونساءً، وعديد التخصصات العملية والمهن والدرجات الأكاديمية، حول ان كانوا قد اطلعوا على مواد النظام الأساسي للدولة أم لا.

وقد جاءت نتيجة الاستطلاع الذي استحوذت فئة المعلمين والإعلاميين ورجال الأعمال والأطباء وطلاب الجامعات والمدارس والموظفون الإداريون والفنيون بالقطاعين العام والخاص على النسبة الأكبر منه، على النحو التالي: 5159 فرد لم يطلعوا على النظام الأساسي، فيما تمكن من قراءته 158 فرداً، أي أن حوالي 97% من عيّنة الدراسة  لم تطّلع على دستور بلدها، وهي نسبة خطيرة خاصّة إذا ما اعتبرنا أن النظام الأساسي يعتبر دستور البلد، ويشتمل على كافّة الحقوق والواجبات، ويوفّر الإطار القانوني لتطوير وتنفيذ كافة التشريعات والسياسات الحكومية، كما أنّه يشكل الأساس لكافة التشريعات القانونية، ويتناول الجوانب المتعلّقة بالسلطات الثلاث التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة.

تفاوتت الأسباب حول عدم قراءته بالنسبة للمشاركين، تمركزت أغلبها حول الجهل بوجوده أساساً، فيما كان يظن البعض أن "النظام الأساسي للدولة" مجرد مرتكزٍ تنطلق منه المراسيم، وهو مخصّص للسّلطة العليا في نشر المراسيم فقط، ورغم غرابة الفكرة إلا أن نسبة من يؤمنون بها تبدو كبيرة، وهو يندرج تحت الجهل بحقيقته، فيما "ظنّت" فئة أخرى أنّهم غير مطالبين بقراءته لكونه يمثل بنوداً قانونية تختص بالقانونين فقط وهم غير معنيون به، فيما أجاب البعض أنهم لا يرون داعياً لقراءته دون الإفصاح عن تلكم الأسباب، عوضاً عن اعتراف البقية بتقصيرهم بقراءته وغياب المحفز على ذلك.

تبيّن للدراسة وجود ضعف شديد في القراءة بشكلٍ خاص حول هذا الموضوع، مع وجود إخفاق من المؤسسات التربوية والثقافية والقانونية في توعية المواطنين والمقيمين بأهمية قراءته، عوضاً عن الصمت الإعلامي وعدم ممارسة دوره في التعريف بالنظام وتناوله وإفراد برامج متخصصة للحديث عنه، كما اشتكى العموم (السواد الأعظم من المشاركين) من عدم توفره وصعوبة الحصول عليه في المكتبات والأسواق والأماكن العامة، بالرغم من توفره على مواقع الإنترنت.

فئة رجال الأعمال، رغم قلة المشاركين إلا أنه حصلت على نسبة قراءة معدومة بلغت 0%. فيما كان فئتي "المحامون" و"الإعلاميون" هم الأكثر حرجاً، إذ يتصور للأذهان أن هاتين الفئتين هما الأكثر اطّلاعا على النظام، فيما رصدت الدراسة وجود بعض المحامين والإعلاميين لم يطّلعوا عليه، وإن كانوا في حقيقتهم لا يزالون في سنواتهم العملية الأولى في المهنة.

أثنت الدراسة على بادرة جريدة "عمان" قبل عام، في طباعة "النظام الأساسي للدولة" وتوزيعه على القرّاء في أعدادها اليومية الصادرة، وكان ذلك أثناء التعديل الأخير في النظام الأساسي، وهي بادرة جيدة خصوصاً وأن الجريدة تطبع أكثر من 10 آلاف نسخة.

أوضحت الدراسة أيضاً أن مجلس الشورى تبنّى تقديم مقترحٍ لوزارة التربية والتعليم في إدخال "النظام الأساسي للدولة" في المنهج الدراسي القادم، بمتابعة مباشرة من رئيس المجلس.

أوصت الدراسة بضرورة الحديث عن "النظام الأساسي للدولة" إعلامياً وثقافيا وتربوياً واجتماعياً، وبمجرد الحديث عنه تتفتّح الرغبة للآخرين للاطلاع عليه، وهذا ما حدث مع جزء من المشاركين الذين تواصلوا مع "الزمن"  في كيفية الحصول عليه لقراءته.

تواصلت "الدراسة" مع عدد من المتخصصين الذين توصّلوا جميعاً إلى وجود "كسل" لدى الإنسان العماني في الاطلاع على أنظمته وقوانينه، أوعزوا ذلك إلى الأمن والطمأنينة وتوسع مظلة العدل في البلد الذي جعل الجميع يشعرون بالراحة والاستقرار الاجتماعي والسياسي والتنموي، إضافة إلى أن المجتمع الحديث بعد تولي صاحب الجلالة الحكم انشغل بالبناء والتعمير ومواكبة العصر تقنياً وعلمياً، كل ذلك ساهم في غياب المجتمع عن نظامه الأساسي، مطالبين  في الوقت ذاته بوجود مبادرات من القطاعين الحكومي والخاص وحتى الأهلي والأفراد في المشاركة بتفعيله وإثارة الفضول حوله لدفع الناس لقراءته، فيما يطالب بعض القانونين والمثقفين بضرورة مساءلة الجهات المعنية التي لم تطبق بعض ما نصّ عليه النظام الأساسي في الدولة، فهناك قصور في التطبيق في جوانب القضاء وغيره.

انتهت نتائج الدّراسة التي قام بها الصّحفي  الرائع أحمد بن سيف  الهنائي، وهي بلا شك دراسة في غاية الأهميّة، ونتائجها تهمّ عدداً من الجهات المسئولة عن تنمية الوعي الحقوقي والقانوني والمجتمعي لدى أفراد المجتمع، فمعرفة المواطن بحقوقه التي كفلها له النّظام ، واطلاعه على المبادئ الموجّهة لسياسة بلده في مختلف المجالات، وإدراكه لاستقلاليّة السلطات الثلاث التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة، تجعله أكثر ثقة واطمئناناً، فهو سيشعر أنّه في دولة مؤسّسات حقيقيّة، كما أنّها تسهم في جعله أكثر حرصاً على الالتزام بعدم الوقوع في أخطاء أو هفوات نتيجة عدم معرفته بالواجبات المطلوبة منه، إضافة إلى أنّ مبادئ كالعدل والمساواة وتكافؤ الفرص والتعاضد والتراحم وغيرها من المبادئ والحقوق التي تمتلئ بها مواد النظام هي مبادئ  تسهم في تعزيز الوحدة الوطنيّة، ولا يقلل من أهميتها عدم تواكب بعض القوانين المطبّقة حالياً مع هذه المبادئ، أو التصرّفات والسياسات الفرديّة التي تحسب على الأفراد لا على النظام، وهي مهمّة بحاجة إلى قيام السلطة التشريعيّة بمراجعة وتعديل وسنّ تشريعات تتناسب وطبيعة المرحلة  كي يشعر المواطن بأهميّة مواد النظام الأساسي وتحققها بشكل كبير على أرض الواقع.

فهل سنرى في المستقبل القريب اهتماماً يتوازى مع هذه الأهميّة، وهل سيعود أبنائنا من مدارسهم يوماً ما وهم يحملون في حقائبهم نسخاً من هذا النظام، وهل سنرى ولي الأمر يحرص على وضع نسخة في مكتبته كي يطّلع عليها بقية أفراد الأسرة، ولتجاور الكتب الفخمة المجلّدة التي يشتريها كل عام من معرض الكتاب كديكور يزيّن به صدر مجلسه، وهل ستتكفّل اللجنة الوطنيّة للشباب بتنظيم ورش عمل تشمل كافّة أنحاء السلطنة تناقش مدى إلمام الشباب العماني بمواد دستوره ومعرفة حقوقه وواجباته التي كفلها لهم، وهل سنرى برامج  اعلاميّة حواريّة مباشرة تستهدف توعية المجتمع بأهميّة اطّلاعه على القوانين والتشريعات التي تهمّه من خلال الحوار المباشر ، وهل ستخصّص مؤسّسات التعليم العالي مواداً أساسيّة كانت أم اختياريّة تركّز على غرس  الثقافة القانونيّة لدى طلّابها

تساؤلات أترك اجابتها للمستقبل القريب.

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

الثلاثاء، 25 مارس 2014

تنـاقضــات



(1)

اتّصل بالمدير كي يحجز له طاولة كبيرة في المطعم الفخم الذي اعتاد الذهاب إليه من حين لآخر، ثم هاتف زوجته كي تؤكّد على أبنائها أن يلبسوا الملابس الجديدة التي اشتراها لهم قبل يومين حيث سيمرّ عليهم بعد قليل كي يأخذهم لتناول وجبة الغداء في البوفيه المفتوح الذي يقيمه ذلك المطعم كلّ جمعه. في طريقه إلى البيت عبث في مؤشر الإذاعة فإذا بصوت طفلة سوريّة تصيح بصوت عال  كفيل بتحطيم قلب أعتى القساة " قتلوا إخوااااتي ".

اضطرب قليلاً، وسرت جسمه بعض الرّعشة، وظهرت أمامه شاشة وهمية تحوي مشاهد لأطفال عصرهم البرد والجوع والألم وفقدان الأهل.

 ما لبث أن تخلّص من كلّ هذا بتغيير مؤشر القناة.

(2)

ملأ عربتي الشراء بالبضائع والسّلع المتنوّعة، ولم ينس أن يلحقهما ببعض من علب المكسّرات والشكولاتة الفاخرة لزوم تسلية الوقت في السيّارة، كما لم ينس أن يحضر لابنته الصغيرة الذرة الصفراء التي تحبّها. في طريقه إلى السيارة طلب من أحد العمّال البسطاء أن يعاونه في حمل العربتين ووضع المشتريات في السيّارة، فهي من الكثرة بحيث لا يستطيع حملها أو تفريغها لوحده.

بحث في جيبه المتخم عن مبلغ يعطيه لهذا العامل الذي كان يحاول في صعوبة رفع أحد الصناديق إلى السيارة فلم يجد عملة أصغر من الريال ممّا اضطرّه للذهاب إلى أقرب محلّ كي يصرفه لنصفين، ثم عاد ليعطي العامل أحدهما وهو يحدّث نفسه إن كان يستحقّ كل ذلك المبلغ أم لا.

أخذ العامل الورقة النقديّة ووضعها على رأسه ثمّ قبّلها شاكراً ربّه على نعمته.

(3)

كان على موعد مع مجموعة من زملاء العمل التطوّعيّ لتأسيس مبادرة اجتماعيّة جديدة تهدف إلى حثّ المقتدرين على التبرع لبناء المؤسسات الخيرية الدينيّة والاجتماعيّة. هو ناشط في هذا المجال، وله العديد من المقالات والكتابات التي تدعو المجتمع إلى التكافل والتراحم والشعور بالآخر.

في طريقه إلى "الكافيه" الفخم الذي يقع في أحد ضواحي العاصمة الراقية حيث موعده مع الزملاء، وحيث اعتاد أن يكتب مقاله الأسبوعي، كعادته كل يوم حانت منه التفاتة إلى اللافتة البلاستيكيّة الضخمة التي تواجه مدخل منزله والتي تحثّ الناس على التبرّع "ولو بريال" لبناء المسجد الجامع ومدرسة القرآن الملحقة به في الحيّ الجديد الذي يسكنه والذي لم تكتمل بنيته التحتيّة بعد.

فتح الصندوق الملحق بالسيارة والذي تعوّد أن يضع فيه بعض (الفكّة) وبقايا المبالغ المسترجعة من المحلات القريبة فوجده عامراً بالكثير من الريالات والأنصاص. تردّد قليلاً ثمّ أكمل مسيره نحو الكافيه.

(4)

اليوم هو موعد نزول راتبه الذي تضاعف خلال السنتين الأخيرتين ووصل إلى رقم لم يكن ليحلم به . اليوم سيفعلها كما كان يمنّي نفسه بذلك منذ فترة طويلة مع بداية كل شهر ثم يتراجع لأسباب مختلفة.

في كل مرة يذهب فيها إلى (البلد) كانت تطالعه صورة جارهم الفقير الذي توفي والده العامل الأعمى البسيط وترك له (دستة) من الإخوان والأخوات مما اضطرّه إلى ترك المدرسة والعمل في نفس وظيفة والده البسيطة برغم أنّه لم يتجاوز العشرين بعد، بدشداشته الزرقاء التي كادت أن تتحول إلى اللون الأسود، والإنهاك الواضح على محيّاه.

يذهب إلى ماكينة الصرف الآلي، هذه خمسين قيمة لحم الوليمة التي وعدت الشباب به، وهذه ثلاثين لتلميع السيارة، وهذه عشرين لشراء الكمّة التي رأيتها بالأمس، وهذه عشـ..، لا، عشرة مبلغ كبير بعدين الراتب ما بيبقى فيه شيء، هذه خمسة ريالات لجارنا فلان.

يذهب إلى بيت جاره ظهراً حيث الناس في حارته يتناولون غدائهم مبكّراً، يطرق الباب مرة وثانية وثالثة في تلاحق مستمر برغم أن أصوات المكيّفات، وفناء البيت الواسع كعادة البيوت في مثل تلك الحارات القديمة كاف بأن لا يسمعه أحد.

يعود من حيث أتى وهو يشعر بنشوة غريبة ويحدّث نفسه: الحمد لله. سوّيت اللي عليّ.

(5)

يجلسان في المقهى (الشيك) الذي يتوسط ردهة أحد المجمّعات التجاريّة، كان كل منهما في كامل أبّهته كعادتهم في كل مساء حيث يلتقون، الكمّة المتناسقة مع لون الم دشداشة وفصّ الخاتم الفضّي وحزام الساعة الثمينة، واللحية الخفيفة المهذّبة بعناية.

كان حديثهم يدور حول الصفقة الأخيرة التي قاموا بها صباح اليوم عندما تمكنوا من بيع أرض تجارية في موقع مهم، كان نصيبهم من عمولتها رقماً أمامه ثلاثة أصفار، وهي العمليّة الثالثة لهم في ظرف أسبوع واحد.

تحدثوا عن مشاريعهم القادمة، وتذكروا وضعهم قبل سنتين عندما كانوا لا يملكون سوى الراتب البسيط في إحدى الشركات الخاصة قبل أن تجرّهم يد القدر إلى العمل في مجال السمسرة العقاريّة، فاتح أحدهم الآخر في رغبته بتغيير سيارته الفخمة التي اشتراها قبل بضعة أشهر، وتحدّث الثاني عن (التوين فيلّا) الثالثة التي يفكر في بنائها.

 تحدثوا عن  كل شيئ الا....الزكاة التي نسوا دفعها.

 

د. محمّد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 11 مارس 2014

أحبوا وطنكم

كان سؤالاً غريباً ذلك الذي وجّهته إلي ابنتي (سالمة) ذات الخمس سنوات وهي منكبّة على مطالعة شيء ما في غرفتها: أبويه (أبي بلهجة أهل صور وجعلان)، شي هناك قصّة في المعرض عن سالمه؟ ابويه اشتريها لي.

اقتربت منها فأدركت السّبب في سؤالها، ذلك أنها كانت تطالع بشغف تلك المجموعة القصصيّة (أحب وطني)، للمؤلّفة زينب بنت محمد الغريبية، بألوانها الصفراء والحمراء الزاهية، وتصميمها الجميل، وبطلتها شيخة، والتي اشتريتها لها كختام جميل لزيارتي إلى معرض مسقط الدولي للكتاب والذي رحل قبل أيّام على أمل العودة بعد عام من الآن.

المجموعة (لمن لم يطّلع عليها بعد) تتكوّن من ثمانية كتيّبات تحوي قصصاً تناقش قضايا مجتمعيّة مهمّة ، أتى الأوّل بعنوان (أحبّ عمان)، وذلك من خلال قصّة تعرض بشكل مبسّط للطفل بعض الحقوق والواجبات المتعلّقة به من خلال غرس بعض المفاهيم المهمّة كالوطن، والأسرة، والنظام، والتعليم، والبيئة، والأمن، وغيرها، بينما ركّز الكتيّب الثاني على إكساب الطفل ثقافة مروريّة سليمة، ومراعاة قواعد المرور، فيما اهتم كتيّب (حديقتي الجميلة) بغرس قيم المحافظة على البيئة والمرافق العامّة، وأن يتعلّم الطفل كيف يكون مواطناً مسئولاً، وأن يتّبع السلوك الحضاري في تعاملاته المختلفة، وجاء الكتيّب الرابع ليبرز قيمة العمل وأهميّته في بناء الوطن، ولكي يسهم في توجيه الطفل نحو اختيار مهنة مستقبليّة تناسب ميوله ورغباته، وفي نفس الوقت يحترم كافّة المهن الأخرى وعدم الاستخفاف بها مهما كانت نوعيّتها وقيمتها.

فيما أتى كتيّب (شيخة والسلحفاة) ليكسب الطفل قيماً مهمّة تتعلّق بالرفق بالحيوان، وأهميّة التعاون بين أبناء الفريق الواحد، وتقديم المساعدة للآخرين، مع إبراز المعلومات السياحيّة المتعلّقة بالمحميّات الطبيعيّة بالسلطنة والهدف من إنشائها، بينما هدف الكتيّب السادس إلى إكساب الطفل ثقافة الترشيد والاقتصاد في استهلاك الماء والكهرباء، وضرورة المحافظة على الموارد الطبيعيّة المختلفة، واهتم الكتيّب السابع (ليلى والنّخلة) بتعريف الطفل بألوان علم بلده وشعارها ومعانيها ودلالاتها، بينما اختتمت السلسلة بكتيّب (كلّنا إخوة) والذي هدف إلى غرس قيمة التسامح الدينيّ عند الأطفال، وتوجيههم نحو تقبّل الآخر، واحترام جميع البشر وعدم التمييز بينهم لسبب ديني أو عرقي أو طائفي.

وأنا أتصفّح المجموعة شدّتني أشياء كثيرة جعلتني أقف احتراماً وتقديراً وامتناناً لمعدّتها برغم معرفتي المسبقة بإمكاناتها الفكريّة والتربويّة العالية، إلا أنني لم أتوقع كلّ هذا الاتقان والجودة لأسباب لا تتعلق بإمكانات المعدّة بقدر ما تتعلق بعوامل وظروف أخرى لا مجال لذكرها هنا.

اختارت المعدّة أسلوب القصّة وهو أسلوب تربوي كان له دور كبير في تربية أجيال كثيرة من خلال حكاوي الجدّات والأمّهات التي نشأنا وتربّينا عليها، والتي ما زلنا نحفظ كثير من القيم المرتبطة بها، وكأنّ المعدّة توجّه رسالة خفيّة للأمّهات بأن يعدن إلى ممارسة الدور التربوي الذي كان، وأن غرف الأطفال المختار أثاثها وأصباغ جدرانها بعناية، والألعاب الثمينة المتناثرة في أركان هذه الغرف، والملابس الغالية المشتراة من أرقى المحلات، وركن الألعاب في المجمّعات الفخمة، والمربّيات المجلوبات من بلدان ترطن الانجليزية لا تكفي لوحدها لإحداث التغيير الفكري والقيمي المطلوب مالم يصحبها اهتمام حقيقي ومسئول من قبل الأسرة أولاً .

شدّني في المجموعة كذلك حسن اختيار القضايا وتنوعها، وارتباطها بالقضايا المجتمعيّة المطروحة حالياً على الساحة المحلّيّة، فقصّة (اللهم احفظني على الطريق) تأتي في وقت تبحث فيه الجهات المختصّة عن السبل التي من شأنها الحدّ من الحوادث المروريّة التي أصبحت خطراً يهدّد تركيبة المجتمع لا يقل أثره عن الحروب الفتّاكة والأمراض المستعصية، كما أن قصّة ( أحبّ أن أعمل) تأتي كسند لكثير من المطالبات المجتمعيّة بغرس ثقافة العمل لدى جيل المستقبل في ظل (تغوّل) فئة وافدة أصبح عشم التخلّص من سطوتها كـعشم ابليس في الجنّة، وبالتالي فلا حل سوى بإعداد جيل مستقبلي يدرك جيداً أهميّة العمل الحر أو اليدوي ، وإن مقولة (إن فاتك الميري اتمرّغ بترابه) التي ترى في الوظيفة الحكومية وسيلة أمان وظيفي سهلة ومضمونة ليست دائماً هي الحلّ الأنجع لتحقيق الأمنيات المستقبليّة وظيفياً وحياتياً، وقس على ذلك بقيّة القصص التي تناقش أهميّة الحفاظ على الممتلكات العامّة، وترشيد الاستهلاك في ظل مجتمع يعاني من ثقافة استهلاك سلبيّة تؤثر كثيراً على أمنه الغذائي والصحيّ، بل ووضعه الاقتصادي كذلك.

أعجبني كذلك حسن اختيار عناوين القصص، فعنوان كـ ( اللهم احفظني على الطريق)، و(أحب أن أعمل)، و(كلّنا إخوة) على سبيل المثال هي عناوين تقترب من الطفل، وتخاطب فيه الدافع الوجداني، مما تجعله يتقبّلها ويتأثر بالدروس والقيم التي احتوتها.
شدّني في السلسلة كذلك جرأتها في الطّرح، ووضوحها في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود منها بطريقة مباشرة دون مواربة أو تمييع للمعنى، فقصّة (كلّنا إخوة) تتحدّث عن مجموعة من الطلاب في صفّ دراسيّ معين يؤدّون صلاتهم كلّ حسب مذهبه في تسامح ليس بالمستغرب في بلد لم يعرف طوال تاريخه أيّة حروب مذهبيّة، وهي ثقافة يحتاج لها المجتمع في وقت أصبح (البعض) فيه يعتقد أنّ حرّيّة الفكر تعطيه الحق في ازدراء أفكار الآخرين دون مبالاة بما يمكن أن يحدثه ذلك من تأثير على نسيج المجتمع المتماسك.

بهرني في المجموعة اختيار اسم الشخصيّة الرئيسة للقصص الثمان وهي (شيخة) بزيّها العماني الأصيل، وهو اسم وزيّ يرمزان إلى الأصالة الجميلة في ظل تهافت البعض على اختيار أسماء غربية وشرقيّة غريبة عن مجتمعنا، وملابس تتواكب مع آخر صيحات الموضة، لمجرّد أنّه يعتقد أنّ في تمسّكنا بأسماء وزيّ كهذا نوع من الرّجعيّة، وكأن الأسماء والأزياء الحديثة هي من ستجعل أطفالنا يتقنون فنّ الاتيكيت، ويأكلون بالشوكة والسّكّين، بل وقد يتمكّنون من حل لغز النظريّة النسبيّة. ما زلت أحلم بعودة الخيّاطة العمانيّة إلى الساحة مرة أخرى.

تأتي هذه المجموعة في زمن تعاني فيه كثير من القيم المجتمعيّة من تحدّيات كثيرة في ظلّ تسارع معلوماتي وحياتيّ رهيب، وضعف قدرة المؤسسات التربوية والإعلامية والمجتمعيّة على كبح جماح هذه التحدّيات لأسباب كثيرة لعل من بينها مدى وجود الرغبة (الحقيقية) لذلك، وانعدام الاستراتيجيات المشتركة للجهات التي يهمّها أمر هذه الفئات العمريّة، فكل يعمل على هواه، وكلّ لا يبالي إن كانت برامجه ناجعة أم لا، تتشابه مع برامج الآخرين أم لا، فالأهم هو التقرير الختامي الذي (يبري الذمّة)، ويظهر انجازات المؤسسة (الكبيرة) في هذا المجال، بغضّ النظر عن تحقق الهدف المنشود من عدمه.
إن وجود مجموعة عمانيّة كهذه في معرض الكتاب الأخير أعاد لي الأمل في وجود أدب راق وهادف للطفل في ظل شحّ هذا النوع من الأدب في مجتمعنا، واعتمادنا على كتابات مستوردة أعدّت لأطفال آخرين في بيئات أخرى قد  لا تتوافق فكرياً مع مجتمعنا ، كما أنّ وجودها كذلك خفّف لديّ كثيراً من المرارة التي أحملها، والحنق الذي ينتابني وأنا أرى أموال الدولة تهدر أحياناً على طباعة دواوين وقصص من عيّنة ( آهات نملة متصابية)، و(الأرق المتململ)، و(شخبطة ورقة) بداعي تشجيع الإبداع والمبدعين، وكأن الإبداع يقتصر فقط على أمثال هذه الكتابات في مجتمع تعاني فيه أغلب قراه من عدم وجود أكشاك لبيع الصحف، وتفتقر فيه معظم مدنه إلى المؤسسات الثقافية الأولية المتمثلة في المكتبات العمومية، وبيوت الثقافة، وما يرتبط بها من مسارح ، وقاعات مطالعة، وغيرها من المرافق التي ينبغي أن يكون وجودها ضمن أولويات البنية الأساسية التي لا يجوز النقاش حول توفيرها.

ترى هل سيحرص أولياء الأمور على اقتناء مجموعة كهذه، وهل ستتبنّى المؤسسات الثقافية والتربويّة الرّسميّة والخاصّة هذه المجموعة من خلال المناهج والمكتبات التابعة لهذه المؤسسات، أو دعم طباعة سلاسل تالية، وهل سنرى بعض قصصها وشخصياتها تتحول إلى مسلسلات كارتونية، وهل ستفكر مؤسسات أخرى في الاستعانة بمعدّة المجموعة كي تعدّ قصصاً مماثلة تدعم رغبة هذه المؤسسات في ايصال رسالتها التوعوية والتثقيفية إلى شريحة مجتمعية مهمّة ألا وهي المستهلك الصغير.. وهل وهل وهل؟ أسئلة أترك إجاباتها للمستقبل القريب.

تحيّة للداعم الكريم علي مال حبيب الذي اعتدنا منه الوقوف وراء كثير من الأعمال الفكريّة والمجتمعيّة التي تصب في مصلحة الوطن، ولا غرابة في ذلك فهو نجل المثقف الكبير مال الله علي حبيب. تحيّة لزينب الغريبية معدّة هذه المجموعة والتي تحدّت كثيراً من الظروف، وسخّرت امكاناتها وخبراتها المتوالية في عمل رائع كهذا، وتحيّة ثالثة للصديق الدكتور سيف المعمري مستشار المجموعة الذي حمل على عاتقه قضية المواطنة كرسالة آمن بها وعمل من أجلها الكثير لدرجة اعتقادي من شدّة اشفاقي عليه وأنا القريب منه والذي عايشت جهوده المتوالية في هذا المجال أنه.. (يؤذن في مالطا).

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الأربعاء، 5 مارس 2014

مشاهد وتساؤلات 13


مشاهد وتساؤلات (13)

 

(1)

بعد أن تجاوز عددهم حاجز المليون ونصف، وبعد أن بلغت نسبتهم حوالي 40% من عدد السكان بالسلطنة، أشار معالي وزير القوى العاملة في خبر صحفيّ نشرته الرؤية مؤخراً إلى وجود (توجّه) لدى الحكومة  للحد من أعداد الوافدين العاملين في القطاع الخاص، من خلال عدد من التدابير التي ستعمل الوزارة على تنفيذها في المرحلة المقبلة.

لم يوضّح لنا معاليه أيّ نوع من العمالة الوافدة تلك التي ستستهدفها تدابير الوزارة، وهل ستوجّه هذه التدابير نحو أصحاب الشوارب الكثّة الذين باتوا يتحكّمون في مفاصل الاقتصاد المحلّي المختلفة، ولم يتركوا قطاعاً لم يطرقوا بابه، ولم تفلت من أيديهم سوى بضعة حرف تقليدية مازالت تقاوم توغّلهم، ولن يكون مستغرباً أن  يطوونها تحت أجنحتهم مستقبلاً، أم ستكون (الرّهوة على المربوطة) وتكون العمالة الوافدة البسيطة هي ضحيّة هذه التدابير القادمة؟

(2)

الأفاضل المسئولين عن تنظيم معرض الكتاب: خالص الشكر والتقدير لجهودكم، فقط لدي اقتراح: أليس من الأجدى أن تخصصوا كافة المعرض للنساء والطلاب مادامت كل الأيام قد تم حجز الفترة الصباحية لهم باستثناء يومين أو ثلاثة فقط؟

 ماذا لو حضر شخص ما من ظفار او مسندم أو الدقم لعمل في مسقط في الفترة الصباحية وأراد أن يعرج على المعرض للزيارة وفوجئ بأن الدخول مقصور على فئة النساء أو طلاب وطالبات المدارس، ماذا يفعل، وهل سيتم منعه من الدخول، وهل يفترض فيه أن يكون حافظاً لجدول الزيارات،  وهل سيتم تخصيص ولو يوم واحد للرجال فقط في الفترة المسائية؟

 أفهم أن أمراً  كهذا قد يحدث في مناسبة خاصة أو معرضاً خيرياً أو متعلقا بمؤسسة بعينها،  ولكن أن يحدث أمر كهذا في معرض تجاري بحت فهذا أمر لم أستطع استيعابه؟ هناك دور نشر أتت من آخر العالم ودفعت مبالغ طائلة، فما ذنبهم أن يتم حرمانهم من جمهور كبير، ما ذنب دور النشر المتخصصة في الكتب الفكرية والثقافية  والفلسفيّة والتاريخيّة عندما يرون أن معظم زوّار الفترة الصباحيّة من الأطفال والطلاب والنساء؟ وهل نحن فعلاً بحاجة لأوقات مخصصة للنساء فقط مادامت النساء أصبحت تزاحم الرجال في كل شبر وكل موقع، ومادامت النساء كذلك يشكلن نسبة كبيرة من رواد المعرض في الفترة المسائية.

قد يقول البعض: ولكن يمكنك أن تأتي في الفترة الصباحيّة ولن يمنعك أحد خاصة في الأيام المخصّصة للطلاب. ما دام الأمر كذلك، فلماذا التخصيص من أساسه؟ ولماذا يتم تعويدنا على عدم الالتزام بمواعيد الزيارة الموضوعة لمجرد أن الأمر أصبح عادة، و ما جدواها إن لم نكن لنطبّقها أو نمشي عليها.

(3)

فوضى مرورية وعبث تنظيمي رهيب شهدته شوارع العامرات قبل بضعة أيّام، فرغماً عن عدم وجود شوارع رئيسية تربط العامرات بالدوّار المؤدي إلى عقبة بوشر للقادمين من المناطق السكنيّة الجديدة بالولاية، وهي المناطق التي تضم أغلب سكان العامرات، الا أن القائمين على العمل البلدي لم يجدوا وقتا لإغلاق الطريق الفرعي المليء بكاسرات السرعة  بهدف مدّ (كيبل) معيّن سوى في منتصف الاسبوع، وكأنّ القيام بهذا العمل في نهاية الاسبوع يعد رجساً من عمل الشيطان.

كان الأمر قاسياً بالنسبة لي وأنا أقطع المسافة من بيتي إلى الدوّار، والتي لا تزيد عن نصف كيلو في حوالي نصف ساعة، وكان المنظر كذلك مثيراً  للشفقة وأنت تشاهد السيارات المتدفّقة من كل صوب وهي تبحث عن (خرم) تصل منه إلى الشارع، وهو منظر يذكّرني بالهيستيريا التي تصيب البعض عند فرارهم من مجذوم مرّ بالقرب منهم أو من نار تكاد تلمس أجسادهم.

ألن ينتهي مسلسل شق بطون الشوارع من أجل مدّ كابلات  الكهرباء والمياه والهاتف بعد سنوات ضوئية من سكنى الناس في مناطق هي جزء من مخططات سكنية بالأساس، ثم ألا توجد دراسات ترفد المسئولين عن حجم الهجرة الداخلية ونسب تزايد السكان في أحياء مسقط كي يتواكب التخطيط مع هذه الطفرة؟ وهل ستظل العامرات تعيش على خدمات صمّمت لبضعة آلاف قبل أربعين عاماً بينما يكاد عدد سكّانها الحالي يشكّل حوالي نصف سكّان عمان؟

هل هناك من يستكثر على العامرات أن تتطوّر كبقيّة الولايات والأحياء التابعة لمسقط؟ أوليس من حقّ سكانها أن يحلمون بجزء من الخدمات التي تتوافر في لمح البصر بسيح خطط للتوّ في الخوض، أو تلّة رملية ببوشر، أو هضبة صخريّة  بأطراف السيب؟


(4)

حفاظاً على أرواح من تبقى من سكان جعلان، أطالب بإغلاق طريق الجوابي – وادي سال. قد ينقرض سكان الولاية إن ظلّ هذا الشارع لعشر سنوات قادمة. لا أطالب بإعادة تأهيله، فلقد أهّل قبل ذلك عشرين مرة، ولا أطالب بمحاسبة من صممه وأشرف على تنفيذه، فهذا حلم صعب المنال. فقط أطالب بإغلاقه.
قلت عن هذا الشارع أكثر من مرة أنه رصف على غير رغبة، فهو رقيق المشاعر لدرجة أن أية نسمة هواء، أو زخـﱠــة مطر بسيطة كافية لأن تقلبه رأساً على عقب، وهذا ما يحدث بالفعل.

ترى هل ستحاول الجهة المسئولة عن الشارع حفظ ما تبقى من ماء الوجه وإغلاقه، أم أنها ستكتفي بعمل معالجات سطحية هنا وهناك ما تلبث أن تعود لحالتها السابقة بعد أشهر من انتهاء العمل بها ما لم تعجّل رشّة مطر قريبة  بهذا الأمر.

 (5)

تعريف القهر: هو أن تقود سيارتك في أمان الله وأنت مستمتع بالجو الرائع، وتنظر للحياة بتفاؤل، وتفكر في أحلام مستقبليّة تنوي تحقيقها، وفجأة تشعر بوهج أبيض يكاد يعمي عينيك فتكتشف أن راداراً قريباً قد (ضبطك)  مع أن سرعة المركبة لم تتجاوز حاجز  80كم، ومع أن الطريق سريع ذو ثلاث حارات، كما حدث لي قبل أيام على طريق وادي عدي-العامرات، وكما يحدث لي مرات عديدة في الطريق الواصل بين عقبة بوشر وجراند مول .

لديّ 7مخالفات خلال ستة أشهر معظمها تتعلق بمخالفات رادار في سرعة 80 كم،  بينما خلال عشرة سنوات سابقة لم تسجل علي سوى مخالفة رادار واحدة. ترى هل أنا من تغير للأسوأ أم ماذا؟

لست ضد استخدام الرادار، وأرى أنه من الوسائل المهمّة للحدّ من حوادث السير التي أصبحت من أهم أسباب الوفاة لدينا، وهناك شرائح شبابية لا تقدّر حق الآخرين في استخدام الطريق، ولكن في نفس الوقت أنادي بالتطبيق الأمثل لهذه الرادارات بحيث تحقق الأهداف المنشودة من استخدامها، وأرى أنه ليس من العيب أن يتم مراجعة عمل بعض هذه الرادارات، فمستخدم الطريق ليس رجلاً آلياً ينبغي أن يعرف كل صغيرة  وكبيرة عن قوانين المرور والسرعات المقدّرة، كما أن من يستخدم طريقاً سريعاً كطريق صور – مسقط مثلاً، وهو طريق يحتوي على حوالي 100 رادار ثابت، ليس بالضرورة أن يكون ملاكاً من السماء فيلتزم حرفياً بكل سرعة مقررة في مكان كل رادار، أو يعرف أن في هذا المكان تكون السرعة كذا، بينما بعد كيلو واحد تتغير السرعة إلى كذا، ثم تصبح كذا في الكيلو الثالث وهكذا.. لو فعل كل سائق كذا لانتحر نصف من يستخدم هذا الطريق، ولمات البقية أو أصيبوا من جراء انشغالهم بحفظ السرعة المقررة عند كل رادار. كما أنني لا أجد سبباً مقنعاً لأن تقدر السرعة بحوالي80 كيلو أو أقل في شوارع مزدوجة مفتوحة  لا تطل على أماكن سكنية، أو تشتمل على مناطق عبور مشاة أو تقاطعات، بحجة أن اللجنة المشكّلة من عدّة جهات ارتأت تقدير السرعة بهذا الرقم أو ذاك. 

 

الثلاثاء، 25 فبراير 2014

من ألف ليله

نعود ظهراً إلى (ظهر) مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة لتلبية دعوة ماجد بالزيارة، وهو شاب من أبناء الدقم، كافح من أجل الحصول على شهادة عليا في ظلّ عزوف (بعض) أقرانه عن ذلك لأسباب لا تتعلق بهم وحدهم.  يعمل ماجد بإحدى المؤسسات الحكوميّة في مسقط وأثبت جدارة في عمله تؤكد أن ابن المحافظة يستطيع أن يصل إلى أعلى المراتب الوظيفية متى ما توافرت له الظروف لذلك.

في خيمة الضيوف التي تتوسّط بيته نقضي سويعات رائعة مع عدد من أقرابه وجيرانه. هكذا هو البدويّ، لا يمكن أن يذوق طعامه دون أن يكون لجاره نصيباً منه، ولا يمكن أن يحتفي بضيف دون أن يشاركوه هذا الشرف، فالاحتفاء بالضيف هي عادة تكاد تصل لدرجة العبادة لديهم. أستغلّ الفرصة لأطرح أسئلة ظلّت مؤجلة لسنوات عن تاريخ المنطقة وأنساب سكّانها وأصولهم. لا أحد أفضل من البدوي يمكن أن يجيبك عن النّسب.

 في خيمته كذلك نلتقي بفتيان يختلفون عن بعض ممّن تراهم في المجمّعات التجاريّة ومسيرات فوز المنتخب. فتيان صقلتهم البيئة فجعلتهم رجالاً قبل حينهم. يحاورك أحدهم فتعتقد أنّه تجاوز العقد الثالث بقرون. فتيان لم يعرفوا (الجينز) بعد، ولا قصّات الشعر الغريبة، ولم يستدلوا بعد على عناوين مطاعم الوجبات السريعة.

برغم أننا اتفقنا مع ماجد على أن يكون غدائنا سمكاً فقط كون القرية تشتهر بأجود أنواعه حالها كحال بقية المدن والتجمعات المجاورة، إلا أن مائدة ماجد كانت - كعادة قومه – ينطبق عليها بيت الشعر الشعبيّ : 
للضيف معنا حقّه لزوم مدفوع .. نذبح عيال (البوش) ولا بكاري.

وأنا على مائدة الغداء أتذكّر قصّة رواها الرّحّالة (ثيسجر) عن كرم البدو وسخائهم، حيث أنه في إحدى المرّات" وجد في الصحراء رجلاً طاعناً في السّن بلغ فقره المدقع مبلغاً حتّى إنّه ضمر بطنه ورهل لحمه، فظنّه عجوزاً متسولاً معدماً، إلا أنّه علم فيما بعد أنّ الرجل كان أغناهم في قبيلته، لكنّ كرمه قضى عليه، إذ كان يذبح جملاً لكلّ من أتى خيمته". في كتاب الدكتور هلال الحجري "عمان في عيون الرّحّالة البريطانيّين" كثير من القصص المشابهة. فقط يبقى السؤال: كم غنيّ يفتح بيته الآن للمعسرين؟

تاركين ماجد ورفاقه، ودعواتهم الملحّة بأن نلبّي دعوتهم للمكوث حتّى الليل لتناول القهوة والعشاء، كي نعود إلى الدقم لأداء صلاتي الظهر والعصر وأخذ قليل من الراحة، ففي المساء تنتظرنا سهرة استثنائية قطعنا لأجلها الفيافي، وفارقنا الأهل والخلّان. سهرة سيغبطنا عليها (هرون الرشيد) نفسه لو كان يعيش بيننا، وسيتحسّر عليها بقيّة العمر من كان ينوي مرافقتنا ولم يفعل. كان الدكتور علي يحدّثنا عن سعيد الحرسوسي  صديقه صاحب الإبل والشعر وأشياء أخرى جميلة سنكتشفها فيما بعد. يسكن سعيد في (العجايز) وهي تجمّع سكني يقع ضمن جدّة الحراسيس، موطن المها العربية الأصيلة ومرتعها. صحراء ومها وبدر وشعر في وقت واحد؟ أيّ (سلطنة) وانسجام تلك التي ستحلّ بنا الليلة.

قبل أن نصل إلى العزبة ألمح سعيد وهو يلوّح لنا كي نقترب. من ملامحه يمكن أن أستعير وصف ثيسجر للبدوي " من الرجال المفطورين منذ الولادة على تحمّل صعاب الصحراء، وشرب مياه الرّمال القليلة المرّة، وأكل الخبز المكتسي بحبيبات الرمل الخشنة، وتحمّل ذرّات الرمال ، وعلى تجشّم البرد القارس والحرّ الشديد وضوء الشمس الساطع الذي يعمي الأبصار في أرض لا يظلّها ظل ولا تعلوها سحب" هكذا رأيت سعيد قبل أن أصافحه بعد، نحيف، أسمر، سمح المحيّا، تغطي ابتسامته على بضعة ندوب نحتتها قسوة الصحراء على وجهه. باختصار هو يجسّد صورة البدوي كما تناقلتها كتب الأدب على مدى قرون من التدوين.

نصل إلى العزبة التي ستشهد ليلتنا الاستثنائية. خيمة بدويّة تحيط بها بضعة شجيرات خضراء، وترعى حولها بعض الإبل الأصيلة، بينما البدر المكتمل يرقبنا في فضول. لا أشكّ في أنّ ثمّة (ابن سولع) ينتظر نصيبه من الوصف والغزل وهو يختلس نظرات لو نفذت إلى قلب (نيرون) نفسه لأصابته في مقتل. ويلك من عيون البقر الوحشي عندما ترمقك.

يأتي الحليب كأول ما يقدّمه البدويّ مرحّباً بضيفه ربما لكي يشاركه في قوته الأساسي، ولكي يمنحه الشعور بالأمان، فيبدو عليّ التردّد كونها المرّة الأولى التي أشرب فيها حليب الإبل، ولكثرة ما سمعته عن تأثيره على البطن، وبالتالي قد يتعكّر المزاج وتضيع السهرة. يشجعني البقية بشرب ما امتلأت بها آنيتهم، فأزيل الرغوة متوكّلاً على الله ولا أترك نقطة حليب واحدة في إنائي.

على وهج نار (السّمر) التي تتوسط جلستنا مانحة إيانا مزيداً من الدفء كان بعضه قد تسلّل إلينا بعد أول يد نصافحها في العزبة، يطلب الدكتور من سعيد إلقاء بعض  القصائد فيقدّم لنا في تواضع عدداً منها تنوعت ما بين الغزليّة، والوصفية، والمدحيّة. لا أفوّت فرصة كهذه فأستغل ما تبقى من طاقة في هاتفي لتسجيل الأشعار صوتاً وصورة. لا أثر لبيت مكسور، أو تكلّف ملحوظ، أو تقليد لهذا أو ذاك في طريقة الألقاء. هي سليقة البدوي  وفطرته. أقول لنفسي لو حمّلت هذه القصائد بصوت الشاعر وصورته على أيّ موقع ونسبتها لشاعر وهمي خليجي لتناقلها مراسلي الواتساب  والفيس والتويتر، وانتشرت انتشار النار في الهشيم معنا. سيدركنا الموت ونحن نقدّس كل ما هو دخيل علينا.

في أمسيتنا تلك تحدثنا في كل شيء، التاريخ، الجغرافيا، الأنساب، الشعر، الحب، وهل هناك أفضل من لحظات كهذه للحديث عن الحب؟ وهل هناك من جرّب العشق كما جرّبه البدوي؟ أولم يكن قيسي ليلى ولبنى، وجميل بثينة  وغيرهم ممن امتلأت بهم كتب العشق بدواً؟

أسأل سعيد إن كانت قد أتيحت له الفرصة قبل ذلك للظهور في إحدى الوسائل الإعلاميّة، أو المشاركة في ملتقى شعري أو أدبيّ معيّن فيجيبني بالنّفي.  مشكلة سعيد أنّه لا يكثر التردّد على مسقط، ولا تربطه صداقة بأحد ممن يعملون في الصحافة والإعلام، ولا يجيد كتابة أبيات من مثل (موسيقاك التي تبعثرني ..تشبه جمجمة مهترئة.. يلوح لها القادمون...فتتثاءب كسمكة غافية)، أسباب كهذه قد تجعل من فرص ظهورك ضئيلة للغاية ما لم تكن معدومة.

بعد وجبة العشاء الدسمة التي تلت فناجين وأكواب شاي وقهوة كثيرة، وصواني تمر وفواكه تغدو وأخرى تروح، وقبل أن ألقي عليه تحيّة الوداع أطلب من سعيد أبياتاً في وصف بيئته، فتأتي كلماته كأجمل وداع:
نحنا بداوة صح من أحسن النوع.. معدن أصيل وصار له كم طاري
نسكن بديرة خصّها الله في نوع.. نوع البداوة حبّنا واختياري
بيئة أصيلة ما بها شيء مصنوع.. فلّاًً جميله ما عليها غباري
بنشوف بن سولع مع الابل ورتوع... وغدير وافر حرّكته الذواري

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 18 فبراير 2014

في أرض الفيروز


عندما اقترح علينا الصديق الدكتور علي القلهاتي زيارة محافظة الوسطى في عطلة نهاية الاسبوع لم أتردد لحظة في الموافقة وأنا الذي أتعلل دائماً بظروفي العمليّة وزحمة جدولي اليومي، ذلك أن زيارة هذه المحافظة كانت حلماً مؤجلاً ينتظر اللحظة الفارقة لتحقيقه.

تاركين مسقط لمطرها وزحمة شوارعها، وسوء تصريف مجاريها، نسلك الطريق المتّجه إلى وادي العقّ فسناو، فمحوت، ثم الدقم، مروراً بمناطق وقرى عديدة أزورها لأول مرّة بعد أن كادت تتحول لشواهد أسطورية من كثرة ما كان يردّد أسماؤها رفقاء لي اعتادوا قضاء إجازاتهم في تلك المناطق، وكثيراً ما تشبّبوا بغرامها وسحر طبيعتها.

نصل إلى الدقم في حوالي السابعة مساء، لندخل أول مسجد نجده في طريقنا لأداء صلاتي المغرب والعشاء، والذي يتوسط منطقة سكنية قامت الحكومة ببنائها ضمن حزمة من المساكن الاجتماعيّة التي تتوزّع في أنحاء المحافظة. يشدّني في تصميم المسجد ارتفاع سقفه المبالغ فيه، وصحنه الذي تسرح ذاكرتي معه إلى مشاهد الإفطار في رمضان. هذا طفل يحمل طبقاً به بعض التمر، وذاك آخر حاملاً صينية عامرة باللقيمات، والفتّة، والفيمتو. في مناطق كهذه لا يأنف الناس من أن يفطروا جميعاً في صحون المساجد كعادة اجتماعيّة مازالوا يحافظون عليها كحفاظهم على أشياء كثيرة تناساها إخوة لهم في مناطق أخرى من أرض الوطن.

ألمح شابّاً مصريّاً أتى لتعبئة بعض بالماء من ثلاجة المسجد، فيذهب خيالي بعيداً إلى بقعة نائيّة في أقصى صعيد مصر أو وجهها البحري، وإلى أهل وأصدقاء، وربّما حبيبة وهميّة تركها ذلك الشابّ هناك. ترى كيف يقضي وقته هنا بعيداً عن كل هؤلاء، وهل يمرّ عليه الليل طويلاً كئيباً وهو يعدّ الأيام المتبقيّة على العودة، أم أن حميمية من يحيط به تكاد تنسيه كل تلك الآلام. في قريتي الصغيرة قبل ثلاثين عاماً من الآن كنّا نعتبر أمثال هذا المصري جزءاً من مجتمعنا، فنشاركهم كلّ شيء، ونقدّمهم على أنفسنا في الأعياد والمناسبات. هل ما يزال (أولاد جابر) يفعلون الشيء ذاته مع هذا المصري وغيره؟

نترك الدقم في طريقنا إلى منطقة (ظهر) وهي تجمع سكّاني يقع جنوب الدقم، حيث كنّا مرتبطين بموعد عشاء مع أحد معارف الدكتور. في طريقنا نصادف دورية تفتيش في الطريق الذي يربط الدقم بهيماء والجازر. برغم البرد القارس، والرياح الباردة، إلا أن ابتسامة هؤلاء الشباب وحرصهم على أمن وطنهم كانت أقوى من كل تلك المنغّصات . أشعر بقشعريرة تنتاب كل جسمي وأنا أنظر بفخر لهؤلاء الشباب.بفضلهم بعد الله ننام ملء جفوننا عن شواردها.
نصل إلى المكان المخصص لاستقبالنا لنتفاجأ بطابور طويل من الرجال شيبة وشباباً ينتظروننا أمام مدخل البيت مرحبين بنا لنتجه بعدها إلى خيمة كبيرة نصبت وسط حوش البيت، وضع في وسطها موقد نار كبير. ألا يكفي دفء لقائكم وحرارة ملتقاكم أيها الرائعون. هنا تصنع الرجال، وهكذا كانت المدرسة العمانيّة لتربية الجيل.

تأتي (الفواله) وكانت مزيجاً من التمر العماني الذي لم يتم استيراده من بلدان مجاورة، ولم يعلّب في صناديق بلاستيكيّة فاخرة، ومعه السّمن العمانيّ الطبيعيّ بلا مواد حافظة، أو نكهات طبيعية وغير طبيعيّة، لتدور بعدها القهوة العمانيّة التي تكاد تشمّ رائحتها من على بعد كيلو بنكهة الهيل والزنجبيل ، والتي صنعتها على نار هادئة من خشب السمر يد خبيرة مجرّبة. الله.. منذ متى لم أحظ بجلسة صادقة كهذه، بل منذ متى لم أستلذّ طعم التمر والقهوة كما هو اليوم؟ ماذا حدث للعالم لتفارقنا كثير من الأشياء الجميلة؟

يأخذنا القوم لتناول العشاء في قاعة قريبة، ويتركونا لوحدنا وهي عادتهم بل عادة العرب عند رغبتهم في إكرام الضيف، ليأتي بعدها الشاي الذي لن تشربه سوى في تلك المناطق. شاي تحلف عندما تذوق طعمه أنك شربته يوماً ما في بيت طين أو سعف عندما كنت صغيراً، وعندما كانت هناك حميميّة في الوصال. ثم يليه العود والبخور وهي إشارة إلى انتهاء الجلسة وقت المغادرة، أو كما قال العمانيّون في مثلهم الشعبيّ " ما بعد العود قعود".

نعود بعدها إلى مقرّ إقامتنا في الدقم. برغم تأخّر الوقت، وبعد المسافة إلا أن مستقبلينا يرفضون تركنا بدون أن يرافقنا أحدهم وهو شاب في العشرين من عمره. يحلف عبدالله وهذا اسم الشاب بأنه سيحضر لنا الإفطار صباحاً من منزلهم، وأنه لولا خشيته من إزعاجنا لأتى لأخذنا بعد الفجر كي نتناوله في مجلسهم، ليأتي الافطار الصباحي مكوّناً من التمر الممزوج بالسمن، والقهوة العمانيّة، وحليب الجمال، وخبز الرقاق، وهو افطار تعجز الفنادق ذات الخمس نجوم بكل (شيفاتها) أن تأتي بمثل لذّته ولو قامت مجلة (الأسبوع) بعمل مسابقة مخصصة لذلك.

وجهتنا الأولى في جولتنا السياحيّة بالولاية كانت ميناء الدّقم. برغم أن الزيارة ممنوعة، إلا أنهم سمحوا لنا بالدخول ربما تقديراً لظروفنا، وقدومنا من مكان بعيد، والأهمّ رغبتنا الملحّة في التعرّف على معلم عمانيّ بارز من معالم النهضة الصناعيّة التي تساهم في صنع عمان الجديدة بل والمتجدّدة منذ أربعة وأربعون عاماً.

في الميناء وحوض السفن الجاف رأيت وسمعت عن أشياء تثلج الصدر، فهذا الميناء بحوضه العميق الواسع، وجدران رصيفه الطويلة؛ لديه المقومات التي تجعل منه باباً تجارياً متعدد الأغراض بمستوى عالمي، وبكونه مرتكزاً أساسياً لمنطقة اقتصاديّة ضخمة، وقد يصبح في القريب أكبر الموانئ في الشرق الأوسط على المدى الطويل.

من الأشياء التي شدّتني كذلك معلومة سمعتها عن أن المبالغ التي أنفقت على هذا المشروع من المؤمل استرجاعها في عام 2017، وعن أنّ فترة صيانة السفينة في الحوض الجاف لا تتجاوز الاسبوع. في بعض المؤسّسات يتردد المواطن لأشهر من أجل الحصول على رسالة رسمية، أو متابعة موضوع عالق لا يحتاج سوى لإمضاء مسئول، أو همّة موظّف.
ننطلق بعدها إلى فندق كراون بلازا، وهو معلم سياحي تملك الحكومة نسبة كبيرة من حصّته، ويعدّ من مفاخر السياحة العمانيّة بتصميمه الرائع، ومرافقه المتكاملة، وغرفه الواسعة النظيفة، وشاطئه الخلّاب.

وأنا أتجوّل بانبهار في مرافق الفندق المختلفة أقول لنفسي معاتباً إيّاها: هو لا يختلف عن "سوفوتيل" الرباط، أو "حياة" كازا، أو "ماريوت" القاهرة، فلماذا أكتب شعراً في وصف جمال تلك الفنادق والبقاع، ولا اتحدث عن هذا. هل هي (عقدة الخواجة)، التي تلازمنا؟ هل هو الانبهار بكل ما هو خارجي أو مستورد، والتفرغ لإبراز عيوب كل جميل نملكه؟ ربما.

تاركاً الفندق باتجاه الشواطئ القريبة حيث الطبيعة البكر، وشواطئ الفيروز، وغناء النوارس. أحلم بأسبوع أقضيه هنا مع كومة كتب، وهاتف بدائيّ ذو كشّاف تأنف فتيات اليوم أن تراه، وبرّاد شاي منعنع. ربما سأتخلّص بعدها من كثير من القلق والأرق. بل ستتغير معها نظرتي إلى أشياء حياتيّة كثيرة. كم أحتاج إلى وقت كهذا.

وأنا أتأمل الطبيعة وزرقة المياه الصافية تراودني الأسئلة: كم نحتاج إلى أن نعرّف شبابنا بمناطق جميلة كهذه المناطق، ماذا لو كانت هناك أراض مخصّصة لكل مؤسّسة حكومية كبرى كي تقيم أندية ومصايف لموظفيها، وماذا لو خصصت قطعة أرض كبيرة ليقام عليها معسكر عمل دائم للشباب، بل ماذا لو قامت وزارة السياحة بتسهيل إقامة بيوت للشباب، وحافلات تقلّهم بمواعيد محدّدة للتعريف بالمنطقة وجمالها وطبيعتها البكر، وعادات أهلها الأصيلة.

أتذكر شبه جزيرة سيناء، يوماً ما كانت هكذا أرضاً بكراً تكاد أن تكون خالية من السّكّان فأصبحت الآن قبلة السياحة العالميّة، وملتقى مؤتمرات العالم. لماذا لا نفكر جدّيّاً في تحويل المنطقة الى مكان جاذب لسياحة المؤتمرات؟
في المساء نعود إلى (ظهر) مرّة أخرى، ولتلك قصّة أخرى قد تروى بعد أسبوع في نفس هذا المكان، ولكن في غير الزمان.

د. محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 11 فبراير 2014

والعشــق.. مسقطي (2-3)


تاركاً ذلك العجوز السوداني مشغولاً بمداعبة حفيده في حديقة ريام، وابتسامته تكاد تصل حدود الخرطوم ، لأسير بمحاذاة الشارع البحري باتجاه مسقط القديمة التي تبدو بوّابتها الكبيرة واضحة للعيان. أعشق السودانيين وأحب بساطتهم وعدم تكلّفهم، وأشعر أنّهم قريبون منّا روحيّاً وسلوكيّاً، وهذا حديث آخر قد يضمّه مقال قادم يوماً ما.
على الجانب المقابل من الشارع ألمح حارة كلبوه. كثير من الحارات والقرى العمانيّة غيّرت أسماؤها إلا كلبوه مازال اسمها صامداً برغم غرابته، وبرغم أنها لا تبعد سوى بضعة مئات من الأمتار عن ريام وحديقتها الأشهر إلا أن الجهات البلديّة أنشأت منتزهاً سياحيّاً كبيراً بها. أقدّر هذا الجهد وأثمّنه، ولكنّ هناك ولايات يسكنها عشرات الآلاف من البشر لم يسمعوا بعد عن معنى منتزه أو حديقة. 
في طريقي إلى البوّابة الكبيرة يلفت نظري الطريقة الغريبة التي رصف بها ممرّ المشاة المحاذي للشارع، والذي يشكّل الرصيف الوحيد له، فهو مكوّن من حجارة مدبّبة بحيث إذا أراد الواحد أن يواصل مشيه باتجاه مسقط فعليه أن ينتظر خلوّ الطريق من السيّارات فيقطع المسافة المتبقّية بسرعة  قبل أن تداهمه إحداهنّ . لا أعرف أي مهندس غريب الأطوار فعل ذلك، ولا أعلم كذلك لماذا لم يعاد تنظيم هذا الرصيف وفق المواصفات المستخدمة حالياً.
  أصل أخيراً  إلى بوّابة مسقط ، إلى الفتحة التي سأدخل منها إلى عالم الخيال والأحلام والأساطير ، إلى المدينة التي قال عنها القس جون أوفينغتن  قبل أكثر من 300 سنة إنها "أروع ما يمكن للطبيعة والفن أن ينتجاه أبدا"، إلى المدينة  التي وصف الطبيب الإيطالي فينسينزو ماوريزي أو (الشيخ منصور) كما سمّى نفسه، موائدها  "على الأرض امتد مفرش طويل من قماش القطن، وعليه عدد لا حصر له من الأطباق المصنوعة من الصيني الفاخر، بها مالا يقل عن 50 دجاجة مشوية وكميات ضخمة من المحشي، واللحوم الملفوفة بأوراق البنجر ، وأطباق مملوءة بضلوع الضأن، وفي وسط السماط كان هناك صحنان كبيران من الخشب عليهما عدة خراف مشوية على قمة جبلين من الأرز.."

إلى المدينة التي تحدّث الشيخ منصور كذلك عن "سحرتها القادرين على (سخط) أي إنسان إلى شاة"،  وكيف أنّ خادمه الخاص التقى ذات يوم بشاة في الطريق وفوجئ بها تتحدث إليه بلسان عربي مبين.إلى المدينة البيضاء، المثيرة للسحر والقلق والاضطراب في آن واحد كما وصفها الفرنسيّ (بيّار لوتيه). إلى بغداد الرشيد "التي يملك أميرها أجمل لؤلؤة موجودة في العالم, ليس لحجمها لأنها لا تزن سوى اثنى عشر قيراطا وليس لكرويتها الكاملة، بل لأنها صافية وشفافة إلى درجة انه يمكن مشاهدة الضوء عبرها"، كما رآها الصائغ الفرنسي جان باتيست تافرنيي عام 1636.

انشئت بوّابة مسقط عام 1995، وألحق بها متحفاً افتتحه المرحوم السيّد فيصل بن علي، كي يبثّ الروح فيها، ويجعلها مركز جذب سياحيّ. أدين لهذا الرجل بالكثير من الإنجازات المهمّة التي شهدتها الساحة الثقافيّة  والتراثيّة في عمان. تكفي مئات الكتب التي أعيد طبعها، والآثار والشواهد التاريخيّة التي أعيد ترميمها. تكفي رحلة السندباد. تكفي أشياء كثيرة قام بها هذا السيّد الجليل في فترة إشرافه على الوزارة.

واضعاً خطواتي الأولى في مدينة السحر والتراث ألمح لوحة ارشادية تشير إلى حارة (الجفينة) كأول حارة تستقبل الزائر إلى مسقط يمين البوّابة. قرأت عن الجفينة في فتح ابن رزيق، وأعرف جفينة أخرى في العامرات، أو (المتهدّمات) قبل أن يغيّر اسمها، محلّة الجفينة هي أول ما يصادف القادم إلى مسقط قديماً عن طريق عقبة ريام، و يقال إن هناك مقبرة أو معبداً قديماً للبانيان تقع بالقرب منها. أي تسامح عرفتموه أيها العمانيّون. كنائس للنصارى، ومعابد لليهود وعبّاد البقر. صدق عالم الطبيعة الألماني انجلبرت هامفر عندما وصفكم عام 1688 "هؤلاء العرب محترمون جداً في سلوكهم، ومتحضرين للغاية مع جميع الغرباء، ولا يبدر منهم أي عنف أو اهانة بأية طريقة. وعلى الرغم من  أنهم متمسكون بمبادئهم، وملتزمون بدينهم، إلا أنهم لا يفرضونه على أحد، ولا تحطّ قيمهم حماسة هوجاء تحود بهم عن جادّة الانسانية والاحترام العطوف، فهم قوم طبعوا على العدل، ومنحوا من الصفات الانسانية التي سهى الفلاسفة اليونان والرومان عنها".

مواصلاً مشواري وسط مجموعات من الآسيويين تخرج من هذا الطريق أو ذاك  أصل إلى حارة الدلاليل. مسقط مدينة تجارية لذا لابد من وجود من يعمل بالدلالة، ولابد لحرفة كهذه أن يتم توارثها جيلاً بعد جيل. ليس غريباً أن تكون لهم حارة باسمهم كما هو الحال في كثير من المدن الشرقيّة العتيقة التي تتسمى حاراتها بأسماء مهن عرفت بها. ألمح بيت الزبير  فأهرول باتجاهه خوفاً من أن أجده مغلقاً فالساعة قد قاربت على الخامسة عصراً. أذكر أنني زرت هذا المتحف قبل سنوات من الآن. كنت وقتها في سنتي الجامعيّة الأولى، ولكني لا أتذكّر كثيراً من ملامح تلك الزيارة، أمّا الآن وقد تشكّلت ذاكرتي التاريخيّة من جديد فلا أشكّ في أن يكون للزيارة طعماَ آخر. أدخل من البوّابة فلا يستوقفني أحد لأن موظّف الاستقبال كان مشغولاً خارج مكتبه بالحديث في هاتفه النّقّال. في بهو المتحف تطالعني عدّة مباني، هذا ( بـيــت الـبــاغ ) والباغ  هو الحديقة المتنوعة الثمار، وقد خصّص لعرض  الخناجر وملابس الرجال، والسيوف والأسلحة النارية، والأزيــاء الـنـســائـيــــــــة، والحـلـي والأدوات المنزليـة، وذاك (بيت الدلاليل)الذي يتكون من مجلس وغرف نوم ومخزن للتمر، أما هذا الذي في المنتصف فهو (البيت العود)بطوابقه الثلاثة التي تحتوي على قاعة عرض واسعة مجهزة للمعارض الزائرة، وقاعات عرض دائمة يعرض فيها خرائط قديمة لعمان وشبه الجزيرة، ونماذج من الأثاث الذي كان مستعملاً، وقاعات تحوي رسوماً قديمة لشبه الجزيرة ومسقط، ومجموعة من آلات التصوير القديمة.

من شدّة انبهاري بما رأيته في هذا البيت نسيت نفسي فظننت أنني في بيتي أقلّب موجات ذلك الراديو القديم باحثاً عن أغنية كلاسيكيّة شرقيّة، وأجلس على ذلك الكرسي الوثير مطالعاً كتاب (الدلائل واللوازم)، وأضرب بيدي على طاولة الطعام الخشبيّة  لأتأكد من متانتها، ولأتخيل أنه في الوقت الذي كان فيه البعض ممّن يتشدّقون الآن بالتاريخ يركض وراء بعير له فقده في الصحراء المحيطة بخيمته، أو يقف على باب أحد السلاطين طالباً بهطته السنويّة، أو يستعد للإغارة على جار قريب، كان تجّار مسقط ينامون في أسّرة وثيرة صنعت من الخشب والأبنوس الخالص، ويأكلون في أطباق جلبت لهم خصيصاً من بلاد الهند وأوروبا، ويقضون بقية الليل في مطالعة كتاب أو الاستماع إلى نشرة أخبار قادمة من أثير بعيد.

على (البعض) أن يقرأ التاريخ جيّداً  قبل أن (يهرتل) بما لا يعلم. أفوق من تخيّلاتي على صوت موظف الاستقبال المهذّب الذي تذكّر فيما بعد أنّ أحدهم قد دخل المتحف دون أن يدفع رسوم الدخول. يرفض هذا الشاب أخذ الرسوم مرحّباً بي في حرارة ومعتذراً عن قطعه لخلوتي برغم أن اللوحة الإرشاديّة القريبة تحذر من الاقتراب من المعروضات خشية تلفها. لله درّك أيها العماني، طيّب، خدوم، تقدّر للآخرين ظروفهم مهما كانت.

لم يعكّر صفو زيارتي سوى عدم رؤيتي لأي زائر عمانيّ باستثناء من أتى لشراء بعض العطور أو البخور أو الهدايا من القاعة المخصّصة لذلك، لو قدّرنا أن قيمة العطر الذي ستشتريه تلك السيّدة بمائة ريال، فنصف ريال فقط كاف كي يمنحها عطراً روحيًاً سيلازمها إلى الأبد. يبدو أن الأناقة والمكياج الصارخ والشيلة المذهّبة لا تتناسب والقيام بعمل رجعيّ يتمثّل في زيارة متحف أو قلعة. كل تلك الأشياء قد خصصت لما هو أهم: بابا روتي، كوستا، سكند، تشيليز، أما المتاحف فهي لأصحاب النظارات أمثالي.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com
 

الثلاثاء، 4 فبراير 2014

والعشق.. مسقطي (1-2)

اليوم هو الثلاثاء. عطلة رسمية بمناسبة المولد النبوي الشريف. أسرتي الصغيرة في البلد لقضاء الإجازة المدرسيّة. إذاً هي فرصة لأعيد اكتشاف بقعة جديدة من هذا الوطن كما أفعل من حين لآخر. كنت قد اعتزمت الذهاب إلى نخل والعوابي والرستاق، ولكن استيقاظي المتأخر من النوم حالت دون ذلك. ما العمل إذاً، لا يمكن أن يمرّ اليوم هكذا بدون أن أفعل شيئاً يبقى في ذاكرتي. وجدتها أخيراً. لا حل سوى جولة بالأقدام في حواري مطرح ومسقط، خاصّة وأن كتاب(الفتح المبين)بقصصه الكثيرة عن أحداث تاريخية شهدتها هاتين المدينتين ومطرح مازال مفتوحاً بجوار المخدّة.

الجو شتوي رائع بنسماته الباردة القارصة أحياناً. يذكرني بجوّ وسط البلد في القاهرة في هذا الوقت من السنة. أبحث عن موقف لسيارتي فأجده بلا عناء قريباً من مدخل سور اللواتيا. ما هذا الهناء، جوّ رائع، وموقف قريب بلا رسوم بلديّة؟ أين مواقف المستشفى السلطاني وجراند مول لتسمع همهمتي.

أترجّل من سيارتي سائراً بمحاذاة السوق باتجاه سوق مطرح الشهير. أقف قليلاً أمام مدخل السور كعادة أفعلها في كل مرّة أزور فيها مطرح. أتخيل حارات السور وبيوتها وسككها ومآتمها بغموضها وروحانيتها كما قرأتها في سيرة الحاج مال الله حبيب، وكما كان يصفها لي ابن عمّي علي، وكما عرضها علينا تلميذي مصطفى في مادّة الدراسات العمانية. كثيراً ما طلبت من الصديق كمال حسن علي أن يأخذني في جولة روحيّة بداخله، وفي كل مرة يعدني بزيارة قريبة. متى سيأتي هذا الموعد القريب يا أبا يوسف؟

أصل إلى بوّابة السوق الشعبيّ الشهير، تأخذني رجلي إلى كافتيريا صغيرة تقع على يمين المدخل اعتدت كل مرّة أن أشرب فيها كوب شاي عصريّ، بينما عيني ترنو نحو الاتجاه المقابل باحثة عن (يوسف) بدشداشته الصفراء، وشماغه الأزرق والذي تخصص في بيع بطاقات الهاتف التذكاريّة النادرة . لا أثر ليوسف، ترى هل غيّر مكانه الذي قضى به مدّة تقترب من سنوات عمره الخمسين؟ هل كسدت تجارته فبحث عن غيرها في مكان آخر، هل رحّلته الجهات المختصّة بسبب عدم وجود وثيقة إقامة معه؟ لا أظن أن يعرف يوسف مكاناً آخر في العالم غير مطرح. هو من بقايا مهاجرين فعلوا كل شيء سوى أن يوثّقوا إقامتهم بأوراق رسميّة كما فعل آخرون من بني جلدتهم أصبح بعضهم من المتنفّذين في البلد.

متأمّلاً البضاعة والناس، اتجوّل في أركان السوق المختلفة، باعة بخور كلّما رأيتهم أتساءل : أين ينام هؤلاء؟ وكم من السنوات سيبقون هنا قبل أن يذهبوا إلى بلدانهم الأصليّة. محلات التحف التي تحتل مدخل السوق، ومحلات الإكسسوارات بأشكالها والتي تجد فيها بعض الشرائح الاجتماعية بديلاً عن الذهب برغم تواجد محلات هذا الأخير في أماكن مختلفة من السوق.

التجوال في سوق مطرح له بهجة خاصة ويشعر الكائن المتجول في أرجائه أن هناك أجنحة ترفرف من عبق الماضي والتاريخ، فهذا أجنبيّ حمل معه عصىً مطعّمة بالفضّة كتذكار عمانيّ أصيل، وتلك شقراء وارت كتفها العاري بـ(ليسو)، وذاك طفل بدشداشته الداكنة، وكمّته التي تغطّي كل رأسه فرحاً بقميص مقلّد لميسّي، أو بلعبة صينيّة لن يتجاوز عمرها الافتراضي المسافة بين المحل ومدخل السوق، ومتلهّفاً لوجبة سريعة في المقهى الذي يتوسّط السوق، والذي يذكّرني بحانات الأفلام الأجنبيّة الكلاسيكيّة.
لا شيء يمكن أن ينغّص عليك متعة التسوق في هذا السوق سوى العمالة الوافدة التي استحوذت على معظم مفاصل الحركة فيه، وسوى بدلات الرقص الشرقي التي تتقدّم واجهات بعض المحلات بلا (إحم أو دستور). بالتأكيد لن تأت راقصات العالم لتشتري زيّاً كهذا لأنّه مقلّد ومن نوعيّة رديئة، ولا توجد لدينا أماكن للرقص الشرقي، فلمن تعرض بضاعة كهذه إذاً. هل لمجرّد أنه سوق شرقي كذلك؟

أبحث عن أسواق الحلوى، والحدّادين، والبزّ، أو ما يسمّى في التراث العربيّ بسوق القماش، قرأت عنهنّ شيئاً في (فتح) ابن رزيق، ترى هل اندثرت تلك الأسواق أم أصبحت جزءاً من السوق الحالي، أم ماذا؟ أصل إلى نهاية السوق لأجد لوحة كتب عليها (سوق النّور)، أضحك في سرّي وأنا أقول لنفسي: هل ستنفع تسمية رسميّة كهذه في محو مسمّى (سوق الظلام) من أذهان الناس؟ ربما.

أواصل رحلتي في الحارات القريبة وأنا أتذكّر مسمّيات كخور بمبه، وحارة الشّمال، وحلّة الدّكّة، وشارع وادي خلفان، ومطيرح، والعرين التي كان لها اسم آخر لا يبعد كثيراً عن اسمها الحالي، وجبروه. في جبروه حدثت حريقة شهيرة في منتصف الستينات من القرن الماضي أتت على بيوت السعف بها، وفي جبروه كذلك دفن الإمام عزّان بن قيس. سمعت عن جبروه لأول مرّة أيام دراستي بالجامعة في الخوض، وتلك قصة أخرى.

أواصل تجوالي في مطرح وأنا أتخيّل سكك نازيمويا أو (نازيموجا) كما كان يصفها لنا (رضا اللواتي) صديق علي. في كل مرّة نلتقي لابد وأن يأخذنا الحديث عنها وعن سككها التي يضرب بها المثل في الضيق، وكيف أن دروب(سكّة البوش) في صور لا تمثل شيئاً إذا ما قارنّاها بنازيمويا. يقال أن نازيمويا تعني النارجيلة الواحدة، لا أعلم مصدر التسمية فارسيً كان أم سواحيلي.

منحدراً من شارع وادي خلفان أحلّق ببصري باتجاه برج شاهق. كيف بني هذا البرج، ومن حمل الطين والحجارة إلى تلك القمّة الشاهقة، وكيف كان الجنود المكلفين بالحراسة يستحملون حرّ صيف مطرح ورطوبتها الذي سارت بذكره الركبان.ارهقتني يا ابن رزيق وجعلتني أركض خلفك في كلّ حارة متتبّعاً أحداثاً وصفتها، ومعارك عاصرتها، أشخاصاً سطّروا جزءاً من تاريخ هذا المكان.

أصل إلى ريام. في ريام كان للشعر ذكريات. يوماً ما تقابل هنا شاعران من (عتاولة) الشعر الشعبي يدعى أحدهما حمّاد الجابري والآخر راشد المصلحي، فبادر الأول بتحدّي زميله قائلاً:
سميت بمن خالق سماوات(ن) عظام.. خالق خلوقه بعظام ومفاصلي
يا غيث يا مطر يا وابل يا رثام.. يا سحّاب المخايل محيي الماحلي

تقف قلعة مطرح شامخةً فاتحةً صدرها للبحر مستنشقةً هواءً محملاً بعبق ذكريات السفن التي جابته جيئة وذهابا. ترى كم من مرة حاصرها قيس بن الامام، وكم من سفينة أعطبت من جرّاء قذيفة مدفع أطلقت من أحد أبراجها، وكم من خطّة وضعت لإحكام السيطرة عليها أو لإدخال الزاد لمن حوصر بداخلها. متى سيأتي اليوم الذي أدخل فيه هذه القلعة وأتعرف على محتوياتها.

باحثاً عن عقبة ريام الشهيرة. قبل أن يتم إنشاء الطريق البحري في منتصف السبعينات كانت العقبة هي الطريق القديمة المؤدية إلى مدينة مسقط مرورا بمطيرح وريام ثم الصعود إلى العقبة في قمة الجبل المطل على مسقط القديمة نزولا إلى حارة البصرة و المدبغة.
تاركاً ريام باتّجاه حديقتها الشهيرة. في عام 1985 زرت الحديقة لأول مرّة، كنت يومها في الابتدائيّة، وكانت مسقط بالنسبة لقرويّ مثلي شيئاً عظيماً. ما زلت حتى الآن وبعد مرور ما يقرب من 28 عاماً أتذكر طاقيّتي الخضراء، ودشداشتي ذات الخيط البنّي، والكرة المطّاطيّة التي لعبنا بها في العشب الأخضر، ومذاق البطاطس المقليّة التي تذوقتها يومها لأول مرّة في حياتي. في كل مرّة أزور الحديقة ينقص من عمري سنوات بعدد المدة التي انقضت على تلك الزيارة. أشعر أنني أتخلص من هموم كثيرة راكمتها السنين التي تلتها حتى عادت كالجبل الذي لا يريد أن ينهدّ.
في حديقة ريام خرجت بأفضل وصف لعمان. وصف يكاد يغطّي على أي شيء يمكن أن يقال. كانت العائلات العمانيّة والوافدة بمختلف جنسياتها تفترش أرجاء الحديقة، هذا يعدّ سفرة الطعام للآخرين، وذاك يلاعب طفله، وآخرون يتجاذبون أطراف الحديث. العامل المشترك بينهم جميعاً هي الابتسامة الواسعة، والضحكات التي تجلجل المكان، آخر شيء يمكن أن يتوقّعه أحدهم هو أن تنفجر عبوة ناسفة هنا أو هناك، أو أن يسقط عليهم برميل نار من السماء، أو تقصفهم طائرة عسكرية لا تحمل لأرواحهم أي قيمة. هو العدل الذي صنع الأمان.
هنا يدركني النهار تاركاً لمسقط وحاراتها ومتاحفها حكاية أخرى قد أقصّها بعد أسبوع من الآن.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 27 يناير 2014

مشاهد وتساؤلات (12)


(1)
التقيته بعد آخر لقاء جمعنا قبل حوالي 17 عاماً. كان زميل دراسة أجبرته الظروف على تركها قبل تخرجه من الجامعة بسنتين. عرفت منه أنه التحق بإحدى الشركات الكبرى العاملة في قطاع السيارات، ويشغل وظيفة ادارية في قطاع حسّاس بالشركة.
يحمل صديقي في داخله همّاً كبيراً، فهو يرى زملائه من الجنسيّة (إياها)يتمرغون في نعيم نفس الوظيفة التي يشغلها وغيرها من الوظائف الأخرى بالشركة،  فبالإضافة إلى الراتب المغري، فهناك تذاكر السفر السنويّة، والتأمين الصحّي، والسكن المؤثث، وولائم المناسبات المتلاحقة، بينما مازال راتبه هو بعد 17 عاماً من العمل المتواصل لم يتخط حاجز (450) ريالاً، برغم أنه لم يغب يوماً بدون إذن، وبرغم إنه لم يخن  الأمانة الموكلة إليه برغم قدرته على ذلك لو أراد، أو يفكر في لحظة معينة أن يتواطأ مع الآخرين لتزوير بيانات بعض القطع، أو استبدالها بقطع أخرى مقلّدة، أو في بيع إطارات مقلّدة على أنها جديدة بعد إعادة تلميعها. لم يفعل زميلي كل ذلك ربما لأن قيمة الوطن  مازالت تسكن في داخله بعكس الآخرين من الجنسيّات (إيّاها) الذين يرون في هذا البلد مكاناً للفرص الوافرة التي ينبغي استغلالها بأي شكل وفي أقصر وقت ممكن.

الغريب أنني عندما اتصلت بأحد معارفي الذين يتقلدون منصباً رفيعاً في شركة أخرى تعمل في نفس القطاع كي أجد عملاً أفضل لهذا الزميل، ردّ عليّ قائلاً بعد أن حدّثته كثيراً عن زميلي وأمانته وإمكاناته وخبرته: لا تتعب نفسك كثيراً، فنحن لا نعيّن مدراء عمانيين.

(2)
في الوقت الذي تتحدث فيه وسائل الإعلام المختلفة عن التجاذبات الإثنية، والانقسامات الطائفية في كثير من البلدان التي تدعي أن لديها رصيد كبير من الحياة المدنية، والتي تتباهى بالتعايش وتقبل الآخر، إلا أنني لا أجد مثالاً  أقدمه لهذا التعايش أفضل من الانسجام المجتمعي الطبيعي وغير المصطنع في المجتمع العماني، فهو انسجام تاريخي ممتد عبر العصور التاريخية المختلفة، فعدا بعض المشاكل التي كانت تنشب بسبب غياب الحكومة المركزية في بعض الفترات، أو لأسباب اقتصادية بحتة، لم تحدّثنا كتب التاريخ المحلّي عن حروب عمانية قامت على أسس مذهبية أو طائفية.

غير أن ما أخشاه بالفعل هو الاستغلال الخاطئ لهامش الحرّيّة الاعلامية  من خلال طرح مواضيع غريبة عن نسيج المجتمع العماني في بعض مواقع التواصل الاجتماعي، أو المنتديات السياسية المختلفة، وانقسام البعض حولها بين مؤيد ومعارض لمجرّد التعصب الأعمى لا غير، ولأنها لامست أو عارضت أهوائهم وتوجهاتهم لا غير.

جميل أن يبقى التسامح والتجانس في ظل وطن يحوي الجميع، والأجمل أن نحافظ على هذا التسامح في ظل التحديات المختلفة التي تتربص بمجتمعنا، فلن نحافظ على نجاح مكتسبات هذا الوطن سوى بالتكاتف والتعاضد، فالدين لله، والوطن للجميع.

 (3)
في برنامج "رؤية اقتصادية " كانت فرحتي غامرة وأنا أستمع لتصريح سعادة وكيل الاسكان  بأن هناك توجّه لدى الوزارة لبناء وحدات سكنيّة متعدّدة الطوابق للشباب بأسعار رمزيّة. وهو حلم كتبت عنه كثيراً ، وبحّ صوتي وأنا أشرحه للقاصي والداني، وأستعرض نماذج لدول عديدة قامت بتطبيق أفكار مشابهة.
غير أن فرحتي لم تكتمل عندما أردف سعادته بأنّ  هذا الإجراء لم يتم إقراره حتّى الآن.
فكرة كهذه هل سترى النور في يوم من الأيام؟

(4)
يكثر الحديث هذه الأيام عمّا حدث من تجاوز  أخلاقي في مهرجان مسقط، بل أصبح حديث الساعة، ويندر أن تدخل موقعاً اجتماعيّاً أو منتدى محلّيّاً دون أن تجد موضوعاً أو صورة أو مقطعاً يتناول الحادثة بتفاصيلها الدقيقة.

شخصياً وبرغم اعتراضي على ما حدث، لكني لست مع من ينادون بإلغاء المهرجان أو مقاطعته، بل  مع تعديل مساره بحيث يؤدي الغرض المنشود منه فكرياً واقتصاديّاً واجتماعيّاً،  فهو فرصة لأشياء كثيرة جميلة ليس أقلها التعريف بثقافة البلد، وإتاحة الفرصة لتذكّر حرف وفنون وموروثات  طوتها يد النسيان، ومصدر دخل لفئات تنتظر مناسبات كهذه كي تزيح بعضا من هموم مادية تعانيها، ومتنفّس لفئات اجتماعيّة عديدة مازالت تحلم بالحدائق والمتنزّهات وأماكن الترفيه الاجتماعيّة، وترى في المهرجانات المحلّيّة والمعارض الاستهلاكية فرصة لتغيير بعض الجو في ظل عدم قدرتها على السفر للاستجمام في الخارج، وفي ظل ضعف البديل المتاح محلّيّاً برغم مئات الأماكن الطبيعيّة الخلابة في السلطنة.

لا يجب أن نعالج الخطأ بالخطأ، وعلينا أن نبحث عن سبب المشكلة لا نتائجها كي نشخّصها التشخيص المناسب، لا أن نبدي كثيراً من التشنّج المبالغ فيه ثم ننسى الموضوع برمّته بعد يوم أو اثنين.

(5)
قبل أيّام وفي عزّ النهار لفت نظري ارتداء إحدى النساء الغير عربيات لملابس غير محتشمة بتاتاً في مكان عام يعجّ بكثير من المارّة والقاطنين، وهو منظر سبق وأن لاحظته في زيارات سابقة لأكثر من مركز تجاري في السلطنة.

نعم عمان بلد الحرية والتسامح، ولكن ذلك كله لا يعني أن نقبل بمثل هذه التصرفات لمجرد أن يقول عنا الآخرون ذلك.
 ينبغي على أمثال هؤلاء احترام خصوصية المجتمع العماني، وعلى الجهات المعنية أن تتصدى لمثل هذه المشاهد، وألا نجامل على حساب عاداتنا ومبادئنا المستمدة من تعاليم الإسلام الحنيف، ومن عادات عربية أصيلة، ومن إرث حضاري تعب الأجداد كثيراً كي يكوﱢنوه.

(6)
قال لي الشاعر الشعبي الشهير: هل صحيح أن الشاعر يوسف بن عبيد الفارسي توفي؟ قلت له: نعم. منذ أكثر من 6 أشهر. رد عليّ: والله؟ ما عندي خبر. الله يرحمه.

نعم توفي شاعر الميدان الكبير بعد رحلة عطاء تجاوزت السبعين عاماً. رحل في صمت ولم يجد من يتذكره ولو بتحقيق صحفي يتيم وهو الشاعر الجزيل العطاء في الرزحة والميدان وفنون أخرى يرى فيها البعض نوعاً من الرجعيّة والتخلّف.

مرّت وفاة هذا الشاعر الكبير في صمت ربّما لأنه لم يجيد قول قصائد على وزن " وأنا في صخب العبث ألمح نخلة من بعيد فينتابني السأم والجوع" ، وربما لأنه لم يؤلف قصصاً وروايات من نوعيّة " عندما يتثاءب الجليد"، أو   " اغفاءة الأرق"، وقد يكون السبب كذلك  أنه لم يدوّن قصائده على المناديل الورقيّة كنوع من الحداثة والابداع والخروج على القوالب النمطيّة.

محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 21 يناير 2014

"مصر.. وماذا بعد"


قال لي: والآن وبعد أن صوّت المصريّون بأغلبيّة ساحقة لصالح الدستور الجديد هل تعتقد أن الأوضاع ستتحسّن، وعجلة الاقتصاد ستدور، وسيتمّ القضاء على الإرهاب والارهابيين؟

أجبته: شخصياً أتمنى كل الخير لمصر، فهي كنانة العرب وقبلتهم، ومتى ما كانت مصر بخير فالعالم العربي أجمعه بخير، ولكنّي للأسف لا أعتقد أن الأوضاع ستتحسّن كثيراً، وأعتقد كذلك أن التغيير الحقيقي لم يأت بعد.

سألني مستغرباً: كيف ذلك ومصر قامت بثورتين خلال عامين فقط قدمت خلالها المئات من أبنائها وزهرة شبابها.

قلت له: دعنا نعود إلى الوراء قليلاً كيف نفهم الأمر بوضوح. عندما قامت الثورة المصرية في 25 يناير  لم يكن لها تصور محدد لما بعد حسني مبارك، لذا فهي أسقطت رأس النظام فقط وليس النظام بكل تبعاته، لأن من قام بها لم يكن فصيلاً بعينه كما حدث في ثورة يوليو 1952، لذا بقى كل شيء على حاله، وبقت أذناب النظام موجودين على رأس كل مؤسسة، أضف إلى ذلك الأوضاع الاقتصادية المتردية في بلد يبلغ تعداده تسعين مليونا وفي بلد متعدد الطوائف، وفي ظل شعب متلهف لحياة افضل.

لم يكن سهلاً على أي نظام جديد أن ينجح وسط كل هذه التركة، غامر الإخوان بالمنافسة على كرسي الرئاسة وشجعهم أتباع النظام السابق على ذلك، فلا حل لإسقاط الإخوان مستقبلاً سوى بإفشالهم في خطوة كهذه في ظل عدم وجود بديل آخر من الأحزاب الكرتونية الأخرى، وساعدهم الاخوان على ذلك بغباء سياسي، وبتلهف على حلم انتظروه طويلاً، وبعدم تعودهم على عمل سياسي كبير كهذا، وباختيارهم لشخصية طيبة بلا كاريزما فبدأت بعدها الازمات وتضخيم المشاكل بمساندة نخبة لا هم لها سوى اقصاء الاخوان، وبدعم من آلة اعلامية ضخمة مملوكة لرموز الحزب الوطني، إضافة إلى الصراع الخفي بين الاخوان وبين مؤسسات تخاف على مكانتها كالأزهر والقضاء، ومؤسسات لديها عداء خفي مع التيار الاسلامي كالكنيسة.

قاطعني: ولكنّ الدستور الحالي به من المواد والبنود ما يمهّد لمرحلة جديدة في حياة المصريين، ولحياة سياسيّة واجتماعيّة واقتصادية أفضل، والدليل نسبة الموافقة التي أذهلت العالم.

قلت له: مشكلة مصر ليست في دستورها، فدستور الاخوان لم يختلف كثيراً عن الدستور الحالي، ودستور1971لم يكن سيئاً، وبه مواد رائعة كثيرة. المشكلة في مدى وامكانية تطبيق هذا الدستور بشكل حقيقي أم لا. المشكلة في فساد رؤوس المؤسسات التي لم تستطع الثورة تطهيرها، في تزاوج المال بالسلطة وتوارث المناصب جيلاً بعد جيل،  في منظومة التعليم التي جعلت الطالب الجامعي لا يحضر سوى آخر يوم  لشراء مذكرات الاساتذة وحفظها، في المنظومة الصحية التي جعلت الشعب يستدين ليتعالج في المستشفيات والعيادات الخاصة بعد أن تردّى مستوى الخدمات الصحيّة الحكوميّة، في التفاوت الواضح في مستويات المعيشة بين طبقات مطحونة وسكان مقابر، وبين سكان الرحاب والقطامية وبورتو مارينا، في جيوش البلطجية الذين لم تتدخل الحكومة للقضاء عليهم. المشكلة في أشياء كثيرة لن تتقدم مصر دون حلها.

قال لي: أراك تدافع عن الإخوان وكأن عهدهم كان عهد خير ورخاء لا عهد انقسام وتفكك للمجتمع المصري.

أجبته: أنا لا أدافع عن الإخوان أو عن غيرهم، أنا أدافع عن معايير سبق وان انتقدت الاخوان عليها زمن حكم مرسي. القضية قضية مبدأ وليست قضية اخوان وجيش ومن الأفضل، علينا أن نضع معايير نحتكم اليها عند الحكم على أي قضية وأن ننحي مشاعرنا وصورنا الذهنية المرسومة مسبقاً جانباً، كل ما أخذه المعارضون على مرسي يطبق حالياً بشكل أوسع واوضح ولا أحد يتفوّه بكلمة. خذ معك مثلاً: لماذا أصبح الثوار الحقيقيين فجأة طابور خامس، ومن كان متفرغاً لتسجيل محادثاتهم ؟ ولماذا هؤلاء أنفسهم كانوا أبطالاً وثواراً في نظر الاعلام زمن مرسي ؟ ولماذا يوصف مرسي بالقاتل والديكتاتور وعدو الاعلام مع أن أسهل شيء يمكن فعله في عهده هو أن تسبّه في أي قناة او صحيفة ، ولماذا يقتل الناس الآن كل يوم وتقفل الصحف والفضائيات ولا أحد يتكلم؟ ولماذا وقف كبار القضاة والاعلاميين والفنانين ولاعبي الكرة ضد مرسي وأيدوا شفيق، ولماذا هم الآن أنفسهم يتركون شفيق ويؤيدون السيسي، ولماذا هؤلاء ذاتهم وقفوا مع مبارك لآخر لحظة مع أن عهده كان عهد فساد وأصبحوا ثواراً زمن مرسي؟ ولماذا كان الكل يتغنى بدور الاخوان في الثورة ويسعون لكسب ودّهم بل واشتركوا معهم في تكتل سياسي واحد والآن فجأة أصبحوا في عداد الإرهابيين؟ ولماذا قام السيسي بعزل مرسي في 3 يوليو ولم يعزله عندما أعطى حلايب للسودان وأجّر قناة السويس لقطر، أم ان الامر كان عبارة عن تهويل اعلامي؟ ولماذا تم انتقاد سد النهضة زمن مرسي ثم الاشادة به الآن بعد سقوطه؟ ولماذا يتم الان إعادة مشروع النهضة في قناة السويس بعد أن تم انتقاده زمن مرسي؟

قال: لا حل لمشاكل مصر سوى أن يحكمها رجل من الجيش فهو القادر على توحيد الناس خلفه في ظل حب المصريين لهذه المؤسسة الوطنية.

أجبته: من ينادي بحكم الجيش فهو لا يقدم حلاً شافيا لمشاكل مصر، بل هو كمن يدفن رأسه في الرمال خوفاً من أي عاصفة قد تهب، فمصر دولة عريقة لها تاريخ طويل مع الديمقراطية لذا لا يليق بمكانتها أن يستمر الحكم العسكري بها لمجرد أنّه  لا توجد شخصية مدنيّة مناسبة تحكمها.

اعطني الخلاصة. كيف تلخّص الوضع في مصر؟

برأيي أن ما يحدث في مصر هو صراع مصالح يذهب ضحيته فقراء الشعب لصالح حفنة تعودت أن (تكوّش) على مقدرات الامور في ظل انقسام الشعب إلى أغلبية مطحونة وأقلية تعاني من التخمة، وفي ظل بقاء ابن الدكتور دكتور وابن القاضي قاضي، وابن البوّاب بوّاب. هي لعبة مصالح لا أكثر ، وما السيسي الا محطة عبور من واقع حالي ريثما تعود السطوة لتلك النخب.
هناك احتقان حقيقي في مصر وتغييب لصوت العقل فإما ان تكون مع أو ضد، وصراع المصالح سيبدأ قريبا لأن الفساد ينخر في كثير من المؤسسات، ومن ينتظر غنيمة ما ولن يجدها سيتحالف مع الشيطان نفسه ضد الطرف الآخر. وهناك دم سال، الذي قتل ابنه أو أخوه بدم بارد سيظل يحترق ويستغل أي فرصة للانتقام، والمواطن البسيط الذي تم افهامه أن الاخوان أخطر من اليهود سيستوعب مجريات الامور عندما يرى أن  الوضع كما هو لم يتغير، والمرأة البسيطة التي رقصت أمام لجنة التصويت هي ذاتها التي صوّتت لصالح دستور الاخوان قبل عام واحد، وفي كلتا الحالتين ربما لم تكن لتعرف شيئاً عن الدستور سوى اسمه، وسوى أن التصويت عليه بنعم قد يدخلها الجنّة في المرّة الأولى، أو قد يخلّص البلد من الاخوان الارهابيين الذين سيقتلون ابنها في المرة الثانية، أو قد تكون فعلت ذلك من أجل جنيه تأتي به ببضعة أرغفة تسدّ بها رمق أطفال أيتام.

كنت ولازلت وسأظل أقول أن مصر لا يمكن أن تتقدم مادامت تدار بالعاطفة دون أية معايير حقيقية، ومادام الاختلاف يتحول إلى تخوين، ومادامت المبادئ تغير في اليوم ألف مرة، وفي ظل غياب العدالة الاجتماعية.

لن تتقدم مصر وستظل على حالها مالم يغيّر المصريون أطباعهم الاجتماعية في علاقتهم مع السلطة والحاكم، ولن نفهم الواقع المصري إلا إذا فهمنا تفكير النخب وأرضية الحياة السياسية في مصر وواقع الحياة الاجتماعية فيها. 

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com
 

الاثنين، 13 يناير 2014

بركاتك يا شيخ

يقول الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام المحلّيّة " بالتعاون مع المختصين في وزارة البلديات الاقليمية وموارد المياه ممثلة في بلدية البريمي، وبالتنسيق مع الادعاء العام وشرطة عمان السلطانية، تمكنت الهيئة العامة لحماية المستهلك من ضبط مجموعه من الوافدين تقوم بتصنيع وبيع عشرات الآلاف من  المستحضرات العشبية تستخدم لأغراض طبية مختلفة، في محل يحمل ترخيص بيع الاصباغ ومواد البناء،  منها 81311 من الكبسولات المعبئة، و20 الف كبسولة فارغه، و83 من الزيت المرقي، و19 عبوه من البخاخ، و60 علبه من الماء المرقي، و10 عبوات من مخلوط المسك، و 16 عبوه من نوع تحصين الجن، وبعض الأدوات القديمة والصدئة الخاصة بعمل خلطات العسل والأعشاب وغيرها من المستحضرات العشبية المختلفة ".

محلّ بيع أصباغ يبيع أعشاب طبّيّة! ألا يذكّركم ذلك بمحلّ الخياطة النّسائيّة الذي عثر فيه على (70 ) من زجاجات الويسكي المعّدة للبيع؟ ما السبب الذي يجعل أمثال هؤلاء للبحث عن أماكن كهذه لبيع بضائعهم الممنوعة؟  هل هو البحث عن مكان غير مألوف؟ هل لأجل تغليفها بمعطف جميل من الرقّة والجمال؟ أم هي الرغبة بتلوين الحياة بالوهم.

ويمضي الخبر ليقول "وبعد الجهود الحثيثة تمكن المفتشين المداهمين لموقع الحدث من اكتشاف صاحب هذه الاعشاب، وهو من جنسية عربية ويدعى "....." ويلقب بالشيخ الدكتور، وبعد البحث والتقصي تبين مزاولته لمهنة الرقية الشرعية، كما أنه صاحب هويّة إعلاميّة، وله زبائن كثر يلجؤون إليه لعلاجهم وطرد الجنّ من أجسادهم".

اذاً نحن هنا لا نتحدث عن بضائع مقلّدة أو مزوّرة وقع المستهلك المسكين في فخّها دون أن يدري عن كواليس ما يحدث. نحن نتحدث عن بضاعة يعرف المستهلك مسبقاً أنها مغشوشة، وأنها لا تعدو عن كونها وهماً كبيراً يضرّ بصحّته وسلامته وبجيبه، وبفكره كذلك، ومع ذلك فهو يصرّ على شرائها مهما كلّفه الأمر، ومستعد أن يذهب إلى آخر وثالث ورابع من نوعيّة هؤلاء المشعوذين. أو لم نقرأ (وما زلنا) عن أخبار يوميّة من شاكلة "القبض على مشعوذ إفريقي في السويق"، " الحكم على مشعوذ في السيب بالسجن 8 سنوات"، وغيرها من الأخبار المشابهة التي لا يكلفك عناء استحضارها سوى ضغطة زرّ على أحد محركات البحث الشبكيّة المتعدّدة، والتي يكون  القاسم المشترك فيها هي جنسيّة المشعوذ أو (الشيخ) التي غالباً ما تكون غير عمانية، والأدوات المستخدمة، ونوعيّة الخدمة المتعلّقة بتنمية مال، أو فكّ عمل، أو طرد جان، وغيرها من (الخوارق)، وهي أخبار ستظل وستتكرر في كل يوم مادام بعضنا يعتقد أن الوهم والإيحاء هو نصف العلاج.

يزعم المتّهمين في هذه الضبطيّة بأن الأعشاب والكبسولات التي تمّ ضبطها ذات قدرة على علاج الامراض المستعصية كالإيدز والسرطان والسكري والقولون والبروتستات وأمراض الضعف الجنسي، والتخلص من اعمال السحر وطرد الجان وغيرها من الأمراض التي يقف حتى الطب الحديث عن ايجاد علاج لها. ألا يعلم روّاد بضائع كهذه أنه لو كان لهذا (الشيخ) قدرة على علاج كل هذه الأمراض، وجلب الرزق، و(توليد) الأوراق النقدية، لما كان موجوداً هنا، ولدفعت له أكبر المراكز الطبيّة في العالم الأموال الطائلة للفوز بخدماته، ولتلاشى كل أثر فيه للصلع أو للكرش وغيرها من المنغصات التي يدفع  البعض في سبيل التخلص منها بالغالي والنفيس، بل ولظل في بيته هانئاً قانعاً بالأموال التي تتوالد على يديه ، والتي تغنيه عن متاهات الأسئلة، و(شحططة) الأسفار.
ثمّ ماذا يريد هؤلاء (المشايخ) منّا!! هل ضاقت عليهم الأرض بما رحبت فلم يجدوا سوى عقولنا ليتكسبوا منها؟ ولماذا الذقن الطويل والعمامة والجلباب؟ ألا يمكن أن يغلّف هذا (الوهم) في زيّ عصريّ آخر؟ ولماذا نحن بالذات؟ لماذا لا يمارسوا هذا الأمر في بلدانهم التي أتوا منها، أم أن كرم الضيافة يلحّ عليهم أن يبادلونا بالمثل؟ أعرف شيخاً أوهم الناس بقدرته على حل كافة المشاكل النفسية التي يمكن أن تعاني منها أنت أو أحد أفراد عائلتك. تشعر بضيق معيّن؟ لديك خلافات مع زوجتك؟ ابنتك تعاني من مشاكل في النطق؟ نتائج ابنك الدراسيّة متدنيّة؟ لا تقلق، ولا ترهق نفسك بالبحث عن الأسباب الحقيقية لكل تلك المشاكل والهموم. فقط هي زيارة للشيخ الجليل وسيقرأ على رأسك بعضاً من الآيات والأدعية مقابل خمسة ريالات، وسيعطيك بعضاً من الماء مقابل عشرة ريالات، على أن تحضر إليه بعد عدّة أيام ليتأكد من حالتك، وستعطيه المعلوم كذلك، وستشعر بعدها بتحسّن كبير. صحيح أن مشاكلك المادّيّة مازالت على حالها، وصحيح أن خلافك مع زوجتك لم يحل، ومؤكّد أن ابنتك لم تتعافى من مشكلة النطق، ولكن مادام الشيخ قد قرأ عليك فكل ما سبق سيحل. متى؟ لا أعلم، ولكن ثق بأنه سيحل، ولا تفكر مرة في انتقاده أو وصفه بالدجّال، فالشيخ (سرّه باتع) كما يقول أحبابي المصريين، وعمل منه قد يؤدي بك إلى التهلكة.

يبدو أنه كتب علينا أن نقرأ  كل يوم رواية لفيلم رعب رديء، ولكنها هذه المرّة بصورة واقعية أبعد ما تكون عن الخيال، فأبطال الرواية، والبلاتوه، والديكور، والموسيقى التصويريّة كلها أشياء حقيقية تم تنفيذ خلطتها بطريقة يحسدهم عليها (الفريد هيتشكوك) نفسه.

إن كان في الخبر من شيء ايجابي فهو في التعاون المثمر الذي تم بين  الهيئة العامّة لحماية المستهلك، ووزارة البلديات، وهو تعاون ينبغي أن يتم ويستمر، ذلك أن السوق المحلّي ما زال يعجّ بالكثير من مرادم الفساد التي أزكمت الأنوف، والتي جاءت نتيجة تراكمات سابقة من اللا مبالة، والمحسوبية، والاحتكار، وعدم الرقابة الحقيقية، والاستخفاف بعقول المستهلكين، من قبل (بعض) من صوّرت لهم أنفسهم أن هذا الوطن رخيص لدرجة أنه لا يستحق أن يقوموا بخدمته وفق معايير تتطلبها وظائفهم، ويحثّ عليها دين أتى رحمة للعالمين، ويفرضها عليهم وطن احتضنهم وآوى شملهم، و قائد عمل الكثير كي يوفر لهم الأمان بعد خوف ومسغبة، وهي مرادم تحتاج لكثير من الوقت والجهد لإزالتها وتسوية الأرض التي كانت تفترشها.
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

لقاء حول الجمعيات التعاونية الإستهلاكية


الثلاثاء، 7 يناير 2014

نحو مجتمع يشدّ بعضه بعضاً



" أكثر من ١٨٠ أسرة من فئة الايتام والمعسرين على مستوى ولاية بديّة استفادت من حملة توزيع المعونات الشتوية والتي اشتملت على 250 بطانية، ١٨2دفاية، 19 سخان"،" 36 مكيف ، 5 ثلاجات، 21غسالة هي نتائج حملة توفير الأجهزة الكهربائية في المنترب"،  "سطّر شباب بلدة الغبّي بولاية بدية ملحمة وطنية رائعة وذلك من خلال مشاركتهم الأهالي  في إصلاح فلج الغبي الذي تأثر نتيجة جريان الأودية الأخيرة"، " توزيع 400 طرد رمضاني ببدية وذلك بالتعاون مع الجمعيات الخيرية الوطنية"، "صندوق التكافل الاجتماعي ببدية يقوم  بدراسة إمكانية توفير وجبات غذائية للطلاب المعسرين"، " الانتهاء فيه من صيانة وبناء غرف وتوزيع أجهزة تكييف ومعدات كهربائية لعدد من الأسر بأكثر من 12 ألف ريال عماني"، " صندوق التكافل الاجتماعي ببديّة يدشّن فريق (احسان) لصيانة وترميم منازل الايتام".

كانت هذه نماذج بسيطة لبعض الأعمال التي ينفذها صندوق التكافل الاجتماعي ببديّة، وهو صندوق خيري لم تتجاوز فترة تدشينه السنتين، ولكنّه حقق الكثير خلالها، لعل أبرزها حالة التوائم المجتمعي، وتغيير المفاهيم لدى شريحة كبيرة من المجتمع المحلّي تجاه قيمة العمل التطوعي، وهو الأمر الذي انعكس ايجاباً بكل صدق في مدى تجاوبهم مع برامجه المتنوّعة، وإقبالهم على المشاركة في تنفيذ هذه البرامج.

في كل مرة أطالع أخباراً كتلك التي تصدّرت المقال أتساءل مع نفسي: أي طاقة هذه التي يملكها شباب بدية، وأي قيم سامية يتحلون بها، وأيّ إصرار عجيب يتملّكهم، وأيّ تفاءل يسكنهم. ألا يملّ هؤلاء؟ ألا يصيبهم الاحباط عندما يعجزون أحياناً عن استكمال مشروع معين لأسباب مالية أو لتعقيدات بيروقراطية؟

وفي كل مرة أطّلع فيها على المشاريع التي يقوم بها صندوق التكافل الاجتماعي بولايتهم، أو أيّة جهات شبابيّة أخرى لديهم أكاد أصاب بالذهول كذلك، ليس لتشاؤمي المسبق من وتيرة العمل التطوّعي بالسلطنة، فأنا موقن تماماً بأن الكثير من الجهود المخلصة التي تملأ أرجاء هذا الوطن، وأين ما وجد الإنسان العماني وجدت معه قيمه ومبادئه ولكن مبعث ذهولي هو تلك العزيمة الصادقة، وذلك الجهد الهائل  الذي يقوم به أولئك الشباب، والذي ربّما لن تستطيع مؤسّسة خاصّة أنشئت لهذا الغرض أن تقوم به كما يقوم به شباب ولاية بديّة.

ما يبهرني تجاههم ليس حجم الأنشطة والمساعدات التي يقدّمها الصندوق فقط، ولكن في تنوّع هذه المشاريع وعدم اكتفائها بمبدأ (اعط الفقير سمكة)، بل تعدّتها لتعلّمه الصّيد، فأم عبد الله مثلاً وهي إحدى المستفيدات  من مشروع الأسر المنتجة التابع للجنة الأيتام تمكّنت من خياطة  ملابس لها ولابنتها وأخواتها، بل خاطت فستان العرس لابنة أختها، ووفّرت مبالغ تعاني منها ميزانيّة كثير من الأسر العمانيّة التي تجبرها العادات الاجتماعية على دفع مبالغ لا بأس بها من أجل فساتين تلبس ليوم واحد في ظل تراجع الخياطة العمانيّة والزيّ العماني الأصيل لصالح وافدين أوهمونا أن بضاعتهم هي الأجود، وأن جيوبهم هي أنسب مكان لوضع تلك المبالغ.   كما أن مبلغ الخمسة ريالات التي تقاضتها عن أول قطعة تبيعها كان له طعم مغاير لأنه اختلط بالعرق الذي بذلته في حياكتها.

كذلك فالأنشطة والبرامج التي ينفّذها الصندوق قد نجحت في جذب المجتمع المحلّي بالولاية للمشاركة في تنفيذها، وهذا تجسيد لمبدأ الشراكة الاجتماعيّة الحقيقيّة التي يتم المناداة بها، فعندما يتبرّع أحد أبناء الولاية      بـ ( 1,7 )طن من اللحوم للمعسرين، وعندما يتبرّع صاحب مؤسّسة بعدد من الأجهزة الكهربائية، وآخر بكميّة من المواد الغذائيّة، ورابع بأثاث منزلي، وخامس وسادس وهكذا، فهذا يعني أن المجتمع بدأ يستشعر أهميّة أفكار ومشاريع كهذه، وأن أساس نجاح أي مجتمع يكمن في مدى تكافل أفراده وإحساسهم بالآخر، وأنهم هم أنفسهم قد يكونون يوماً ما بحاجة إلى وقفة الآخرين معهم.

القائمين على الصندوق يبحثون عن أفكار مبتكرة لتوفير مصادر لتمويل الصندوق، لعلّ من بينها تنفيذ مشروع إعادة تدوير الملابس القديمة التي يتم تجميعها عبر حاويات وتسليمها لإحدى الشركات المختصة في إعادة التدوير التي تقوم بدورها بتوريد مبالغ نقدية للصندوق حسب الاتفاق،  علماً بأن الصندوق يعتمد على تبرّعات أعضائه الشهرية بمقدار ثلاثة ريالات، إضافة إلى  دعم المؤسّسات العامّة والخاصّة وبعض رجال الأعمال.

أكثر من 120 شاباً قام الصندوق بتزويجهم خلال موسمين متتاليين للعرس الجماعي، وعندما أتحدث عن عدد كهذا، فأنا أترك لك عزيزي القارئ العنان لتتخيل حجم المصروفات، ولتقوم بعملية مقارنة حسابية بين حجم التجهيزات الماديّة والعينيّة المطلوبة لعدد 120 عرساً فرديّاً، من حيث كمية المأكولات، وقيمتها، والمستلزمات الأخرى من قاعات وفرق فنيّة وغيرها، وبين تكلفة هذه التجهيزات نفسها من خلال عرسين جماعيين لنفس العدد. أعتقد أن الفرق سيكون شاسعاً، كما أن هناك كثير من الرسائل الايجابيّة التي سيتوصّل إليها عقلك الباطن من خلال تساؤلات من مثل: كم عدد الذين قاموا بالمشاركة في تجهيز أعراس جماعيّة كهذه سواء كانت مشاركة ماديّة أم تنظيميّة وإشرافيه، وما حجم المبالغ التي تم توفيرها، وكم قسط ربويّ تم تأجيل الحصول عليه فيما لو قام كل عريس بتنظيم عرسه بمفرده، وماذا لو احتجت لهؤلاء العرسان مستقبلاً في عمل اجتماعي يخدم الولاية، وماهي الرسالة التي ستصل للحاضرين لمناسبة كهذه أطفالهم قبل شيوخهم.

ستسألني أين الإعلام عن مشاريع كهذه بالعرض والتحليل لا بمجرد تغطيات صحفية يتيمة؟ ستحاول اقناعي بأن أفكاراً كهذه يجب أن تدرس بعناية من قبل الجهات المختصة وأن تقدم للآخرين كي يستفيدوا منها؟ ستتعجب معي حول أسباب ابتعاد جوائز العمل التطوعي عن هذا الصندوق؟ أعتقد أن القائمين على هذا المشروع لا ينتظرون شيئاً من الآخرين، فمن يطوّع ماله وجهده لخدمة الآخر لن ينتظر مقابلاً ما. هناك أشياء كثيرة يمكن المقايضة بها إلا.. القيم.

بالمناسبة. سيكون لدى  أم عبد الله مشغلاً بيتيّاً للخياطة عمّا قريب، وقد نجد جزءاً من انتاجه في أحد المعارض الاستهلاكية. وقتها سيداخلني كثير من التفاؤل لأن جزءاً من أموالنا بقي يدور دورته داخل البلد لا خارجه.

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

مشاهد من معرض استهلاكي


عندما قررت الذهاب إلى معرض السلع والأدوات الاستهلاكيّة مساء السبت الماضي كان يتجاذبني أمران: الأول وهو أمنية بأن أجد المعرض خالياً من الزحام، وأن أجد موقفاً قريباً لسيارتي دون عناء الوقوف في مكان بعيد، خاصّة وأن الجوّ كان بارداً، والأسر مرتبطة بموعد الاختبارات الفصليّة لأبنائها، كما أنّ سكّان المحافظات البعيدة مرتبطين بدواماتهم الصباحيّة في اليوم التالي وبالتالي لن يمكثوا في مسقط إلى هذا الوقت المتأخر.

أما الثاني فهو توقّع بأن أجد المعرض مزدحماً كعادتنا مع كلّ معرض يقام، وأن كل ما ذكرته من أسباب لن يثني الأسر والأفراد عن زيارته حتى لو كانت درجة الحرارة تدنّت إلى ما دون الصفر، وحتّى لو كانوا هم أنفسهم مرتبطين باختبارات دراسيّة قد تحدّد مصيرهم المستقبليّ فيما بعد، فالمعارض بالنسبة للبعض مكان لتغيير الجو، والحصول على بعض الترفيه، ومادة دسمة لجلسات العصر اليوميّة.

توكلت على الله وذهبت وأنا أضع يدي على قلبي كلّما اقتربت من مكان المعرض، وما إن اقتربت من دوّار العرفان إلا وأدركت أن توقّعي قد غلب أمنيتي، فالطابور طويل، والزّحام على أشدّه، ومع أنّ المعرض يفتح أبوابه مساءً في تمام الرابعة، ومع أنني قد وصلت قبل هذا الموعد تحسّباً لما كنت أتوقّعه، إلا إن مواقف السيارة (الكثيرة) كانت ممتلئة عن آخرها، وكأن كل هؤلاء البشر قد جلبوا طعامهم وفرشوا بساطهم وجلسوا ينتظرون موعد الافتتاح المسائي، وكأن ما يوجد بالمعرض هو شيء نادر وثمين يستحق الندم على التفريط فيه. في كل مرّة أرى هذه الأعداد الغفيرة يساورني شكّ في نتائج تعداد السكّان الأخيرة.

أدخل المعرض فأرى أمامي مشاهد مختلفة للزائرين تتكرّر في كلّ معرض يقام، هذه أسرة عمانيّة أصيلة تحلف وأنت تراها أنها قدمت من قرية بعيدة من قرى عمان النائية، وأولئك صغار أحضرهم والدهم وذهب عنهم لارتباطه بموعد آخر، ولا يخلو المشهد من شباب اعتادوا أن يجدوا في مثل هذه المعارض فرصة لممارسة هواية (دنيئة) في تتبع الفتيات والإيماء بالإشارات، وكأنهم في حالة انفصال  عن  وسائل الاتصال الحديثة التي أتت بأساليب معاكسة أكثر حداثة وسهولة. ولا بد أن يكتمل المشهد ببعض الفتيات اللواتي اعتقدن - أو صوّر لهن - أن الحريّة تعني أن تخرج لوحدها في أيّ وقت تشاء، وأن تضع ما تشاء من مساحيق مختلفة الألوان على وجهها، وكأنّها دمية (باربي).  برأيي أن لحرّيّة المرأة ألف وجه ليس من بينها احتساء الشاي لوحدها في (بابا روتي)، أو تناول الغداء مع الرفيقات في (تشيليز) وسط صخب ضحكاتهن التي  تملأ أرجاء المكان، أو عمل (بارتي) عيد الميلاد في كارجين، أو  أن تبدو كـ (خيال المآته) في أي مكان تذهب إليه.

مشهد آخر لم يثر استغرابي ألا وهو الطابور الطويل الذي سدّ باب المعرض أمام آلتي سحب النقود. يعلم كل الواقفين في الطابور أن المعرض سيكون مزدحماً، وأن مكائن السحب إما أن تكون معطّلة، أو سيكون عليها زحام شديد، وهم أنفسهم قد مرّوا في طريقهم إلى المعرض على عشرات الآلات الموجودة في كل محطة نفط أو مركز تجاري ، ومع ذلك هي العادة نفسها. أن نكرّر نفس الخطأ في كلّ مرّة، والا نتعلم من الأخطاء السابقة.

المشهد الثالث هو تكرار نفس الوجوه التي تراها في كلّ مرّة. نفس العارضين تراهم في كل المعارض، وجلّهم غير عمانيين، وكأنّ ما يعرض هي أشياء يستحيل على العماني أن يصنعها أو يقوم بعرضها، وكأنّه لا يوجد لدينا في عمان من يبيع العسل العماني الأصلي، أو من يقوم بخياطة وتفصيل وتطريز الملابس العمانية الأصيلة، والمفروشات المختلفة، أو من يقوم بتصنيع خلطات العطور والبخور.

مشهد رابع يمكن ملاحظته ويتعلّق بنوعيّة البضاعة المعروضة، فلا يمكن أن تدخل معرضاً في عمان حتى ولو كان في فصل دراسي بإحدى المدارس النائية دون أن تجد ركن العسل اليمني الأصلي الذي يشفي من كل أمراض الدنيا التي استعصت على أمهر الأطبّاء، وكأنه شرط أساسي يتم الالحاح عليه عند التصريح بتنظيم هذه المعارض، ولا يمكن أن  تخطيء عيناك رؤية ذلك الشاب الذي أصبح نجماً من نجوم المعارض بزيّه الخليجي وذقنه المحلوق على الطريقة الحجازيّة، وهو يتنقل من مكان لآخر عارضاً على الفتيات روائح لعطور (مضروبة) يقوم ببيعها، ولا تنس ركن الخلطات العشبيّة التي تعيد الشيخ شابّاً، والمريض سليماً، وتعيد لك الرشاقة، وتمنع الصلع، وتقضي على البهاق والجرب وحبّ الشباب والصدفيّة  وقائمة أخرى تطول من قوائم الوهم التي مازالت تجد الكثير من المعتوهين السذّج الذين يندفعون ورائها، وهم يعلمون أنهم قد اشتروها قبل أشهر قليلة في معرض آخر ولم تجد نفعاً معهم. ألا قاتل الله السذاجة.

بالطبع فكثير من هذه  البضائع والسلع هي  تجاريّة وغير أصليّة، وكثير من السلع الغذائية والمواد التجميلية التي تعرض مغشوشة، وغالبية الخلطات العشبية  المعروضة غير مصرح بتداولها لعدم وجود بطاقة البيان وعدم معرفة مكونات الخلطات، وبالتأكيد لا توجد أسعار مثبّتة على كل سلعة، ولا وجود لأية بيانات متعلقة  بالمنشأ والصلاحية والمكونات، ولكن كل هذا لا يهم. المهم هو أن نذهب لكي نرفّه عن أنفسنا قليلاً،  حتى ولو كان ذلك على حساب جيوبنا وصحّتنا، وحتى لو كنا مدركين أننا لا نستطيع أن نشتكي على أحد في حالة تعرضنا للنصب أو الغش من قبل أحد العارضين، وقتها سيكون قد سافر إلى بلده مستمتعاً بما جناه من أموال تعبت الحكومة كثيراً كي تعطينا إياها، وقمنا بتسليمها إليهم عن طيب خاطر. وربنا لا يقطع لنا عادة.

تساؤلات دارت في بالي وأنا أتجوّل (بصعوبة) في أرجاء المعرض من قبيل : متى سنرى معارضنا تعجّ بالباعة المحلّيين وبالبضائع العمانية، وبالتالي نضمن أن جزءاً من (الملايين) التي تعطيها الحكومة لنا تبقى داخل البلد لا خارجها، وما الذي يمنع أن نرى ركناً للحلوى أو العسل أو الملابس العمانية المصنوعة بيد محلّية؟ هل هي الثقة الضعيفة؟ هل هي الثقافة السلبيّة تجاه كل ما هو محلّي؟ هل هي الرسالة التي لا تصل إلى هؤلاء بكل شفافية ووضوح؟ وهل تخضع السلع المعروضة لإجراءات الفحص وبالتالي يتم ضمان جودتها وصلاحية استخدامها للمستهلك؟ ولماذا نخصص أوقاتاً للنساء وللعائلات مادام أن أغلب الحضور في كل الأوقات هم من هذه الفئات بالأساس؟ ولماذا لا نركز على المعارض الاستهلاكية الخيرية التي تنظمها مؤسسات المجتمع المدني للمساعدة في حل مشاكل اقتصادية معينة؟ ولماذا لا تشرك هيئة حماية المستهلك في لجان الاشراف على مثل هذه المعارض.

وقد يسأل سائل : ما دمت متشائماً إلى هذا الحد فلماذا تحرص أنت على الذهاب إلى هذه المعارض؟

ياسيدي.. وما أنا إلا من غزيّة إن غوت غويت.. وإن ترشد غزيّة أرشد

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com