الثلاثاء، 18 فبراير 2014

في أرض الفيروز


عندما اقترح علينا الصديق الدكتور علي القلهاتي زيارة محافظة الوسطى في عطلة نهاية الاسبوع لم أتردد لحظة في الموافقة وأنا الذي أتعلل دائماً بظروفي العمليّة وزحمة جدولي اليومي، ذلك أن زيارة هذه المحافظة كانت حلماً مؤجلاً ينتظر اللحظة الفارقة لتحقيقه.

تاركين مسقط لمطرها وزحمة شوارعها، وسوء تصريف مجاريها، نسلك الطريق المتّجه إلى وادي العقّ فسناو، فمحوت، ثم الدقم، مروراً بمناطق وقرى عديدة أزورها لأول مرّة بعد أن كادت تتحول لشواهد أسطورية من كثرة ما كان يردّد أسماؤها رفقاء لي اعتادوا قضاء إجازاتهم في تلك المناطق، وكثيراً ما تشبّبوا بغرامها وسحر طبيعتها.

نصل إلى الدقم في حوالي السابعة مساء، لندخل أول مسجد نجده في طريقنا لأداء صلاتي المغرب والعشاء، والذي يتوسط منطقة سكنية قامت الحكومة ببنائها ضمن حزمة من المساكن الاجتماعيّة التي تتوزّع في أنحاء المحافظة. يشدّني في تصميم المسجد ارتفاع سقفه المبالغ فيه، وصحنه الذي تسرح ذاكرتي معه إلى مشاهد الإفطار في رمضان. هذا طفل يحمل طبقاً به بعض التمر، وذاك آخر حاملاً صينية عامرة باللقيمات، والفتّة، والفيمتو. في مناطق كهذه لا يأنف الناس من أن يفطروا جميعاً في صحون المساجد كعادة اجتماعيّة مازالوا يحافظون عليها كحفاظهم على أشياء كثيرة تناساها إخوة لهم في مناطق أخرى من أرض الوطن.

ألمح شابّاً مصريّاً أتى لتعبئة بعض بالماء من ثلاجة المسجد، فيذهب خيالي بعيداً إلى بقعة نائيّة في أقصى صعيد مصر أو وجهها البحري، وإلى أهل وأصدقاء، وربّما حبيبة وهميّة تركها ذلك الشابّ هناك. ترى كيف يقضي وقته هنا بعيداً عن كل هؤلاء، وهل يمرّ عليه الليل طويلاً كئيباً وهو يعدّ الأيام المتبقيّة على العودة، أم أن حميمية من يحيط به تكاد تنسيه كل تلك الآلام. في قريتي الصغيرة قبل ثلاثين عاماً من الآن كنّا نعتبر أمثال هذا المصري جزءاً من مجتمعنا، فنشاركهم كلّ شيء، ونقدّمهم على أنفسنا في الأعياد والمناسبات. هل ما يزال (أولاد جابر) يفعلون الشيء ذاته مع هذا المصري وغيره؟

نترك الدقم في طريقنا إلى منطقة (ظهر) وهي تجمع سكّاني يقع جنوب الدقم، حيث كنّا مرتبطين بموعد عشاء مع أحد معارف الدكتور. في طريقنا نصادف دورية تفتيش في الطريق الذي يربط الدقم بهيماء والجازر. برغم البرد القارس، والرياح الباردة، إلا أن ابتسامة هؤلاء الشباب وحرصهم على أمن وطنهم كانت أقوى من كل تلك المنغّصات . أشعر بقشعريرة تنتاب كل جسمي وأنا أنظر بفخر لهؤلاء الشباب.بفضلهم بعد الله ننام ملء جفوننا عن شواردها.
نصل إلى المكان المخصص لاستقبالنا لنتفاجأ بطابور طويل من الرجال شيبة وشباباً ينتظروننا أمام مدخل البيت مرحبين بنا لنتجه بعدها إلى خيمة كبيرة نصبت وسط حوش البيت، وضع في وسطها موقد نار كبير. ألا يكفي دفء لقائكم وحرارة ملتقاكم أيها الرائعون. هنا تصنع الرجال، وهكذا كانت المدرسة العمانيّة لتربية الجيل.

تأتي (الفواله) وكانت مزيجاً من التمر العماني الذي لم يتم استيراده من بلدان مجاورة، ولم يعلّب في صناديق بلاستيكيّة فاخرة، ومعه السّمن العمانيّ الطبيعيّ بلا مواد حافظة، أو نكهات طبيعية وغير طبيعيّة، لتدور بعدها القهوة العمانيّة التي تكاد تشمّ رائحتها من على بعد كيلو بنكهة الهيل والزنجبيل ، والتي صنعتها على نار هادئة من خشب السمر يد خبيرة مجرّبة. الله.. منذ متى لم أحظ بجلسة صادقة كهذه، بل منذ متى لم أستلذّ طعم التمر والقهوة كما هو اليوم؟ ماذا حدث للعالم لتفارقنا كثير من الأشياء الجميلة؟

يأخذنا القوم لتناول العشاء في قاعة قريبة، ويتركونا لوحدنا وهي عادتهم بل عادة العرب عند رغبتهم في إكرام الضيف، ليأتي بعدها الشاي الذي لن تشربه سوى في تلك المناطق. شاي تحلف عندما تذوق طعمه أنك شربته يوماً ما في بيت طين أو سعف عندما كنت صغيراً، وعندما كانت هناك حميميّة في الوصال. ثم يليه العود والبخور وهي إشارة إلى انتهاء الجلسة وقت المغادرة، أو كما قال العمانيّون في مثلهم الشعبيّ " ما بعد العود قعود".

نعود بعدها إلى مقرّ إقامتنا في الدقم. برغم تأخّر الوقت، وبعد المسافة إلا أن مستقبلينا يرفضون تركنا بدون أن يرافقنا أحدهم وهو شاب في العشرين من عمره. يحلف عبدالله وهذا اسم الشاب بأنه سيحضر لنا الإفطار صباحاً من منزلهم، وأنه لولا خشيته من إزعاجنا لأتى لأخذنا بعد الفجر كي نتناوله في مجلسهم، ليأتي الافطار الصباحي مكوّناً من التمر الممزوج بالسمن، والقهوة العمانيّة، وحليب الجمال، وخبز الرقاق، وهو افطار تعجز الفنادق ذات الخمس نجوم بكل (شيفاتها) أن تأتي بمثل لذّته ولو قامت مجلة (الأسبوع) بعمل مسابقة مخصصة لذلك.

وجهتنا الأولى في جولتنا السياحيّة بالولاية كانت ميناء الدّقم. برغم أن الزيارة ممنوعة، إلا أنهم سمحوا لنا بالدخول ربما تقديراً لظروفنا، وقدومنا من مكان بعيد، والأهمّ رغبتنا الملحّة في التعرّف على معلم عمانيّ بارز من معالم النهضة الصناعيّة التي تساهم في صنع عمان الجديدة بل والمتجدّدة منذ أربعة وأربعون عاماً.

في الميناء وحوض السفن الجاف رأيت وسمعت عن أشياء تثلج الصدر، فهذا الميناء بحوضه العميق الواسع، وجدران رصيفه الطويلة؛ لديه المقومات التي تجعل منه باباً تجارياً متعدد الأغراض بمستوى عالمي، وبكونه مرتكزاً أساسياً لمنطقة اقتصاديّة ضخمة، وقد يصبح في القريب أكبر الموانئ في الشرق الأوسط على المدى الطويل.

من الأشياء التي شدّتني كذلك معلومة سمعتها عن أن المبالغ التي أنفقت على هذا المشروع من المؤمل استرجاعها في عام 2017، وعن أنّ فترة صيانة السفينة في الحوض الجاف لا تتجاوز الاسبوع. في بعض المؤسّسات يتردد المواطن لأشهر من أجل الحصول على رسالة رسمية، أو متابعة موضوع عالق لا يحتاج سوى لإمضاء مسئول، أو همّة موظّف.
ننطلق بعدها إلى فندق كراون بلازا، وهو معلم سياحي تملك الحكومة نسبة كبيرة من حصّته، ويعدّ من مفاخر السياحة العمانيّة بتصميمه الرائع، ومرافقه المتكاملة، وغرفه الواسعة النظيفة، وشاطئه الخلّاب.

وأنا أتجوّل بانبهار في مرافق الفندق المختلفة أقول لنفسي معاتباً إيّاها: هو لا يختلف عن "سوفوتيل" الرباط، أو "حياة" كازا، أو "ماريوت" القاهرة، فلماذا أكتب شعراً في وصف جمال تلك الفنادق والبقاع، ولا اتحدث عن هذا. هل هي (عقدة الخواجة)، التي تلازمنا؟ هل هو الانبهار بكل ما هو خارجي أو مستورد، والتفرغ لإبراز عيوب كل جميل نملكه؟ ربما.

تاركاً الفندق باتجاه الشواطئ القريبة حيث الطبيعة البكر، وشواطئ الفيروز، وغناء النوارس. أحلم بأسبوع أقضيه هنا مع كومة كتب، وهاتف بدائيّ ذو كشّاف تأنف فتيات اليوم أن تراه، وبرّاد شاي منعنع. ربما سأتخلّص بعدها من كثير من القلق والأرق. بل ستتغير معها نظرتي إلى أشياء حياتيّة كثيرة. كم أحتاج إلى وقت كهذا.

وأنا أتأمل الطبيعة وزرقة المياه الصافية تراودني الأسئلة: كم نحتاج إلى أن نعرّف شبابنا بمناطق جميلة كهذه المناطق، ماذا لو كانت هناك أراض مخصّصة لكل مؤسّسة حكومية كبرى كي تقيم أندية ومصايف لموظفيها، وماذا لو خصصت قطعة أرض كبيرة ليقام عليها معسكر عمل دائم للشباب، بل ماذا لو قامت وزارة السياحة بتسهيل إقامة بيوت للشباب، وحافلات تقلّهم بمواعيد محدّدة للتعريف بالمنطقة وجمالها وطبيعتها البكر، وعادات أهلها الأصيلة.

أتذكر شبه جزيرة سيناء، يوماً ما كانت هكذا أرضاً بكراً تكاد أن تكون خالية من السّكّان فأصبحت الآن قبلة السياحة العالميّة، وملتقى مؤتمرات العالم. لماذا لا نفكر جدّيّاً في تحويل المنطقة الى مكان جاذب لسياحة المؤتمرات؟
في المساء نعود إلى (ظهر) مرّة أخرى، ولتلك قصّة أخرى قد تروى بعد أسبوع في نفس هذا المكان، ولكن في غير الزمان.

د. محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 11 فبراير 2014

والعشــق.. مسقطي (2-3)


تاركاً ذلك العجوز السوداني مشغولاً بمداعبة حفيده في حديقة ريام، وابتسامته تكاد تصل حدود الخرطوم ، لأسير بمحاذاة الشارع البحري باتجاه مسقط القديمة التي تبدو بوّابتها الكبيرة واضحة للعيان. أعشق السودانيين وأحب بساطتهم وعدم تكلّفهم، وأشعر أنّهم قريبون منّا روحيّاً وسلوكيّاً، وهذا حديث آخر قد يضمّه مقال قادم يوماً ما.
على الجانب المقابل من الشارع ألمح حارة كلبوه. كثير من الحارات والقرى العمانيّة غيّرت أسماؤها إلا كلبوه مازال اسمها صامداً برغم غرابته، وبرغم أنها لا تبعد سوى بضعة مئات من الأمتار عن ريام وحديقتها الأشهر إلا أن الجهات البلديّة أنشأت منتزهاً سياحيّاً كبيراً بها. أقدّر هذا الجهد وأثمّنه، ولكنّ هناك ولايات يسكنها عشرات الآلاف من البشر لم يسمعوا بعد عن معنى منتزه أو حديقة. 
في طريقي إلى البوّابة الكبيرة يلفت نظري الطريقة الغريبة التي رصف بها ممرّ المشاة المحاذي للشارع، والذي يشكّل الرصيف الوحيد له، فهو مكوّن من حجارة مدبّبة بحيث إذا أراد الواحد أن يواصل مشيه باتجاه مسقط فعليه أن ينتظر خلوّ الطريق من السيّارات فيقطع المسافة المتبقّية بسرعة  قبل أن تداهمه إحداهنّ . لا أعرف أي مهندس غريب الأطوار فعل ذلك، ولا أعلم كذلك لماذا لم يعاد تنظيم هذا الرصيف وفق المواصفات المستخدمة حالياً.
  أصل أخيراً  إلى بوّابة مسقط ، إلى الفتحة التي سأدخل منها إلى عالم الخيال والأحلام والأساطير ، إلى المدينة التي قال عنها القس جون أوفينغتن  قبل أكثر من 300 سنة إنها "أروع ما يمكن للطبيعة والفن أن ينتجاه أبدا"، إلى المدينة  التي وصف الطبيب الإيطالي فينسينزو ماوريزي أو (الشيخ منصور) كما سمّى نفسه، موائدها  "على الأرض امتد مفرش طويل من قماش القطن، وعليه عدد لا حصر له من الأطباق المصنوعة من الصيني الفاخر، بها مالا يقل عن 50 دجاجة مشوية وكميات ضخمة من المحشي، واللحوم الملفوفة بأوراق البنجر ، وأطباق مملوءة بضلوع الضأن، وفي وسط السماط كان هناك صحنان كبيران من الخشب عليهما عدة خراف مشوية على قمة جبلين من الأرز.."

إلى المدينة التي تحدّث الشيخ منصور كذلك عن "سحرتها القادرين على (سخط) أي إنسان إلى شاة"،  وكيف أنّ خادمه الخاص التقى ذات يوم بشاة في الطريق وفوجئ بها تتحدث إليه بلسان عربي مبين.إلى المدينة البيضاء، المثيرة للسحر والقلق والاضطراب في آن واحد كما وصفها الفرنسيّ (بيّار لوتيه). إلى بغداد الرشيد "التي يملك أميرها أجمل لؤلؤة موجودة في العالم, ليس لحجمها لأنها لا تزن سوى اثنى عشر قيراطا وليس لكرويتها الكاملة، بل لأنها صافية وشفافة إلى درجة انه يمكن مشاهدة الضوء عبرها"، كما رآها الصائغ الفرنسي جان باتيست تافرنيي عام 1636.

انشئت بوّابة مسقط عام 1995، وألحق بها متحفاً افتتحه المرحوم السيّد فيصل بن علي، كي يبثّ الروح فيها، ويجعلها مركز جذب سياحيّ. أدين لهذا الرجل بالكثير من الإنجازات المهمّة التي شهدتها الساحة الثقافيّة  والتراثيّة في عمان. تكفي مئات الكتب التي أعيد طبعها، والآثار والشواهد التاريخيّة التي أعيد ترميمها. تكفي رحلة السندباد. تكفي أشياء كثيرة قام بها هذا السيّد الجليل في فترة إشرافه على الوزارة.

واضعاً خطواتي الأولى في مدينة السحر والتراث ألمح لوحة ارشادية تشير إلى حارة (الجفينة) كأول حارة تستقبل الزائر إلى مسقط يمين البوّابة. قرأت عن الجفينة في فتح ابن رزيق، وأعرف جفينة أخرى في العامرات، أو (المتهدّمات) قبل أن يغيّر اسمها، محلّة الجفينة هي أول ما يصادف القادم إلى مسقط قديماً عن طريق عقبة ريام، و يقال إن هناك مقبرة أو معبداً قديماً للبانيان تقع بالقرب منها. أي تسامح عرفتموه أيها العمانيّون. كنائس للنصارى، ومعابد لليهود وعبّاد البقر. صدق عالم الطبيعة الألماني انجلبرت هامفر عندما وصفكم عام 1688 "هؤلاء العرب محترمون جداً في سلوكهم، ومتحضرين للغاية مع جميع الغرباء، ولا يبدر منهم أي عنف أو اهانة بأية طريقة. وعلى الرغم من  أنهم متمسكون بمبادئهم، وملتزمون بدينهم، إلا أنهم لا يفرضونه على أحد، ولا تحطّ قيمهم حماسة هوجاء تحود بهم عن جادّة الانسانية والاحترام العطوف، فهم قوم طبعوا على العدل، ومنحوا من الصفات الانسانية التي سهى الفلاسفة اليونان والرومان عنها".

مواصلاً مشواري وسط مجموعات من الآسيويين تخرج من هذا الطريق أو ذاك  أصل إلى حارة الدلاليل. مسقط مدينة تجارية لذا لابد من وجود من يعمل بالدلالة، ولابد لحرفة كهذه أن يتم توارثها جيلاً بعد جيل. ليس غريباً أن تكون لهم حارة باسمهم كما هو الحال في كثير من المدن الشرقيّة العتيقة التي تتسمى حاراتها بأسماء مهن عرفت بها. ألمح بيت الزبير  فأهرول باتجاهه خوفاً من أن أجده مغلقاً فالساعة قد قاربت على الخامسة عصراً. أذكر أنني زرت هذا المتحف قبل سنوات من الآن. كنت وقتها في سنتي الجامعيّة الأولى، ولكني لا أتذكّر كثيراً من ملامح تلك الزيارة، أمّا الآن وقد تشكّلت ذاكرتي التاريخيّة من جديد فلا أشكّ في أن يكون للزيارة طعماَ آخر. أدخل من البوّابة فلا يستوقفني أحد لأن موظّف الاستقبال كان مشغولاً خارج مكتبه بالحديث في هاتفه النّقّال. في بهو المتحف تطالعني عدّة مباني، هذا ( بـيــت الـبــاغ ) والباغ  هو الحديقة المتنوعة الثمار، وقد خصّص لعرض  الخناجر وملابس الرجال، والسيوف والأسلحة النارية، والأزيــاء الـنـســائـيــــــــة، والحـلـي والأدوات المنزليـة، وذاك (بيت الدلاليل)الذي يتكون من مجلس وغرف نوم ومخزن للتمر، أما هذا الذي في المنتصف فهو (البيت العود)بطوابقه الثلاثة التي تحتوي على قاعة عرض واسعة مجهزة للمعارض الزائرة، وقاعات عرض دائمة يعرض فيها خرائط قديمة لعمان وشبه الجزيرة، ونماذج من الأثاث الذي كان مستعملاً، وقاعات تحوي رسوماً قديمة لشبه الجزيرة ومسقط، ومجموعة من آلات التصوير القديمة.

من شدّة انبهاري بما رأيته في هذا البيت نسيت نفسي فظننت أنني في بيتي أقلّب موجات ذلك الراديو القديم باحثاً عن أغنية كلاسيكيّة شرقيّة، وأجلس على ذلك الكرسي الوثير مطالعاً كتاب (الدلائل واللوازم)، وأضرب بيدي على طاولة الطعام الخشبيّة  لأتأكد من متانتها، ولأتخيل أنه في الوقت الذي كان فيه البعض ممّن يتشدّقون الآن بالتاريخ يركض وراء بعير له فقده في الصحراء المحيطة بخيمته، أو يقف على باب أحد السلاطين طالباً بهطته السنويّة، أو يستعد للإغارة على جار قريب، كان تجّار مسقط ينامون في أسّرة وثيرة صنعت من الخشب والأبنوس الخالص، ويأكلون في أطباق جلبت لهم خصيصاً من بلاد الهند وأوروبا، ويقضون بقية الليل في مطالعة كتاب أو الاستماع إلى نشرة أخبار قادمة من أثير بعيد.

على (البعض) أن يقرأ التاريخ جيّداً  قبل أن (يهرتل) بما لا يعلم. أفوق من تخيّلاتي على صوت موظف الاستقبال المهذّب الذي تذكّر فيما بعد أنّ أحدهم قد دخل المتحف دون أن يدفع رسوم الدخول. يرفض هذا الشاب أخذ الرسوم مرحّباً بي في حرارة ومعتذراً عن قطعه لخلوتي برغم أن اللوحة الإرشاديّة القريبة تحذر من الاقتراب من المعروضات خشية تلفها. لله درّك أيها العماني، طيّب، خدوم، تقدّر للآخرين ظروفهم مهما كانت.

لم يعكّر صفو زيارتي سوى عدم رؤيتي لأي زائر عمانيّ باستثناء من أتى لشراء بعض العطور أو البخور أو الهدايا من القاعة المخصّصة لذلك، لو قدّرنا أن قيمة العطر الذي ستشتريه تلك السيّدة بمائة ريال، فنصف ريال فقط كاف كي يمنحها عطراً روحيًاً سيلازمها إلى الأبد. يبدو أن الأناقة والمكياج الصارخ والشيلة المذهّبة لا تتناسب والقيام بعمل رجعيّ يتمثّل في زيارة متحف أو قلعة. كل تلك الأشياء قد خصصت لما هو أهم: بابا روتي، كوستا، سكند، تشيليز، أما المتاحف فهي لأصحاب النظارات أمثالي.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com
 

الثلاثاء، 4 فبراير 2014

والعشق.. مسقطي (1-2)

اليوم هو الثلاثاء. عطلة رسمية بمناسبة المولد النبوي الشريف. أسرتي الصغيرة في البلد لقضاء الإجازة المدرسيّة. إذاً هي فرصة لأعيد اكتشاف بقعة جديدة من هذا الوطن كما أفعل من حين لآخر. كنت قد اعتزمت الذهاب إلى نخل والعوابي والرستاق، ولكن استيقاظي المتأخر من النوم حالت دون ذلك. ما العمل إذاً، لا يمكن أن يمرّ اليوم هكذا بدون أن أفعل شيئاً يبقى في ذاكرتي. وجدتها أخيراً. لا حل سوى جولة بالأقدام في حواري مطرح ومسقط، خاصّة وأن كتاب(الفتح المبين)بقصصه الكثيرة عن أحداث تاريخية شهدتها هاتين المدينتين ومطرح مازال مفتوحاً بجوار المخدّة.

الجو شتوي رائع بنسماته الباردة القارصة أحياناً. يذكرني بجوّ وسط البلد في القاهرة في هذا الوقت من السنة. أبحث عن موقف لسيارتي فأجده بلا عناء قريباً من مدخل سور اللواتيا. ما هذا الهناء، جوّ رائع، وموقف قريب بلا رسوم بلديّة؟ أين مواقف المستشفى السلطاني وجراند مول لتسمع همهمتي.

أترجّل من سيارتي سائراً بمحاذاة السوق باتجاه سوق مطرح الشهير. أقف قليلاً أمام مدخل السور كعادة أفعلها في كل مرّة أزور فيها مطرح. أتخيل حارات السور وبيوتها وسككها ومآتمها بغموضها وروحانيتها كما قرأتها في سيرة الحاج مال الله حبيب، وكما كان يصفها لي ابن عمّي علي، وكما عرضها علينا تلميذي مصطفى في مادّة الدراسات العمانية. كثيراً ما طلبت من الصديق كمال حسن علي أن يأخذني في جولة روحيّة بداخله، وفي كل مرة يعدني بزيارة قريبة. متى سيأتي هذا الموعد القريب يا أبا يوسف؟

أصل إلى بوّابة السوق الشعبيّ الشهير، تأخذني رجلي إلى كافتيريا صغيرة تقع على يمين المدخل اعتدت كل مرّة أن أشرب فيها كوب شاي عصريّ، بينما عيني ترنو نحو الاتجاه المقابل باحثة عن (يوسف) بدشداشته الصفراء، وشماغه الأزرق والذي تخصص في بيع بطاقات الهاتف التذكاريّة النادرة . لا أثر ليوسف، ترى هل غيّر مكانه الذي قضى به مدّة تقترب من سنوات عمره الخمسين؟ هل كسدت تجارته فبحث عن غيرها في مكان آخر، هل رحّلته الجهات المختصّة بسبب عدم وجود وثيقة إقامة معه؟ لا أظن أن يعرف يوسف مكاناً آخر في العالم غير مطرح. هو من بقايا مهاجرين فعلوا كل شيء سوى أن يوثّقوا إقامتهم بأوراق رسميّة كما فعل آخرون من بني جلدتهم أصبح بعضهم من المتنفّذين في البلد.

متأمّلاً البضاعة والناس، اتجوّل في أركان السوق المختلفة، باعة بخور كلّما رأيتهم أتساءل : أين ينام هؤلاء؟ وكم من السنوات سيبقون هنا قبل أن يذهبوا إلى بلدانهم الأصليّة. محلات التحف التي تحتل مدخل السوق، ومحلات الإكسسوارات بأشكالها والتي تجد فيها بعض الشرائح الاجتماعية بديلاً عن الذهب برغم تواجد محلات هذا الأخير في أماكن مختلفة من السوق.

التجوال في سوق مطرح له بهجة خاصة ويشعر الكائن المتجول في أرجائه أن هناك أجنحة ترفرف من عبق الماضي والتاريخ، فهذا أجنبيّ حمل معه عصىً مطعّمة بالفضّة كتذكار عمانيّ أصيل، وتلك شقراء وارت كتفها العاري بـ(ليسو)، وذاك طفل بدشداشته الداكنة، وكمّته التي تغطّي كل رأسه فرحاً بقميص مقلّد لميسّي، أو بلعبة صينيّة لن يتجاوز عمرها الافتراضي المسافة بين المحل ومدخل السوق، ومتلهّفاً لوجبة سريعة في المقهى الذي يتوسّط السوق، والذي يذكّرني بحانات الأفلام الأجنبيّة الكلاسيكيّة.
لا شيء يمكن أن ينغّص عليك متعة التسوق في هذا السوق سوى العمالة الوافدة التي استحوذت على معظم مفاصل الحركة فيه، وسوى بدلات الرقص الشرقي التي تتقدّم واجهات بعض المحلات بلا (إحم أو دستور). بالتأكيد لن تأت راقصات العالم لتشتري زيّاً كهذا لأنّه مقلّد ومن نوعيّة رديئة، ولا توجد لدينا أماكن للرقص الشرقي، فلمن تعرض بضاعة كهذه إذاً. هل لمجرّد أنه سوق شرقي كذلك؟

أبحث عن أسواق الحلوى، والحدّادين، والبزّ، أو ما يسمّى في التراث العربيّ بسوق القماش، قرأت عنهنّ شيئاً في (فتح) ابن رزيق، ترى هل اندثرت تلك الأسواق أم أصبحت جزءاً من السوق الحالي، أم ماذا؟ أصل إلى نهاية السوق لأجد لوحة كتب عليها (سوق النّور)، أضحك في سرّي وأنا أقول لنفسي: هل ستنفع تسمية رسميّة كهذه في محو مسمّى (سوق الظلام) من أذهان الناس؟ ربما.

أواصل رحلتي في الحارات القريبة وأنا أتذكّر مسمّيات كخور بمبه، وحارة الشّمال، وحلّة الدّكّة، وشارع وادي خلفان، ومطيرح، والعرين التي كان لها اسم آخر لا يبعد كثيراً عن اسمها الحالي، وجبروه. في جبروه حدثت حريقة شهيرة في منتصف الستينات من القرن الماضي أتت على بيوت السعف بها، وفي جبروه كذلك دفن الإمام عزّان بن قيس. سمعت عن جبروه لأول مرّة أيام دراستي بالجامعة في الخوض، وتلك قصة أخرى.

أواصل تجوالي في مطرح وأنا أتخيّل سكك نازيمويا أو (نازيموجا) كما كان يصفها لنا (رضا اللواتي) صديق علي. في كل مرّة نلتقي لابد وأن يأخذنا الحديث عنها وعن سككها التي يضرب بها المثل في الضيق، وكيف أن دروب(سكّة البوش) في صور لا تمثل شيئاً إذا ما قارنّاها بنازيمويا. يقال أن نازيمويا تعني النارجيلة الواحدة، لا أعلم مصدر التسمية فارسيً كان أم سواحيلي.

منحدراً من شارع وادي خلفان أحلّق ببصري باتجاه برج شاهق. كيف بني هذا البرج، ومن حمل الطين والحجارة إلى تلك القمّة الشاهقة، وكيف كان الجنود المكلفين بالحراسة يستحملون حرّ صيف مطرح ورطوبتها الذي سارت بذكره الركبان.ارهقتني يا ابن رزيق وجعلتني أركض خلفك في كلّ حارة متتبّعاً أحداثاً وصفتها، ومعارك عاصرتها، أشخاصاً سطّروا جزءاً من تاريخ هذا المكان.

أصل إلى ريام. في ريام كان للشعر ذكريات. يوماً ما تقابل هنا شاعران من (عتاولة) الشعر الشعبي يدعى أحدهما حمّاد الجابري والآخر راشد المصلحي، فبادر الأول بتحدّي زميله قائلاً:
سميت بمن خالق سماوات(ن) عظام.. خالق خلوقه بعظام ومفاصلي
يا غيث يا مطر يا وابل يا رثام.. يا سحّاب المخايل محيي الماحلي

تقف قلعة مطرح شامخةً فاتحةً صدرها للبحر مستنشقةً هواءً محملاً بعبق ذكريات السفن التي جابته جيئة وذهابا. ترى كم من مرة حاصرها قيس بن الامام، وكم من سفينة أعطبت من جرّاء قذيفة مدفع أطلقت من أحد أبراجها، وكم من خطّة وضعت لإحكام السيطرة عليها أو لإدخال الزاد لمن حوصر بداخلها. متى سيأتي اليوم الذي أدخل فيه هذه القلعة وأتعرف على محتوياتها.

باحثاً عن عقبة ريام الشهيرة. قبل أن يتم إنشاء الطريق البحري في منتصف السبعينات كانت العقبة هي الطريق القديمة المؤدية إلى مدينة مسقط مرورا بمطيرح وريام ثم الصعود إلى العقبة في قمة الجبل المطل على مسقط القديمة نزولا إلى حارة البصرة و المدبغة.
تاركاً ريام باتّجاه حديقتها الشهيرة. في عام 1985 زرت الحديقة لأول مرّة، كنت يومها في الابتدائيّة، وكانت مسقط بالنسبة لقرويّ مثلي شيئاً عظيماً. ما زلت حتى الآن وبعد مرور ما يقرب من 28 عاماً أتذكر طاقيّتي الخضراء، ودشداشتي ذات الخيط البنّي، والكرة المطّاطيّة التي لعبنا بها في العشب الأخضر، ومذاق البطاطس المقليّة التي تذوقتها يومها لأول مرّة في حياتي. في كل مرّة أزور الحديقة ينقص من عمري سنوات بعدد المدة التي انقضت على تلك الزيارة. أشعر أنني أتخلص من هموم كثيرة راكمتها السنين التي تلتها حتى عادت كالجبل الذي لا يريد أن ينهدّ.
في حديقة ريام خرجت بأفضل وصف لعمان. وصف يكاد يغطّي على أي شيء يمكن أن يقال. كانت العائلات العمانيّة والوافدة بمختلف جنسياتها تفترش أرجاء الحديقة، هذا يعدّ سفرة الطعام للآخرين، وذاك يلاعب طفله، وآخرون يتجاذبون أطراف الحديث. العامل المشترك بينهم جميعاً هي الابتسامة الواسعة، والضحكات التي تجلجل المكان، آخر شيء يمكن أن يتوقّعه أحدهم هو أن تنفجر عبوة ناسفة هنا أو هناك، أو أن يسقط عليهم برميل نار من السماء، أو تقصفهم طائرة عسكرية لا تحمل لأرواحهم أي قيمة. هو العدل الذي صنع الأمان.
هنا يدركني النهار تاركاً لمسقط وحاراتها ومتاحفها حكاية أخرى قد أقصّها بعد أسبوع من الآن.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 27 يناير 2014

مشاهد وتساؤلات (12)


(1)
التقيته بعد آخر لقاء جمعنا قبل حوالي 17 عاماً. كان زميل دراسة أجبرته الظروف على تركها قبل تخرجه من الجامعة بسنتين. عرفت منه أنه التحق بإحدى الشركات الكبرى العاملة في قطاع السيارات، ويشغل وظيفة ادارية في قطاع حسّاس بالشركة.
يحمل صديقي في داخله همّاً كبيراً، فهو يرى زملائه من الجنسيّة (إياها)يتمرغون في نعيم نفس الوظيفة التي يشغلها وغيرها من الوظائف الأخرى بالشركة،  فبالإضافة إلى الراتب المغري، فهناك تذاكر السفر السنويّة، والتأمين الصحّي، والسكن المؤثث، وولائم المناسبات المتلاحقة، بينما مازال راتبه هو بعد 17 عاماً من العمل المتواصل لم يتخط حاجز (450) ريالاً، برغم أنه لم يغب يوماً بدون إذن، وبرغم إنه لم يخن  الأمانة الموكلة إليه برغم قدرته على ذلك لو أراد، أو يفكر في لحظة معينة أن يتواطأ مع الآخرين لتزوير بيانات بعض القطع، أو استبدالها بقطع أخرى مقلّدة، أو في بيع إطارات مقلّدة على أنها جديدة بعد إعادة تلميعها. لم يفعل زميلي كل ذلك ربما لأن قيمة الوطن  مازالت تسكن في داخله بعكس الآخرين من الجنسيّات (إيّاها) الذين يرون في هذا البلد مكاناً للفرص الوافرة التي ينبغي استغلالها بأي شكل وفي أقصر وقت ممكن.

الغريب أنني عندما اتصلت بأحد معارفي الذين يتقلدون منصباً رفيعاً في شركة أخرى تعمل في نفس القطاع كي أجد عملاً أفضل لهذا الزميل، ردّ عليّ قائلاً بعد أن حدّثته كثيراً عن زميلي وأمانته وإمكاناته وخبرته: لا تتعب نفسك كثيراً، فنحن لا نعيّن مدراء عمانيين.

(2)
في الوقت الذي تتحدث فيه وسائل الإعلام المختلفة عن التجاذبات الإثنية، والانقسامات الطائفية في كثير من البلدان التي تدعي أن لديها رصيد كبير من الحياة المدنية، والتي تتباهى بالتعايش وتقبل الآخر، إلا أنني لا أجد مثالاً  أقدمه لهذا التعايش أفضل من الانسجام المجتمعي الطبيعي وغير المصطنع في المجتمع العماني، فهو انسجام تاريخي ممتد عبر العصور التاريخية المختلفة، فعدا بعض المشاكل التي كانت تنشب بسبب غياب الحكومة المركزية في بعض الفترات، أو لأسباب اقتصادية بحتة، لم تحدّثنا كتب التاريخ المحلّي عن حروب عمانية قامت على أسس مذهبية أو طائفية.

غير أن ما أخشاه بالفعل هو الاستغلال الخاطئ لهامش الحرّيّة الاعلامية  من خلال طرح مواضيع غريبة عن نسيج المجتمع العماني في بعض مواقع التواصل الاجتماعي، أو المنتديات السياسية المختلفة، وانقسام البعض حولها بين مؤيد ومعارض لمجرّد التعصب الأعمى لا غير، ولأنها لامست أو عارضت أهوائهم وتوجهاتهم لا غير.

جميل أن يبقى التسامح والتجانس في ظل وطن يحوي الجميع، والأجمل أن نحافظ على هذا التسامح في ظل التحديات المختلفة التي تتربص بمجتمعنا، فلن نحافظ على نجاح مكتسبات هذا الوطن سوى بالتكاتف والتعاضد، فالدين لله، والوطن للجميع.

 (3)
في برنامج "رؤية اقتصادية " كانت فرحتي غامرة وأنا أستمع لتصريح سعادة وكيل الاسكان  بأن هناك توجّه لدى الوزارة لبناء وحدات سكنيّة متعدّدة الطوابق للشباب بأسعار رمزيّة. وهو حلم كتبت عنه كثيراً ، وبحّ صوتي وأنا أشرحه للقاصي والداني، وأستعرض نماذج لدول عديدة قامت بتطبيق أفكار مشابهة.
غير أن فرحتي لم تكتمل عندما أردف سعادته بأنّ  هذا الإجراء لم يتم إقراره حتّى الآن.
فكرة كهذه هل سترى النور في يوم من الأيام؟

(4)
يكثر الحديث هذه الأيام عمّا حدث من تجاوز  أخلاقي في مهرجان مسقط، بل أصبح حديث الساعة، ويندر أن تدخل موقعاً اجتماعيّاً أو منتدى محلّيّاً دون أن تجد موضوعاً أو صورة أو مقطعاً يتناول الحادثة بتفاصيلها الدقيقة.

شخصياً وبرغم اعتراضي على ما حدث، لكني لست مع من ينادون بإلغاء المهرجان أو مقاطعته، بل  مع تعديل مساره بحيث يؤدي الغرض المنشود منه فكرياً واقتصاديّاً واجتماعيّاً،  فهو فرصة لأشياء كثيرة جميلة ليس أقلها التعريف بثقافة البلد، وإتاحة الفرصة لتذكّر حرف وفنون وموروثات  طوتها يد النسيان، ومصدر دخل لفئات تنتظر مناسبات كهذه كي تزيح بعضا من هموم مادية تعانيها، ومتنفّس لفئات اجتماعيّة عديدة مازالت تحلم بالحدائق والمتنزّهات وأماكن الترفيه الاجتماعيّة، وترى في المهرجانات المحلّيّة والمعارض الاستهلاكية فرصة لتغيير بعض الجو في ظل عدم قدرتها على السفر للاستجمام في الخارج، وفي ظل ضعف البديل المتاح محلّيّاً برغم مئات الأماكن الطبيعيّة الخلابة في السلطنة.

لا يجب أن نعالج الخطأ بالخطأ، وعلينا أن نبحث عن سبب المشكلة لا نتائجها كي نشخّصها التشخيص المناسب، لا أن نبدي كثيراً من التشنّج المبالغ فيه ثم ننسى الموضوع برمّته بعد يوم أو اثنين.

(5)
قبل أيّام وفي عزّ النهار لفت نظري ارتداء إحدى النساء الغير عربيات لملابس غير محتشمة بتاتاً في مكان عام يعجّ بكثير من المارّة والقاطنين، وهو منظر سبق وأن لاحظته في زيارات سابقة لأكثر من مركز تجاري في السلطنة.

نعم عمان بلد الحرية والتسامح، ولكن ذلك كله لا يعني أن نقبل بمثل هذه التصرفات لمجرد أن يقول عنا الآخرون ذلك.
 ينبغي على أمثال هؤلاء احترام خصوصية المجتمع العماني، وعلى الجهات المعنية أن تتصدى لمثل هذه المشاهد، وألا نجامل على حساب عاداتنا ومبادئنا المستمدة من تعاليم الإسلام الحنيف، ومن عادات عربية أصيلة، ومن إرث حضاري تعب الأجداد كثيراً كي يكوﱢنوه.

(6)
قال لي الشاعر الشعبي الشهير: هل صحيح أن الشاعر يوسف بن عبيد الفارسي توفي؟ قلت له: نعم. منذ أكثر من 6 أشهر. رد عليّ: والله؟ ما عندي خبر. الله يرحمه.

نعم توفي شاعر الميدان الكبير بعد رحلة عطاء تجاوزت السبعين عاماً. رحل في صمت ولم يجد من يتذكره ولو بتحقيق صحفي يتيم وهو الشاعر الجزيل العطاء في الرزحة والميدان وفنون أخرى يرى فيها البعض نوعاً من الرجعيّة والتخلّف.

مرّت وفاة هذا الشاعر الكبير في صمت ربّما لأنه لم يجيد قول قصائد على وزن " وأنا في صخب العبث ألمح نخلة من بعيد فينتابني السأم والجوع" ، وربما لأنه لم يؤلف قصصاً وروايات من نوعيّة " عندما يتثاءب الجليد"، أو   " اغفاءة الأرق"، وقد يكون السبب كذلك  أنه لم يدوّن قصائده على المناديل الورقيّة كنوع من الحداثة والابداع والخروج على القوالب النمطيّة.

محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 21 يناير 2014

"مصر.. وماذا بعد"


قال لي: والآن وبعد أن صوّت المصريّون بأغلبيّة ساحقة لصالح الدستور الجديد هل تعتقد أن الأوضاع ستتحسّن، وعجلة الاقتصاد ستدور، وسيتمّ القضاء على الإرهاب والارهابيين؟

أجبته: شخصياً أتمنى كل الخير لمصر، فهي كنانة العرب وقبلتهم، ومتى ما كانت مصر بخير فالعالم العربي أجمعه بخير، ولكنّي للأسف لا أعتقد أن الأوضاع ستتحسّن كثيراً، وأعتقد كذلك أن التغيير الحقيقي لم يأت بعد.

سألني مستغرباً: كيف ذلك ومصر قامت بثورتين خلال عامين فقط قدمت خلالها المئات من أبنائها وزهرة شبابها.

قلت له: دعنا نعود إلى الوراء قليلاً كيف نفهم الأمر بوضوح. عندما قامت الثورة المصرية في 25 يناير  لم يكن لها تصور محدد لما بعد حسني مبارك، لذا فهي أسقطت رأس النظام فقط وليس النظام بكل تبعاته، لأن من قام بها لم يكن فصيلاً بعينه كما حدث في ثورة يوليو 1952، لذا بقى كل شيء على حاله، وبقت أذناب النظام موجودين على رأس كل مؤسسة، أضف إلى ذلك الأوضاع الاقتصادية المتردية في بلد يبلغ تعداده تسعين مليونا وفي بلد متعدد الطوائف، وفي ظل شعب متلهف لحياة افضل.

لم يكن سهلاً على أي نظام جديد أن ينجح وسط كل هذه التركة، غامر الإخوان بالمنافسة على كرسي الرئاسة وشجعهم أتباع النظام السابق على ذلك، فلا حل لإسقاط الإخوان مستقبلاً سوى بإفشالهم في خطوة كهذه في ظل عدم وجود بديل آخر من الأحزاب الكرتونية الأخرى، وساعدهم الاخوان على ذلك بغباء سياسي، وبتلهف على حلم انتظروه طويلاً، وبعدم تعودهم على عمل سياسي كبير كهذا، وباختيارهم لشخصية طيبة بلا كاريزما فبدأت بعدها الازمات وتضخيم المشاكل بمساندة نخبة لا هم لها سوى اقصاء الاخوان، وبدعم من آلة اعلامية ضخمة مملوكة لرموز الحزب الوطني، إضافة إلى الصراع الخفي بين الاخوان وبين مؤسسات تخاف على مكانتها كالأزهر والقضاء، ومؤسسات لديها عداء خفي مع التيار الاسلامي كالكنيسة.

قاطعني: ولكنّ الدستور الحالي به من المواد والبنود ما يمهّد لمرحلة جديدة في حياة المصريين، ولحياة سياسيّة واجتماعيّة واقتصادية أفضل، والدليل نسبة الموافقة التي أذهلت العالم.

قلت له: مشكلة مصر ليست في دستورها، فدستور الاخوان لم يختلف كثيراً عن الدستور الحالي، ودستور1971لم يكن سيئاً، وبه مواد رائعة كثيرة. المشكلة في مدى وامكانية تطبيق هذا الدستور بشكل حقيقي أم لا. المشكلة في فساد رؤوس المؤسسات التي لم تستطع الثورة تطهيرها، في تزاوج المال بالسلطة وتوارث المناصب جيلاً بعد جيل،  في منظومة التعليم التي جعلت الطالب الجامعي لا يحضر سوى آخر يوم  لشراء مذكرات الاساتذة وحفظها، في المنظومة الصحية التي جعلت الشعب يستدين ليتعالج في المستشفيات والعيادات الخاصة بعد أن تردّى مستوى الخدمات الصحيّة الحكوميّة، في التفاوت الواضح في مستويات المعيشة بين طبقات مطحونة وسكان مقابر، وبين سكان الرحاب والقطامية وبورتو مارينا، في جيوش البلطجية الذين لم تتدخل الحكومة للقضاء عليهم. المشكلة في أشياء كثيرة لن تتقدم مصر دون حلها.

قال لي: أراك تدافع عن الإخوان وكأن عهدهم كان عهد خير ورخاء لا عهد انقسام وتفكك للمجتمع المصري.

أجبته: أنا لا أدافع عن الإخوان أو عن غيرهم، أنا أدافع عن معايير سبق وان انتقدت الاخوان عليها زمن حكم مرسي. القضية قضية مبدأ وليست قضية اخوان وجيش ومن الأفضل، علينا أن نضع معايير نحتكم اليها عند الحكم على أي قضية وأن ننحي مشاعرنا وصورنا الذهنية المرسومة مسبقاً جانباً، كل ما أخذه المعارضون على مرسي يطبق حالياً بشكل أوسع واوضح ولا أحد يتفوّه بكلمة. خذ معك مثلاً: لماذا أصبح الثوار الحقيقيين فجأة طابور خامس، ومن كان متفرغاً لتسجيل محادثاتهم ؟ ولماذا هؤلاء أنفسهم كانوا أبطالاً وثواراً في نظر الاعلام زمن مرسي ؟ ولماذا يوصف مرسي بالقاتل والديكتاتور وعدو الاعلام مع أن أسهل شيء يمكن فعله في عهده هو أن تسبّه في أي قناة او صحيفة ، ولماذا يقتل الناس الآن كل يوم وتقفل الصحف والفضائيات ولا أحد يتكلم؟ ولماذا وقف كبار القضاة والاعلاميين والفنانين ولاعبي الكرة ضد مرسي وأيدوا شفيق، ولماذا هم الآن أنفسهم يتركون شفيق ويؤيدون السيسي، ولماذا هؤلاء ذاتهم وقفوا مع مبارك لآخر لحظة مع أن عهده كان عهد فساد وأصبحوا ثواراً زمن مرسي؟ ولماذا كان الكل يتغنى بدور الاخوان في الثورة ويسعون لكسب ودّهم بل واشتركوا معهم في تكتل سياسي واحد والآن فجأة أصبحوا في عداد الإرهابيين؟ ولماذا قام السيسي بعزل مرسي في 3 يوليو ولم يعزله عندما أعطى حلايب للسودان وأجّر قناة السويس لقطر، أم ان الامر كان عبارة عن تهويل اعلامي؟ ولماذا تم انتقاد سد النهضة زمن مرسي ثم الاشادة به الآن بعد سقوطه؟ ولماذا يتم الان إعادة مشروع النهضة في قناة السويس بعد أن تم انتقاده زمن مرسي؟

قال: لا حل لمشاكل مصر سوى أن يحكمها رجل من الجيش فهو القادر على توحيد الناس خلفه في ظل حب المصريين لهذه المؤسسة الوطنية.

أجبته: من ينادي بحكم الجيش فهو لا يقدم حلاً شافيا لمشاكل مصر، بل هو كمن يدفن رأسه في الرمال خوفاً من أي عاصفة قد تهب، فمصر دولة عريقة لها تاريخ طويل مع الديمقراطية لذا لا يليق بمكانتها أن يستمر الحكم العسكري بها لمجرد أنّه  لا توجد شخصية مدنيّة مناسبة تحكمها.

اعطني الخلاصة. كيف تلخّص الوضع في مصر؟

برأيي أن ما يحدث في مصر هو صراع مصالح يذهب ضحيته فقراء الشعب لصالح حفنة تعودت أن (تكوّش) على مقدرات الامور في ظل انقسام الشعب إلى أغلبية مطحونة وأقلية تعاني من التخمة، وفي ظل بقاء ابن الدكتور دكتور وابن القاضي قاضي، وابن البوّاب بوّاب. هي لعبة مصالح لا أكثر ، وما السيسي الا محطة عبور من واقع حالي ريثما تعود السطوة لتلك النخب.
هناك احتقان حقيقي في مصر وتغييب لصوت العقل فإما ان تكون مع أو ضد، وصراع المصالح سيبدأ قريبا لأن الفساد ينخر في كثير من المؤسسات، ومن ينتظر غنيمة ما ولن يجدها سيتحالف مع الشيطان نفسه ضد الطرف الآخر. وهناك دم سال، الذي قتل ابنه أو أخوه بدم بارد سيظل يحترق ويستغل أي فرصة للانتقام، والمواطن البسيط الذي تم افهامه أن الاخوان أخطر من اليهود سيستوعب مجريات الامور عندما يرى أن  الوضع كما هو لم يتغير، والمرأة البسيطة التي رقصت أمام لجنة التصويت هي ذاتها التي صوّتت لصالح دستور الاخوان قبل عام واحد، وفي كلتا الحالتين ربما لم تكن لتعرف شيئاً عن الدستور سوى اسمه، وسوى أن التصويت عليه بنعم قد يدخلها الجنّة في المرّة الأولى، أو قد يخلّص البلد من الاخوان الارهابيين الذين سيقتلون ابنها في المرة الثانية، أو قد تكون فعلت ذلك من أجل جنيه تأتي به ببضعة أرغفة تسدّ بها رمق أطفال أيتام.

كنت ولازلت وسأظل أقول أن مصر لا يمكن أن تتقدم مادامت تدار بالعاطفة دون أية معايير حقيقية، ومادام الاختلاف يتحول إلى تخوين، ومادامت المبادئ تغير في اليوم ألف مرة، وفي ظل غياب العدالة الاجتماعية.

لن تتقدم مصر وستظل على حالها مالم يغيّر المصريون أطباعهم الاجتماعية في علاقتهم مع السلطة والحاكم، ولن نفهم الواقع المصري إلا إذا فهمنا تفكير النخب وأرضية الحياة السياسية في مصر وواقع الحياة الاجتماعية فيها. 

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com
 

الاثنين، 13 يناير 2014

بركاتك يا شيخ

يقول الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام المحلّيّة " بالتعاون مع المختصين في وزارة البلديات الاقليمية وموارد المياه ممثلة في بلدية البريمي، وبالتنسيق مع الادعاء العام وشرطة عمان السلطانية، تمكنت الهيئة العامة لحماية المستهلك من ضبط مجموعه من الوافدين تقوم بتصنيع وبيع عشرات الآلاف من  المستحضرات العشبية تستخدم لأغراض طبية مختلفة، في محل يحمل ترخيص بيع الاصباغ ومواد البناء،  منها 81311 من الكبسولات المعبئة، و20 الف كبسولة فارغه، و83 من الزيت المرقي، و19 عبوه من البخاخ، و60 علبه من الماء المرقي، و10 عبوات من مخلوط المسك، و 16 عبوه من نوع تحصين الجن، وبعض الأدوات القديمة والصدئة الخاصة بعمل خلطات العسل والأعشاب وغيرها من المستحضرات العشبية المختلفة ".

محلّ بيع أصباغ يبيع أعشاب طبّيّة! ألا يذكّركم ذلك بمحلّ الخياطة النّسائيّة الذي عثر فيه على (70 ) من زجاجات الويسكي المعّدة للبيع؟ ما السبب الذي يجعل أمثال هؤلاء للبحث عن أماكن كهذه لبيع بضائعهم الممنوعة؟  هل هو البحث عن مكان غير مألوف؟ هل لأجل تغليفها بمعطف جميل من الرقّة والجمال؟ أم هي الرغبة بتلوين الحياة بالوهم.

ويمضي الخبر ليقول "وبعد الجهود الحثيثة تمكن المفتشين المداهمين لموقع الحدث من اكتشاف صاحب هذه الاعشاب، وهو من جنسية عربية ويدعى "....." ويلقب بالشيخ الدكتور، وبعد البحث والتقصي تبين مزاولته لمهنة الرقية الشرعية، كما أنه صاحب هويّة إعلاميّة، وله زبائن كثر يلجؤون إليه لعلاجهم وطرد الجنّ من أجسادهم".

اذاً نحن هنا لا نتحدث عن بضائع مقلّدة أو مزوّرة وقع المستهلك المسكين في فخّها دون أن يدري عن كواليس ما يحدث. نحن نتحدث عن بضاعة يعرف المستهلك مسبقاً أنها مغشوشة، وأنها لا تعدو عن كونها وهماً كبيراً يضرّ بصحّته وسلامته وبجيبه، وبفكره كذلك، ومع ذلك فهو يصرّ على شرائها مهما كلّفه الأمر، ومستعد أن يذهب إلى آخر وثالث ورابع من نوعيّة هؤلاء المشعوذين. أو لم نقرأ (وما زلنا) عن أخبار يوميّة من شاكلة "القبض على مشعوذ إفريقي في السويق"، " الحكم على مشعوذ في السيب بالسجن 8 سنوات"، وغيرها من الأخبار المشابهة التي لا يكلفك عناء استحضارها سوى ضغطة زرّ على أحد محركات البحث الشبكيّة المتعدّدة، والتي يكون  القاسم المشترك فيها هي جنسيّة المشعوذ أو (الشيخ) التي غالباً ما تكون غير عمانية، والأدوات المستخدمة، ونوعيّة الخدمة المتعلّقة بتنمية مال، أو فكّ عمل، أو طرد جان، وغيرها من (الخوارق)، وهي أخبار ستظل وستتكرر في كل يوم مادام بعضنا يعتقد أن الوهم والإيحاء هو نصف العلاج.

يزعم المتّهمين في هذه الضبطيّة بأن الأعشاب والكبسولات التي تمّ ضبطها ذات قدرة على علاج الامراض المستعصية كالإيدز والسرطان والسكري والقولون والبروتستات وأمراض الضعف الجنسي، والتخلص من اعمال السحر وطرد الجان وغيرها من الأمراض التي يقف حتى الطب الحديث عن ايجاد علاج لها. ألا يعلم روّاد بضائع كهذه أنه لو كان لهذا (الشيخ) قدرة على علاج كل هذه الأمراض، وجلب الرزق، و(توليد) الأوراق النقدية، لما كان موجوداً هنا، ولدفعت له أكبر المراكز الطبيّة في العالم الأموال الطائلة للفوز بخدماته، ولتلاشى كل أثر فيه للصلع أو للكرش وغيرها من المنغصات التي يدفع  البعض في سبيل التخلص منها بالغالي والنفيس، بل ولظل في بيته هانئاً قانعاً بالأموال التي تتوالد على يديه ، والتي تغنيه عن متاهات الأسئلة، و(شحططة) الأسفار.
ثمّ ماذا يريد هؤلاء (المشايخ) منّا!! هل ضاقت عليهم الأرض بما رحبت فلم يجدوا سوى عقولنا ليتكسبوا منها؟ ولماذا الذقن الطويل والعمامة والجلباب؟ ألا يمكن أن يغلّف هذا (الوهم) في زيّ عصريّ آخر؟ ولماذا نحن بالذات؟ لماذا لا يمارسوا هذا الأمر في بلدانهم التي أتوا منها، أم أن كرم الضيافة يلحّ عليهم أن يبادلونا بالمثل؟ أعرف شيخاً أوهم الناس بقدرته على حل كافة المشاكل النفسية التي يمكن أن تعاني منها أنت أو أحد أفراد عائلتك. تشعر بضيق معيّن؟ لديك خلافات مع زوجتك؟ ابنتك تعاني من مشاكل في النطق؟ نتائج ابنك الدراسيّة متدنيّة؟ لا تقلق، ولا ترهق نفسك بالبحث عن الأسباب الحقيقية لكل تلك المشاكل والهموم. فقط هي زيارة للشيخ الجليل وسيقرأ على رأسك بعضاً من الآيات والأدعية مقابل خمسة ريالات، وسيعطيك بعضاً من الماء مقابل عشرة ريالات، على أن تحضر إليه بعد عدّة أيام ليتأكد من حالتك، وستعطيه المعلوم كذلك، وستشعر بعدها بتحسّن كبير. صحيح أن مشاكلك المادّيّة مازالت على حالها، وصحيح أن خلافك مع زوجتك لم يحل، ومؤكّد أن ابنتك لم تتعافى من مشكلة النطق، ولكن مادام الشيخ قد قرأ عليك فكل ما سبق سيحل. متى؟ لا أعلم، ولكن ثق بأنه سيحل، ولا تفكر مرة في انتقاده أو وصفه بالدجّال، فالشيخ (سرّه باتع) كما يقول أحبابي المصريين، وعمل منه قد يؤدي بك إلى التهلكة.

يبدو أنه كتب علينا أن نقرأ  كل يوم رواية لفيلم رعب رديء، ولكنها هذه المرّة بصورة واقعية أبعد ما تكون عن الخيال، فأبطال الرواية، والبلاتوه، والديكور، والموسيقى التصويريّة كلها أشياء حقيقية تم تنفيذ خلطتها بطريقة يحسدهم عليها (الفريد هيتشكوك) نفسه.

إن كان في الخبر من شيء ايجابي فهو في التعاون المثمر الذي تم بين  الهيئة العامّة لحماية المستهلك، ووزارة البلديات، وهو تعاون ينبغي أن يتم ويستمر، ذلك أن السوق المحلّي ما زال يعجّ بالكثير من مرادم الفساد التي أزكمت الأنوف، والتي جاءت نتيجة تراكمات سابقة من اللا مبالة، والمحسوبية، والاحتكار، وعدم الرقابة الحقيقية، والاستخفاف بعقول المستهلكين، من قبل (بعض) من صوّرت لهم أنفسهم أن هذا الوطن رخيص لدرجة أنه لا يستحق أن يقوموا بخدمته وفق معايير تتطلبها وظائفهم، ويحثّ عليها دين أتى رحمة للعالمين، ويفرضها عليهم وطن احتضنهم وآوى شملهم، و قائد عمل الكثير كي يوفر لهم الأمان بعد خوف ومسغبة، وهي مرادم تحتاج لكثير من الوقت والجهد لإزالتها وتسوية الأرض التي كانت تفترشها.
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

لقاء حول الجمعيات التعاونية الإستهلاكية


الثلاثاء، 7 يناير 2014

نحو مجتمع يشدّ بعضه بعضاً



" أكثر من ١٨٠ أسرة من فئة الايتام والمعسرين على مستوى ولاية بديّة استفادت من حملة توزيع المعونات الشتوية والتي اشتملت على 250 بطانية، ١٨2دفاية، 19 سخان"،" 36 مكيف ، 5 ثلاجات، 21غسالة هي نتائج حملة توفير الأجهزة الكهربائية في المنترب"،  "سطّر شباب بلدة الغبّي بولاية بدية ملحمة وطنية رائعة وذلك من خلال مشاركتهم الأهالي  في إصلاح فلج الغبي الذي تأثر نتيجة جريان الأودية الأخيرة"، " توزيع 400 طرد رمضاني ببدية وذلك بالتعاون مع الجمعيات الخيرية الوطنية"، "صندوق التكافل الاجتماعي ببدية يقوم  بدراسة إمكانية توفير وجبات غذائية للطلاب المعسرين"، " الانتهاء فيه من صيانة وبناء غرف وتوزيع أجهزة تكييف ومعدات كهربائية لعدد من الأسر بأكثر من 12 ألف ريال عماني"، " صندوق التكافل الاجتماعي ببديّة يدشّن فريق (احسان) لصيانة وترميم منازل الايتام".

كانت هذه نماذج بسيطة لبعض الأعمال التي ينفذها صندوق التكافل الاجتماعي ببديّة، وهو صندوق خيري لم تتجاوز فترة تدشينه السنتين، ولكنّه حقق الكثير خلالها، لعل أبرزها حالة التوائم المجتمعي، وتغيير المفاهيم لدى شريحة كبيرة من المجتمع المحلّي تجاه قيمة العمل التطوعي، وهو الأمر الذي انعكس ايجاباً بكل صدق في مدى تجاوبهم مع برامجه المتنوّعة، وإقبالهم على المشاركة في تنفيذ هذه البرامج.

في كل مرة أطالع أخباراً كتلك التي تصدّرت المقال أتساءل مع نفسي: أي طاقة هذه التي يملكها شباب بدية، وأي قيم سامية يتحلون بها، وأيّ إصرار عجيب يتملّكهم، وأيّ تفاءل يسكنهم. ألا يملّ هؤلاء؟ ألا يصيبهم الاحباط عندما يعجزون أحياناً عن استكمال مشروع معين لأسباب مالية أو لتعقيدات بيروقراطية؟

وفي كل مرة أطّلع فيها على المشاريع التي يقوم بها صندوق التكافل الاجتماعي بولايتهم، أو أيّة جهات شبابيّة أخرى لديهم أكاد أصاب بالذهول كذلك، ليس لتشاؤمي المسبق من وتيرة العمل التطوّعي بالسلطنة، فأنا موقن تماماً بأن الكثير من الجهود المخلصة التي تملأ أرجاء هذا الوطن، وأين ما وجد الإنسان العماني وجدت معه قيمه ومبادئه ولكن مبعث ذهولي هو تلك العزيمة الصادقة، وذلك الجهد الهائل  الذي يقوم به أولئك الشباب، والذي ربّما لن تستطيع مؤسّسة خاصّة أنشئت لهذا الغرض أن تقوم به كما يقوم به شباب ولاية بديّة.

ما يبهرني تجاههم ليس حجم الأنشطة والمساعدات التي يقدّمها الصندوق فقط، ولكن في تنوّع هذه المشاريع وعدم اكتفائها بمبدأ (اعط الفقير سمكة)، بل تعدّتها لتعلّمه الصّيد، فأم عبد الله مثلاً وهي إحدى المستفيدات  من مشروع الأسر المنتجة التابع للجنة الأيتام تمكّنت من خياطة  ملابس لها ولابنتها وأخواتها، بل خاطت فستان العرس لابنة أختها، ووفّرت مبالغ تعاني منها ميزانيّة كثير من الأسر العمانيّة التي تجبرها العادات الاجتماعية على دفع مبالغ لا بأس بها من أجل فساتين تلبس ليوم واحد في ظل تراجع الخياطة العمانيّة والزيّ العماني الأصيل لصالح وافدين أوهمونا أن بضاعتهم هي الأجود، وأن جيوبهم هي أنسب مكان لوضع تلك المبالغ.   كما أن مبلغ الخمسة ريالات التي تقاضتها عن أول قطعة تبيعها كان له طعم مغاير لأنه اختلط بالعرق الذي بذلته في حياكتها.

كذلك فالأنشطة والبرامج التي ينفّذها الصندوق قد نجحت في جذب المجتمع المحلّي بالولاية للمشاركة في تنفيذها، وهذا تجسيد لمبدأ الشراكة الاجتماعيّة الحقيقيّة التي يتم المناداة بها، فعندما يتبرّع أحد أبناء الولاية      بـ ( 1,7 )طن من اللحوم للمعسرين، وعندما يتبرّع صاحب مؤسّسة بعدد من الأجهزة الكهربائية، وآخر بكميّة من المواد الغذائيّة، ورابع بأثاث منزلي، وخامس وسادس وهكذا، فهذا يعني أن المجتمع بدأ يستشعر أهميّة أفكار ومشاريع كهذه، وأن أساس نجاح أي مجتمع يكمن في مدى تكافل أفراده وإحساسهم بالآخر، وأنهم هم أنفسهم قد يكونون يوماً ما بحاجة إلى وقفة الآخرين معهم.

القائمين على الصندوق يبحثون عن أفكار مبتكرة لتوفير مصادر لتمويل الصندوق، لعلّ من بينها تنفيذ مشروع إعادة تدوير الملابس القديمة التي يتم تجميعها عبر حاويات وتسليمها لإحدى الشركات المختصة في إعادة التدوير التي تقوم بدورها بتوريد مبالغ نقدية للصندوق حسب الاتفاق،  علماً بأن الصندوق يعتمد على تبرّعات أعضائه الشهرية بمقدار ثلاثة ريالات، إضافة إلى  دعم المؤسّسات العامّة والخاصّة وبعض رجال الأعمال.

أكثر من 120 شاباً قام الصندوق بتزويجهم خلال موسمين متتاليين للعرس الجماعي، وعندما أتحدث عن عدد كهذا، فأنا أترك لك عزيزي القارئ العنان لتتخيل حجم المصروفات، ولتقوم بعملية مقارنة حسابية بين حجم التجهيزات الماديّة والعينيّة المطلوبة لعدد 120 عرساً فرديّاً، من حيث كمية المأكولات، وقيمتها، والمستلزمات الأخرى من قاعات وفرق فنيّة وغيرها، وبين تكلفة هذه التجهيزات نفسها من خلال عرسين جماعيين لنفس العدد. أعتقد أن الفرق سيكون شاسعاً، كما أن هناك كثير من الرسائل الايجابيّة التي سيتوصّل إليها عقلك الباطن من خلال تساؤلات من مثل: كم عدد الذين قاموا بالمشاركة في تجهيز أعراس جماعيّة كهذه سواء كانت مشاركة ماديّة أم تنظيميّة وإشرافيه، وما حجم المبالغ التي تم توفيرها، وكم قسط ربويّ تم تأجيل الحصول عليه فيما لو قام كل عريس بتنظيم عرسه بمفرده، وماذا لو احتجت لهؤلاء العرسان مستقبلاً في عمل اجتماعي يخدم الولاية، وماهي الرسالة التي ستصل للحاضرين لمناسبة كهذه أطفالهم قبل شيوخهم.

ستسألني أين الإعلام عن مشاريع كهذه بالعرض والتحليل لا بمجرد تغطيات صحفية يتيمة؟ ستحاول اقناعي بأن أفكاراً كهذه يجب أن تدرس بعناية من قبل الجهات المختصة وأن تقدم للآخرين كي يستفيدوا منها؟ ستتعجب معي حول أسباب ابتعاد جوائز العمل التطوعي عن هذا الصندوق؟ أعتقد أن القائمين على هذا المشروع لا ينتظرون شيئاً من الآخرين، فمن يطوّع ماله وجهده لخدمة الآخر لن ينتظر مقابلاً ما. هناك أشياء كثيرة يمكن المقايضة بها إلا.. القيم.

بالمناسبة. سيكون لدى  أم عبد الله مشغلاً بيتيّاً للخياطة عمّا قريب، وقد نجد جزءاً من انتاجه في أحد المعارض الاستهلاكية. وقتها سيداخلني كثير من التفاؤل لأن جزءاً من أموالنا بقي يدور دورته داخل البلد لا خارجه.

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

 

الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

مشاهد من معرض استهلاكي


عندما قررت الذهاب إلى معرض السلع والأدوات الاستهلاكيّة مساء السبت الماضي كان يتجاذبني أمران: الأول وهو أمنية بأن أجد المعرض خالياً من الزحام، وأن أجد موقفاً قريباً لسيارتي دون عناء الوقوف في مكان بعيد، خاصّة وأن الجوّ كان بارداً، والأسر مرتبطة بموعد الاختبارات الفصليّة لأبنائها، كما أنّ سكّان المحافظات البعيدة مرتبطين بدواماتهم الصباحيّة في اليوم التالي وبالتالي لن يمكثوا في مسقط إلى هذا الوقت المتأخر.

أما الثاني فهو توقّع بأن أجد المعرض مزدحماً كعادتنا مع كلّ معرض يقام، وأن كل ما ذكرته من أسباب لن يثني الأسر والأفراد عن زيارته حتى لو كانت درجة الحرارة تدنّت إلى ما دون الصفر، وحتّى لو كانوا هم أنفسهم مرتبطين باختبارات دراسيّة قد تحدّد مصيرهم المستقبليّ فيما بعد، فالمعارض بالنسبة للبعض مكان لتغيير الجو، والحصول على بعض الترفيه، ومادة دسمة لجلسات العصر اليوميّة.

توكلت على الله وذهبت وأنا أضع يدي على قلبي كلّما اقتربت من مكان المعرض، وما إن اقتربت من دوّار العرفان إلا وأدركت أن توقّعي قد غلب أمنيتي، فالطابور طويل، والزّحام على أشدّه، ومع أنّ المعرض يفتح أبوابه مساءً في تمام الرابعة، ومع أنني قد وصلت قبل هذا الموعد تحسّباً لما كنت أتوقّعه، إلا إن مواقف السيارة (الكثيرة) كانت ممتلئة عن آخرها، وكأن كل هؤلاء البشر قد جلبوا طعامهم وفرشوا بساطهم وجلسوا ينتظرون موعد الافتتاح المسائي، وكأن ما يوجد بالمعرض هو شيء نادر وثمين يستحق الندم على التفريط فيه. في كل مرّة أرى هذه الأعداد الغفيرة يساورني شكّ في نتائج تعداد السكّان الأخيرة.

أدخل المعرض فأرى أمامي مشاهد مختلفة للزائرين تتكرّر في كلّ معرض يقام، هذه أسرة عمانيّة أصيلة تحلف وأنت تراها أنها قدمت من قرية بعيدة من قرى عمان النائية، وأولئك صغار أحضرهم والدهم وذهب عنهم لارتباطه بموعد آخر، ولا يخلو المشهد من شباب اعتادوا أن يجدوا في مثل هذه المعارض فرصة لممارسة هواية (دنيئة) في تتبع الفتيات والإيماء بالإشارات، وكأنهم في حالة انفصال  عن  وسائل الاتصال الحديثة التي أتت بأساليب معاكسة أكثر حداثة وسهولة. ولا بد أن يكتمل المشهد ببعض الفتيات اللواتي اعتقدن - أو صوّر لهن - أن الحريّة تعني أن تخرج لوحدها في أيّ وقت تشاء، وأن تضع ما تشاء من مساحيق مختلفة الألوان على وجهها، وكأنّها دمية (باربي).  برأيي أن لحرّيّة المرأة ألف وجه ليس من بينها احتساء الشاي لوحدها في (بابا روتي)، أو تناول الغداء مع الرفيقات في (تشيليز) وسط صخب ضحكاتهن التي  تملأ أرجاء المكان، أو عمل (بارتي) عيد الميلاد في كارجين، أو  أن تبدو كـ (خيال المآته) في أي مكان تذهب إليه.

مشهد آخر لم يثر استغرابي ألا وهو الطابور الطويل الذي سدّ باب المعرض أمام آلتي سحب النقود. يعلم كل الواقفين في الطابور أن المعرض سيكون مزدحماً، وأن مكائن السحب إما أن تكون معطّلة، أو سيكون عليها زحام شديد، وهم أنفسهم قد مرّوا في طريقهم إلى المعرض على عشرات الآلات الموجودة في كل محطة نفط أو مركز تجاري ، ومع ذلك هي العادة نفسها. أن نكرّر نفس الخطأ في كلّ مرّة، والا نتعلم من الأخطاء السابقة.

المشهد الثالث هو تكرار نفس الوجوه التي تراها في كلّ مرّة. نفس العارضين تراهم في كل المعارض، وجلّهم غير عمانيين، وكأنّ ما يعرض هي أشياء يستحيل على العماني أن يصنعها أو يقوم بعرضها، وكأنّه لا يوجد لدينا في عمان من يبيع العسل العماني الأصلي، أو من يقوم بخياطة وتفصيل وتطريز الملابس العمانية الأصيلة، والمفروشات المختلفة، أو من يقوم بتصنيع خلطات العطور والبخور.

مشهد رابع يمكن ملاحظته ويتعلّق بنوعيّة البضاعة المعروضة، فلا يمكن أن تدخل معرضاً في عمان حتى ولو كان في فصل دراسي بإحدى المدارس النائية دون أن تجد ركن العسل اليمني الأصلي الذي يشفي من كل أمراض الدنيا التي استعصت على أمهر الأطبّاء، وكأنه شرط أساسي يتم الالحاح عليه عند التصريح بتنظيم هذه المعارض، ولا يمكن أن  تخطيء عيناك رؤية ذلك الشاب الذي أصبح نجماً من نجوم المعارض بزيّه الخليجي وذقنه المحلوق على الطريقة الحجازيّة، وهو يتنقل من مكان لآخر عارضاً على الفتيات روائح لعطور (مضروبة) يقوم ببيعها، ولا تنس ركن الخلطات العشبيّة التي تعيد الشيخ شابّاً، والمريض سليماً، وتعيد لك الرشاقة، وتمنع الصلع، وتقضي على البهاق والجرب وحبّ الشباب والصدفيّة  وقائمة أخرى تطول من قوائم الوهم التي مازالت تجد الكثير من المعتوهين السذّج الذين يندفعون ورائها، وهم يعلمون أنهم قد اشتروها قبل أشهر قليلة في معرض آخر ولم تجد نفعاً معهم. ألا قاتل الله السذاجة.

بالطبع فكثير من هذه  البضائع والسلع هي  تجاريّة وغير أصليّة، وكثير من السلع الغذائية والمواد التجميلية التي تعرض مغشوشة، وغالبية الخلطات العشبية  المعروضة غير مصرح بتداولها لعدم وجود بطاقة البيان وعدم معرفة مكونات الخلطات، وبالتأكيد لا توجد أسعار مثبّتة على كل سلعة، ولا وجود لأية بيانات متعلقة  بالمنشأ والصلاحية والمكونات، ولكن كل هذا لا يهم. المهم هو أن نذهب لكي نرفّه عن أنفسنا قليلاً،  حتى ولو كان ذلك على حساب جيوبنا وصحّتنا، وحتى لو كنا مدركين أننا لا نستطيع أن نشتكي على أحد في حالة تعرضنا للنصب أو الغش من قبل أحد العارضين، وقتها سيكون قد سافر إلى بلده مستمتعاً بما جناه من أموال تعبت الحكومة كثيراً كي تعطينا إياها، وقمنا بتسليمها إليهم عن طيب خاطر. وربنا لا يقطع لنا عادة.

تساؤلات دارت في بالي وأنا أتجوّل (بصعوبة) في أرجاء المعرض من قبيل : متى سنرى معارضنا تعجّ بالباعة المحلّيين وبالبضائع العمانية، وبالتالي نضمن أن جزءاً من (الملايين) التي تعطيها الحكومة لنا تبقى داخل البلد لا خارجها، وما الذي يمنع أن نرى ركناً للحلوى أو العسل أو الملابس العمانية المصنوعة بيد محلّية؟ هل هي الثقة الضعيفة؟ هل هي الثقافة السلبيّة تجاه كل ما هو محلّي؟ هل هي الرسالة التي لا تصل إلى هؤلاء بكل شفافية ووضوح؟ وهل تخضع السلع المعروضة لإجراءات الفحص وبالتالي يتم ضمان جودتها وصلاحية استخدامها للمستهلك؟ ولماذا نخصص أوقاتاً للنساء وللعائلات مادام أن أغلب الحضور في كل الأوقات هم من هذه الفئات بالأساس؟ ولماذا لا نركز على المعارض الاستهلاكية الخيرية التي تنظمها مؤسسات المجتمع المدني للمساعدة في حل مشاكل اقتصادية معينة؟ ولماذا لا تشرك هيئة حماية المستهلك في لجان الاشراف على مثل هذه المعارض.

وقد يسأل سائل : ما دمت متشائماً إلى هذا الحد فلماذا تحرص أنت على الذهاب إلى هذه المعارض؟

ياسيدي.. وما أنا إلا من غزيّة إن غوت غويت.. وإن ترشد غزيّة أرشد

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 17 ديسمبر 2013

مع أبو مازن



(في مقاهي المحروسة 12)

"مع أبو مازن"

فبراير 2008.. مدينة نصر تبدو كبرّاد ضخم، البرد قارس، أو هو برد (يقصّ المسمار) كما يقول كبار السنّ لدينا، ولا عجب في ذلك فهي تقع في أطراف القاهرة الشرقية، حيث الصحراء المفتوحة، وحيث الرياح الباردة التي تهب حاملة معها النسمات الباردة الزائدة عن الحد والتي تجعل ليل المدينة جحيماً بارداً لا يطاق أحياناً.

ذات مغربيّة باردة كئيبة يتصل بي أبا مازن بلهجته المصريّة التي تجعلنا ننفجر معاً ضحكاً في كل مرّة: فينك يا برنس، وراك حاجه النهار ده؟ ايه رايك نتقابل في (كنوز) الساعة ثمانية، اوعى تتأخر عشان أنا بنام بدري زيّ كل يوم(1).

 كنت قد عرفت المقدّم محمد حارب المخيني لأوّل مرّة في حفل مناقشة رسالة الماجستير الخاصّة    بـأبي راشد (2) في معهد البحوث والدراسات العربيّة، ثم التقيت به بعدها بأيّام في وليمة غداء أقامها بمناسبة حصول ابن أخيه على الماجستير، وقتها عرفت أنّه يكون عمّاً لأبي راشد، وأنّه يعمل كضابط في إحدى الأجهزة العسكريّة، و يحضّر لدورة عسكرية تمتد لعام كامل، وعرفت كذلك أنه يرتبط بعلاقة زمالة وصداقة وثيقة بأخي الذي كان قد انتهى لتوّه من دراساته العليا في مجال طب المجتمع في مصر.

 من يومها وأبو مازن كان قد حجز مكاناً مهمّاً في داخلي، برغم ملامح الجدّيّة والتحفّظ التي بدت عليه في أول الأمر، وارتباطه بالمحدود ببعض زملاء دورته، والنوم المبكّر، كما حدّثني عن نفسه في جلسة سابقة. يومها قلت لنفسي: شخص كهذا كيف سأقنعه بأن يشاركني اهتماماتي في الخروج ، وارتياد المقاهي، وممارسة هواية اكتشاف أطباع البشر، لا مكان في القاهرة لمن ينام مبكراً.

لأبي مازن ذكريات كثيرة في داخلي، لا يمكن أن أتجاهل تأثيره عليّ في كثير من القرارات التي اتخذتها طوال فترة وجوده في القاهرة، وفي شقّته(3) عرفت معنى أن تكون في بلدك وأنت بعيد عنه، ففي كل مرّة أشعر فيها بالوحدة كانت شقته ملاذاً  لروحي، أشاكس أم مصطفى تارة (4)، وأتسلى بالحديث مع عم صلاح  تارة أخرى، وأطالع (الرايح  والجاي) من البلكونة تارة ثالثة، كما أننا لم نترك شارعاً في مدينة نصر لم تخطوه رجلينا معاً في أحاديث كثيرة عن الحياة  ومصر وعمان وأشياء أخرى مازالت تحتفظ بها نواصي تلك الشوارع التي لم يسلم المارّة بها من تعليقاتنا الضاحكة التي تحولت فيما بعد إلى (لزمة) يذكر كل منّا الآخر بها مع أول لقاء، فهذا متثائب لا يغلق فمه، وتلك أربعينية تزاحم الآخرين في وسيلة نقل عتيقة يوم إجازة رسمية أو في وقت متأخر من اليوم في وقت نعتقد فيه أن أولادها أولى  بطبخها بدلاً من مزاحمة الآخرين. هل هي لقمة العيش؟ هل هو كفاح المصري البسيط؟
يتحوّل بيت أبو مازن إلى ضيافة عامرة كل خميس، يبدو من هيئته البدويّة وسماره العربيّ الأصيل وكأنّه خلق كشيخ قبيلة أو كملاح لسفينة شراعيّة تجوب الموانئ ، فملامحه توحي بأنك قد رأيته يوماً ما في مكان يضج بالسفن والخيام والبشر. كنت أنتظر دعوته لي نهاية كل أسبوع بفارغ الصبر كي  (أرمّ عظمي) بما تجود به مائدته العامرة من وجبات عمانيّة أصيلة كدت أن أنساها بسبب طول مدة الغياب عن البلد(5)، وفي مجلسه عرفت العشرات من العمانيين والخليجيين والمصريين من مختلف الفئات والأعمار والمستويات الفكرية والاجتماعيّة الذي كانوا يجدون في شقته ملاذاً لهم، والذين ارتبطت ببعضهم بعد ذلك في علاقات صداقة وود مازالت مستمرة حتى الآن.
يقع (كنوز) في ركن خان الخليلي بالدور الرابع من المول، حيث محلات التحف والبازارات التي تعرض وتبيع التحف والإكسسوارات واللوحات التي تجسّد  لحضارة مصر العريقة عبر مراحل تاريخها المختلفة، ويتميز باتساع مساحته، وينقسم إلى مطعم وكافيه، وهو مصمم على الطراز الإسلامي، حيث  المداخل الواسعة، والأقواس المزخرفة، وحيث الديكور المغربي الذي يغطي المكان، وعلى الجدران بضعة رسوم زيتيّة لخيول عربيّة أصيلة، ومعارك حربية قديمة، وجداريّات من الجبس لبعض المساجد الشهيرة، وبضعة تماثيل على النمط الاغريقي هنا وهناك .
برغم أنني أجلس فيه بمعدل مرة كل أسبوع إلا أنني لا أشعر بمتعة حقيقية عند زيارتي له في كلّ مرة، فبرغم كل الجهد المبذول في تصميمه بحيث يبدو أقرب إلى أجواء الحسين والغوريّة والخان، إلا أنني أشعر بأنه جهد متكلف، فالزبائن من نوعية أخرى تختلف عمّن تقابلهم في حواري خان الخليلي، والطعام لا يمتّ بصلة لمثيله في فرحات والمالكي وشعبان، والعمّال يبدو عليهم التكلّف والعصرنة بعكس نظرائهم العفويين في مقاهي القاهرة الاسلامية، هذا عدا (المينيم تشارج) والأسعار المبالغ فيها، ولولا رغبتي الحميمية كلّ مرة في لقاء أبو مازن الذي يسكن قريباً من المول لما حرصت على ارتياده بهذا الشكل المتكرّر.
يطلّ أبو مازن بهيبته التي اكتسب جزءاً كبيراً منها بسبب طبيعة عمله التي تفرض الالتزام في أشياء كثيرة، ورشاقته التي لا تتأثر برغم عشرات الولائم والموائد وكميّات (الهبر) التي تسفك على مائدته، ونظّارته الشمسيّة التي تحتل جزءاً من جيب قميصه العلوي، موزعاً ابتساماته وتعليقاته الضاحكة على العاملين الذين اعتادوا منه هذه (القفشات) كاعتيادهم على البقشيش الذي يضعه مع الحساب  في كلّ مرة يأتي فيها إلى المقهى.
بعد دقائق طويلة من الحديث الممتع له عن مواقف هنا وهناك، وعن نميمة تطال صلاح البوّاب، واللواء سعيد المحاضر الطيب في الكلية، وعن الكلب الشخصي الذي تملكه ابنة شيخ الدين الأزهري الشهير الذي يملك العمارة التي يسكن فيها محمد،  يخيّم الصمت على الجلسة  فيعرف بحدسه أن شيئاً ما قد غيّر مزاجي، فيلتفت إليّ بلهجته الصوريّة القحّة ذاكراً عبارة استفتح بها حديثي معه في كل مرة أقابله أو أحادثه فيها: "أجول لك وراهم العرب في المترو يوم  يتثاوبوا ما يسكروا ثمهم، ووراهن الحريم الكبار نهار اليمعه  تارسات الباصات والمترو. أللاه  معندهن عيال يطبخن لهم غدا؟" .
أنفجر ضاحكاً وينفجر معي محمد وسط استغراب المحيطين، ونغادر المقهى لا نلوي على شيء.

(1)   أوهمني في بدايات معرفتي به أنه ينام في التاسعة، ثم فاجأني  بسهراته الطويلة معي في كل مرة نجلس فيها معاً.

(2)   الدكتور محمد بن راشد المخيني. من رفاق الغربة  الذين كافحوا طويلاً  حتى نال درجة الدكتوراه في مجال تكنولوجيا التعليم بامتياز وهو لم يتعد الثلاثين. يحفظ حواري بين السرايات كما يحفظ العبد لله   أصابع يده الخمسة.

(3)   عرفت بعدها أن خبير التنمية البشرية الشهير الدكتور  ابراهيم الفقّي كان يسكن في العمارة المجاورة له.

(4)   شبراوية من ضحايا العهد المباركي. لا تعبّر ضخامة جسدها عن همومها المتراكمة من جراء السعي خلف الفتات الذي يسد رمق أطفال فقدوا متعة الحياة في بلد يموت فيها البعض غارقاً في التخمة.

(5)    قلت له ذات مرّة ضاحكاً: يحق لأم مصطفى  أن تصبح بهذه الهيئة مادام صالون شقّتك لا يكف عن استقبال الزوّار والمقيمين ليل نهار، ومادام فرن مطبخك لا يكف عن الاشتعال. فقط أخشى عليها أن تنفجر يوماً ما فتتحمل وزرها.

 

 
 
 

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2013

الضحك على الذقون

لضحك على الذقون

ما سأحكيه اليوم هي قصّة أخرى متجدّدة من قضايا التضليل الاعلاني الذي يعتمد على بيع الوهم، واستغلال حاجة الناس، وهي قصّة تتشابه فصولها مع كثير من مثيلاتها. نفس المسرح مع تغيير في الأسماء والشخوص والأدوار، قصّة سأكتفي بسرد أحداثها دون الولوج إلى عالم التحليل وتقديم الحلول والتوصيات لأن السأم من كل هذا قد بلغ محلّه في نفسي.

قبل حوالي أسبوعين من الآن قامت إحدى شركات الاتصالات المعروفة بالترويج لعرض مدته ثلاثة أيام فقط، ويتضمن مضاعفة رصيدك عند التعبئة بقيمة خمسة ريالات، أو عشرة ريالات.

وعلى الرغم من أنني أعرف جيداّ ماهيّة هذه العروض، وأنّها لا تعدو عن كونها ضحكاً على الذقون من أجل مضاعفة أرباح معيّنة قبل انتهاء السنة الماليّة، ولأجل تعزيز نسبة (البونس) الذي سيوزع على الموظفين، حتى ولو كان ذلك على حساب البسطاء من المواطنين والوافدين الذين (يعتقدون) في كل عرض مشابه أنّه فرصة لكسب دقائق من التواصل مع الأهل والأصدقاء الذين باعدت بينهم ظروف الحياة الصعبة، إلا أنني عملت بمبدأ (اتبع..... حتى رزّ الباب) فقرّرت الاشتراك في هذا العرض من خلال شحن هاتفي بمبلغ خمسة ريالات عن طريق آلة سداد الفواتير في أحد المراكز التجاريّة القريبة من مقرّ سكني.

بمجرد انتهائي من عمليّة الشحن الآلي قمت بالاستعلام عن فاتورتي فوجدت أن الحساب قد خصم منه مبلغ الخمسة ريالات فقط التي دفعتها لا عشرة كما يقول العرض، فقمت بالاتصال بمركز الخدمة التابع للشركة كي أستفسر عن الموضوع ولماذا لم يدخل المبلغ المضاعف في حسابي، فكان الرد العنتري أن هاتفك خط، أي نظام الفاتورة ، وليس مسبق الدفع، وبالتالي لا يحق لك الاستفادة من العرض المقدّم.

عبثاً حاولت إفهام الموظّف أن أصحاب الخطوط آجلة الدفع هم الأولى بخدمات الشركة وعروضها من الآخرين كونهم يلتزمون بدفع الفاتورة، وكونهم يدفعون اشتراكاً شهريّاً، وهذا نظام معمول به في كثير من دول العالم، ولكن بلا فائدة. في حالات كهذه يتحول موظفو الاستعلام في معظم الشركات والمؤسّسات إلى رجال آليّين يقومون بترديد جمل من قبيل : هذه سياسة الشركة وإذا رغبت فيمكنك أن تسجل مقترحك أو شكواك وسنقوم بدورنا برفعها للجهة المختصّة.

الشيطان الذي بداخلي أبى الاستسلام، وضغط عليّ مرّة أخرى من أجل أن أواصل متابعتي لهم حتى رزّ الباب مرّة أخرى مهما كانت العواقب، ومهما تراكمت الخسائر ، فذكّرني أن لديّ خط مسبق الدّفع لا أستخدمه، وهي فرصة لإعادته إلى الحياة عن طريق هذا العرض خاصّة وأنّه لم تتبقّ سوى سويعات عن انتهائه، فأخذت بعضي وذهبت إلى آلة دفع الفواتير الوحيدة في الولاية (المسقطيّة )التي أسكنها، وقمت بإيداع مبلغ خمسة ريالات أخرى في رصيد الهاتف، ومرّة أخرى (أشيّك) على الرصيد فأجده لم يتعدّ المبلغ الذي قمت بإدخاله قبل قليل.

قلت لنفسي مطمئناً: ربما تكون المسألة مسألة وقت فقط، وكلها ساعة أو اثنتين وسيتم تحويل الرصيد المضاعف إلي، وقتها قد أحوّله إلى (نيشان) العامل الآسيوي البسيط الذي يعدّ لي الشاي كل صباح، أو (أحمد) نادل المقهى البشوش الذي يصرّ على أن يشركني في الشأن المصري كل مساء، ليس تعالياً مني، أو لكرم مفاجئ حلّ عليّ، ولكن لأنني ببساطة لن استخدم هذا الرصيد في ظل وجود هاتف آخر معي. هكذا نمت ونامت أمنياتي وأحلامي معي.

يحين الصّباح فأعاود (التشييك) على الرصيد، فأجده كما هو. يا لصبر أيوب، أما لهذه القصّة من نهاية؟ مرة أخرى أكرر الاتصال بمركز الخدمة، ومرّة أخرى يردّ علي نفس الصوت الطيّب السمح: معاك فلان الفلاني. قل لي كيف ممكن أخدمك. عندك استفسار معين؟

بعد عبارات المجاملة المعتادة وتبادل الأسماء قلت له: الاستفسار باختصار يا سيدي هو أنّكم قمتم بالترويج لعرض يحتوي على مضاعفة الرصيد عند القيام بالتعبئة بمبالغ معيّنة، وأنا قد ضحكت عليّ نفسي وطاوعتها ولم أحصل منكم لا على بلح الشام ولا عنب اليمن. لا أريد منكم أي بيسة إضافية. فقط هو سؤال: لماذا كل هذا؟

ردّ علي بالعامّيّة: هدّي نفسك أخوي . أنت متى عبّيت الرصيد؟ وماذا استخدمت في التعبئة؟
قلت له: لا تخف، قمت بتعبئة الرصيد قبل انتهاء الموعد بثلاث ساعات كاملة، ولا أعتقد أنك ستقول لي أنني قمت بذلك بعد الموعد إلا إذا كنتم تستخدمون توقيت اليابان، أمّا عن الطّريقة التي استخدمتها في التعبئة فقد قمت بعملية الشحن من خلال آلات دفع الفواتير التي قمتم بتوزيعها في بعض المجمّعات والمراكز التجارية تسهيلاً للخدمة، وما زلت محتفظاً بالوصل.

قال لي متهللّاً كمن أحرز هدف الوصول إلى كأس العالم، أو (كمن وجد التائهة) كما يقول أحبابي المصريين: إذاً في هذه الحالة لا يمكنك الاستفادة من العرض لأنك قمت بالشّحن عن طريق الآلة، وكان من المفترض أن تفعل ذلك عن طريق كروت الشحن وحدها.

مستحضراً عبارة شهيرة كان يردّدها أحد أساتذتي المصريّين عندما يعييه نقاشاً عقيماً لأحدهم (يا مصبّر الجحش ع الوحش) أقولها في سرّي وأنا أكاد أكسر جهاز الحاسوب الذي أمامي من شدّة الغيظ: مادام دفع الفواتير وتعبئة الرصيد من خلال الآلات التي قمتم بتخصيصها لهذا الغرض يعتبر رجساً من عمل الشيطان في نظركم فلماذا قمتم بوضعها، ومادامت الوصولات الورقيّة التي تبيعونها على بعض المحلّات بديلاً للبطاقات مدفوعة الثمن تعدّ نجسة إلى هذا الحد فلماذا تعطونها للباعة محل البطاقات؟ 

ثمّ تعال يا عزيزي: أنتم لا تقدّمون بطاقات تعبئة مدفوعة الثمن بقيمة خمسة ريالات أو عشرة ريالات أساساً، ومعظم المحلات الصغيرة تقدّم بطاقات من فئة الريال، وهذا يعني أنّني سأمكث مالا يقل عن ربع ساعة وأنا أشحن البطاقة تلو الأخرى، وهذا وقت مهدر في عالم متسارع تعلمون جيداً أهميّته كشركة تقدم خدمات التكنولوجيا الحديثة، هذا عدا المادّة السامة التي ستلتصق بيدي، وستدخل في أظافري، وقد تصل إلى الدّم عن طريق جرح صغير في ظاهر اليد، فهل تقصدون من كل هذا التلذّذ بتعذيبنا مقابل حفنة ريالات تعلمون يقيناً أنّنا لن نستفيد منها في غالب الأمر لأنها لن تصلح لتفعيل اشتراك النت أو التحويل إلى خط آخر ، أم إنّه الاحتكار الذي يجعل البعض يمارس ما يحلو له لمجرد أنّه يستطيع فعل ذلك؟

لا تقل لي أنكم قد أعلنتم عن شروط هذا العرض مسبقاً وحدّدتم وسائل الدفع المطلوبة، وحتّى لو فعلتم ذلك فأنتم تعلمون أن هناك كثيراً من البسطاء قد لا تصله شروطكم، وقد لا يتمكن من قراءتها، وقد لا ينتبه للكلمات المتناهية الصغر في أسفل الإعلان، وكل هذا لا يعفيكم من تبعاتها الأخلاقيّة على الأقل، وأتحدّاكم أن تجدوا مبرّراً واحداً يجعلكم تقنعونني باقتصار الدّفع عن طريق البطاقة فقط إلا إذا كان الهدف هو خداع المستهلك، وتضييع وقته، والاضرار بصحّته، وتشويه البيئة، وإضافة أعباء أخرى على عامل النظافة البسيط، أو أن المسألة هي مسألة ..احتكار لا غير.

بالمناسبة يا عزيزي نسيت أن أخبرك بأنني ما زلت غير قادر على تصفّح النت بمجرّد مغادرتي لمسقط، برغم الاعلانات المبشّرة بالجيل الرابع، وبرغم (الوجنات) المتقطّعة من أثر السرعة المزعومة لصور بعض من استخدمتموهم في اعلاناتكم الشوارعيّة.
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2013

"مشاهد بلديّة"



(1)
في مثل هذا اليوم قبل عام من الآن كنت قد كتبت مقالاً يتناول رؤيتي للمجالس البلديّة ودورها المجتمعي، ومدى التأثير الذي (يفترض) أن تحدثه في المجتمع والذي من شأنه أن يلقي حجراً كبيراً في بحيرة العمل البلدي الراكدة، ويساهم في تغيير كثير من المفاهيم المجتمعية المغلوطة أو المغيبة تجاه نوعية وآلية العمل البلدي، وبالتالي يحمل معه عملاً مجتمعياً يختلف عن سابقه، ويسهم في شمولية التنمية.

كان ذلك الحديث قبيل انتخابات المجالس البلدية. والآن، وبعد عام واحد من أول انتخابات بلديّة شهدتها السلطنة، ماذا حملت هذه التجربة خلال عام من تطبيقها؟ ألم يحن الوقت بعد للقيام بتقييم دقيق متأنّ لها، والاستماع لكافة الملاحظات المتعلقة بها؟

(2)
مازالت النظرة السائدة للعمل البلدي تنحصر في القيام ببعض الأعمال الروتينية كمراقبة وتفتيش المحلات والمطاعم، ورصف بعض الطرق الداخلية، وإصدار تصاريح افتتاح المحلات التجارية المختلفة، والإشراف على المرادم وأماكن التخلص من النفايات، وملاحقة الحيوانات السائبة.

نظرة قديمة تجاوزتها المجتمعات الحديثة منذ عقود.

(3)
إنشاء ملاعب رياضية في كل حارة سكنية بدلاً من لجوء بعض الفتيان إلى مواقف السيارات وأرصفة الشوارع، والاستفادة من البيوت الأثرية القديمة بتحويلها إلى مزارات أو مؤسسات ثقافية وسياحية مختلفة، وتحويل بعض الأماكن البيئية إلى متنزهات طبيعية أو أماكن تخييم، وتوحيد نمط العمران بما يضيف بعداً جمالياً للحي السكني، والاهتمام بالجوانب الثقافية المتمثل في إنشاء المكتبات العامة، وإقامة المهرجانات الثقافية، ومعارض الكتاب، والندوات الفكرية المتنوعة.

هل ستظل مثل هذه الأفكار والمشاريع البلديّة أحلاماً مؤجّلة لأمد طويل، أم أنها يمكن أن تتحقّق في ظلّ وجود فكر منظّم، وتخطيط دقيق، وإرادة قوية لا تعرف الكلل.

(4)
لم تمض سويعات قليلة على توقف جريان أحد الأودية في أحد شوارع مسقط الجانبيّة إلا وكان العمّال يشتغلون بكلّ همّة ونشاط على تنظيف الشارع وإزالة كل مخلّفات الوادي.
أعرف شوارع رئيسة في محافظات أخرى لم تطلها يد التنظيف أو التعديل منذ إعصار (فيت).
يبدو أن مسقط.. غير

(5)
على مسافة أمتار قليلة من منطقة تجمع مياه الأمطار في أحد شوارع المدينة جلس أحد المترشحين لعضوية المجلس البلدي في المقهى القريب من المكان يتحدث بكل زهو عن مشروعه الانتخابي.

المترشح أسهب كثيراً خلال تلك الجلسة في الحديث عن خطط وبرامج سوف يكتسح بها بقية المترشحين، ليس أقلّها المطالبة بإنشاء بمجمع تجاري ضخم أسوة بمجمعات العاصمة، وكالعادة تجميل الشوارع وإنشاء الحدائق والمتنزهات والاهتمام بالصيادين والمزارعين، وبقية طقم العبارات الذي نسمعه كلما اقترب موعد إجراء أية انتخابات .

الغريب أن البرنامج المتخم بكثير من التفاصيل والأحلام لم يأت من قريب أو بعيد على سيرة المياه المتجمعة في الشارع القريب كظاهرة قبيحة تتكون بعد كل رشّة مطر تهطل على المدينة، والتي لا يحتاج لإزالتها سوى دراسة وضع شوارع المدينة، وتحديد مناطق تجمع هذه المياه، والتعامل معها خلال فترة زمنية وجيزة وفق خطة واضحة المعالم .

بعد عام كامل من نجاح ذلك المترشّح (الثري) مازالت المياه متجمّعة في نفس الشارع، ومازال هو يجلس كل يوم في المقهى القريب.
التغيير الحقيقي يأتي من خلال معالجة السلبيات البسيطة قبل التفكير في الأحلام الكبيرة.

(6)
عندما أتجوّل في كثير من الأحياء السكنيّة في أي بقعة من بقاع السلطنة ترهق عينيّ الألوان المتنافرة للبيوت، فهذا أخضر، وذاك أحمر، والثالث أزرق، والرابع بنفسجي، وهكذا، في ظل الحديث عن مخططات سكنية حديثة، يفترض أن تنظّم آلية البناء والتشييد فيها قوانين محددة تحافظ على الطابع المعماري الجمالي المحدد سلفاً.

(7)
هل يمكن أن نرى الحمامات العمومية في المدن والقرى المختلفة؟ الفكرة بسيطة وغير مكلفة، ويمكن أن تطبق برسوم زهيدة كما هو الحال في كثير من الدول.
لو تفرغ بعض المسئولين عن العمل البلدي للاطلاع على بعض تجارب الدول المختلفة لوجدوا كثيرا من الأفكار الجديدة والمهمة القابلة للتنفيذ بدلاً من العيش في (جلباب) من سبقهم.

(8)
ينصّ النظام الأساسي للدولة في مادّته السابعة عشر على أنّ "المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقـوق والواجبـات العـامـة".

وبناء على ذلك أفكّر جدّيّاً أن أستغل هذه المادّة لحلّ مشكلة حصولي على أرض سكنيّة في مسقط والتي يبدو الحصول عليها أصعب من ولوج الجمل في سمّ الخياط، وذلك بالبحث عن أيّ أرض فضاء واسعة وتحويلها إلى (عزبة) أسوة بالكثيرين من إخواني المواطنين الذين فعلوا نفس الشيء في بقيّة محافظات السلطنة، وقاموا باستقطاع أراضي واسعة في مواقع بيئيّة وسياحيّة مهمّة، ومن ثمّ تحويلها إلى استراحات تبدأ ببناء بسيط من المواد غير الثابتة، ثم يتم عمل سور يحيط بها، وبعدها يضاف إليها غرفة أو اثنتان بمواد ثابتة، ثم المطالبة بتملكها القانوني تحت عدّة دعاوي مختلفة، وكل المراحل السابقة تحدث في غفلة أو تجاهل أو لامبالاة من المسئولين.

صحيح إنها تعتبر تحايلاً على القانون، ومعلوم أنها تسهم في تشويه المنظر العام، واختلال البيئة الفطرية، ومؤكّد أنها تؤثر على منظومة التخطيط السكاني مستقبلاً، ولكن هل هناك من يبالي بكل هذا وذاك؟

ماذا لو نفّذت أمراً كهذا في مسقط؟ ماذا لو نصبت أسلاكي الشائكة في رمال بوشر، ماذا لو اقتطعت جانباً من شاطئ العذيبة، هل سأترك كما ترك الآخرون، أم سأتعرض للمسائلة لأن الموضوع يتعلق بمسقط؟

(9)
يقترح صديقي بأن تقوم الصحف المحلية بعرض بعض الصّور الفوتوغرافيّة التي تجسّد التجاوزات البيئية أو الإسكانية أو الثقافية، التي يقوم بها البعض إهمالاً أو تعمداً أو لا مبالاة، وذلك على صفحاتها الأولى، وذلك بقصد التوعية، وكي يتفاعل معها أفراد المجتمع بمختلف شرائحهم، ويقوموا برفد تلك الصحف ببعض تلك الصور من خلال ملاحظاتهم اليومية، ولكي تنبّه المسئولين بأهمية المتابعة المستمرة ، كي لا تتكرر تلك التجاوزات .
الفكرة جميلة ، ومنفذه في عديد من الصحف العربية والعالمية، وأعتقد أنه في حال قيام إحدى صحفنا بتنفيذها فإنها ستفاجأ بكمّ الصور التي ستردها من قبل القراء والمهتمين.

(10)
يقولون إن الصين هي أكثر الأماكن ازدحاماً بالسيارات.
ماذا عن مواقف المستشفى السلطاني!
بل ماذا عن مواقف جراند مول!!

(11)
لو قام كل منا بالاهتمام بنظافة المنطقة المحيطة بمنزله ولو لمرة واحدة في الأسبوع لأصبح لمجتمعنا شأن آخر، فما بالنا بكثير من الأعمال المجتمعية التطوعية التي هي في انتظارنا للقيام بها. إذا لم تكن لدينا القدرة على فعل ذلك، فلنكفّ فقط عن أي سلوك قد يضير بالبيئة.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com