الثلاثاء، 10 ديسمبر 2013

الضحك على الذقون

لضحك على الذقون

ما سأحكيه اليوم هي قصّة أخرى متجدّدة من قضايا التضليل الاعلاني الذي يعتمد على بيع الوهم، واستغلال حاجة الناس، وهي قصّة تتشابه فصولها مع كثير من مثيلاتها. نفس المسرح مع تغيير في الأسماء والشخوص والأدوار، قصّة سأكتفي بسرد أحداثها دون الولوج إلى عالم التحليل وتقديم الحلول والتوصيات لأن السأم من كل هذا قد بلغ محلّه في نفسي.

قبل حوالي أسبوعين من الآن قامت إحدى شركات الاتصالات المعروفة بالترويج لعرض مدته ثلاثة أيام فقط، ويتضمن مضاعفة رصيدك عند التعبئة بقيمة خمسة ريالات، أو عشرة ريالات.

وعلى الرغم من أنني أعرف جيداّ ماهيّة هذه العروض، وأنّها لا تعدو عن كونها ضحكاً على الذقون من أجل مضاعفة أرباح معيّنة قبل انتهاء السنة الماليّة، ولأجل تعزيز نسبة (البونس) الذي سيوزع على الموظفين، حتى ولو كان ذلك على حساب البسطاء من المواطنين والوافدين الذين (يعتقدون) في كل عرض مشابه أنّه فرصة لكسب دقائق من التواصل مع الأهل والأصدقاء الذين باعدت بينهم ظروف الحياة الصعبة، إلا أنني عملت بمبدأ (اتبع..... حتى رزّ الباب) فقرّرت الاشتراك في هذا العرض من خلال شحن هاتفي بمبلغ خمسة ريالات عن طريق آلة سداد الفواتير في أحد المراكز التجاريّة القريبة من مقرّ سكني.

بمجرد انتهائي من عمليّة الشحن الآلي قمت بالاستعلام عن فاتورتي فوجدت أن الحساب قد خصم منه مبلغ الخمسة ريالات فقط التي دفعتها لا عشرة كما يقول العرض، فقمت بالاتصال بمركز الخدمة التابع للشركة كي أستفسر عن الموضوع ولماذا لم يدخل المبلغ المضاعف في حسابي، فكان الرد العنتري أن هاتفك خط، أي نظام الفاتورة ، وليس مسبق الدفع، وبالتالي لا يحق لك الاستفادة من العرض المقدّم.

عبثاً حاولت إفهام الموظّف أن أصحاب الخطوط آجلة الدفع هم الأولى بخدمات الشركة وعروضها من الآخرين كونهم يلتزمون بدفع الفاتورة، وكونهم يدفعون اشتراكاً شهريّاً، وهذا نظام معمول به في كثير من دول العالم، ولكن بلا فائدة. في حالات كهذه يتحول موظفو الاستعلام في معظم الشركات والمؤسّسات إلى رجال آليّين يقومون بترديد جمل من قبيل : هذه سياسة الشركة وإذا رغبت فيمكنك أن تسجل مقترحك أو شكواك وسنقوم بدورنا برفعها للجهة المختصّة.

الشيطان الذي بداخلي أبى الاستسلام، وضغط عليّ مرّة أخرى من أجل أن أواصل متابعتي لهم حتى رزّ الباب مرّة أخرى مهما كانت العواقب، ومهما تراكمت الخسائر ، فذكّرني أن لديّ خط مسبق الدّفع لا أستخدمه، وهي فرصة لإعادته إلى الحياة عن طريق هذا العرض خاصّة وأنّه لم تتبقّ سوى سويعات عن انتهائه، فأخذت بعضي وذهبت إلى آلة دفع الفواتير الوحيدة في الولاية (المسقطيّة )التي أسكنها، وقمت بإيداع مبلغ خمسة ريالات أخرى في رصيد الهاتف، ومرّة أخرى (أشيّك) على الرصيد فأجده لم يتعدّ المبلغ الذي قمت بإدخاله قبل قليل.

قلت لنفسي مطمئناً: ربما تكون المسألة مسألة وقت فقط، وكلها ساعة أو اثنتين وسيتم تحويل الرصيد المضاعف إلي، وقتها قد أحوّله إلى (نيشان) العامل الآسيوي البسيط الذي يعدّ لي الشاي كل صباح، أو (أحمد) نادل المقهى البشوش الذي يصرّ على أن يشركني في الشأن المصري كل مساء، ليس تعالياً مني، أو لكرم مفاجئ حلّ عليّ، ولكن لأنني ببساطة لن استخدم هذا الرصيد في ظل وجود هاتف آخر معي. هكذا نمت ونامت أمنياتي وأحلامي معي.

يحين الصّباح فأعاود (التشييك) على الرصيد، فأجده كما هو. يا لصبر أيوب، أما لهذه القصّة من نهاية؟ مرة أخرى أكرر الاتصال بمركز الخدمة، ومرّة أخرى يردّ علي نفس الصوت الطيّب السمح: معاك فلان الفلاني. قل لي كيف ممكن أخدمك. عندك استفسار معين؟

بعد عبارات المجاملة المعتادة وتبادل الأسماء قلت له: الاستفسار باختصار يا سيدي هو أنّكم قمتم بالترويج لعرض يحتوي على مضاعفة الرصيد عند القيام بالتعبئة بمبالغ معيّنة، وأنا قد ضحكت عليّ نفسي وطاوعتها ولم أحصل منكم لا على بلح الشام ولا عنب اليمن. لا أريد منكم أي بيسة إضافية. فقط هو سؤال: لماذا كل هذا؟

ردّ علي بالعامّيّة: هدّي نفسك أخوي . أنت متى عبّيت الرصيد؟ وماذا استخدمت في التعبئة؟
قلت له: لا تخف، قمت بتعبئة الرصيد قبل انتهاء الموعد بثلاث ساعات كاملة، ولا أعتقد أنك ستقول لي أنني قمت بذلك بعد الموعد إلا إذا كنتم تستخدمون توقيت اليابان، أمّا عن الطّريقة التي استخدمتها في التعبئة فقد قمت بعملية الشحن من خلال آلات دفع الفواتير التي قمتم بتوزيعها في بعض المجمّعات والمراكز التجارية تسهيلاً للخدمة، وما زلت محتفظاً بالوصل.

قال لي متهللّاً كمن أحرز هدف الوصول إلى كأس العالم، أو (كمن وجد التائهة) كما يقول أحبابي المصريين: إذاً في هذه الحالة لا يمكنك الاستفادة من العرض لأنك قمت بالشّحن عن طريق الآلة، وكان من المفترض أن تفعل ذلك عن طريق كروت الشحن وحدها.

مستحضراً عبارة شهيرة كان يردّدها أحد أساتذتي المصريّين عندما يعييه نقاشاً عقيماً لأحدهم (يا مصبّر الجحش ع الوحش) أقولها في سرّي وأنا أكاد أكسر جهاز الحاسوب الذي أمامي من شدّة الغيظ: مادام دفع الفواتير وتعبئة الرصيد من خلال الآلات التي قمتم بتخصيصها لهذا الغرض يعتبر رجساً من عمل الشيطان في نظركم فلماذا قمتم بوضعها، ومادامت الوصولات الورقيّة التي تبيعونها على بعض المحلّات بديلاً للبطاقات مدفوعة الثمن تعدّ نجسة إلى هذا الحد فلماذا تعطونها للباعة محل البطاقات؟ 

ثمّ تعال يا عزيزي: أنتم لا تقدّمون بطاقات تعبئة مدفوعة الثمن بقيمة خمسة ريالات أو عشرة ريالات أساساً، ومعظم المحلات الصغيرة تقدّم بطاقات من فئة الريال، وهذا يعني أنّني سأمكث مالا يقل عن ربع ساعة وأنا أشحن البطاقة تلو الأخرى، وهذا وقت مهدر في عالم متسارع تعلمون جيداً أهميّته كشركة تقدم خدمات التكنولوجيا الحديثة، هذا عدا المادّة السامة التي ستلتصق بيدي، وستدخل في أظافري، وقد تصل إلى الدّم عن طريق جرح صغير في ظاهر اليد، فهل تقصدون من كل هذا التلذّذ بتعذيبنا مقابل حفنة ريالات تعلمون يقيناً أنّنا لن نستفيد منها في غالب الأمر لأنها لن تصلح لتفعيل اشتراك النت أو التحويل إلى خط آخر ، أم إنّه الاحتكار الذي يجعل البعض يمارس ما يحلو له لمجرد أنّه يستطيع فعل ذلك؟

لا تقل لي أنكم قد أعلنتم عن شروط هذا العرض مسبقاً وحدّدتم وسائل الدفع المطلوبة، وحتّى لو فعلتم ذلك فأنتم تعلمون أن هناك كثيراً من البسطاء قد لا تصله شروطكم، وقد لا يتمكن من قراءتها، وقد لا ينتبه للكلمات المتناهية الصغر في أسفل الإعلان، وكل هذا لا يعفيكم من تبعاتها الأخلاقيّة على الأقل، وأتحدّاكم أن تجدوا مبرّراً واحداً يجعلكم تقنعونني باقتصار الدّفع عن طريق البطاقة فقط إلا إذا كان الهدف هو خداع المستهلك، وتضييع وقته، والاضرار بصحّته، وتشويه البيئة، وإضافة أعباء أخرى على عامل النظافة البسيط، أو أن المسألة هي مسألة ..احتكار لا غير.

بالمناسبة يا عزيزي نسيت أن أخبرك بأنني ما زلت غير قادر على تصفّح النت بمجرّد مغادرتي لمسقط، برغم الاعلانات المبشّرة بالجيل الرابع، وبرغم (الوجنات) المتقطّعة من أثر السرعة المزعومة لصور بعض من استخدمتموهم في اعلاناتكم الشوارعيّة.
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2013

"مشاهد بلديّة"



(1)
في مثل هذا اليوم قبل عام من الآن كنت قد كتبت مقالاً يتناول رؤيتي للمجالس البلديّة ودورها المجتمعي، ومدى التأثير الذي (يفترض) أن تحدثه في المجتمع والذي من شأنه أن يلقي حجراً كبيراً في بحيرة العمل البلدي الراكدة، ويساهم في تغيير كثير من المفاهيم المجتمعية المغلوطة أو المغيبة تجاه نوعية وآلية العمل البلدي، وبالتالي يحمل معه عملاً مجتمعياً يختلف عن سابقه، ويسهم في شمولية التنمية.

كان ذلك الحديث قبيل انتخابات المجالس البلدية. والآن، وبعد عام واحد من أول انتخابات بلديّة شهدتها السلطنة، ماذا حملت هذه التجربة خلال عام من تطبيقها؟ ألم يحن الوقت بعد للقيام بتقييم دقيق متأنّ لها، والاستماع لكافة الملاحظات المتعلقة بها؟

(2)
مازالت النظرة السائدة للعمل البلدي تنحصر في القيام ببعض الأعمال الروتينية كمراقبة وتفتيش المحلات والمطاعم، ورصف بعض الطرق الداخلية، وإصدار تصاريح افتتاح المحلات التجارية المختلفة، والإشراف على المرادم وأماكن التخلص من النفايات، وملاحقة الحيوانات السائبة.

نظرة قديمة تجاوزتها المجتمعات الحديثة منذ عقود.

(3)
إنشاء ملاعب رياضية في كل حارة سكنية بدلاً من لجوء بعض الفتيان إلى مواقف السيارات وأرصفة الشوارع، والاستفادة من البيوت الأثرية القديمة بتحويلها إلى مزارات أو مؤسسات ثقافية وسياحية مختلفة، وتحويل بعض الأماكن البيئية إلى متنزهات طبيعية أو أماكن تخييم، وتوحيد نمط العمران بما يضيف بعداً جمالياً للحي السكني، والاهتمام بالجوانب الثقافية المتمثل في إنشاء المكتبات العامة، وإقامة المهرجانات الثقافية، ومعارض الكتاب، والندوات الفكرية المتنوعة.

هل ستظل مثل هذه الأفكار والمشاريع البلديّة أحلاماً مؤجّلة لأمد طويل، أم أنها يمكن أن تتحقّق في ظلّ وجود فكر منظّم، وتخطيط دقيق، وإرادة قوية لا تعرف الكلل.

(4)
لم تمض سويعات قليلة على توقف جريان أحد الأودية في أحد شوارع مسقط الجانبيّة إلا وكان العمّال يشتغلون بكلّ همّة ونشاط على تنظيف الشارع وإزالة كل مخلّفات الوادي.
أعرف شوارع رئيسة في محافظات أخرى لم تطلها يد التنظيف أو التعديل منذ إعصار (فيت).
يبدو أن مسقط.. غير

(5)
على مسافة أمتار قليلة من منطقة تجمع مياه الأمطار في أحد شوارع المدينة جلس أحد المترشحين لعضوية المجلس البلدي في المقهى القريب من المكان يتحدث بكل زهو عن مشروعه الانتخابي.

المترشح أسهب كثيراً خلال تلك الجلسة في الحديث عن خطط وبرامج سوف يكتسح بها بقية المترشحين، ليس أقلّها المطالبة بإنشاء بمجمع تجاري ضخم أسوة بمجمعات العاصمة، وكالعادة تجميل الشوارع وإنشاء الحدائق والمتنزهات والاهتمام بالصيادين والمزارعين، وبقية طقم العبارات الذي نسمعه كلما اقترب موعد إجراء أية انتخابات .

الغريب أن البرنامج المتخم بكثير من التفاصيل والأحلام لم يأت من قريب أو بعيد على سيرة المياه المتجمعة في الشارع القريب كظاهرة قبيحة تتكون بعد كل رشّة مطر تهطل على المدينة، والتي لا يحتاج لإزالتها سوى دراسة وضع شوارع المدينة، وتحديد مناطق تجمع هذه المياه، والتعامل معها خلال فترة زمنية وجيزة وفق خطة واضحة المعالم .

بعد عام كامل من نجاح ذلك المترشّح (الثري) مازالت المياه متجمّعة في نفس الشارع، ومازال هو يجلس كل يوم في المقهى القريب.
التغيير الحقيقي يأتي من خلال معالجة السلبيات البسيطة قبل التفكير في الأحلام الكبيرة.

(6)
عندما أتجوّل في كثير من الأحياء السكنيّة في أي بقعة من بقاع السلطنة ترهق عينيّ الألوان المتنافرة للبيوت، فهذا أخضر، وذاك أحمر، والثالث أزرق، والرابع بنفسجي، وهكذا، في ظل الحديث عن مخططات سكنية حديثة، يفترض أن تنظّم آلية البناء والتشييد فيها قوانين محددة تحافظ على الطابع المعماري الجمالي المحدد سلفاً.

(7)
هل يمكن أن نرى الحمامات العمومية في المدن والقرى المختلفة؟ الفكرة بسيطة وغير مكلفة، ويمكن أن تطبق برسوم زهيدة كما هو الحال في كثير من الدول.
لو تفرغ بعض المسئولين عن العمل البلدي للاطلاع على بعض تجارب الدول المختلفة لوجدوا كثيرا من الأفكار الجديدة والمهمة القابلة للتنفيذ بدلاً من العيش في (جلباب) من سبقهم.

(8)
ينصّ النظام الأساسي للدولة في مادّته السابعة عشر على أنّ "المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقـوق والواجبـات العـامـة".

وبناء على ذلك أفكّر جدّيّاً أن أستغل هذه المادّة لحلّ مشكلة حصولي على أرض سكنيّة في مسقط والتي يبدو الحصول عليها أصعب من ولوج الجمل في سمّ الخياط، وذلك بالبحث عن أيّ أرض فضاء واسعة وتحويلها إلى (عزبة) أسوة بالكثيرين من إخواني المواطنين الذين فعلوا نفس الشيء في بقيّة محافظات السلطنة، وقاموا باستقطاع أراضي واسعة في مواقع بيئيّة وسياحيّة مهمّة، ومن ثمّ تحويلها إلى استراحات تبدأ ببناء بسيط من المواد غير الثابتة، ثم يتم عمل سور يحيط بها، وبعدها يضاف إليها غرفة أو اثنتان بمواد ثابتة، ثم المطالبة بتملكها القانوني تحت عدّة دعاوي مختلفة، وكل المراحل السابقة تحدث في غفلة أو تجاهل أو لامبالاة من المسئولين.

صحيح إنها تعتبر تحايلاً على القانون، ومعلوم أنها تسهم في تشويه المنظر العام، واختلال البيئة الفطرية، ومؤكّد أنها تؤثر على منظومة التخطيط السكاني مستقبلاً، ولكن هل هناك من يبالي بكل هذا وذاك؟

ماذا لو نفّذت أمراً كهذا في مسقط؟ ماذا لو نصبت أسلاكي الشائكة في رمال بوشر، ماذا لو اقتطعت جانباً من شاطئ العذيبة، هل سأترك كما ترك الآخرون، أم سأتعرض للمسائلة لأن الموضوع يتعلق بمسقط؟

(9)
يقترح صديقي بأن تقوم الصحف المحلية بعرض بعض الصّور الفوتوغرافيّة التي تجسّد التجاوزات البيئية أو الإسكانية أو الثقافية، التي يقوم بها البعض إهمالاً أو تعمداً أو لا مبالاة، وذلك على صفحاتها الأولى، وذلك بقصد التوعية، وكي يتفاعل معها أفراد المجتمع بمختلف شرائحهم، ويقوموا برفد تلك الصحف ببعض تلك الصور من خلال ملاحظاتهم اليومية، ولكي تنبّه المسئولين بأهمية المتابعة المستمرة ، كي لا تتكرر تلك التجاوزات .
الفكرة جميلة ، ومنفذه في عديد من الصحف العربية والعالمية، وأعتقد أنه في حال قيام إحدى صحفنا بتنفيذها فإنها ستفاجأ بكمّ الصور التي ستردها من قبل القراء والمهتمين.

(10)
يقولون إن الصين هي أكثر الأماكن ازدحاماً بالسيارات.
ماذا عن مواقف المستشفى السلطاني!
بل ماذا عن مواقف جراند مول!!

(11)
لو قام كل منا بالاهتمام بنظافة المنطقة المحيطة بمنزله ولو لمرة واحدة في الأسبوع لأصبح لمجتمعنا شأن آخر، فما بالنا بكثير من الأعمال المجتمعية التطوعية التي هي في انتظارنا للقيام بها. إذا لم تكن لدينا القدرة على فعل ذلك، فلنكفّ فقط عن أي سلوك قد يضير بالبيئة.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013

كي لا ننسى

"كي لا ننسى"

وعماننا الحبيبة تحتفل بعيدها الوطني بعد ثلاثة وأربعون عاماً مرت كغيمة تحمل الخير والرخاء، وما زال رذاذ نفحاتها يغمر أرجاء الوطن على اتساعه بفضل العلاقة الحميمية، والود المتبادل، والثقة  بين القائد وشعبه، تبوّأت من خلالها مكانة مرموقة على الخارطة الدولية، دولة عصرية حديثة  متوازنة السياسات، تنطلق من حضارة عريقة، وماض مجيد، واضعة نصب عينها المستقبل بكافة أبعاده. بعد كل ما تحقق لا يوجد لديّ كثير كلام أكتبه سوى أن نقف قليلاً لنتذكّر كيف كنّا في وقت من الأوقات، وكيف أصبحنا الآن. نقف لنثمّن حجم البذل والعطاء. نقف لنؤجّل انتقاداتنا ورؤانا وملاحظاتنا ولو ليوم واحد لنقول لهذا القائد الفذّ الكريم المصلح : إنّ ما بذلته في سبيل هذا الوطن أكبر من يعبّر عنه، وأعظم من أن يحتويه سفر. فقط سيبقى في القلوب وستبقون معه رمزاً و أباً وقائداً ومعلّماً وملهماً إنحزتم  للوطن والمواطن فانحاز لكم، أعطيتموه الشيء الكثير  فأخلص لكم.

هكذا كنّا سيّدي "..دولة تعيش في النصف الثاني من القرن العشرين بلا ماء ولا كهرباء، ولا شوارع  ولا مقاه، ولا حدائق ولا مواصلات"
وهكذا رأوها " ..خيّل إليّ من أوّل نظرة ألقيتها على البلاد أنّ هؤلاء الناس مجرّد أسرى طال بهم الزمن، وأن الداخل هنا مفقود والخارج مولود".

هكذا كان ينظرون إلينا "..وعمان قطعة من العالم القديم . دجل وترﱠهات وخزعبلات، وظلام فوق ظلام، وأناس طيبون يروحون ويغدون، و الوقت هو أرخص السلع في عمان. الأسنان تخلع بالدوبارة، والناس هناك يأكلون المكرونة بالسكر".

وهكذا كان حالنا "الناس مرضى في عمان، لأنه لا يوجد إلا طبيب واحد لكل مائة ألف مواطن. الناس جياع فقراء في عمان، لأنهم يجهلون شق الأرض، وإخراج الغذاء والماء. الناس جهلاء في عمان ، لأنه لم تفتح مدرسة ليتعلموا فيها"

هكذا كانوا يتفاجؤون" ..فوجئت بأنّ كلّ شيء نادر وقليل في عمان، الماء والطعام والنقود. الشيء الوحيد الذي يوجد بوفرة هو الذقون، والشيء الآخر الذي يوجد بشكل أوفر من الذقون هو الأمراض السّرّيّة، فهي ترعى بين أفراد الشعب كحريق شبّ فجأة في غابة أصابها الجفاف منذ زمن طويل".

".. لم يكن في عمان إلا القليل القليل مما ينعم به الناس في البلاد الأخرى، فلا شوارع ولا مبانٍ حديثة ولا إذاعة ولا تلفزيون ولا وسائل ترفيه، وكانت الحياة بالليل  أشبه ما تكون  بما يسمى حظر التجول".

هذا ما تعلّموه عن وطننا ".. أول شيء تعلمته في مسقط هو أن صحة الشعب ضعيفة، والشيء الثاني الأسوأ، هو أن السبب الأساسي لذلك هو الحالة الاقتصادية. إن الصحة هي سلعة يمكن شراؤها، ولكن لأن العمانيين لا يملكون الماء فهم لا يستطيعون شراء ذلك الشيء الثمين".

" .. كانت عمان مركزاً بغيضاً للملاريا، أما أمراض المعدة فالمسؤول عنها هو هذا العدد الكبير من الذباب. وينتشر الجذام في كل مكان، بينما يعد الجدري سوطاً مدمراً فيها،  وتنتشر كذلك أمراض العيون حيث يبلغ عدد العميان في عمان الآلاف.."

هكذا كانوا يصفوننا" .. كنا نرى عمالقة من ذوي اللحى السوداء أتوا من بلاد بعيدة عن مسقط، أقول كنا نراهم وقد أتوا زحفاً بسبب الملاريا التي افترستهم حيث أن مسقط كانت تعج بأسراب البعوض، ولم يستطع غريب أن يهرب من الإصابة بالحمى.."

وهكذا كانوا يقارنوننا" .. هناك حقيقة يجب ألا نغفلها، وهي أننا إذا وضعنا مستشفيات أمريكا في أعيننا فلن نستطيع القول بأن ما بمطرح يسمى مستشفى. في حقيقة الأمر ما لدينا هو منزل للعناية بالمرضى، لا يوجد راديو، ولا أسرة، ولا شيء آخر، فقط يوجد بالحجرة ركن واحد مملوء بكيس كبير للفحم، وكمية من أخشاب الوقود، وفراش فوق الأرض، ودائماً توجد الأواني وقدور القهوة، وأهل المريض يقومون بشراء أصناف الطعام، ويقومون أيضاً بعملية الطهي في نفس المكان".

هذه كانت مواردنا " .. أما موارد عمان فهمي شمسها وأمطارها وتربتها، فالشمس هناك تكفي مدينتين، بينما لا تكفي الأمطار مدينة واحدة. لهذا ينظر الزائر إلى عمان وهو مشفق عليها ويتساءل: لماذا يريد الناس أن يعيشوا هناك؟ ومن يستطيع أن يستخرج الحياة من هذه المنطقة المليئة بالجبال".

" .. وتعتبر الضرائب شيئاً جديداً في عمان، إذ يجب أن يزيد الدخل بعد أن انخفضت الرسوم الجمركية، ونتيجة لذلك رحل ملاك الحدائق إلى زنجبار، أو الهند، أو إلى أي مكان آخر حيث تقل الأعباء. هكذا كان المواطن العماني محاصراً حتى في قوت يومه..".

وهكذا كان يختزل الوطن ".. إن الحياة الدنيا الوارد ذكرها في القرآن الكريم هي مسقط. أجل، أقولها صدقاً، أن الغالبية العظمى من أبناء جيلي يظنون أن مسقط هي العالم كله..".

هكذا كانوا يتحسّرون على تاريخنا العريق الذي عاد لنا".. ولطمت على خدّي حزناً على المصير الذي انتهت إليه أرض عربية كانت درّة في تاج العروبة، وكانت حجر الأساس في صرح العروبة وإلى زمن طويل، فإلى هذه البلاد كان ينتمي أعظم حكام أفريقيا الشرقية، وإلى هذه البلاد كان ينتمي آخر الملوك العرب في الكونغو أو ما يعرف بزائير، وهو الملك (تيبو تيب)، وهذه البلاد نفسها هي التي فرضت إتاوة على السفن البريطانية خلال رحلتها من الهند وإليها، وهي التي حطّمت أسطول البرتغال في مياه الخليج.."

هكذا كنّا سيدي قبل مجيئكم، هكذا. أما الآن.. فتلك حكاية أخرى.


د. محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 4 نوفمبر 2013

"إلى متى هذا التجاهل"


وكأنّنا كنّا (وسنظلّ) ننتظر الموت أن يغيّب رموزنا كي نعرفهم عن قرب، وكي نتذكّر أن هناك أعلاماً ساهموا في نهضة هذا البلد فكرياً وحضارياً واجتماعيّاً بل وفي مختلف المجالات. أقول هذا الكلام بعد أن طالعتنا الصّحافة المحليّة ورسائل (الواتساب) بخبر وفاة القاضي والعلّامة الجليل المغفور له بإذن الله الشيخ سعود بن سليمان الكندي، وهي ذات الصّحافة التي أهملت أو (تجاهلت) أخباره وأخبار أمثاله طوال فترة حياتهم العامرة بالمنجزات. 

وبرغم أنني أدّعي حبّ التاريخ، وبرغم أنّني درسته كتخصص جامعيّ، وبرغم أنّني أدرّسه حالياً كمقرّر دراسيّ، إلا أنني كنت لفترة طويلة أجهل معرفتي بسيرة الشيخ الجليل لولا ما قرأته مؤخراً في كتاب (النّمير) بأجزائه السّتّة من شذرات بسيطة عن حياته وحياة علماء آخرين طوتهم يد النّسيان، هذا وأنا أدّعي الاهتمام بدراسة التاريخ العماني، فما بالكم بالآخرين الكثر ممن أصبح اهتمامهم به كاهتمام كاتب المقال بالقراءة في البرمجة العصبية وما شابهها.

حتّى عندما جرّبت أن أسأل طلابي الذين أدرّسهم مادة الدّراسات العمانيّة في إحدى الكليات عن مدى معرفتهم بالفقيد المرحوم فوجئت بأنهم جميعاً (عدا واحد) لم يسمعوا عن الشيخ من قبل، ولا عن مشايخ آخرين عدّدت أسماء بعض منهم عليهم، وعندما وجّهت سؤالي لذلك الطالب حول سبب المعرفة، كان الجواب (الصّادم) أنّه قريب لأمّه. أي أنّ القرابة وحدها هي مصدر المعرفة. إذاً هم لا يختلفون في شيء عن أستاذهم وعن قطاع كبير من المجتمع في جهلهم برموز مجتمعهم.

يبدو لي – وقد يتّفق معي البعض- أنّ هناك مشكلة تتعلّق بالتقديم لسير هؤلاء الرموز والعلماء، وعدم تناول حياتهم التناول الإيجابي الذي يعرّف المجتمع بهم، ويجعله ينظر نظرة تقدير واهتمام لما قدّموه طوال مسيرة حياتهم الحافلة. يبدو لي كذلك أنّه لا تعمّد في هذا التجاهل من قبل المؤسّسات المعنيّة اعلاميّة كانت أم ثقافيّة أم تربويّة، قد نسميها لا مبالاة، ضيق أفق، أو حتّى الاعتقاد بأنّ ما قدّمه هؤلاء لا يتواكب ونظرتهم للثقافة والمثقّفين وما يجب أن يكونوا عليه في هذا العصر.

في المجتمعات الأخرى يتم تقديم هؤلاء الأعلام على أنهم رموز، بينما تتعامل معهم وسائل إعلامنا المحلية المختلفة، والجهات المسئولة عن الثقافة، باعتبارهم" أنتيكات" يمكن كتابة (بعض) السطور عنهم أحياناً في زاوية صحفيّة مظلمة، أو استضافتهم لدقائق بسيطة بمقابل مادي بسيط لا يتوازى مع ما يمتلكونه من خبرات، وبغير مقابل في كثير من الأحيان.

في المجتمعات الأخرى كذلك تخصّص لأمثال هؤلاء مساحات إعلامية يقدمون فيها عصارة فكرهم وتجربهم، ويعرضون رؤيتهم وتصوراتهم في المجالات التي برعوا فيها، بينما لدينا يقصر البعض مفهوم الثقافة على أصحاب الأشعار من قبيل " سقطت قطرة .. فتثاءبت سمكة"، أو على مفكّري "تأثير الوعي اللا محسوس في ا لغدة السيمبثاويّة"، أو على من يكتبون قصصهم على ورق "الكلينكس" باعتباره ثورة على الرجعيّة في الثقافة، أو على المقرّبين من نجوم السلطة والمجتمع. هؤلاء وأمثالهم وحدهم من يكرّموا، ووحدهم من يطوف العالم معرّفاً بالثقافة العمانيّة، ووحدهم من يمثّلوننا في المحافل الفكريّة، ووحدهم من نحتفي به ونقيم أمسيات التكريم والتأبين وغيرها من أمسيات( الشلليّة )التي أصبحت شعاراً لواقعنا الثقافيّ المعاصر .

أمّا أمثال الشيخ الكندي والبطاشي والخصيبي وقائمة أخرى تطول ممن تيبّست أطراف أصابعهم بسبب آلاف الأوراق التي نسخوها على ضوء زيت قنديل خافت ذهب بجزء كبير من بصرهم، فهم لا يعدون في نظر (البعض) منّا أكثر من مثقفين رجعيين لا يتواكبون والتطور الثقافي الهائل الذي يلزمك أحياناً أن تقوم ببعض التصرّفات (الحداثيّة) كإطالة الشعر، والتسكّع في بعض الحانات، والقراءة في كتب غير مفهومة لكتّاب غربيين وشرقيين، مع أنّ هذا لا يعني عدم وجود مثقفين حقيقيين فرضوا انفسهم على الساحة الأدبيّة بإمكاناتهم وجهدهم، وإن كان جزء منهم نالته يد التغييب لأنه لم ينضم للركب المسيطر على مفاصل الحياة الثقافية اعلامياً وتنظيميّاً، وبالتالي لن يرد اسمه كثيراً في قوائم السفر الثقافيّة، ولن يتحدث عن الكتاب الذي أعجبه، ولن يدخل كعضو محكّم في إحدى لجان التحكيم الأدبيّة . 

يتألّم أمثال الشيخ الكنديّ كثيراً عندما يسمعون عن رغبة بعض المؤسسات الثقافية والفنية في دول أخرى، في تقديم السير الذاتية لأمثالهم ،من خلال كتب مطبوعة، أو تحويلها لبرامج وثائقية أو فنية، تحفظ تاريخهم، وفي نفس الوقت تحقق أعلى المبيعات، باعتبارهم شاهداً على كثير من التجارب والأحداث المختلفة على مدى سنوات طويلة.
يتألمون وهم يرون أسماء نظرائهم في تلك الدول تطلق على الشوارع المهمّة والمؤسسات الثقافية، يتألّمون كذلك وهم يسمعون عن مناهج مدرسيّة، وجمعيّات فكريّة أهليّة تناولت سير أولئك النظراء، وقدمتهم للأجيال بما يليق بهم، بينما هم يشكون التجاهل، وكأن جهداً لم يبذل، وكأنّ إنجازاً لم يحقّق.

إن أمثال الشيخ سعود الكندي كثر في مجتمعنا العماني وفي مختلف المجالات، هم بحاجة فقط لمن يمنحهم شيئاً من الاهتمام والتقدير. لا يجب أن ننتظر الموت كي نتذكّرهم في كلّ مرّة. فهي دعوة للقائمين على الجهات المنوط بها أمر التربية والتعليم والثقافة والإعلام والعمل البلديّ، لتقديم سيرتهم العطرة، وانجازاتهم الفكريّة للجيل القادم بالشكل الذي يتناسب وعطاءهم، فما أحوج هذا الجيل إلى من يقدم لهم خلاصة خبرة هؤلاء وكفاحهم وتضحياتهم، علـﱠـهم يجدون فيها ما يعينهم على مواجهة كثير من التحديات، ويرون فيها القدوة الإيجابية، في زمن اختلطت فيه كثير من القيم بتحديات العولمة.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 29 أكتوبر 2013

فتّش عن المرأة


(1)
عاملة المنزل تسافر إلى بلدها، فيضطر الزوج  لجلب الوجبات من المطاعم، وإحضار والدته  للمساعدة في تربية الأطفال لحين عثوره على من يقوم بعمل الشغالة حتى موعد عودتها. الزوجة موجودة ولكنّها لم تتعود القيام بأمور البيت، ولا تعرف الطبخ، فالعاملة كانت تقوم بكل شيء.

(2)
يشتكي أحدهم من زوجته التي تود استكمال دراساتها العليا تاركة وراءها أطفالها لكي تقوم العاملة بتربيتهم خلال فترة سفرها، ويتحدّث آخر عن مدى المعاناة التي يجدها من جراء انشغال زوجته بمسئوليات وظيفتها التي تجعلها تتغيب وتنشغل طوال الوقت في اجتماعات وزيارات، وكل ذلك على حساب بيتها وأسرتها. مواقف كهذه ستسمعها كثيراً في جلسات النميمة الجماعيّة.

(3)
زوج وزوجة يسافران  للاستجمام تاركين طفلاً لم يبلغ السنة من العمر. هذا الطفل لا يهتمّ  كثيراً بوجود أمه قدر اهتمامه بوجود المربية الآسيوية التي تولت العناية به وتربيته.

(4)
ما وجه الشّبه بين  دور الأم، وبين غرفة العمليات في أوقات الحروب وإدارة الأزمات؟ هل لأنّ الأم  (ينبغي) أن تكون الأكثر اطلاعاً على أحوال أسرتها، والأكثر قرباً، والأقدر على اقتراح أو اتخاذ وسائل التربية المناسبة، في ظل انشغال الرجل (بدوره)في توفير متطلبات البيت، وإعالة الأسرة.

(5)
كم من القصص الهادفة التي سمعناها ونحن على حجر أمهاتنا، وكم من أناشيد وأغاني جميلة مليئة بالحنان المتدفق مازالت آذاننا تحن إلى سماعها، وكم من مواقف حياتية مرّت علينا كانت الأم أو الجدّة أو الأخت الكبرى لنا بالمرصاد إما بالإثابة، أو بالتوجيه، بل وكم من القيم والمواقف التي شربناها مع حليب أمهاتنا؟الآن (بعض) النساء يقتصدن في إرضاع أبنائهنّ خوفاً على صدورهنّ من التّرهّل.

(6)
الغرف المريحة ذات الأصباغ الغالية، والألوان الزّاهية، والرسومات الجميلة، والأسرّة الوثيرة،  والألعاب المتنوّعة، والمعلّمين الخصوصيين، وزيارة المجمّعات التجاريّة نهاية كل شهر، وحفلات أعياد الميلاد، هل تعفي بعض الأمّهات من تأنيب ضمير التربية والاهتمام (الحقيقي) بأبنائها؟

(7)
التغير الحادث في أسلوب حياة شريحة مهمّة من الشباب والبنات من حيث أنماط التفكير، والأحلام، واللبس، والحوار، والتعامل مع الآخرين هو  نتاج للتربية التي نشأوا عليها، فليست المدنية في تغيير نوع الملابس، أوفي هيئة اللبس، بل المدنيّة هي الارتقاء بالفكر والوجدان. دور الأسرة بشكل عام، والأم بشكل خاص مؤثر جدّاً في تشكيل فكر هذا الجيل سلباً أم ايجاباً.
 
(8)
بيوت بها بنات  في سنّ المراهقة والشباب، بينما من يعدّ الطعام رجل آسيوي ربما لم يتجاوز سنه الثلاثين، وفتيات تجاوزن العشرين وهنّ لا يعرفن كيف تسلق البيضة، وفتيان تجاوزوا هذا السن وهم لا يعرفون كيف يمسكوا بفنجان القهوة. من المسئول؟

(9)
عندما تحاور (بعض) البنات تفاجأ بأن معظم أحلامهن تنحصر في  استكمال الدراسة، أو الحصول على فرصة عمل مناسبة تمكنها من تحقيق أحلامها المتمثلة في شراء سيارة جديدة، أو اقتناء جهاز حاسوب جديد، أو الحصول على آخر ما تم التوصل إليه في مجال الموضة بدون التطرق لحلم تكوين الأسرة، أو تنشئة الجيل، بل إنّ بعضهن يرى في هذه الأفكار شيئاً من الرجعية والتخلف.

(10)
الأب الذي يسمح لابنته بالنوم حتى الظهيرة، وبألا تمارس أي عمل منزلي، وبأن تقتني جهاز اتصال محمول وهي لم تكمل الخامسة عشر من عمرها، وبأن تذهب إلى المجمّع التجاري برفقة صديقاتها، وبأن تمتلك سيارة عند دخولها الجامعة دون الحاجة لذلك، هل سيستطيع تغيير تفكيرها عندما تكبر ويكون حلم تكوين الأسرة، وتربية الأبناء آخر همّها؟ والزوج الذي يختار زوجته (لمجرّد) أنها تعمل، وأن لديها راتب يمكن من خلاله تحقيق بعض أحلامه، هل سيكون حائلاً بين زوجته وبعض أحلامها؟ وهل سيحثها على أن تقوم بدورها الحقيقي في البيت حتى في ظل وجود الشغالة؟


(11)
ليس عيبا أن نعلّم بناتنا أن يكنّ جزءا مهماً من البيت، مهما كانت درجة الرفاهية الاقتصادية التي تعيشها الأسرة، وبغض النظر عن عدد العمالة المنزليّة الموجودة، ففي عملهنّ حفاظاً على وقتهن، وصحّة لهن، وكسراً لبعض الغرور، ومزيداً من القيم التي قد يحتجنها مستقبلاً.

(12)
كل عمليات المحافظة على قيم المجتمع ومكتسباته لن تجد نفعاً ما لم تقم المرأة بدورها الحقيقي، كما أن المدنيّة التي ستحوّل المرأة إلى شبه رجل هي مدنيّة زائفة. نجاح المرأة الحقيقي  لا يأتي بالحصول على الشهادات العالية، أو المناصب الكبيرة، بل بمدى تعلق أبنائها بها، وحرصهم على وجودها بينهم، يرون فيها القيمة الكبرى، والموجّه، وصانع القيم.
النجاح الحقيقي للمرأة هو في مدى قدرتها على تكوين أسرة متماسكة، وعلى أن تكون مهمّة لدى أسرتها،  وأي نجاح دنيوي آخر قد يعتبر فشلا لها ما لم يتوافق مع قدرتها على القيام بواجبها الرئيس وهو تنشئة الجيل الصالح القادر على القيام بمسئولياته تجاه نفسه وربه ووطنه.
أيتها الأمهات ..الجنة تحت أقدامكن،  فلا تبعدن أنظاركن عنها.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

(الرباط.. الأخضر يليق بك)



بعد يوم واحد  قضيناه في كازا، نغادرها إلى الرباط العاصمة حيث مكان انعقاد المؤتمر. نستغل الطريق السريع، وهو طريق واسع يمر بأطراف المدن الواقعة بين المدينتين كعين حرّودة، المحمّديّه، بو زنيقة، وادي الشراط، الصخيرات، تماره، وهي مدن تعانق المحيط الأطلسي، وتعدّ جميعها مصايف سياحية جميلة.

طوال الطريق الذي يزيد عن 90 كيلو، كان اللونين الأبيض و الأخضر يعانقان ناظرينا، فالأول هو لون البيوت، والآخر هو لون الطبيعة المحيطة، فأينما ولّيت بصرك فلن تجد أمامك سوى غابة  من الأشجار الوارفة، أو بساط عشب أخضر، وكأنها لوحة ضخمة قام أحدهم بلصقها على الأرض، هذا ونحن في بداية الخريف، فما بالكم بالربيع، وما أدراك ما ربيع المغرب.

قبل دخولنا الرباط يستقبلنا الحزام الأخضر الذي يلفّ المدينة، وهو مشروع حكومي يتم تنفيذه من خلال تشجير الشوارع والأماكن المحيطة بالمدينة. أصرخ بلا شعور وسط ذهول من معي: هل تريدون أن تصيبونني بالجنون أيها المغاربة؟ المكان كلّه أخضر فلماذا الحزام؟ اعرف مناطق في بلدي كانت عبارة عن واحات خضراء ثم أصابها التصحّر، أو غزتها نباتات متطفّلة قضت على كل ما هو أخضر سواها في ظل صمت رهيب من قبل المسئولين عن البيئة لدينا. هل تريدون مثالاً واحداً؟ خذ معك (وادي سال) على سبيل المثال لا الحصر.

ندخل المدينة في طريقنا إلى فندق (سوفيتيل) مقرّ إقامتنا. عدا اللون الأخضر المنتشر في كل مكان،  وعدا الكمّيات الهائلة من الزهور والورود التي تغصّ بها طرقات المدينة وميادينها، فقد بهرني المنتزه الطبيعي الضخم القريب من الفندق، والذي ذكّرني بغابات أوروبا كما قرأتها في القصص، وكما رأيتها في بعض أفلام الرعب الرديئة، وقد أزورها يوماً ما في حال توثيق علاقاتي بمسئولي بعض الجمعيات الثقافية أو الصحفية بالسلطنة. وقتها قد ألفّ العالم كلّه في عام واحد بحجة توثيق العلاقات والتعرف على التجارب الدولية في تلك المجالات.

في طريقنا إلى (الوزّان)، وهو مطعم شهير في حيّ أجدال، يأخذنا مرافقنا موسى في جولة سريعة في أحياء العاصمة. تبدو الرباط وكأنها مدينة صغيرة تستطيع أن تلفّها برجليك، وتنقسم المدينة التي أسّسها الموحدون في أواسط القرن الثاني عشر، إلى قسمين : القديم، والذي يمكن أن ترى ملامحه من خلال السور والأسواق الشعبية والمساجد القديمة، والجديد الذي تنتشر فيه كافة المؤسسات والمباني العصريّة الحديثة.

مما يميّز الرباط كذلك إطلاق الأسماء الاسلامية على الشوارع والزنقات، فأينما تمر إلا وتطالع  اسماً لصحابي جليل، أو عالم شهير يتصدر واجهة أحد الشوارع، وكأنّه تأكيد لمدى الاهتمام الكبير الذي يوليه المغاربة للتراث والثقافة العربية والاسلامية.

نزور مبنى الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في حيّ حسّان، المبنى قديم تجاوز التسعين عاماً، إلا أنك لا تشعر بقدمه بفضل الديكورات والرسومات الرائعة التي تملأ جنبات المبنى الذي يستوعب حوالي ثلاثين قناة تلفزيونية  وإذاعية موجّهة، من بينها قنوات خاصة بالمغتربين المغاربة في شتّى بقاع العالم، وأخرى باللغة الأمازيغية لغة السكّان الأصليين.

من الأشياء التي شدّتني خلال زيارتنا لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون اطلاق أسماء عدد من الممثلين والمذيعين والصحفيين الكبار أو الراحلين  على  بعض الاستديو هات كأليفي حفيظ وأحمد الطيب وغيرهم، ترى هل سنرى يوماً ما قاعة باسم الصحفي سليمان الطائي أو طالب المعولي، أو استيديو باسم سالم الصوري أو جمعان ديوان  ، أو مسرحاً باسم الفنّان صالح زعل، أو سعد القبّان أو غيرهم من أسماء الرعيل الأول الذي ساهم في وضع لبنة الصحافة والفن في السلطنة متحدّين ظروفاً فكريّة واقتصاديّة ومجتمعيّة عديدة واجهتهم.

ذات مغربية جميلة أخذنا موسى إلى شارع (القناصل) الذي يقع بالقرب من الودّاية، والذي سمّي بهذا الاسم لأنه كان مقراً  للبعثات الدبلوماسية في القرن 18، ويعد مع (السويقة) من أشهر الشوارع التجارية  الشعبية بالرباط، بل يمكن اعتباره متحفاً للصناعات التقليدية المغربية بمختلف أنواعها، حيث تصطف على جانبيه عشرات المحلات التقليدية وكأنهم سفراء للثقافة المغربية التي تحاول تحدي رياح التغيير العاصفة.

أما (السويقة) فهو سوق شعبي، وهو عبارة عن أزقة ضيقة تصطف على جانبيها الكثير من المحلات الصغيرة التي تبيع كل شيء، وغالباً ما يكون السوق مزدحماً بالبشر طوال اليوم وكأنك في حيّ (العتبة) في مصر. من هناك اشتريت ورفاقي عدداً من المنتجات والملابس التقليدية كالتكشيطة، والجلباب، والقفطان، والبلغة، وزيت الزيتون، وبعض أنواع الصابون المغربي، وزيت أرجان الذي يفتخر به المغاربة كعلامة تجارية تخصّهم.

المتسوّلون كثر في شوارع الرّباط، ولكنّهم ليسوا كالمتسوّلين الذين يمكن أن تراهم في عواصم عربية أخرى، فهم أكثر لطافة في التعامل، أذكر أنّ أحدهم طلب منّي أن أساعده فأخبرته أنني لا أحمل محفظتي في الوقت الحالي، وكان هذا صحيحاً، فما كان منه إلّا أن ردّ عليّ بابتسامة " مرة أخرى أن شاء الله".

في القهوة الصفراء، وهي إحدى مقاهي الرباط الكثيرة التي تتميز بالشّياكة والنظافة وحسن التصميم كانت جلستنا اليومية للتلذّذ بطعم (الأتاي) المغربي الأصيل، و(حليب سخون)، بل وبصفاء الروح. لا شيء يمكن أن يكدّر صفوك. بمجرّد أن تلتفت يمنة ويسرة تكتشف معنى الجمال الذي تحدّث عنه الشعراء وهاموا به كثيراً، بل وجنّ بعضهم بسببه. هنا لا يمكن إلا أن تحب الشعر وتستحضره. وهنا كذلك لابد أن يكتب على كل طاولة البيت التالي: الصّبا والجمال ملك يديك.. أي تاج أعزّ من تاجيك

هي قهوة بلون الشوكولاتة، أو هي الشوكولاتة ذاتها، تودّ لو التهمتها فالتهمت معها شياكة تصميمها، وجمال روح العاملين بها، وابتسامات مرتاديها. هل تعمّد صاحبها أن (يرسمها) بذلك الشكل حتى لتعتقد أنها كعكة حقيقية كبيرة لا مجرد مبنى صبغ باللونين الأصفر والبنّي الداكن.

زيارتك للرباط قد تجعلك تفكر في قراءة التاريخ الأندلسي مرة أخرى، ذلك أن هذا التاريخ الذي نستحضر منه السهول الخضراء اليانعة، والطيور المغرّدة، والفتيات الحسان المستلقيات على الخمائل، وصوت الطرب الأندلسي الجميل يمكن أن تراه حاضراً عند زيارتك (صومعة حسان)التي شيدت في عصر دولة الموحدين، أو قصبة (الوداية) بسورها ومسجدها المسمى بالعقيق، أو موقع (شالة) على أطراف نهر أبي رقراق الذي تتراكم فيه آثار حضارات رومانيّة وأندلسيّة ومغاربيّة.

الرّباط حكاية جميلة لا يكفيها مقال. مازالت ذاكرتي تحتفظ لها بعشرات المواقف الجميلة والطريفة التي لن تستطع خريطة العالم أن تمحوها. ما تزال أشعار إبراهيم ترنّ في ذاكرتي، وما برحت صوري الشخصية تتحدث عن براعة (البرنس) خالد في التقاطها، ومازالت حلاوة حديث رئيس وفدنا، وغزارة معلوماته، وبراعة أسلوبه الخطابي تضيف إلى ثقافتي المتواضعة الشيء الكثير في كل مرة أرافقه فيها.

لا أجد للختام  سوى أبيات  من أغنية مغاربية جميلة رافقتنا طوال رحلتنا، صحيح أن موسى كره الأغنية والمطرب والمحلّ، بل والبلد بأكملها من كثر  إلحاح إبراهيم عليه بتشغيلها في كل مرّة نركب فيها معه، ولكنها بلا شك ستبقى ذكرى طريفة تذكّرنا بأيام من الحلم عشناها هناك:
بافيني يا خوتي بافيني..بافيني وأصحاب الهذرة خاطيني.. بافيني وباغي نعيش وحداني.. ربّي الفوقاني هو اللي يداوي حالي.

د. محمد بن حمد العريمي
MH.ORAIMI@HOTMAIL.COM

الأربعاء، 9 أكتوبر 2013

يوم في كازا



كانت الرغبة في زيارة المغرب بالنسبة لي حلماً مؤجّلاَ لطالما تمنيت أن يتحقّق يوماً ما وذلك لكثرة ما كنت أسمعه من وصف جميل لهذا البلد والمغلّف بعبارات المدح والثناء المبالغ فيها، والتي جعلتني أتخيّلها عالماً آخر لا يمتّ لعالمنا بصلة.
وعندما تقرّر زيارتي للمغرب للمشاركة في إحدى الندوات العلميّة المتعلّقة بمجال عملي، كان الهاجس الذي ظلّ يساورني طوال الأيام التي سبقت موعد السفر هو ما كنت أتخيّل رؤيته هناك ، وما الذي سيميزها عن غيرها؟ هل هي المناظر الطبيعية، أم التطور الحضاري، أم ماذا بالضبط؟ ولماذا لا يقولون نفس الشيء عن بلدان عربية أخرى اشتهرت بعراقتها وتقدمها، لذا كانت اللهفة طاغية ، والرغبة ملحّة في استباق الأيام وحلول موعد السفر.

عندما نزلنا في مطار محمد الخامس كان أول ما صادفني لوحة ترحيبيّة كبيرة كتب عليها "نرحب بأبناء الجالية المغربيّة في الخارج". استوقفتني العبارة طويلاً وسرحت أتأملها، فأنا مع أسفاري المتعدّدة لا أذكر أنني رأيت مثيلاَ لهذه العبارة في أي مطار آخر، بل إن بعض هذه الدول تودّ لو أنّها كسرت ملايين القلل خلف أبنائها المهاجرين وكأنهم عالة عليها لا سند وقوة لها. كان ما رأيته باعثاّ على الأمل بأنني سأرى أشياءً جميلة كثر، ذلك أن البلد التي تحترم أبنائها المغتربين، وترحّب بهم أكثر من ترحيبها بالغريب هي بلد ينبغي أن تحترم، فما بالكم وهذا الاهتمام يتصدر بوابة العبور الأولى إلى الوطن، وكأنها رسالة تصدّر إلى القادمين ، كانت هذه اللوحة هي أولى النقاط الذي دوّنتها في ذاكرتي  وأنا أقارن بين ما أراه هنا، وبين ما رأيته في مدن سابقة قمت بزيارتها.

بأكواب (الأتاي) الساخن، وكلمات المجاملة اللطيفة تم استقبالنا ريثما تنتهي اجراءات خروجنا من مطار محمد الخامس، لنستقلّ بعدها السيارة التي كانت تنتظرنا لأخذنا إلى مقرّ إقامتنا، دون أن يعترض طريقنا متسوّل، أو أن يتزاحم علينا حامليالشنط، أو أن يلحّ علينا سائق تاكسي ثقيل دمليجبرنا على أن نركب معه ولو بالعافية، كما يحدث في بعض المطارات العربية. وكانت هذه النقطة الثانية التي وضعتها في الحسبان خلال قيامي بعملية المقارنة.

ننطلق من المطار باتجاه فندق "حياة ريجنسي" حيث مقر إقامتنا، الشوارع عادية لا تكاد تختلف عن شوارع كثير من المدن التي زرتها، والمباني ذات المباني التي رأيتها هنا وهناك، صحيح أن اللون الأخضر منتشر على امتداد البصر، ولكني ما زلت أنتظر أن أرى شيئاً استثنائياً يتوافق مع ما سمعته من حكايات أسطورية عنها. فجأة تذكرت أنني طوال نصف ساعة كاملة من انطلاقنا من المطار وحتى وصولنا إلى الفندق لم أسمع صوت (بوق) سيّارة واحدة برغم زحمة الشارع وكثافة الحركة المرورية التي تصادفت مع يوم العطلة الرسمية في البلد. إذاً هذا شيء آخر يضاف إلى قائمة المقارنة.

بعد ساعة من وصولنا إلى الفندق أقرر النزول لا كتشاف الشوارع المحيطة به، وهي عادة أفعلها في كل مدينة أنزل بها، فما بالكم وأنا أتحدث عن مدينة استثنائية بحسب الصورة الذهنيّة التي رسمتها لها، وما بالكم كذلك وأنا سأغادر هذه المدينة  في اليوم التالي ذاهباً إلى الرباط العاصمة حيث مكان انعقاد الندوة.

يقع الفندق  في ساحة الأمم المتحدة والتي كانت تسمى ساحة فرنسا زمن الاحتلال الفرنسي للمغرب ، وبالقرب  من مجسم الكرة الأرضية الذي أنشئ في سبعينيات القرن الماضي، وأصبح من معالم كازا الشهيرة،  كما لا يبعد سوى كيلو متر واحد عن ميناء المدينة، يوماً ما وقبل حوالي 70 عاماً من الآن صورت في هذه الساحة مشاهد من الفيلم  الأمريكي الرومانسي الشهير "كازابلانكا" الذي قامت ببطولته انجريد برجمان وفري بوغارت، لذا فليس غريباَ أن ترى كثيراً من السياح يتوافدون لرؤية الأماكن التي صورت فيها تلك المشاهد.

ولأنني عاشق للمقاهي فقد كان من الطبيعي أن تشدني المقاهي الكثيرة التي تتميز بها الشوارع القريبة من الفندق في كازا القديمة، والتي كانت كاملة العدد بزبائنها الذين كان حديثهم مزيجاً بين السياسة والرياضة والشئون المحلية والخاصة، وفي "مقهى فرنسا" التاريخي المقابل لفندق حياة، والواقع بين ملتقى شارع محمد الخامس وساحةالأمم المتحدة، والذي أنشأته سيدة فرنسية عام 1946، وكان المكان المفضل للتجار الفرنسيين أيام الاستعمار، شربت قهوة فرنسية ستحتفظ بها ذاكرتي طويلاً كاحتفاظ المقهى بتاريخ المكان، وفي"القهوة الخضراء" القريبة احتسيت (أتاياً) لم أذق ألذّ منه نكهة وطعماَ من قبل وكأنني أشربه لأول مره. في كازا لا يفوق عدد المقاهي سوى تعداد البشر القاطنين بها، وكأنما أضحت تلك المقاهي جزءاً من حياة سكانها اليومية.
تجولت في سور "باب مراكش"، وسوق الدار البيضاء، وفي زنقات شارعي محمد الخامس والجيش الملكي ، البنايات بيضاء على اسم المدينة،وصممت على الطراز المورسكي، هنا يباع كلشيء، خاصة الألبسة الجاهزة والأحذيةوالمصنوعات الجلدية والمجوهرات الفضية. لمن عاش مثلي فترة طويلة في  مصر سيعتقد لأول وهلة أنه في شارع طلعت حرب بوسط القاهرة، أو في صفية زغلول بمحطة الرمل بالإسكندرية. المعالم تتشابه كثيراً، وأثر المستعمر يبدو واضحاً من خلال تصميم الشوارع والبنايات. ما يميز كازا أن شوارعهاواسعة ونظيفة، ولا أثر لقمامة ملقية على الطريق، كما أن الكل مستعد أن يمنحك ما تشاء دون انتظار لمقابل.
في المساء نستقل السيارة المخصصة لنا لأخذ جولة سريعة في "عين الذئاب البشرية"  والتي يسميها البعض اختصاراً بعين دياب، وهي إحدى أهم الأماكن السياحية في كازا. بمجرد ركوبنا ينطلق صوت نجاة يتبعها حليم برائعته " الرفاق حائرون".برغم فترة الاستعمار الطويلة إلا أن المغاربة عاشقون للتراث العربي، مغرمون بفنونه، محافظون على ملامحه، تجد ذلك في تصميم أسواقهم، واختيارهم لمسمياتهم الحياتية المختلفة، وأسماء زنقاتهم وشوارعهم، وحبّهم للطرب الشرقي الأصيل. أسأل موسى سائق السيارة عن أوضاع البلد فيجيبني بأنها مطمئنة، وأن الحكومة تسعى جاهدة لتحسين الأوضاع، وأن الأوضاع أصبحت أفضل مما كانت عليه في السابق، وستصبح أفضل وأفضل بتعاون الجميع. أسأله إن كان منتمياً لحزب معيّن، فيجيبني بالنفي وأنّه يؤيد أية حكومة تعمل لصالح المواطن بغض النظر عن انتمائها الفكري والسياسي.
موسى مثال للمواطن المغربي المثقف، فهو بالرغم من عمله السابق كعسكري، وعمله الحالي كسائق إلا أنه يتمتع بثقافة عالية، ودراية شاملة بتاريخ بلده، واطلاع كبير على كافة الأنشطة الحكومية في مختلف المجالات، وكان موسوعة شاملة استفدت منه كثيراً في معرفة أدق تفاصيل تاريخ المدينة  ومعالمها المختلفة، فلا نكاد نمرّ على معلم تاريخي أو حضاري ما ونستفسر عنه ،  أو نناقش قضية محلية مختلفة أو خبراً ورد في إحدى الصحف إلا وينطلق موسى شارحاً كل ما يتعلق بتاريخ ذلك المعلم أو تلك القضية،  وكأنك أمام أستاذ جامعي لا سائق بسيط.
في بعض الدول يستقبلك سائق التاكسي بعبارات النقد الجارح لسياسات حكومة بلده، والاستياء من الأحوال المعيشية والعامة، والتي تجعلك تكوّن صورة ذهنيّة قاتمة  عن البلد التي تزورها، وتغدو أكثر توتراً طوال فترة إقامتك، وتجعلك تتمنى لو لم تقم بزيارة تلك البلد من الأساس.
في كازا رأيت كل شيء أبيض كاسمها. البيوت، والشوارع، وحتى قلوب الناس.
1

الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013

نقاط على هامش الاضراب


(1)
بمناسبة الاضراب الذي ينوي بعض المعلمين القيام به اليوم ( وقت كتابة المقال): هل المطلب المادّي هو المطلب الأساس؟ وماذا لو تم رفع راتب المعلم أو علاواته الفنيّة، أو تم ايجاد كادر خاص للمعلم، هل تنتهي المشكلة؟ وهل ستصبح العملية التعليمية أكثر نجاحاً وتقدّماً؟ وهل ستتطور فجأة كافة القدرات والامكانات المتعلقة بالمعلم. وهل الإضراب احتجاجاً على وضع العمليّة التعليميّة برمّتها أم قاصراً على وضع المعلًم فقط؟ وهل الرسالة موجّهة لوزارة التربية والتعليم فقط، أم موجّهة للمجتمع ككل بحكم أن العملية التعليمية عملية مجتمعيّة تشاركية؟
سؤال آخر: هل تم استنفاذ كافة الحلول قبل البدء في تنفيذ الاضراب، أم لم يكن هناك حوار جادّ من الأساس.

(2)
ألم يحن الوقت لوجود جمعية معلّمين مستقلة تجمع التربويّين في كيان واحد، وتتبنى مطالبهم ، وتعالج همومهم، وتزيل كثيراً من الاحتقان المتبادل، وتحقق عدداً من المطالب الاجتماعية التي ستضيف الكثير لبيئة العمل، ليس أقلها المعاش التقاعدي، أو حق العلاج، أو تنظيم المناشط الاجتماعية، أو حماية حقوق المعلم والدفاع عنه، وأشياء كثيرة لا يمكن حصرها في هذه المساحة.

(3)
وما دمنا نؤلف الأشعار، وندبج الخطب في الحديث عن دور المعلّم ومكانته في المجتمع، ألم يحن الوقت لإيجاد كادر خاص به يشتمل على مخصصات مالية تتناسب والجهد الذي يبذله، ويراعي التطور الفكري والوظيفي له بشرط تدرجه في عمله، وعدم انتقاله إلى مراحل تدريسية أو وظيفية أعلى إلا بعد اجتيازه اختبارات كفاية مناسبة للمرحلة القادمة، وربط ذلك بالعلاوات المالية، على أن يمر المعلم الجديد بعد تخرجه من كلية التربية بسنة امتياز، يتعرض خلالها لعدد من برامج الإنماء المهني طوال عام كامل، وبعدها يتم الحكم على مدى صلاحيته لممارسة المهنة.
هذا الأمر (ربّما) من شأنه أن يحقق مبدأ التنافسية ، ويجعل المعلم أكثر حرصاً على تطوير مستواه الأكاديمي والمهني.

(4)
في ظل الحديث عن مئات الكوادر التربوية من حملة المؤهّلات العليا: ماذا لو تمت (خصخصة) بعض الخدمات التعليمية الموازية كالإرشاد النفسي وتصميم المناهج والتدريب، بحيث تقوم بها مراكز ومؤسسات محلّيّة خاصّة وفق معايير عامة تطرحها الوزارة. ألن يكون في ذلك استفادة من مئات الطاقات والكوادر المتخصصة التي أنهكها الروتين؟ ولماذا لا يسمح لي كمتخصص في المناهج أن أشترك في تصميم منهج ما بالتعاون مع متخصص في المادة وآخر في التصميم، وأنافس زملاء آخرين في ذلك، وبالتالي يكون أمام الوزارة خيارات أفضل وأشمل وفق معايير عامة تضعها هي، وفي نفس الوقت أشعر أن ما درسته لم يذهب هدراً، وكذلك لا أنشغل بهم البحث عن تحسين الوضع الوظيفي من خلال منصب بعيد كل البعد عن تخصصي. 


(5)
ميزانية التعليم ترتفع كل سنة بمقدار ٣٠٠ مليون تقريباً كل عام.
السؤال الأول: هل تتوازى جودة المخرجات مع هذه الزيادة السنوية؟
السؤال الثاني: هل هناك تنويع وتغيير حقيقي في البرامج تتوازى مع هذه الزيادة؟
السؤال الثالث: ماذا لو حدث عائق أعاق هذه الزيادة في سنة ما. هل ستحدث انتكاسة في تنفيذ الخطط والبرامج بحجّة انخفاض الميزانيّة السنويّة؟

(6)
من منطلق أن العمليّة التعليميّة وتكوين شخصية الطالب الذي نريد قضية كبرى لا يقتصر تنفيذ برامجه على جهة بعينها. هل هناك تنسيق وتكامل وسياسة شراكة بين وزارة التربية وبقية الوزارات المعنية كالثقافة والاعلام والشئون الدينية والتنمية وغيرها في وضع خطط مشتركة لتنفيذ برامج متوافق عليها، وموجهة نحو تعزيز الاهتمام بالطالب من خلال البرامج التي تكمل دور المدرسة، وتعزز تحقيق الأهداف العامة المرسومة سلفاً ، أم كلٌ يعمل وفق هواه؟ بمعنى هل يتم دراسة نتائج دراسات وتوصيات هذه الجهات وتنفيذ برامج مشتركة من واقع هذه النتائج بحيث تؤدي الانشطة المختلفة ثمارها المرجوة؟ أم كل طرف ينفذ برامجه لمجرد أن يزيل الحرج عنه ويقول للرأي العام أنني فعلت ما هو مطلوب مني؟

(7)
أليس حريّاً بأعضاء مجلس الشورى ان يتبنّوا مراجعة القوانين المتعلقة بالعملية التعليمية انطلاقاً من دورهم التشريعي والرقابي المتاح لهم أكثر من ترديد المطالب التي ينادي بها العاملون في القطاع وبالتالي الظهور بمظهر الأبطال المناضلين المدافعين عن حقوق المعلّم كونه الشريحة الأكثر تأثيراً في الانتخابات، فهذا دور الاعلام لا دور المجلس، فمازالت هناك قوانين كثيرة عتيقة تعرقل المسيرة التعليمية، ومازال هناك تشابك أدوار مع مؤسسات أخرى، ومازالت هناك ضبابية وعدم وضوح رؤية حول ماذا نريد من المنتج التعليمي. هنا يأت دور المجلس الحقيقي.


(8)
عملت لفترة من الزمن كمعلم، (فرض) عليّ خلالها أن أكون مشرفاً على جماعات طلابيّة مختلفة لا رابط مشترك بينها ابتداء من المسرح وانتهاء بالكشّافة، وكنت أناوب كل صباح وأحياناً في الفسح المدرسيّة، ومرّات أنظّم حركة ركوب الطلاب للحافلات في نهاية الدوام. هل هذا من صميم عملي كمعلّم؟ وهل توضع المناشط لمجرّد سدّ خانة في الجدول المدرسي أم ايماناً بدورها المهم في صقل الشخصيّة الطلابية وو.. الى آخر بقيّة الطقم من العبارات الرّنّانة؟

(9)
نسمع كثيراً عن الدعم المادي الذي تقدّمه بعض مؤسّسات القطاع الخاص لدعم العمليّة التعليميّة من خلال انشاء المباني المدرسيّة، ورعاية الاحتفالات، ودعم بعض الأنشطة.
السؤال المهم: أين دور المؤسّسات الخاصّة والاقليميّة في تقديم برامج تخصص لتأهيل التربويّين وتطوير أدائهم المهني في مختلف المجالات ولا أقصد هنا دعم المشاغل والملتقيات البسيطة، وأين هي مساهمة المؤسسات التربوية والثقافيّة الإقليميّة والعالميّة التي نحرص على أن نكون أول الملتزمين بدفع حصصنا السنوية فيها، أم أن حضورنا فيها يقتصر على الدفع الفوري، والمشاركة في اجتماعاتها الدوريّة ، والورش، وحفلات التكريم التي تقيمها، بينما تذهب البرامج والانشطة والفعاليات لدول أخرى مازالت لم تدفع حصّتها عن أعوام عشرة سابقة.

(10)
ماذا عن المناصب القياديّة في الوزارة والمديريّات المختلفة؟ هل هناك معايير واضحة في الاختيار تسري على (الكل)، أم أن هناك بعض المؤثرات تتدخل في اختيار (البعض)؟ وهل مازلنا نتعامل (أحياناً) بمنطق (القريب من العين قريب من القلب)؟ وهل كون فلان عمل يوماً ما مع المسئول الجديد علّان مسوّغ كاف لاختياره في منصب قيادي؟ وهل وهل وهل.

(11)
من العبارات السائدة لدى البعض: المعلّم لا يداوم سوى حصتين أو ثلاث في اليوم، كما أنه يقضي أكثر من نصف السنة في اجازات، ومع ذلك يتقاضى راتباً عالياً، فلماذا المطالبة كل حين وآخر بتحسين وضعه.
قد يكون هذا صحيحاً، ولكن عندما تذهب للمدرسة لتجد أن طالباً لم ينجح المجتمع بكافّة مؤسساته في تشكيله يحذفك بطوب لمجرد أنك كنت حازماً معه بالأمس، أو يثقب إطار سيّارتك، أو يتلفّظ عليك بكلمة نابية تكون كافية لأن تهدر كرامة وشخصيّة كنت تحرص على الحفاظ عليها أمام ابنك أو تلميذك المؤدّب.
وقتها.. قد نعرف لماذا يعاني البعض.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 23 سبتمبر 2013

"مزاج للبيع"

"اكتشف مأمورو الضبطية القضائية خلال الجولة التفتيشية الإعتيادية التي يقومون بها، وجود كميات من التبغ  المحظور بيعه، والخمور المهرّبة في أحد المحلات التي تمارس نشاط  بيع الأدوات المنزلية والكماليات  في ولاية السيب، حيث تم ضبط 21 زجاجة خمر، وكميات كبيرة من التبغ غير المدخن والسجائر المخالفة".

هذا الخبر ذكّرني بخبر سابق  مشابه مفاده "ضبط أحد الباعة من الجنسية الآسيوية بمحل لبيع الملابس النسائية في الخوض يبيع مشروبات كحولية (خمور)، حيث وجد بحوزته أكثر من 70 زجاجه مشروبات كحولية ( خمور) يقوم بالترويج لها وبيعها لبعض المتعاملين معه".

تخيّلوا معي.. محلّ لبيع المواد والأدوات المنزليّة، وآخر لخياطة الملابس، وكلاهما يقع وسط حيّ شعبيّ مأهول بالسّكّان، وكلاهما كذلك يتعامل مع شرائح مجتمعيّة مختلفة الفئات والأعمار، يبيعان مشروبات (روحيّة) وسط مجتمع يسوده طابع التديّن والمحافظة والتمسّك بالقيم. قد نجد لهؤلاء بعض المبرّرات الواهية إن كانت هذه الضبطيّات قد اكتشفت وسط أحياء خاصّة بالعمالة الوافدة، أو في أماكن منزوية بعيدة عن الأعين، أو في محلّ يقع على قارعة طريق صحراويّ بعيد، أمّا أن يتم ضبطها في محلّات خصّصت أساساً فهي قمّة الجرأة، أو .. اللامبالاة.

إذاً هي سوق سوداء لبيع الممنوعات في منتصف النّهار، وتحت ضوء الشمس، وعلى مرأى من العامّة، ومادامت هناك خمور تباع بهذه الطريقة فهناك بالتأكيد أشياء لا تقلّ خطورة  ليس أقلّها حلويّات الأطفال المغشوشة، ولا الإطارات القديمة المعاد استخدامها، ولا البطاطا التي يعاد بيعها بعد جلبها من المرادم، ولا بقايا الجلود والعظام المجلوبة من المسالخ، ولا الأطعمة والمأكولات المعاد استخدامها، ولا المواد الغذائيّة منتهية الصلاحيّة والتي تباع علناً أو بعد تغيير تواريخ انتهائها، ولا زيوت السّيّارات المغشوشة،  وليس أهونها  المخدّرات بأشكالها وأنواعها "، والتي سمعت أحد متعاطيها البائسين يجيب القاضي في إحدى الجلسات التي حضرتها عندما سأله عن كيفيّة الحصول عليها: " إنها تعرض علينا علناً في الشوارع،  جرّب أن تسأل أي آسيوي تقابله وهو سيدلّك بكل بساطة على من يبيعها لك".

بالمختصر المفيد هناك شبكات وافدة تدير جلّ هذه الممارسات المشبوهة والتي تهدّد أمن البلد وسلامته على كل المستويات والأصعدة، وسط حالة صمت رهيبة من قبلنا بحيث  أصبح الخوف من الوقوع في الجرم لدى هؤلاء غير موجود إن لم يكن منعدماً من الأساس، يدفعهم إلى ذلك عوامل كثيرة يمكن اختصارها في ضعف سطوة القانون، وثقافتنا الاستهلاكية السلبية في كثير من جوانبها، والصورة الذهنيّة المرسومة لدى هؤلاء عن أنّنا مجتمعات مرفّهة لا مبالية، ويمكن الضحك عليها بأبسط الطرق.

القضيّة الأولى من وراء هذا الطرح  هي أن ما يمرّ به مجتمعنا من تفشّي وتنامي لمثل هذه الحالات من الممارسات الاقتصادية والاجتماعية (اللا إنسانية) سبق وأن مرّت بها دول مجاورة ،  عانت منها واكتوت بنارها، واتخذت مقابلها عدداً من الخطوات والإجراءات التصحيحيّة، أما نحن فلن نقوم بدراسة تجارب تلك الدول، ولن نتحرّك إلا إذا وقع الفأس في الرأس، أو "بعد خراب مالطا" كما يقولون، هذا إذا تحرّكنا من الأساس.

القضيّة الأخرى هي أنّ (بعضنا) لا يفرّق بين (الجيب) العام والخاص، أو بين الجسد الكبير والصغير، فمادام جيبه الخاص يمتلئ نهاية كل شهر ببعض الفتات، فلا مانع أن يثقب الجيب العام للدولة ككل، وأن يتم استنزاف مواردها بتصرّفات (شيطانيّة) كهذه، ومادام جسده سليماً لم يتأثر بعد بنتائج مثل هذه التصرّفات، فلا يهمّه أن يتم نخر الجسد الكبير للمجتمع بالأمراض الفتّاكة، وتدمير الطاقات الشبابية، وخلخلة الاقتصاد،  وسلّم لي على.. الكفيل.

القضيّة الثالثة هي  أنّنا حتّى الآن لسنا جادّين في التصدّي لهذه الممارسات، أو حتّى محاولة تقنينها، والدليل على ذلك هي القوانين التي لم تستطع أن تحدّ من خطورة هذه الممارسات التي هي في ازدياد، والتي تكشف لنا الضبطيات اليوميّة للجهات المختصّة عن عشرات الممارسات التي تصيبنا بالذّهول والاستغراب، ومازالت مشاريع القوانين الجديدة أو المعدّلة تتناقل كحجر النّرد من مكتب لآخر، ومن جهة لأخرى.

القضيّة الرابعة هي نظرتنا المغلّفة بالرحمة والعطف، أو بالمصلحة أحياناً تجاه تلك الفئات، فبعضنا يغضب عندما يتم مسّ ممارسات هؤلاء ولو بكلمة، أو الحديث عن تقنين أو ضاعهم، أو الحدّ من سطوتهم الزائدة وسيطرتهم على المفاصل الأساسيّة للسوق والاقتصاد بشكل عام، وأقصد تحديداً ذوي "الشنبات السوداء" الذين تراهم أمامك في كل مكان يصل إليه بصرك في العاصمة، في الشارع، وفي المجمّع التجاري الكبير، وفي المطعم الفخم، وفي البنك، وفي الحديقة العامّة، بسيّاراتهم الفارهة، وبالأختام والأساور وسلاسل الذهب التي تغطّي المعصم والرّقبة، وبالشّعر الكثيف الذي يملأ الظّهر والرقبة ولا تسألني كيف عرفت ذلك، على اعتبار أنّ هؤلاء يسهمون في دفع عجلة الاقتصاد، والمساهمة في بناء الوطن. وبعضنا الآخر ينظر للفئة الأخرى التي يراها (تشحت) بطريقة غير مباشرة عند مكائن سحب الأموال، وفي مواقف السيارات، على أنّهم بسطاء يستحقّون العطف والشّفقة، وهو الأمر الذي يجعلهم يستغلون هذه النظرة للتمادي في السلوكيات التي ما تلبث أن تتحوّل إلى سلوكيّات  أكثر خطورة على المجتمع،  اعتماداً على  منطق (بلد الفرص الوافرة)، و(الناس اللامبالية).

والحلّ.. سنظل نردّد كثيراً كلاماً من قبيل التوعية والتثقيف للمجتمع حول بعض السلوكيّات الاستهلاكيّة، والنظر في قوانين العمل والاستثمار الحاليّة ، وسنّ قوانين أكثر حزماً وصرامة، ووو. ولكن يبدو أن كل ما قلناه، وما سنعيده مستقبلاً ، هو من قبيل الفضفضة فقط، وقد نطالع في المستقبل أخباراً أكثر فظاعة وذعراً، عن ممارسات تقوم بها هذه العمالة أو تلك، وكعادتنا في كل مرّة سنغصب مؤقّتاً، ثم "تعود ريمه إلى حالتها القديمة".
يسألني صديق ظريف: ترى هل هذه المشروبات أصليّة أم مغشوشة. يا راجل؟ هو دا وقته؟

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

في مقاهي المحروسة (11)

الأمفتريون

إبريل 2007.. جوّ القاهرة ربيعيّ مترب. كنت قد لازمت شقّتي الصغيرة بسبب جرح في صدري نتيجة انزلاقي في ليلة جمعة ممطرة عاصفة، يومها ظهرت الشهامة المصريّة الحقيقيّة متمثّلة في عمّ سيّد البوّاب، وعمّ صابر حارس العمارة، اللذين حملاني على وجه السرعة إلى مستشفى الجنزوري الخاص القريب من المكان، وكانت النتيجة ثمانية غرز في الصدر، وتنبيهات بملازمة الفراش وعدم ممارسة أي نشاط بدني، ومن حينها انزويت في شقّتي لا يعلم أحد ما حدث لي باستثناء بعض المقرّبين من الأصدقاء الذين استنكروا غيابي.

هاتف الشّقةّ يرنّ. المتحدث هو محمد البلوشي. بعد السلام والسؤال عن الحال وشيء من العتاب المهذّب نتّفق على أن يزورني في اليوم التالي.

محمد صديق عزيز، جمعتنا ذكريات جميلة في 6ش عدن بالمهندسين حيث سكنّا معاً لفترة من الزمن، وحيث ذكريات العمل المشترك في نادي الطلبة، وذكريات أخرى كثيرة. يكمل محمد دراسته العليا في الفنون الجميلة، وتحديداً في فنّ النحت الذي تخصّص فيه، وملك عليه كيانه لدرجة أن صالة شقّتنا تحوّلت إلى متحف مفتوح من كثرة المعروضات التي لم ترحم توسّلاتنا.


في العاشرة من صباح الخميس يصل محمد بأناقته المعهودة، حاملاً (بوكيه) ورد كبير، وصندوقاً من التمر المحشو باللوز. هكذا هو محمد. هو الاتيكيت ذاته يمشي على قدمين.

حدّثتني كثيراً يا صديقي عن مصر الجديدة وجمالها. هي فرصة أن أراها على أرض الواقع، أريد أن أشاهد مبانيها الجميلة وشوارعها الواسعة التي رأيتها في أفلام حليم وشادية وصباح، والتي طالما سمعتك تتغنّى بها في جلساتنا الخاصّة. لك ذلك يا عزيزي، هيا بنا إذاً.

ننزل من الشقّة باتجاه ميدان روكسي، أول ما يصادفنا حديقة (الميرلاند) الشهيرة بمساحتها الخضراء الشاسعة ، هذه الحديقة يا صديقي كانت يوماً ما جنّة خضراء، تجعل زائر الحديقة يشعر كأنه انفصل عن العالم الخارجي، ودخل إلى عالم جديد سمته الجمال. لم تعد الحديقة كما كانت، كأي شيء جميل يذهب ولا يعود.

في طريقنا إلى الميدان، نتوقف على الرصيف انتظاراً لمرور الترام أو (التروماي)كما يحلو للبعض تسميته، أو (الزقزوقة) كما يدلّعه آخرون بسبب صوته المميّز على القضبان. الترام هو أحد معالم مصر الجديدة الشهيرة، يقول المصريون "اللي يركب التروماى لازم يبقى صاحب مزاج ومش مستعجل"، لذا ليس غريباً أن تشاهد نوعية من الركّاب من كبار السن ، وهم يركبونه كهواية يوميّة يتذكّرون فيها أثر مجد غابر للمكان، مكتفين بالتطلّع إلى واجهة المحلات، ومداخل البنايات، وقد يفتحون أحياناً حواراً سياسياً مع الجار القريب يمكن أن تتحوّل إلى صداقة مؤقّتة تنتهي عند المحطّة القادمة.

أنظر يا صديقي، هذا هو ميدان (روكسي )الشهير ، هنا قلب مصر الجديدة، هذا هو نادي "هوليليدو"، وتلك هي كلّيتي على مرمى حجر في شارع المقريزي، وذاك هو محل "العبّودي" الشهير المتخصص في ملابس السهرة والأفراح، وهناك سينما روكسي وغرناطة. هل ترى تلك الأبراج الشاهقة؟ انها أبراج عثمان أحمد عثمان أشهر رجال السلطة والأعمال زمن السادات.


ندخل شارع إبراهيم اللّقّاني أحد الشوارع المتفرعة من الميدان، كنت أعتقد سابقاً أن صاحبه قريب لأستاذي المرحوم أحمد اللّقاني، ثم اكتشفت فيما بعد أنه مجرد تشابه أسماء وأن هناك فارقاً زمنياً في النشأة يزيد عن 400 عام بين الاثنين. ينبهر محمد بفن العمارة الذي يميّز مباني الشارع على الطرازين الإسلامي والقبطي حيث تمتزج وتتجانس الزخارف والأقواس والقباب العربية بالأعمدة الرومانسية ذات التيجان المنقوشة، ومشربيّاتها المصنوعة من الأرابيسك، وبواكيها الواسعة.

تأمّل من حولك يا صاحبي، هنا ستجد أشهر محلات الأحذية والحقائب والمنتجات الجلديّة، هذا فرع "عمر أفندي " أحد أعرق المحلّات في مصر، وذاك هو "الشبرواي" أحد أشهر المطاعم الشعبيّة في مصر، والذي يمكن أن تجد له فرعاً في كل حارة قاهريّة.

نشرب كوبين من المانجو عند (أبو حيدر ) أشهر محل للعصائر والشاورما في الشارع لنواصل مسيرنا إلى شارع الأهرام الذي يتقاطع مع الشارع لنلمح على الناحية الأخرى منه حيّ (الكوربة) أصل مصر الجديدة وأحد أعرق أحيائها، وهي تعنى بالإيطالية الانحناءة أو القوس. ذاك فندق (هليوبوليس بالاس) درّة تاج الكوربة وأول مبنى فيها، وتلك كنيسة البارون أو كنيسة (البازيليك ) التي بنيت بناء علي طلب من البارون البلجيكي "ادوارد امبان" باني ومخطّط مصر الجديدة، وفيها دفن. هنا يمكن أن تأكل كيكاً مصنّعاً بطريقة منزليّة في المقهى السويسري «هوم ميد كيك، ومن شوارع بيروت أو بغداد القريبة يمكنك أن تشتري لأطفالك أفضل الملابس وأجودها.

نصل إلى محطّة استراحتنا.. مطعم (أمفتريون ) الذي يقع على ناصية الشارع من اليسار عند تقاطع شارعي اللقاني والأهرام. ندخل المطعم الذي تميّزه واجهته العريضة، ولافتته البلاستيكيّة التي تغطي المكان بأكمله والتي تتكون من شعار شركة كوكا كولا الشهيرة يتوسطها اسم المطعم باللغتين. وهو يتكون من أجزاء ثلاثة : المطعم، والحديقة، والتراس. نختار الحديقة كون الجو معتدل، وهي فرصة للاستمتاع بصوت الترام الذي يمر قريباً من هنا، فقط علينا أن نكون حذرين عند التعامل مع الباعة الجائلين الذين لا ينقطعون عن المكان، فما بالنا لو اكتشفوا أننا من الخليج.

بطبيعته الهادئة وبذوقه الفنّي يبدي محمد إعجابه بالمكان وتصميمه الذي هو مزيج من فن العمارة الأوروبي والهندي، وبالصور الفوتوغرافية التي تحيط بالمكان وتوثّق لحضوره التاريخيّ، وكذلك لوجود بعض التحف الجميلة التي حرص أصحاب المكان على ابقائها ربّما رمزاً لتاريخ عريق يحمل في ثناياه عراقة الماضي الأصيل .

يسألني محمد عن أصل تسمية المطعم ، فأجيبه بأنها تسمية يونانيّة نسبة لأحد أشراف مدينة طيبة في الأساطير اليونانية، لذا فهو في الأصل مطعم يوناني، وقد مرّ على انشائه أكثر من 90 عاماً، حيث يعود تاريخ افتتاحه إلى عام 1922، و آلت ملكيته اليوم إلى أحد رجال الأعمال المصريين كحال كثير من المحلّات والمطاعم والمباني بعد قرارات التأميم الشهيرة زمن عبد الناصر، والتي أدّت إلى هجرة الكثير من الجاليات الأوروبيّة واليهودية لهذا السبب، وقد شهد كغيره من المطاعم والمقاهي المصريّة العريقة صالونات أدبيّة شهيرة ، وكان من أبرز روّاده الناقد الكبير عبدالقادر القط، والسياسيّ البارز أسامة الباز، وغيرهم . يبدي محمد اعجابه بمعلوماتي فأجيبه أنني استقيتها نتيجة زيارات سابقة للمطعم وحواراتي مع أصحابه.

يأتينا النادل العجوز فنطلب ليموناً بالنعناع ، وطبق مهلبية مع الأيس كريم. يلمحنا ماسح الأحذية فيأتي عارضاً خدماته علينا، نوافق لأنّنا لا نملك حقّ الرفض لأسباب إنسانيّة، ولأسباب أخرى تتعلّق بالإلحاح كذلك. ألمح شبح "عم رمضان" بائع الصحف في الفرشة القريبة من المطعم فأناديه لأتزوّد بحصيلتي اليوميّة من الصحف المختلفة.

ما بين الكلام ، ومفاصلة بائع جائل على ساعة رديئة يلحّ علينا في شرائها، وتصفّح أخبار صحفيّة لا تختلف في مضمونها عن سواد قطعة القماش التي يستخدمها ذاك العجوز الصعيدي في مسح أحذيتنا، نقضي ما تبقّى من وقت لنواصل بعدها رحلتنا في بقيّة أحياء مصر الجديدة أملاً في التوقّف على ناصية مقهى آخر يحمل تاريخاً يضاف إلى رصيد المحروسة في سجلّها الحافل على مرّ العصور.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com