الثلاثاء، 10 سبتمبر 2013

في مقاهي المحروسة (10)


في حضرة نجيب

مارس 2007.. اليوم هو الخميس، والخميس عند المصريين يعني أشياء كثيرة جميلة، ليس أقلها الانسجام الأسري، فقطاع عريض من الشعب مهموم طوال الأسبوع بالبحث عن لقمة العيش، وينتظر مساء الخميس بفارغ الصبر، والخميس كذلك هو موعد تجوالي في أحياء القاهرة الفاطمية وشوارعها العريقة مالم أرتبط بمواعيد أخرى مفاجأة.

أخرج من شقتي في شارع (نهرو )أحد أرقى شوارع مصر الجديدة، مشياً باتجاه محطّة مترو (سرايا القبّة)، بالرغم من توافر وسائل نقل أخرى مباشرة كالتكاسي وحافلات النقل العام، إلا أني أفضل المشي مخترقاً شارع جسر السويس، فميدان سليم الأول، حتى أصل إلى المحطة، ربما لأقف كعادتي في كل مرة أمام قصر (الطاهرة) متأملاً  روعة تصميمه، متخيلاً أحداثاً تاريخية كثيرة صنعت في هذا المكان.

أنزل في محطّة (العتبة)، حيث (سرّة) القاهرة ومنتصفها. هنا يمكن أن تشاهد مصر بكل تناقضاتها الفكرية والاجتماعية، يمكنك هنا أن تصلّي في مسجد (الكخيا) أحد أهم المساجد الأثرية بالقاهرة، وأن تتأمل ملامح العمارة الإسلامية في معرض الفن الإسلامي، أو مسجدي (الرفاعي) و(السلطان حسن)، وأن تتجول في نفس الوقت في شارع محمد علي أشهر شوارع القاهرة في احتضان الفن لقرون طويلة، حيث محلات الأدوات الموسيقية، وخدمات الأفراح، وحيث ذكريات (زوبة الكلوباتيّة) أشهر عالمة (راقصة) في بر مصر في وقت من الأوقات.

في العتبة تلمح دار الأوبرا القديمة، ومبنى المسرح القومي المصري، ومسرح الطفل، وتقف أمام  مدخل فندق (الكونتينتال) لتقسم بعدها أنك رأيته في فيلم لا تتذكره الآن من أفلام الأبيض والأسود، وفيها تستعيد ذكريات قهوة (متاتيا) بكل ما لها من تاريخ طويل في الحياة الاجتماعية والثقافية. 

 في العتبة  يمكنك أن ترى أكبر كميّة من البشر يمكن أن تراها في حياتك، فهؤلاء باعة جائلون يسدّون عين الشمس، وأولئك زبائن أتوا من أقصى الوجهين البحري والقبلي لمصر إما لاستلام طرد بريدي حيث المركز الرئيسي لهيئة البريد، أو لشراء جهاز كهربائي من شارع عبد العزيز، أو للتعاقد على توريد كمية من الأخشاب والاثاث، أو لشراء تجهيزات عشّ الزوجية القادم من (حمّام الثلاثاء)، أو لإصلاح ساعة ثمينة في (ممر الساعات) وصلتهم كهدية من قريب يعمل بالكويت، أو لزيارة (درب البرابرة) حيث مركز بيع النجف و أدوات الإضاءة، أو لشراء (كسوة الشتاء والصيف) من (الموسكي) حيث أحد أشهر الأسواق الشعبية في قاهرة المعز، باختصار. هنا تجد أي شيء.. وكل شيء.

أعرّج على (سور الأزبكية) القريب من الميدان، حيث أكشاك بيع الكتب والمجلات المستعملة. أدين لهذا المكان بالفضل في إنشاء مكتبتي المتواضعة، فكثيراً من كتبها كانت من هنا، وكم من مرة أسعدني الحظ في اقتناء كتب تعود ملكيتها لشخصيات فكرية مرموقة وضعوا عليها توقيعاتهم وإهداءاتهم، ثم باعها ورثتهم بعد رحيلهم لأقرب بائع (روبابيكيا) تاركين علامة تعجب كبيرة لما آل إليه حال الثقافة والمثقفين.

هذه المرّة أقتني كتاب (القاهرة. شوارع وحكايات)، وهو عبارة جولة ثقافية عبر شوارع القاهرة القديمة التي أعشقها وأجد راحتي في التجوال  بها. بعد فصال أخذته ب3 جنيهات، يعني بالعماني 200بيسة. لو عرف زميلي ناصر أنني اشتريته بهذا السعر لاتهمني بالسذاجة كعادته في كل مرة أحدثه عن زيارتي للسور، فأي كتاب مهما ارتفعت قيمته الفكرية لا  يجب أن يزيد من وجهة نظره عن جنيه واحد فقط هنا. كم أنت طيب يا صديقي، تعال معنا لترى قيمة الكتب. أؤكد لك بعدها أنك ستقبل رؤوس كل باعة سور الأزبكية.

 لا جو يناسب قراءة هذا الكتاب سوى أجواء الحسين وخان الخليلي ، فجزء كبير من محتواه يتحدث عن شوارع تلك المنطقة وأحداثها على مر العصور،  ولا وسيلة للانتقال إلى المكان أفضل من المشي، فأصوات المطارق النحاسية، ورائحة البهارات والتوابل، وسباب سائقي التكاسي لبعضهم البعض، كلها تغري بذلك، خاصة وأن المكان قريب، وكلها (فرتة) كعب وأصل. في مصر لا يمكنك أن تشعر بقيمة الوقت أبداً.

أدخل درب (البادستان) أحد شوارع حي الحسين، حيث مقهى (نجيب محفوظ) الذي أفضّله على بقية مقاهي المنطقة، ربّما لخصوصيته ونوعيّة مرتاديه، وربما لهدوئه وخدماته المميزة، متجاوزاً بصعوبة بالغة مقهى (الفيشاوي) العريق في مدخل الدرب، حيث عراقة التاريخ، وحيث العبق الشرقي الأصيل، ورائحة البخور الذي لن تشمّه إلا في قاهرة المعزّ، وكأنه ماركة مسجّلة باسمها، و المحلّات الشرقية التي مازال أصحابها يتوارثون المهن اليدويّة من نحاسيات وجلود وعطور وغيرها في إصرار عجيب على استمراريتها وكأنّها جزء من حياة، وحيث الأجانب لا يتركون مكاناً لقدم، لتواجهني لوحة تجارية كتب عليها (خالد الأسيوطي)، أعرف هنا أنني على بعد خطوات من مقصدي حيث المقهى الذي افتتح عام 1989 تكريماً لأديب نوبل، واعترافاً بفضل قصصه التي خلّدت للمكان وشخوصه وأحداثه، "كالسكّرية"، و"بين القصرين"، و"قصر الشوق"، وغيرها من الأعمال الخالدة، خاصّة وأن عامل الاستقبال بزيّه الفاطمي الأحمر المميز كان يستقبلني بابتسامة عريضة.

عند دخولك المكان تشعر أنك عدت إلى الوراء مئات السنين، فباب المطعم  أثري ذو نقوشات إسلامية عتيقة، والمكان مفروش بالأرضيات الرخامية ذات النقوش المميزة، والسقف مضاء بالنجف النحاسي المزين بالآيات القرآنية، والمقهى يتكون من بهو  أمامي، وعدة أركان  ثنائية هنا وهناك، ومطعم واسع يتسع لأكثر من 150 فرداً.

كعادتي في كل زيارة للمقهى أختار الركن الأيمن من البهو، حيث الشجرة الوحيدة، وحيث يمكنك أن تستمتع بتأمّل المكان، ومراقبة زبائنه الذين هم خليط من مصريين وعرب وأجانب يجمعهم حب التراث، وتطربهم أجواءه على أنغام العود وايقاع القانون، ويستلذون أطباقه الشرقية من فول وفلافل وفتّة وكوارع ومحاشي وكشري ، وأطباق أخرى يغامر بعضهم بالسفر من أجلها كي يتذوقها في مسمط شعبي بحيّ مصريّ عريق.

مستمتعاً بأغاني الفرقة الموسيقية الشرقيّة التي تتصدر البهو، والتي هي مزيج من أغاني الحامولي وعبد الوهاب و"ثومة"، وحليم، ووردة، وغيرهم من أساطين الطرب. مستلذّاً بطعم (السحلب) التقليدي  الذي أحضر في كوب أزرق لا يختلف تصميمه عمّا نراه من آنية في قصور الأفلام التاريخية ، طافت عليّ ذكريات كثيرة تركتها في هذا الركن، فهنا جلست لأول مرّة زرت فيها المقهى قبل سنوات حينما كنت فتى غريراً لا خبرة لي بشوارع المحروسة وحواريها، وهنا ارتكبت يوماً ما حماقة التغنّي بشعر الميدان مع صديق من وادي بني خالد وسط دهشة المحيطين بنا، وهنا تذوقت (الممبار) - وهي وجبة مصرية شعبية تشبه (المعاصيب) - لأول مرّة، وهنا ضحكت كثيراً مع شلّة رفاق (صورييّن) على عجوز خليجي يدعى الشيخ منصور برأسه الضخم، وكرشه البارز، وهو نموذج للعجوز الخليجي المتصابي الذي يجعله المحيطين به من لاعقي النقود والأحذية يصدّق أنّه شيخ، وأنّه وسيم، وأنه في شرخ الشباب، وأنّه الأهم في أي مكان تحط فيه رجليه، بينما هو في الحقيقة عكس ذلك تماماً. يومها اختلف اثنان من الشلّة حول سبب ضخامة رأسه، وهل السبب يعود إلى كميّة (الخمر) التي شربها ذلك اليوم، أم بسبب تعاطيه لنوع رديء من حشيش أوهمه أحد (شلّة الأنس) أنّه كفيل بأن يعيده إلى صباه. هنا في نفس المكان سيتعلق أحد أصدقائي بعد عام من الآن بحسناء يمنية اتفقنا على تسميتها فيما بعد باسم "نجيب محفوظ".
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com




الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

مدارس سبيشل

مدارس سبيشل

ذهلت عندما أخبرني محاسب تلك المدرسة الخاصّة الصغيرة الواقعة في أطراف العاصمة مسقط بأن رسوم ابنتي الدراسية لعام دراسي واحد في مرحلة رياض الأطفال يبلغ 600 ريال عماني، وهذا ما جعلني أقوم بحسبة رياضيّة بسيطة: فلو افترضنا أن رسوم الدراسة لعام دراسي كامل في مرحلة رياض الأطفال (600) ريال كمتوسط، وأن عدد طلاب المدرسة يبلغ (200) طالب، وأن طاقم الهيئة الإدارية والتدريسية في حدود (10) معلمات وإداريات، يتقاضين راتباً شهرياً في حدود (200) ريال عماني، فهذا يعني أن إجمالي الرسوم المحصّلة لعام دراسي واحد يبلغ 120 ألف ريال عماني، إذا ما خصمنا منه مبلغ 12 ألف ريال كمتوسط قيمة استئجار المبنى المدرسي لعام كامل، و24 ألف ريال كقيمة رواتب شهرية لمدّة عام كامل، وحوالي 25 ألف ريال كمصروفات نثرية سنوية وقيمة فواتير مياه وكهرباء وغيرها ، فهذا يعني أن صافي الربح السنوي لإدارة المدرسة، والتي في كثير منها تعود إلى أشخاص غير عمانيين، لن يقل عن 60 ألف ريال في السنة، فما بالكم لو كانت رسوم الطلبة في نفس المدرسة للمراحل الدراسية التي تلي مرحلة التمهيدي أعلى من المبلغ الذي حدّدته، وقيمة استئجار المبنى المدرسي أقل من المبلغ المذكور في المقال.
أنا هنا أتحدّث عن مدارس تقع في أطراف العاصمة، فما بالكم بأسعار المدارس الأخرى في قلب مسقط والتي تصل أحياناً إلى الضعف، وهي لا تقل في غالبها عن هذه المدارس من حيث نوعية المباني، أو مستوى الطاقم الإداري والتدريسي، أو نوعية الخدمات التعليمية المقدّمة. 

في صور، كانت رسوم دراسة ابني طوال عام دراسي كامل في مدرسته التي تتكون من طابقين، وتحوي على ملعب ثلاثي لممارسة الألعاب الرياضية المختلفة، وآخر لكرة القدم، وقاعات علمية متعددة الأغراض، ووسائل نقل حديثة، وأنشطة تربوية متنوعة، (300) ريال فقط طوال عام دراسي كامل شامل لقيمة النقل من وإلى البيت، فما هو وجه الاختلاف بين صور أو غيرها من المدن والولايات وبين مسقط؟ سيقول البعض إن قيمة استئجار المباني في مسقط تفوق مثيلاتها في باقي المدن، وهذا كلام مردود عليه، فهذا ليس سبباً رئيساً يجعل أسعار الرسوم تتضاعف بهذا الشّكل، فكثير من مباني المدارس الخاصة في المدن والولايات الأخرى أكثر سعة وتنظيماً وحداثة وأغلى سعراً أحياناً من مدارس خاصّة عديدة بالعاصمة.

وقد يقول آخر إن الإمكانات العالية للكوادر الإداريّة والتدريسيّة بالمدارس الخاصّة التي تقع في نطاق العاصمة هي من تجعل رسوم الدراسة بهذه المدارس مرتفع، وهو رأي أختلف معه كلّية، فكثير من الطواقم التدريسيّة بهذه المدارس هن إما من حملة الدّبلوم العام واللّاتي ينتظرن فرصة التوظيف مستقبلاً في أماكن أخرى بها امتيازات وظيفية أفضل، وإمّا من معلّمين ومعلّمات أتوا كمرافقين لأسرهم، وبالتالي يقبلون بأي راتب يقدّم لهم كوسيلة لتحسين الوضع المعيشي، وإمّا من معلّمين وافدين تم إنهاء عقودهم لدى وزارة التعليم، فالتحقوا بالعمل في هذه المدارس من أجل القيام بتقديم الدّروس الخصوصيّة التي تجلب لهم دخلاّ يوازي أضعاف ما يحصلون عليه من رواتبهم الأساسيّة، لذا فهم يقبلون العمل بهذه المدارس ليس من أجل رواتبها الهزيلة، وإنما كوسيلة للحصول على اقامة قانونية تسهّل لهم مزاولة الدروس الخصوصية التي استشرت كاستشراء النار في الهشيم. 

وقد يرى ثالث إن غلاء المعيشة في العاصمة يضطر أصحاب المدارس الخاصّة بها إلى دفع رواتب عالية لكوادرها التعليميّة، وهذا أمر أشكّ فيه، فعندما سألت المدرّسة العمانيّة المشرفة على مجموعة ابنتي عن الراتب التي تتقاضاه، أخبرتني أنّها تقطع مسافة لا تقل عن 100 كيلو متر يومياً من قريتها الواقعة في ولاية أخرى مقابل مائتي ريال شهرياً فقط، وهو مبلغ مشابه للمبالغ التي تدفع لنفس الكوادر في المدارس الخاصّة في بقيّة المدن، علماً بأنني أعرف كثيراً من المعلمين الوافدين السابقين الذين التحقوا بسلك التدريس في بعض المدارس الخاصّة في صور وغيرها يتقاضون رواتب مضاعفة عدا السكن العائلي المجهّز، وعدا تذاكر السّفر ورسوم العلاج. 

قس على ذلك التجهيزات التعليميّة المختلفة من كتب ومعامل حاسوب وألعاب أطفال، وحدائق، ففي غالبيتها متشابهة، مع ملاحظة أن كثير من المدارس الخاصة التي قمت بزيارتها في الحيّ الذي أعيش به، تعاني من نقص كبير في الألعاب، بسبب ضيق مساحة فناء المدرسة، بل إن المدرسة التي ألحقت ابنتي بها والتي تعتبر من أفضل المدارس في منطقتنا السكنية، لا يوجد في فنائها سوى لعبتان إحداهما مكسورة، ولا يوجد في الأفق ما ينبئ بتغييرهما أو رفدهما بألعاب أخرى، فمادامت الرّسوم قد دفعت فالأمر قد انتهى، ولا ترهق عقلي بأفكار من قبيل أهميّة الألعاب في صقل شخصية الطّفل، وغيرها من المصطلحات التي لا توكّل عيشاً ولا خبزاً.

مع تقديري واعترافي بوجود مدارس خاصّة على أعلى مستوى، تقدم مناهج عالمية متطوّرة، وترتبط بمؤسسات تعليمية مرموقة، إلا أنّه في نفس الوقت علينا أن نعترف بأن هناك مدارس أخرى كثيرة أصبحت تفتح من أجل التجارة لا من أجل تقديم خدمة تعليمية، وأصبح إنشاء مدرسة خاصّة من المشاريع التّجاريّة ذات المكسب السريع والمضمون، وأصبح الأمر لا يتطلّب منك سوى استئجار مبنى يتكوّن من دورين، والاتفاق مع مدرس وافد له خبرة في مدارس السلطنة، بحيث يدير المدرسة من الألف إلى الياء، وليأت بأبنائه أو أقاربه أو زملائه. وليدر المدرسة كما يشاء، وليضع من الرسوم ما يريد. لا ضير، ليس مهماً أن تكون رسالة المدرسة على قدر ما تقدّمه من خدمات، وعلى قدر ما يدفعه الناس من رسوم، المهم هو العائد الشهري الذي سيدفعه لك دون أن تكلّف نفسك عناء المتابعة.
سيقول البعض: أين دور الجهات المسئولة عن متابعة هذه المؤسّسات؟ وهل هناك تشريعات وضوابط ولوائح تحدّد عملها؟ ولماذا لا تكون هناك مراجعة للرسوم الدراسية بحيث تتوازى والخدمات المقدّمة من قبلها؟ ولماذا يقبل كثير من المواطنين على هذه المدارس بل ويلجؤون للاقتراض أحياناً برغم أنها ليست البديل المثالي للمدارس الحكومية في كل الأحوال، ولماذا ولماذا.

لا أجوبة لديّ عن كل التّساؤلات السابقة. كلّ ما أعلمه أن كثير من هذه المؤسسات تحقق ربحاً خرافياً ورسالة علمية لا تتوازى مع الرسوم المدفوعة في ظل انسياق مجتمعي وراء هذه المدارس ربّما لعدم وجود البديل الحكومي في مراحل ما قبل الدراسة، وربما لغياب دور الأم في مجال التربية بحجة الانشغال بالوظيفة الحكومية، وربما من باب الوجاهة الاجتماعيّة، وربما لضعف ثقة البعض في ما تقدمه المدارس الحكومية، وربّما خوفاً من بعضهم على سلوكيّات أبنائه في ظل التغييرات السلوكية والاجتماعية التي تهدّد القيم، والتي لم تستطع التربية بمناهجها وأنشطتها وميزانيتها الضخمة من مواجهتها أو تعديلها.

د. محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 26 أغسطس 2013

بيضة الإسلام..بصفار ملوّث

وكأنّي أزور عزيزاً أخشى ألّا ألقاه بعد أن أقعدته العلل، وتكالبت عليه الأمراض، كانت زيارتي الأخيرة قبل بضعة أيّام لحارة (العقر) التاريخية في قلب بيضة الإسلام و(تخت العرب) نزوى.
لم تنقض على زيارتي الأولى للحارة ثلاثة أشهر حتّى قرّرت زيارتها مرّة أخرى. لا أدر ما السّبب الذي جعلني أفعل ذلك وأنا الذي لا أجد الوقت الكافي للنوم في زحمة المشاغل الدنيويّة المتعدّدة، فما بالكم بترف السّياحة والتنقل بين مدينة وأخرى.

هل هو الحنين الذي راودني لتلك الحارة بعد زيارتي السّابقة لها وتجوّلي في أركانها، هل هو كتاب (النّمير) الذي عرض لكثير من القصص والمواقف والشواهد المتعلّقة بتلك الحارة، والذي أشكّ أنّ شبابنا قد سمعوا عنه بمقدار شكّي في مدى قيام الجهات المعنيّة بالاحتفاء بالكتاب والباحث برغم الجهد (الخرافي) المبذول في إعداده، وبرغم أجزاءه العشرة، في النهاية هو ليس بفنّان قدير، ولا لاعب شهير، ولا شاعر متزلّف، هو مجرّد.. باحث.

هل هو العرض المرئي الذّي قدّمته إحدى طالباتي في الكلّيّة والمتعلّق بآثار حارة العقر، والذي أثار في داخلي كثيراً من الشّجن المغلّف بالأسى خاصّة وأنّها ختمت عرضها المرئي بصورة آسيوي يقف بابتسامته العريضة وشعره المسبسب وسط إحدى الحارات الضيّقة بينما كومة من المخلّفات تسدّ مدخل الحارة . يبدو أنّهم لم يكتفوا بمقاسمتنا في الرزق ومزاحمتنا في الشوارع وإفساد غذائنا، فقرروا هذه المرّة مشاركتنا في ما تبقّى لنا من تراث. لم يبق لهذا الآسيوي سوى أن يخرج لسانه ليقول لنا موتوا بغيضكم. 

هذه المرّة حملت أطفالي معي، ربّما لأمنحهم فرصة مشاهدة معالم قد لا يروها بعد بضعة سنوات من الآن لأنّها ستكون أثراً بعد عين، وكي لا تتضارب المعلومات في أذهانهم ويشعروا بالحيرة عندما يخبرهم معلّم التّاريخ في مدرستهم عن مسمّيات ومصطلحات غريبة وغامضة كالقلاع والحصون والحارات القديمة، وربّما لكي أعفي نفسي من لومهم وعتابهم جرّاء أيّة حالة هذيان أو جنون قد تنتابني مستقبلاً بسبب الهلاوس التي باتت تراودني بين الفينة والأخرى وأنا أشاهد ما يؤول إليه جزء كبير من تاريخنا المادّي بيد أبناءه المتعلّمين الحاصلين على أعلى الشّهادات، والذين هم بحاجة إلى نسخة من كتاب (النّمير) كي يعرفوا جهود أجدادهم الذين لم يتعلموا في مدارس خاصّة، ولم يمنحوا بعثات غربيّة مفتوحة، ولم يحتسوا قهوة الصباح في جادّة باريسيّة أو شارع لندني. هؤلاء الأجداد بثيابهم الملتصقة بالعرق، وبعيونهم التي جفّ ماؤها من كثرة القراءة ونسخ الكتب، تركوا وصايا عديدة تتعلق بعمارة المساجد والأفلاج والأسوار، لم ينتظروا قانون نزع ملكيّة، ولا لجان تثمين، ولا أن يظهر برلماني ألمعيّ يحمل على عاتقه تراث بلده، يجعله قضيته الشاغلة، ويقترح من أجل الحفاظ عليه القوانين المناسبة، ويأتي بنماذج لأفكار مشابهة طبّقت في دول لها نفس التراث والحضارة.

ماذا تبقّى منك أيّتها الحارة العتيقة، والتي كنت في يوم ما (مطبخ) عمان السّياسي والتّاريخي إن جاز لنا التعبير، في يوم من الأيّام كان هنا سور عظيم بني قبل أكثر من ألف عام، يضمّ أربعة أبواب وأربعة عشر برجاَ متوزّعة على طول امتداده. هل تبقّى شيء من هذا السّور.

ترى من يسكن الآن بيت ابن مداد النّاعبيّ؟ هل هو راجو أم كومار أم عبد الشكور، وهل تبقى شيء من آثار المدرسة الشرعية التي بناها العلّامة أبي عبد الله عثمان الأصم، وأين هي مساجد غليفقا والشجبي والحجارة والفرض، وأيّ أفلام ماجنة تعرض الآن في ظل الأضواء الخافتة ليلاّ، وهي ذات الأضواء التي نسخت عليها أمّهات الكتب في نفس المكان وفي غير الزمان. 

كانت هنا حارات تدعى كرادسين، وخراسين، أنجبت عشرات العلماء والزّهّاد والأدباء والنسّاخ، هل ما زالت هذه الحارات باقية، وهل تبقّى أحد من ذرّيّة الشيخ الولي سليمان بن محمد الخراسيني.

هنا يوجد مسجد يدعى (الشواذنة) بني في العام 7 هـ، ورمم عدة مرات، شهد محرابه عرصات علم وتقوى، وسهر على سراجه الخافت عشرات العبّاد، وبكى في جنباته علماء كان همّهم تقوى الله ونيل رضاه. هل سيبقى هذا المسجد شامخاً يقاوم التخلّف الفكري وهو يرى أحبّاؤه يتساقطون أثراً تلو الآخر؟

نعم.. إن عين (العقر) أصبحت بلا هدب، تراث يهدّ ويتساقط، وتتساقط معه عشرات الشواهد ، وعلى مرأى العين هناك جمهور يشاهد ما يحدث أمامه بصمت، للأسف لا يوجد هدب يمنع هذا الغبار من أذى العين.

إنّنا نسمع ونقرأ كل يوم عن عشرات الحملات والجمعيّات التطوّعيّة التي تدعو للبر والإحسان ومساعدة الفقراء والمحتاجين. ألا يمكن أن نرى حملة تدعو إلى المحافظة على ما تبقّى من تراث؟ ألا يمكن أن نعتبر أن هذه الشواهد الأثرية هي بحاجة كذلك إلى من يحسن إليها ويبرّ بها لدورها الحضاري والفكري الكبير؟

عندما سألت طلابي بعد انتهاء عرض زميلتهم المرئي حول كيفية الحفاظ على ما تبقّى من ملامح (العقر) وغيرها من الحارات العمانيّة كان جواب أحد الطلّاب الظرفاء: الحل الأمثل هو أن تطالب إحدى الدّول المجاورة بهذه الحارة، وتدّعي ملكيّتها، ومن ثمّ تؤول إليهم، فيقوموا بترميمها، ويجعلونها قبلة للسيّاح وروّاد العلم والباحثين عن التاريخ، فتستعيد شيئاّ من عبقها ومكانتها، وبعدها يمكن لنا أن نطالب بها ونستعيدها، ويا دار ما دخلتك شر.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 19 أغسطس 2013

وترجّل.. السميط

( وترجّل.. السّميط)


بعد نيف وستين عاماً طاهرة، رحل (ماسح دموع أطفال أفريقيا وجابر عثرات شيوخهم). وكما أتى في صمت، ففي صمت رحل كذلك، وكأنّه آثر ألا يشغلنا عن متابعة الدراما السوداء التي نعيشها في أرجاء متفرقة من وطننا العربيّ الكبير.

تحكي الرّواية أنّه وفي ظل انشغال معشر العرب والمسلمين بخلافاتهم الدّاخليّة، وصراعاتهم السّلطويّة، ولهث شبابهم وبناتهم المحموم نحو التقليد الأعمى للغرب في كلّ ما هو غير مجد ومفيد، كان هناك فارس يدعى عبد الرحمن بن حمود السّميط أخذ على عاتقه همّاً من هموم أمّته، فخصّص له وقته وماله وجلّ حياته، ترك قصره الوثير وحياة الدّعة والترف الذي يعيشها بنو قومه، وارتضى بخيمة في مجاهل أفريقيا، مشاركاً أطفالها وشيوخها كسرة خبز يراها أطيب من ولائم أعراسهم ومناسباتهم، وجرعة ماء من بئر حفر لتوّه يتلذّذ بشربها وكأنّها الماء الزلال.

في مجتمع الزّمن الجميل والإحساس بالآخر نشأ السّميط، وتشرّب من قيم مجتمعه التي كانت تحث على فعل الخير دون انتظار المقابل. كثير من الروايات التي تتحدّث عن ممارسته لعمل الخير منذ نعومة أظفاره، ففي المرحلة الثانوية أراد مع بعض أصدقائه أن يقوموا بعمل تطوعي، فقاموا بجمع مبلغ من المال من مصروفهم اليومي واشتروا سيارة، وذلك لنقل العمال البسطاء إلى أماكن عملهم أو إلى بيوتهم دون مقابل. وفي الجامعة كان يخصص جزءاً من مصروفه لشراء الكتيبات الإسلامية ليقوم بتوزيعها على المساجد، وعندما حصل على منحة دراسية من حكومة بلده كان لا يأكل إلا وجبة واحدة وكان يستكثر على نفسه أن ينام على سرير رغم أن ثمنه لا يتجاوز دينارين معتبراً ذلك نوعاً من الرفاهية. وأثناء دراساته العليا في الغرب كان يجمع من كل طالب مسلم دولارًا شهريا ثم يقوم بطباعة الكتيبات ويقوم بتوصيلها إلى جنوب شرق آسيا وأفريقيا.  

بعد تخرجه من جامعة بغداد، وقبل أن يتّجه إلى المجال الخيري التّطوّعيّ، زاول مهنة الطبّ كطبيب متخصص في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، والتي استكمل فيها دراساته العليا، وحصل فيها على أعلى الدرجات العلميّة، وكان طوال عمله كطبيب مثالاً للطبيب الإنسان الذي لا يكتفي بتقديم العلاج لمرضاه، بل يتعدّى ذلك إلى متابعة ظروفهم وأحوالهم، وكان لهذا العمل تأثير كبير على مسيرته المستقبليّة في مجال العمل الاجتماعيّ فيما بعد.

لجان وهيئات ومنظّمات خيريّة شارك السّميط في تأسيسها وعضويّتها طوال تاريخه الحافل في مجال الدّعوة والإغاثة كجمعية الأطباء المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وجمعية الطلبة المسلمين في مونتريال، ولجنة مسلمي ملاوي في الكويت، واللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، وجمعية النجاة الخيرية الكويتية، وجمعية الهلال الأحمر الكويتي، ومنظمة الدعوة الإسلامية في السودان، كما تولّى رئاسة مجلس إدارة كلية التربية في زنجبار، وكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في كينيا، وكان رئيساً لتحرير مجلة الكوثر المتخصصة في الشأن الأفريقي، وكل ذلك يشير إلى مدى الدور الكبير الذي لعبه، والذي لم يقتصر على مجال تطوّعيّ بعينه بل كان شاملاً لكثير من المجالات الدينيّة والتربوية والفكرية والاقتصاديّة والاجتماعيّة.

بدأت علاقته بأفريقيا والتي استمرت لأكثر من ربع قرن عندما ذهب للإشراف على بناء مسجد لإحدى المحسنات الكويتيات في ملاوي، فتأثّر لرؤية الملايين الذين يقتلهم الجوع والفقر والجهل والتخلف والمرض، وتضايق عندما لمس عن قرب مدى النشاط التبشيري الذي تقوم به جهات غربية مستغلّة عوامل الجوع والفقر والجهل لدى أبناء هذا البلد وما حوله من البلدان المجاورة، بعدها عاهد نفسه على المضيّ قدماّ في الطريق الذي اختاره مهما كلّفه ذلك من وقت ومال، ومهما لاقى تجاهه من مصاعب وعوائق، فكانت رحلة عطاء امتدّت لأكثر من ربع قرن استحق من خلالها أن يطلق عليه "فاتح افريقيا"، و"خادم أفريقيا"، و"رجل من الزمن النبيل".

(من أجل أن تمسح دمعة يتيم مسلم)، (من أجل رعاية قرية مسلمة تعليمياً أو صحياً أو اجتماعياً)، (من أجل حفر أو صيانة بئر مياه للشرب)، (من أجل بناء أو صيانة مدرسة)، (من أجل رعاية الآلاف من المتشردين)، (من أجل مواجهة الخطر التنصيري الزاحف)، كلّها نماذج من الشعارات ومحدّدات الطريق التي سلكه السميط والتي من أجلها ركّز جلّ نشاطه الخيريّ، والتي تمخّض عنه آلاف المشاريع في مجال بناء المساجد والمستشفيات والمستوصفات والمدارس، ورعاية الأيتام، وحفر الآبار، ورعاية الدّعاة والمعلّمين، وتوزيع المصاحف والأغذية، وتنفيذ المشاريع الزّراعيّة والحيوانيّة، وتقديم المنح التعليمية للدراسات العليا.

حضوره الطاغي في أوساط الفقراء والمحتاجين عرّضه للكثير من محاولات القتل والتصفية، هذا عدا المعوّقات الأخرى والتي تمتلئ بها القارّة السمراء كلدغات الأفاعي السّامّة، والبعوض، وشحّ الماء، وانقطاع الكهرباء، وغيرها، ولكن كل ذلك لم يثنيه عن مواصلة، وكانت سلسلة رحلاته في أدغال أفريقيا وأهوال التنقل في غاباتها قصصاً تصلح كسيناريوهات لقصص وروايات ومسلسلات وأفلام تعرض نماذج رائعة من قصص التحدّي والكفاح والاصرار، وتحدّي المصاعب في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود.

كان طوال مسيرته في العمل الخيريّ ينادي الأثرياء العرب بالالتفات إلى مشاكل المسلمين في العالم، وعدم اقتصار تبرّعاتهم على مشاريع اقليمية محدّدة، وكان يرى أن زكاة أموال أثرياء العرب تكفي لسد حاجة 250 مليون مسلم في كلّ عام.

حقاً.. يرحل الكبار ولا يغادرون. يرحل الكبار ويبقون معنا.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com



الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

هنيئاً لكم الجنّة


عندما دعاني الصديق عبد الله الساعدي لتناول وجبة الإفطار في بيت المحسن الكبير الشيخ سهيل بهوان كان يتجاذبني أمران اثنان: الأول أنّني لن أر جديداّ في الأمر، فالشيخ معروف بكرمه وحبّه للبذل والمساعدة، وأعماله الخيريّة لا تخفى على أحد، وموائد الإفطار الرمضانية التي يقيمها كثيرة ومتنوّعة، وتكاد تغطي عدداً كبيراً من المساجد، والسّكنات، والمؤسسات الاجتماعية الحكوميّة والخاصّة وغيرها. أمّا الأمر الآخر فهو اعتقادي أن ذهابي يعدّ فرصة مثاليّة قد لا تتكرّر كي أرى شيئاً جديداً من طريقة حياة الأغنياء وسلوكيّاتهم، لذا فقد انتصر حبّ الفضول، والرغبة في التجربة، ورافقت صديقي ذات مغربيّة رمضانيّة.

   ولكن ما رأيته من مشاهد بعد ولوج سيارتنا من بوّابة البيت وحتّى مغادرتها كان مذهلاً بالنسبة لي في ظل الصورة الذهنية المرسومة لديّ حول الأغنياء وطريقة معيشتهم، فما إن ترجّلت من سيّارة مرافقي، وانضممت إلى إحدى المجموعات (الكثيرة) التي ملأت باحة البيت بعد وصولنا متأخرين عن موعد الإفطار، إلّا وأفاجأ بأحدهم يقدّم لي الماء والرطب، وآخر يصبّ لي فنجاناّ من القهوة في حميمية زائدة. أسأل مرافقي عن هؤلاء فيجيبني بابتسامة: هؤلاء أحمد ( أو حمد كما يعرف بين العامّة) وسعد أبناء الشيخ.

أبناء الشيخ يتركون الفرش الوثيرة، والموائد الفخمة، والأطباق المذهّبة، ويفطرون هنا مع البقية ويأكلون نفس ما يأكله الآخرون، ويجلسون القرفصاء مثلهم، وقد (تتوسخ) ملابسهم الغالية من أثر الجدار الذي يسندون عليه ظهورهم، أو بسبب نقطة قهوة طائشة؟ هكذا كنت أحدّث نفسي ومرافقي.
يبتسم عبد الله مرة أخرى وهو يقول: لم تر شيئاّ بعد. بالمناسبة هم يفطرون هنا في نفس المكان كلّ يوم، ويجلسون على نفس الرصيف الذي تراه، ويأكلون من نفس الطّعام الذي يقدّم للآخرين دون تمييز أو تفرقة أو محاباة. هكذا تعلّموا من والدهم.

نفرغ من أداء صلاة المغرب جماعة مع بقية الموجودين، فننتقل إلى الخيمة الكبيرة التي أعدّت لتناول العشاء واستكمال بقية المائدة. الخيمة ضخمة جدّاً بحيث أعدّت لتستقبل الآلاف من المدعوين، صفوف طويلة متراصّة تنتظر الطعام، وشباب عماني في عمر الورود يقوم بخدمة الموجودين، وتقديم الوجبات لهم، واستكمال النواقص. أسأل مرافقي للمرة الثالثة: هل هؤلاء الشباب متطوعون أم يعملون بأجر؟ وهل هم موظفون لدى الشيخ أم تابعين لشركة خاصّة.

يبتسم مرافقي للمرّة الثالثة أيضاّ وهو يقول: قلت لك إنّك لم تر شيئاّ بعد، هؤلاء الشباب الذين رأيتهم هم أحفاد الشيخ، وهم تعوّدوا على هذا العمل منذ نعومة أظفارهم، وهم من يقومون بخدمة الصائمين كلّ يوم هنا، ولا يجدون عيباً أو غضاضة في ذلك.

ولكنهم متواضعون، طيّبون، بسطاء، وملابسهم عاديّة كملابسي وملابسك، ويسلّمون عليك بأياديهم الاثنتين، ولا يخجلون من حمل أواني الأكل الفارغة أو المملوءة.

ردّ عليّ باستغراب: وهل لابدّ أن يكونوا عكس ذلك لمجرّد أنهم أغنياء؟ هل لابدّ أن يكونوا متعالين متكبّرين متباهين بالنّعمة غير مبالين لمجرّد أنّهم أبناء أو أحفاد فلان الغني؟ هي التربية يا صديقي.
أجلس وحيداَ بطرف الخيمة مراقباّ المشهد، تاركاّ لخيالي العنان لوصف ما يحدث أمامي. يلمحني أحدهم فيقترب مني ويجلس بجواري. هو أحمد الابن الأكبر للشيخ والذي رأيته لأول مرة قبل دقائق عندما كان يقدّم لي الماء والرطب كي (أسنّ) الفطرة.

يتباسط معي أحمد في الكلام وكأنّه يعرفني منذ سنوات عديدة، بل وكأنّني أنا – وليس هو - الرجل الناجح المعروف الذي يودّ الكثيرون لو أنهم لمحوه فقط في مكان عام فما بالكم بالحديث معه والجلوس بجواره. أي تربية هذه التي غرستها يا سهيل بهوان في نفوس أبنائك وأحفادك؟ هل هي جيناتك انتقلت إليهم؟ نفس السموّ الروحاني، ونفس التواضع العجيب، ونفس القناعة.

أقول له: ما شاء الله، عدد الموجودين كبير، بارك الله لكم وجعله في ميزان حسناتكم.
ينظر أحمد للصفوف التي تملأ المكان وهو يقول: "للأسف فالعدد قليل اليوم بسبب اقتراب العيد، في الأيام الماضية كان العدد أكثر من هذا بكثير"، ثم يكمل: "كلّ أموال الدنيا لا تساوي مشهداً كهذا لديّ، الدنيا زائلة، ولن يبق لنا منها سوى العمل الصالح، هذا مال الله ونحن محاسبون عنه يوم القيامة، وعسى أن يقدّرنا الله على فعل الخير".

كان محدّثي يرتدي دشداشة قطنية عاديّة، وشماغ لا تتجاوز قيمته النقديّة عدد أصابع اليد من الريالات، ملابس بسيطة لا تختلف عن ملابس أي شخص قد تقابله في العمل أو المسجد أو الشارع، ملابس لم يجلب قماشها من لندن، ولم يصمّمها بيت أزياء ايطالي، ولم يحكها خيّاط باريسي. بل لن أبالغ إن قلت أنها أكثر بساطة من ملابس كثير من شباب اليوم الذين تفوق أرقام مديونياتهم البنكيّة عدد شعر رأسهم.

وأنا أستمع لحديثه وتواضعه وبساطته وأريحيّته وعدم تكلّفه كنت أسائل نفسي: هل أنا أجلس بالفعل أمام شخص يملك الملايين، ويستطيع لو أراد أن يأكل أو يلبس أو يصاحب ما يشاء ومن يشاء وفي أي وقت يشاء؟ هل هذا هو ابن (الأسطورة) سهيل بهوان الذي وصلت شهرته الآفاق كشخصية ناجحة في عالم المال والاقتصاد، ورجل الخير الذي تتحدث بسيرته العطرة الركبان؟ أعرف أشخاصاً يتغيًرون بعد أول منصب أو أوّل ألف يدخل في حسابهم، فما بال من يملك الملايين لم تغيره ملايينه؟ وهل كل الأغنياء مثله أم هي...التربية.

بعد أن فرغ الجميع من تناول بقيّة الإفطار، يدعوني أحمد كي نستكمل افطارنا بداخل البيت، فهم لا يكملونه إلاّ بعد انتهاء آخر الموجودين بالخيمة. أخيراً ستسنح لي الفرصة أن أتناول طعاماً مع أحد كبار الأغنياء، إذاّ لابد أن يكون طعاماّ مغايراّ لما تناوله الآخرين. كيف لا وأنا أتحدث عن الإفطار الخاص لعائلة الشيخ، هكذا كانت تحدّثني نفسي ونحن في الطريق إلى أحد مجالس البيت العامر.

ندخل المجلس وإذا بإفطار عاديّ لا يختلف عمّا أتناوله كل يوم في منزلي، بل لن أبالغ إن قلت بأن الإفطار الجماعي الموجود بالخيمة أكثر تنوّعاّ منه. بعض الشوربة والأرز والسمك والفواكه والخفائف، أراقب أحمد وقد شمّر كمّ دشداشته وهو يأكل طعامه البسيط بيديه، دون ملاعق أو سكاكين أو شوك. أهمس لمرافقي: هل هذا هو الأكل الذي يتناوله أفراد عائلة الشيخ؟ يرد عليّ: وهل هناك طعاماً آخر غير الذي تراه؟ هل لابد من ( السيمون فيميه)، والكافيار، والسلمون المدخّن لمجرّد أنّهم أغنياء؟ هي القناعة يا صديقي.

لله درّكم أيها الأخيار.. أنتم لا تحتاجون إلى مقالي المتواضع هذا، يكفيكم دعاء الأرامل والأيتام، يكفيكم تضرّع  الشيوخ والعجائز، يكفيكم ذكر الناس لكم بالخير في كل محفل، تكفيكم أشياء كثيرة قمتم ولازلتم وستظلّون تقومون بها ما دمتم تؤمنون بمبادئ تناساها الكثيرون ممن وهبهم ربّهم من خيره فمنّوا بفضلهم، مبادئ أساسها العطاء، وقوامها الإحساس بالآخر، وهدفها نيل رضى الله .  
بعد أن غادرت بوّابة البيت طلبت من عبد الله أن يأخذني في جولة بالمنطقة المحيطة الراقية والتي يسكنها عدد من كبار الشخصيات من رجال السياسة والاقتصاد علّني أجد منظراً مشابهاً لما رأيت، أو ألمح آثار حركة دائبة، فلم أجد سوى أشباح بيوت يكاد الصمت يلفّها، ولولا ظلال أنوار جدران خافتة لاعتقدت أن المنطقة مهجورة. من يدري، ربما كان أصحابها معزومين اليوم صدفة في مكان آخر، أو ربّما كانوا في سفر طويل. ربّما.

د. محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 30 يوليو 2013

عندما تتجزأ المبادءئ

كانت أحداث المنصة ومن قبلها واقعة الحرس الجمهوري، وما بينهما من أحداث مختلفة بمثابة ورقة التوت الأخيرة التي عرّت جزءاً كبيراً من النخب المصرية بسياسييها واعلاميها ومثقفيها، ذلك أن تعاطيهم مع هذه الأحداث كان تعاطياً يتناقض والمبادئ التي صدّعونا بالحديث عنها والمطالبة بها، فطوال عام كامل وهذه النخبة تزعجنا بحديثها المتكرر عن انتهاكات في كثير من المجالات كحرية الإعلام والتعبير، والانتهاكات الذي يمارسها النظام السياسي القائم المتمثل في الإخوان المسلمين تجاه العاملين في هذا المجال علماً بأنّنا لم نسمع طوال ذلك العام عن أيّة انتهاكات واضحة مارستها السلطة في هذا المجال، إلا اذا اعتبرنا أن غلق قناة (الفراعين) المثيرة للجدل لبعض الوقت بسبب قضايا مالية يمكن أن يعدّ نوعاً من الانتهاك.

هذه النخبة أقامت الدنيا وأقعدتها بسبب اعتراضها على تعيين النائب العام السابق، ثم مارسوا سياسة التطنيش ولم نسمع لهم صوت الآن عندما عيّن الرئيس المؤقّت الحالي نائباً جديداً، وكأن المعايير ليست ذاتها.

تحدّثوا كثيراّ عن الرئيس الديكتاتور الذي جمع كافّة السلطات في يديه، وقيامه بإصدار الإعلانات الدستورية برغم علمهم بقيام المحكمة الدستورية بحلّ المجلس البرلماني المنتخب شرعيّاً، بينما يلحسون الآن كل تلك الأقوال وهم يرون الرئيس المؤقّت يقوم بالعمل ذاته الذي أخذوه على مرسي سابقاً.
تباكوا كثيراً على وضع الحرّيّات في مصر لمجرّد اعتقال عدد من مثيري الشغب والذين كانت النيابة تقوم بالإفراج عنهم في كل مرّة ربّما نكاية في الرئيس، وربّما كجزء من خطّة موضوعة لإحراجه واظهاره بمظهر الرئيس الضعيف المتردّد، بينما ترفع هذه النخبة الآن شعار ( لا أرى. لا أسمع. لا أتكلم) وهي ترى الآلاف التي تساق كل يوم إلى المعتقلات والسجون لحجج واهية لا تقبلها عقولهم هم، فما بالك بالمجتمع الخارجي، كأن يتّهم سياسي كبير بالنصب أو تأجير شقق أو غسيل أموال، بينما التهمة سياسية في الأصل، وجزء من خطّة إقصاء تستغل صمت البعض وتجاهلهم عمّا يحدث.

طالبوا بالثّورة ضدّ النظام السابق لأنه فشل في توفير المتطلّبات الأساسيّة كالأمن والكهرباء والطاقة، واتهموا وزراء الداخلية الذين عيّنهم مرسي بالدّمويّة، ثمّ بلعوا كل ما قالوه عندما أعيد تعيين وزراء الحقائب التي اتهموها بالفشل في الوزارة الجديدة، وعندما تم تعيين وزيري داخلية مرسي أحدهما مستشاراً للرئيس، والآخر وزيراً، وأغمضوا عيونهم عن تعيين وزراء فاشلين محسوبين على نظام مبارك كالدميري وزير النقل الذي حدثت في عهده واحدة من أكبر كوارث الطرق في مصر، وكأن شيئاَ لم يكن، وكأن ثورة لم تقم، على حد تعبير عمّنا البرادعي.

النخبة التي لم تترك دقيقة من برامجها الحوارية دون الحديث عن دمويّة مرسي والاخوان عندما قتل الحسيني أبو ضيف، وجيكا، والجندي، هي ذاتها وقفت صامتة عمّا حدث من أحداث في مجزرة المنصة والحرس الجمهوري، وعملت (ودن من طين وودن من عجين)، وطوال أيام وأنا أبحث عن أي تغطية لهذه الأحداث ولو كخبر بسيط في القنوات المصرية المختلفة، فلم أجد حرفاً يذكر عمّا حدث. فقط أغاني ومسلسلات وبرامج طبخ وكأنهم يريدون تعويض مشاهديهم عن الساعات التي أضاعوها في اليوم السابق للأحداث في نقل مظاهرات التفويض، حتى عندما انتقلت إلى صفحات التواصل الاجتماعي المختلفة كي أتابع ردود النخبة، كدت أتقيّأ ممّا وجدته من شماتة وفرح بمقتل هؤلاء، فهذا يقول "إيه اللي ودّاهم عند الشرطة"، والآخر يقول "دول شويّة خرفان يستاهلوا الدبح" ، والثالث يصبّ اللعنات على قناة الجزيرة لمجرّد أنها نقلت الحدث، وكأنّ من ماتوا لا يستحقون ولو مجرّد وداع صغير قبل انتقالهم لعالم الأموات.

ماذا لو كان ربع ما يحدث الآن من أحداث وقع زمن مرسي؟ ستجد التنديد والشجب، وستظهر البطولات العنترية الوهمية، فهذا سيترك مقعده في مجلس الشورى احتجاجاً، وتلك ستلقي بميكرفون التلفزيون أو الاذاعة التي تعمل بها استنكاراً، وذاك سيقدم استقالته من وظيفته الرسميّة الكبيرة تضامناً، ورابع سيكتب (تويتّة) عنيفة يذكّرنا فيها بحقوق الانسان وأهمية احترام صنف البشر.

برأيي أن ما يحدث في مصر الآن ليس خلافاً سياسياً، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بمبادئ الديمقراطية، حتى ولو سلمت بأن هناك كثير من البسطاء الذين خرجوا رغبة في تحسين الأوضاع، إلّا أنه على مستوى النخبة يعدّ محاولة انتقام واضحة تلقى فيها المبادئ بعرض الحائط متذرعة بذرائع واهية، وكلّ همّها الإطاحة بفصيل سياسي له تواجد حقيقي في الشارع عجزت عنه كثير من الفصائل السّياسيّة الأخرى.

المشهد المصري الآن هو نسخة طبق الأصل من مثيله في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، زوّار آخر الليل، واعتقالات بتهم وهميّة، في ظل إعلام أحادي يقدّس وليّ الأمر ويسعى لنيل رضاه ويخشى انتقاده، ونخبة من السياسيين والمثقفين الذين يدورون في فلكه إمّا خوفاً أو تصفية لحسابات مع طرف آخر أو رغبة في نيل حظوة يعلمون أنهم لن يستطيعون الحصول عليها بالوسائل الديمقراطية المتعارف عليها.
ليست القضيّة قضيّة إخوان أو ليبرالية أو يسار أو قومية أو ماركسية أو غيرها، ولكنّها قضية مبدأ وانسانية، فالمعايير لا تتجزأ، ولا يمكن أن نفصّلها كما نشاء لمجرد أهواء فكرية شخصية، وما دمت تنشد العدل والحرية والإنسانية والعدالة الاجتماعية فعليك أن تنشدها للنهاية، لا أن تطوّعها شعاراّ لأغراض سياسية لديك ثم تلقي بها في أقرب مقلب قمامة عند انتفاء حاجتك إليها، أو عندما تتعارض مع مبادئك وتوجّهاتك.

لست منحازا لطرف دون الآخر ولي عشرات الملاحظات على الطرفين، ويؤسفني ما يحدث بمصر، ولكني أتألّم عندما أرى طرحاً أحادياً دون اعتبار لمجريات الأمور الحقيقية، فقط أنا ضد احتكار طرف بعينه للحقيقة سواء كانوا إخواناّ أم غيرهم، أنا ضد التحيز لفكر وإقصاء الاخر لمجرد الاختلاف معهم، اختلافي مع الاخوان لا يعني أن أنادي بقتلهم وسحلهم، وكما ننتقد جماعات الإسلام السياسي لبعض تصرفاتهم فعلينا أن ننتقد الطرف الآخر عندما يخطئ كذلك، عندما ننتقد إعلام الإسلام السياسي فعلينا أن نمارس نفس الامر عندما يمارس الطرف الآخر نفس الشيء، عندما نقول أن هذه الجماعات مارست العنف فعلينا أن نستنكر العنف الآخر عندما يمارسه الطرف الآخر بالضبط.

علينا أن نكون محايدين وأن ننحي توجهاتنا وميولنا السياسية وأن نستنكر ما نراه ضد مبادئنا، لا أن نغمض أعيننا عن نصف الصورة ولا نستحضر سوى ما هو مرسوم في اذهاننا فقط.

الاثنين، 22 يوليو 2013

تناقضات رمضانية

تنــاقضــات.. رمضانيّة

كان سؤالاً مباغتاً ذلك الذي وجّهه لي أحد طلابي : هل نحن بحاجة بالفعل إلى شهر رمضان أم أنه أصبح عبئاً ثقيلاً علينا، وماذا سيحدث لو اجتمع علماء المسلمين وقرروا عدم الحاجة إلى صوم الشهر لانتفاء الأغراض والحكم التي وجدت من أجله؟

قبل أن أجيبه مستنكراً أكمل قائلاً: ما أعلمه وما درسته أن رمضان هو بمثابة محطّة توقّف لمسافر في طريق طويل، يتوقّف لكي يراجع خارطة طريقه، إن كان في الاتجاه الصحيح أم لا، بمعنى أنّنا في خضم أمواج حياتنا المتلاحقة نحتاج إلى فترة توقّف نراجع فيها كثيراّ من سلوكيّاتنا الدّينيّة والاجتماعية والاقتصادية والصحيّة وغيرها، ونحاول تعديل بعض هذه السلوكيّات بحيث تتعدّل بوصلة مسارنا، ونطمئن أننا في المسار الصحيح. أليس كذلك. 
قلت له : بلى، ولكن لم كل هذا التشاؤم دون بقية الخلق.

قال : من هول التناقضات التي أراها في هذا الشهر والتي تختلف عمّا كنت أسمعه -وما زلت – من أن هذا الشهر هو شهر الخير والبركة والتراحم والتعاطف والتعاضد والإحساس بالآخر، وغير ذلك من الأطقم الجميلة التي نسمعها ونقرأها صباح مساء. دعني أعطيك بعض الأمثلة البسيطة على هذه التناقضات، لن أحدثك عن العالم الإسلامي وقضاياه الاجتماعية الكثيرة فهذا موّال آخر لا ينتهي. فقط  سأطرح أمثلة مجتمعيّة بسيطة علّ ذلك يقرّب لك الرسالة التي أودّ إرسالها إليك.

من التناقضات المرتبطة بسلوكيات البشر في هذا الشهر امتلاء المساجد بالمصلين في الأيام الأولى، والحرص على صلاة الفجر جماعة، والإكثار من قراءة القرآن، بحيث تراهم في أركان المساجد والإيمان والورع يتجلّى في نفوسهم، وتكون الدمعة أقرب إلى النزول. أين كثير من هؤلاء بقية أيام السنة، ولماذا لا تكون المساجد عامرة بهم سوى في رمضان، هل الحساب في رمضان يختلف عن بقية الشهور؟

خذ عندك شيء آخر :  ما إن يأتي رمضان إلا وتجد التواصل الاجتماعي من خلال زيارات الأقارب والأرحام، وتوزيع الصدقات، وتبادل الوجبات بين البيوت، وتوزيعها على المساجد. لماذا يقل هذا التواصل بقيّة السنة، هل يختفي الأهل والجيران فجأة ويسافرون إلى كوكب آخر، ألا تجوز الصدقة إلا في هذا الشهر، وهل ينعدم الفقراء والمساكين والمحتاجين ولا يظهرون سوى في رمضان؟

أيضاَ من التناقضات المرتبطة بهذا الشهر ارتفاع أسعار كثير من السلع قبل أيام قليلة من قدومه، ارتفاع لا تعرف له سبباً حقيقياً، فالناس هم الناس، والسكان لا يزيدون فجأة خلال هذا الشهر، ومعظم الحاجات الاستهلاكية يطلبها الناس طوال العام، والوجبات تتقلص إلى وجبتين بدلاً من ثلاث، فلماذا الارتفاع المفاجئ في الأسعار قبل يومين أو ثلاثة من ابتداء رمضان؟ أوليس رمضان هو شهر التراحم والاحساس بالآخر،  فلماذا يضرب كثير من هؤلاء بعرض الحائط لحرمة هذا الشهر التي تتطلب تسامحهم وتساهلهم، ومراعاة آداب البيع والشراء التي حثت عليها تعاليم الدين الحنيف، لماذا يغالي الصيّاد في سعر أسماكه حتى يطاولها العنان، ولماذا  يعتقد المزارع فجأة أن محصوله يتحول في رمضان إلى سبائك ذهبية، ولماذا يفعل التاجر نفس الشيء. لا تقل لي إنّه العرض والطلب أو ثقافة الناس الاستهلاكيّة، كلّها مبرّرات تتحطّم مع دوافع وغرائز انسانية سلوكيّة شابها الكثير من التغيّر.

خذ عندك أمر آخر : مع الأيام الأولى للشهر الفضيل تلاحظ زوال أثر "أدوات التجميل" من وجوه بعض الموظفات،  واستبدال ملابس أكثر خصوصية وحشمة، صحيح أنها كلها كم يوم ويعود كل شيء لما كان عليه، وتعود "ريمه لعادتها القديمة"، ولكن لماذا يرتبط مقدم الشهر  بسلوك كهذا؟ هل لأن الموظفة أو المرأة بشكل عام تعتقد في داخلها أن استخدام هذه الأدوات غير جائز شرعاّ بحجّة أنّه يثير الفتنة ويعد كنوع من التبرج المحرّم. في هذه الحالة عليها أن تمتنع  عن استخدامها بقية أيام السنة وليس في رمضان فقط، وإذا سلمنا بأن  استخدامه جائز شرعاّ فلماذا إزالته في الأيّام الأولى للشهر.
تعال للإعلام: تمتلئ برامج وسائل الإعلام المحلية المرئية والمسموعة بالكثير من الفقرات الفنية المختلفة من أغاني ومسلسلات وأفلام وغيرها، ولا تكاد تمر دقائق خمس إلا وكان الفاصل الغنائي جاهزاّ ليشنّف آذان المستمعين الكرام وينقلهم إلى أجواء أخرى حالمة. وما إن يقترب الشهر الفضيل إلا وتعلن هذه الوسائل عن حزمة من البرامج الدينية المتنوعة، فتكثر الأناشيد والمحاضرات الدينية والابتهالات والتواشيح والمقاطع القرآنية السماعية، والسؤال الذي يسأله طفل الخامسة : لماذا لا تبث الأغاني غالباّ في نهار رمضان، هل لأنها محرّمة أو مكروهة أو غير جائزة؟ إذا كانت كذلك فلماذا تبثّ بقية أيّام العام، وإذا كانت الإجابة عكس ذلك فلماذا ينقطع بثّها صباح رمضان. ولماذا تكثر الابتهالات والتواشيح والأناشيد الآن؟ مرّة أخرى، هل يختلف الحساب في رمضان.
أيضاً من الأشياء التي لا أجد لها تفسيراً ، هو ازدحام الشوارع بالسيارات قبل وقت قليل من موعد الإفطار، والسرعة الجنونية لبعض هذه السيارات في سبيل الوصول إلى البيت، وعادي لدى بعضهم لو صدم أحد المارّة أو تسبّب في كارثة مروري، المهم أنّه يوصل قبل الأذان. هل ستقوم القيامة لو رجع  قبل ساعة أو اثنتين مثلاً من موعد الإفطار، وبعدين  ما دام قد تحمل الجوع والعطش طوال اليوم أفلا يستطيع تحمله لعدة دقائق لو قاد سيارته بهدوء ورجع متأخراً بعض الشيء.

هذه بعض التناقضات التي ابتلي بها هذا الشهر يا أستاذي، لم أشأ أن  أسترسل في المزيد منها لأنها مؤلمة وصادمة، كنت أتمنى أن يبقى رمضان شهر القرآن والمغفرة، شهر الخير والتواصل والتراحم، ليس شهراً للتسوق ، ولا شهراً لتغيير الأثاث والمباهاة الاجتماعية كما يفعل البعض، يحتاج منا أن نعيد له بعضاً من قيمته ومكانته، أن نعيد نظرتنا إليه، أن نستلهم نظرة سلفنا له، ونستحضر منجزاتهم فيه وقتها سيكون رمضان دواء للقلوب والأبدان،  ستشفى قلوبنا من كثير من أمراضها المزمنة، وستتعافى أبداننا من كثير من أمراضها.


الثلاثاء، 16 يوليو 2013

كوميديا ..بلون الدم

كوميديا بلون الدم

كفن أسود ملطّخ بدم أسود غامق، وهل هناك دم أسود، بل هل من أسود غامق، الأسود هو الأسود. نعم يعقل عندما يكون اللون خارجاً عن إطار المألوف ، ولكن لماذا الكفن الأسود، هل لأنه رخيص ويمكن الحصول عليه بسهوله، هل أقصد شيئاّ آخر كالضمير مثلاً؟
وكأن قصص حوادث السير التي نسمع عن مآسيها الدامية كل يوم لم تعد كافية لصنع مزيد من التشويق والإثارة فكان لزاماً البحث عن ضحايا جدد لهذا الغرض، وكأن أبواب الرزق سدّت لدى البعض إلا من خلال إزهاق أرواح بريئة من أبناء هذا الوطن وزهرة شبابه وعماد بنائه، وكأنّه لا قنطرة للعبور إلى مصاف الغنى واختصار الوقت في تكوين النفس والعودة إلى الوطن الأم بشوالات النقود سوى بـ(الدّوس) على  عظام وجماجم أناس كلّ ذنبهم أنهم يعيشون في وطن أهله ومسئوليه أطيب من اللازم.  

هو فصل جديد من رواية مملّة، أو حلقة متجددة من مسلسل سخيف تكرّر عرضه في الآونة الأخيرة، أبطاله فئة تنظر إلى الوطن على أنه بلد "الفرص الممتنعة السهولة"، كما لقّنهم من سافر قبلهم من أبناء جلدتهم، مستغلّين في ذلك قوانين ما زالت قاصرة عن مجابهة (تغوّلهم)، ويشجعهم على ذلك فئة من أبناء هذا الوطن، أتوا بهم كي يعبثوا في نسيج هذا الوطن فكرياً واجتماعياً لمجرد نظرة بعضهم أن حفنة المال التي ستضاف إلى جيوبهم (المتخمة) هي أكثر أهمية من مواطن بسيط ينظر بعين الحسرة لهذا الوافد الذي جلبوه كي يشاركه في رزقه، بعدما أوهموهم أنهم أكثر إخلاصاً وصدقاً ووفاءً وإنتاجية من أبناء جلدتهم.

تبدأ فصول الرواية عندما اكتشف رجال الهيئة العامة لحماية المستهلك قيام بعض العمّال في إحدى المؤسسات التي تحمل اسماّ عمانيّاّ بامتياز، بإعادة تصنيع وتلميع إطارات مختلفة الأحجام مستعملة ومنتهية الصلاحيّة، وبيعها للمستهلك على أنها صالحة للاستخدام، فيشتريها المستهلك المسكين هرباً من سعير أسعار الوكالات المعتمدة، واعتقاداً ساذجاً منه أن هناك من القوانين والتشريعات ما تمنع أمثال هؤلاء من التمادي إلى هذا الحد.

يقال في كتب التاريخ والأدب أن الرقم (13) هو رقم مشئوم لدى بعض الشعوب، فهل كانت مصادفة أن يكون هذا الرقم هو العدد الفعلي للعمّال الذين تم ضبطهم وهم يقومون بهذا العمل. ترى هل هم الضحيّة أم الجلّاد، هل هم ضحية القهر والفقر والجهل والطبقيّة في بلدانهم، وهل قلوبهم بالفعل مغلقة بذات المطّاط الأسود الملطّخ بلون الدم، أم أننا السبب بلامبالاتنا، وعدم اهتمامنا، و(فشخرتنا) الزائدة عن الحد أحياناً.

وأنا أسترجع ذاكرة كثير ممّن فقدتهم من معارف وأحبّة ممّن اختلطت دمائهم القانية بلون أسفلت الشوارع، ترى كم منهم من كان ضحية لعبث كهذا، كم واحد منهم ذهب لشراء كفنه الأسود واختار أداة قتله رغماً عنه، وهو لا يدرى أن هناك من زرع له أربعة قنابل سوداء سرعان ما تنفجر مخلّفة ورائها أحلاماّ ضائعة لن تتحقق، وبراءة أطفال لن تكتمل، وحسرة ثكلى لن تنتهي، ودموع عجوز لن تجف.

وقد يقول قائل: أوليست الأسعار المبالغ فيها للإطارات والتي توازي أحياناّ قيمة سيارة مستعملة هي من الأسباب التي تجعل البعض يلجأ إلى شراء مثل هذه الإطارات حتى لو كانوا يعلمون بداخلهم أنها مقلّدة أو غير أصلية، وهل ستكون كافة رسائل التوعية المختلفة كافية لإقناعهم بأخذ الحيطة والحذر في ظل معاناتهم من هذه الأسعار الناريّة.

وقد يضيف آخر: ترى هل يتم فحص الإطارات لدى الجهات المعنّية عند تجديد السيارات كل عام، بل هل لدينا بالأساس مراكز لفحص السيارات بما فيها الإطارات بشكل تقني متكامل؟

ويبقى السؤال الأبدي الذي سنتجاهله بعد أيام: لماذا كل هذا، ومتى سننتهي من هذه الكوابيس التي تلاحقنا كل صباح ومساء، تارة عن حلويًات منتهية، وحيناً عن غذاء فاسد، ومّرة عن إطار مغشوش، وعشرات الكوابيس الأخرى التي أصبحت تقلق المضاجع وتسمّ الأبدان.

وإلى متى ستظل الهيئة العامة لحماية المستهلك تكتفي في كل مرّة بالكشف عن (بلاوي) كهذه وغيرها، في ظل تجاهل حكومي رهيب لمتطلبات أساسية تعينها على استكمال دورها المهم كالمختبرات العلميّة المجهّزة، ومراكز الفحص المتكاملة، والقوانين الرادعة التي تعينها على أداء مهامها، وأشياء أخرى كثيرة أرى أنه من العبث أن أعيد ذكرها في ظل إصرار البعض على النظر إلى الهيئة كمنافس سحب البساط من تحت أقدامهم لا كشريك حقيقي في حماية هذا الوطن.

وماذا لو عاني المسئول من همّ شراء (الراشن) الشهري، أو في كيفية توفير قيمة إطار جديد لسيّارته، ألم تكن لمشاكل كهذه يعانيها غيره من أن تحلّ أو أن يحدّ منها على سبيل المثال؟ وهل لمسئول يأتيه راشنه إلى باب بيته، أو تصان سيّاراته الحكوميّة والخاصّة الفارهة، وتغيّر إطاراتها كل شهر، أو أن تصله سلال الخضار والفواكه مغسولة طازجة أن يفكّر (مجرّد التفكير) في حلول حقيقية ناجعة لمشاكل وقضايا مجتمعية قادر على وضع الحلول والمقترحات والقوانين لها لو رغب في ذلك.

سنظل نتحدث كثيراً وكثيراً عمّا يسمى بالأمن الغذائي، وعن مقترحات يمكن لطفل الروضة أن يقترحها من قبيل تشجيع الاستثمار في المجالات الزراعية والسمكية والرعويّة، واستقدام الأفكار الخلّاقة المطبّقة في أماكن أخرى من العالم، ومراجعة القوانين والتشريعات في هذا الجانب، بدلاً من الحديث كلّ مرّة عن ارتفاع الأسعار، ومن المضحك المبكي أن يأتي يوم على بلد اشتهرت على مدى تاريخها الطويل بوفرة انتاجها من السمك والتمور، وتضطر الى استيراده.

يبدو أننا سنستمر كثيراً في محاولة علاج الأعراض بدلاً من علاج الأسباب.

د. محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 9 يوليو 2013

إنه يهب الأمل

كانت الساعة تشير إلى الخامسة عصراً من مساء يوم صيفي قائظ، وقتها كنت في طريقي إلى السوق القريب لقضاء بعض المستلزمات، عندما استوقفني ذلك المشهد الذي سيظل ماثلاً في مخيّلتي لسنوات قادمة دون قدرة على نسيانه.

عجوز يبدو من ملامح وجهه التي عركتها تجارب السنين وطحنتها ملمّات صعبة مرّ بها أنه تجاوز السبعينات بسنوات، أسمر البشرة، بسيط الملابس، حافي القدمين، يحمل عصاه الخشبية في يده اليمنى بينما تكفلت اليسرى بحمل كيس بلاستيكي داكن اللون ممزق في بعض جوانبه، كان يجمع شيئاً من الأرض في الشارع القريب من منزلنا، عندما تجاوزته بسيّارتي المكيّفة المغلقة نوافذها بإحكام كي لا يتسرب شيئاً من الغبار أو الهواء الساخن يكدّر عليّ صفو لحظات حياتية مؤقتة. 

شدّني الموقف فهدّأت من سرعة السيارة كي يتسنى لي مراقبة ما يفعل هذا (الشيبة)، بينما أفكاري السّوداويّة تعبث بي موحية لعقلي الباطن أنه يجمع بعضاَ من (المعدن) كي يبيعه على أحد تجار الخردة مقابل فتات من البيسات يسدً بها رمق يومه.

وكأني أمثّل دور الكريم مع المحتاج، ترجّلت من سيارتي واضعاّ في يدي اليمنى (بضعة) ريالات كي أدسّها في يده عائداً بعدها بنشوة الفارس الذي صارع الأعداء وانتصر عليهم بعد جهد جهيد، وكأن عمل الخير أصبح شيئاً ثقيلاً على القلب، أو لكأنه بات أقرب إلى الأعمال البطولية الخارقة في هذا الزمان.

مع اقترابي من الرجل اتضح لي حقيقة ما يفعل، فهو لم يكن يجمع الخردة ولا بقايا العلب كما اعتقدت، إنه (يلمّ) المهملات الملقاة على الشارع ويزيحها جانباً، مستخدماً في ذلك عصاه التي تطاوله في العمر، وكيسه المهترئ. إذاً أفكاري السوداء أودت بي إلى شطآن أخرى بعيدة، تباً للمقالات السوداء التي أكتبها أنا وغيري أحياناً. 

شعر الرجل باقترابي منه فأقبل مرحّباً بابتسامة عفوية لم تختلط ببقايا نفاق أو تزلّف، سائلاً عن علوم وأخبار جديدة قد أحملها، وهي عادة تناساها البعض تحت وطأة الانفتاح المادي والتكنولوجي والأخلاقي، وبيد مرتبكة دسست ما حملته في يده مع عدم قدرتي على تبرير ما فعلته.

بكل نقاء الدنيا خرج صوته صافياً وكأنه صوت ملاك في قصة أطفال قبل النوم: ولدي أنا ما أريد فلوس. ثم أشار إلى المسجد القريب مبتسماً وهو يقول: هذا بيت الله وما يصير (نخلّي) الأوساخ تتجمّع أمام بابه، الرسول أمرنا بالنظافة، ما كذا درّسوكم ولدي؟

يا للغرابة. كنت أعتقد أنني بريالاتي القليلة سأقدًم له العون، وأعود إلى سيارتي المكيّفة مزهوّاً منتشياً، كنت أعتقد أنني ومن معي من الجيل المتعلم المثقّف وحدنا من نحتكر المعرفة، وحق التفلسف وتقديم النصح للآخرين حول قضايا المجتمع والقيم والأخلاق، بينما ما حدث هو العكس، هو من ساعدني ومنحني الكثير من تساؤلات الدهشة حول القيم وغيابها في هذا الزمن، زمن العلم والتكنولوجيا والهواتف الذكية بكل حكم (الواتساب)، وقصص (الفيسبوك)، ونصائح تغريدات (التويتر).

تركته وملايين الأسئلة الحائرة تتصارع في مخّي الذي لم يعد قادراّ على الاستيعاب: هذا العجوز يقول لي إن هذه الأرض أعطتنا الشيء الكثير، فهل من الصعب أن أزيح عنها بعض الغبار العالق بها، وهل من الحرام أن أحتضنها وأحتويها، وهل من الغرابة أن أزيح عنها الحجر والمدر، هل تستكثرون عليّ ما أفعله؟

هو يقول كذلك: إن الأرض تتأذى مثلنا وتتألم، فهل كثير عليها أن نطهّر جراحها المفتوحة، ونداويها، ونزيل عنها الندوب؟

هو يسألني كذلك: هل تغيّر الرّفاهيّة من انتمائنا للأرض التي احتوتنا واحتضنتنا، وهل المؤثرات المختلفة التي نعيشها الآن لها دور في نزع أو (تضعضع) انتمائنا لها مع أنها هي ذاتها مصدر هذا الترف الذي نعيشه.

ترى لماذا أصبح منظراً كهذا يثير التساؤل والاستغراب مع أنه ينبغي أن يكون منظراً اعتيادياً طبيعياً، ولماذا نرى هذا السلوك لدى كثير من أفراد الجيل السابق ولا نراه في أجيالنا الحالية العصريّة المتعلمة النظيفة المثقّفة، ولماذا نصبّ جام غضبنا كل صباح على الحكومة وسياساتها، بينما نعجز عن إزاحة حجر ملقى أمام أعيننا.

إنه بما قام به يجعلنا في حرج شديد أمام عشرات الكتب والبرامج واللقاءات والندوات والورش التي نتغنى فيها بالمواطنة والهويّة والعولمة وأهمية الانتماء، بينما تأتي السلوكيات اللاحقة لكل ذلك متنافية في كثير منها مع واقع ما يتم طرحه.

إنه يطالبنا بأن نحذو حذوه وهو الرجل الطاعن في السن، وإذا لم تكن لدينا القدرة على فعل ذلك، فلنكف فقط عن أي سلوك قد يضير بالبيئة. 

إن هذا (العجوز) بما فعله يفتح باباً للأمل، يزيح الأتربة عن فتحات كثيرة مسدودة كي تعبرها نسمات الخير والعطاء، إنّه ينفض الغبار ويتحمل أضراره كي ننعم بهواء نقي، إنه يدعونا لصنع علاقة متجددة مع الأرض، إنه.. يهبنا الأمل.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الثلاثاء، 2 يوليو 2013

لماذا فشل مرسي


أكتب هذا المقال بعد ساعة من البيان الأول للجيش والذي أمهل فيه كافة القوى السياسية مدة 48 ساعة لتلبية مطالب الشعب،وإلا فإنه سيقوم بالتدخل ورسم خارطة طريق للمستقبل. أكتبه إجابة على سؤال طرحه عليّ صديق عزيز ونحن نتابع سوياّ تغطية إعلامية لمجريات الأحداث في مصر: لماذا فشل مرسي؟

فشل مرسي لأن جماعة الاخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة التي ينتسب إليها استعجلت جني ثمار 80 عاماً من العمل الدعوي والسياسي ، فآثرت النزول إلى معترك العملية السياسية، ولم تقم بدراسة الوضع بشكل مناسب من كافة النواحي في ظل أوضاع اقتصادية متردية، وتركة ثقيلة خلفها لهم النظام السابق الذي مارس تفتيت مفاصل الدولة وتجريف ممتلكاتها العامة على مدى ثلاثين عاماً متواصلة، فكانت النتيجة حرباً شعواء، وتآكلاً من رصيد ضخم بنوه بنشاطهم الدعوي والإجتماعي،وبتضحيات الكثير من أفراد الجماعة.

فشل مرسي لأن جماعة الإخوان المسلمين هي جماعة إصلاحية وليست ثورية، وهاجسها الأهم هو إظهار نفسها بمظهر السلمية المبالغ فيها في بعض الأحيان، لدرجة حرق مقارها ومقتل عدد من كوادرها دون احتجاج حقيقي من قبل قياداتها، لذا فلم تقم الجماعة ممثلة في الرئيس كسلطة منتخبة في تفعيل محاكم الثورة، أو اتخاذ اجراءات حاسمة تجاه بعض الفئات التي ظلت تعبث في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلد طوال عام كامل من حكمهم.

فشل مرسي لأنه لم تكن له رؤية واضحة تجاه الأداء الحكومي، فكان يحاول إرضاء كافة الأطراف، والظهور بمظهر القائد الأبوي الطيب المسالم، لذا فلم يحرك ساكناً تجاه ضعف الحكومة وضعف أدائها وافتقارها إلى الحزم الواجب والكفاءة المطلوبة رغم توفر أصحاب الكفاءات، والدليل أن معظم أعضاء هذه الحكومة يقومون الآن بالقفز من السفينة برشاقة القرود إظهاراً لشو إعلامي وهمي.

فشل الرئيس لأنه لا يملك من أدوات الحكم سوى مقر الرئاسة، فالشرطة مشغولة بمحاولة إعادة بناء نفسها وتشكيل كيانها بعد الضربة التي تعرضت لها في ثورة 25 يناير،والجيش مستقل بذاته في ظل قيادة إسمية للرئيس عليه، والقضاء يناكف الرئيس في كل القضايا المهمة كالانتخابات البرلمانية والدستور والمجالس النيابية وغيرها، والإعلام يمارس نقده الجارح بشكل يومي وكأن الرئاسة هي أضعف سلطة موجودة في البلد.

فشل الرئيس لأنه واجه معارضة غير فاعلة أو ايجابية من قبل عدد من أصحاب الأحزاب الكرتونية التي تشكلت قبل أو بعد الثورة، والتي لم يكن لها ثقل سياسي حقيقي، أو بمعنى آخر كانوا كمالة عدد لديكور ديمقراطي وهمي، معارضة يعارض أغلب رموزها إما لأجل المعارضة، وإما كرهاً في الإخوان ورغبة في إسقاطهم، في ظل عدم مقدرة هؤلاء الرموز على كسب قاعدة شعبية حقيقية في الشارع بسبب تواجدهم الدائم خلف المنابر الإعلامية، وبالتالي فإن نجاح الرئيس يعني نجاحاً أكبر، وشعبية أكثر له ولحزبه وجماعته، فالحل السهل هو استغلال الظروف الإقتصادية والاجتماعية السيئة كحل مثالي للمعارضة والضغط على الشارع لخلق صورة ذهنية سلبية عن أداء الرئيس وجماعته، وبالتالي تناقص شعبية الجماعة، وفرض أنفسهم كممثلين مستقبليين عن الشعب، لذا فلم نستغرب سكوت هذه المعارضة على الكثير من الملفات التي كانوا يطالبون بإصلاحها أو تطهيرها كالاعلام والقضاء وقانون العزل السياسي، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك بتحالفهم مع كافة الجهات التي دخلت في صراع علني مع الرئاسة، وأخيراً وضع هؤلاء أيديهم في يد خصمهم السابق المتمثل في فلول الحزب الوطني، بل وطالبوا العسكر بضرورة التدخل والحسم وهم الذين وقفوا ضده في المرحلة الانتقالية السابقة.

فشل الرئيس لأنه واجه إعلاماً شرساً منذ بداية ترشحه للرئاسة، إعلام حاول على مدى عام كامل النيل منه بشكل سافر متطرف يوحي بوجود حملة منظمة لذلك، وهوأمر غير مستغرب إذا ما علمنا أن أغلب المؤسسات الإعلامية الخاصة مملوكة لقيادات بارزة في الحزب الوطني المنحل، كما أن رموز الإعلام الذين يديرون الحرب ضد الرئيس حالياًَ هم من المنتسبين أو المتعاطفين مع ذلك الحزب خلال المرحلة السابقة، بل إن بعضهم كان عضواً في حملة الرئيس السابق الإنتخابية، والبعض الآخر كان عضواً في لجنة السياسات التي كانت تدير البلد، وبعض آخر كان ضمن ملف التوريث لجمال مبارك، وكانت دموع أغلب هؤلاء حاضرة عند تنحي مبارك، فمالذي يجعلهم الآن ثوريين ومطالبين بالحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية؟ 

فشل مرسي لأن بعض مرشحي الرئاسة السابقين استكثروا عليه أن يكون رئيساً، فقاموا طوال عام كامل بمحاربة كافة الخطوات التي يقوم بها، والتقليل من مدى نجاحها، ومحاولة إظهاره بصورة الفاشل، بالرغم من أن أحد هؤلاء، وهو الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح كان إلى فترة قريبة قيادياً بارزاً في جماعة الإخوان المسلمين، والدليل على هذه الحرب المطالبة الدائمة والمستمرة بتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، وهو طرح تم تبنيه من قبل بعض هؤلاء المرشحين منذ الشهور الأولى لتولي مرسي السلطة.

فشل مرسي لأن الثورة لم تتخلص بعد من تأثير بقايا النظام السابق في كل الأجهزة والمؤسسات بالرغم من أن بعض رموز هذا النظام يقبعون حالياً في السجون، ولكن مازال أتباعهم والمستفيدين من العهد السابق يتصرفون بحرية في المشهد السياسي من خلال اللعب على مشاعر بعض الفئات المجتمعية، والاستفادة من عدم تحقيق النتائج التي وعدت بها الثورة، وهذا النظام يسيطر على مفاصل مهمة في الدولة كالإعلام والقضاء والإقتصاد وغيرها، وما شجعهم على ذلك هو وجود غطاء سياسي لهم في الفترة الأخيرة من قبل بعض قوى المعارضة نكاية في الإخوان، وتمهيداً لزوال حكمهم.
فشل مرسي لأنه واجه معارضة خارجية من بعض الدول والجهات الخارجية خوفاً من تصدير فكرة الثورة وانتشار الفكر الإخواني في هذه الدول، وبالتالي التمهيد لمد إخواني قادم بعد نجاح هذا الفكر في الدول العربية التي قامت بثورات الربيع العربي كتونس وليبيا ومصر.

لكل الأسباب السابقة وغيرها أصبح مرسي مثل قائد سفينة لا يحسن القيادة، لذا فليس من الغريب أن تجنح السفينة أو أن يصيب العطب بعض أجزائها. قالها الملك فاروق لمحمد نجيب وهو يغادر مصر إلى منفاه: "ليس من السهل حكم مصر"، وقالها سعد زغلول قبله"مفيش فايدة".

د.محمد بن حمد العريمي

Mh.oraimi@hotmail.com