الأحد، 23 أكتوبر 2011

"رفقـاً بهم"


    جريدة الرؤية - الاثنين -24/10/2011م
كنت بالمستشفى لزيارة أحد معارفي عندما سمعت ذلك البكاء الذي يقطـﱢــع نياط القلوب "بأموت" "بأموت". بحثت عن مصدر الصوت فوجدته لصبي لم يتجاوز الحادية عشرة من العمر ، كان  متدثـﱢــراً بلحاف السرير،           و إحدى يداه ملفوفة بالجبس، بينما عيناه غارقتان في الدموع . اقتربت منه وسألته: لم تبكي يا بني؟ وما الذي سيجعلك تموت؟ أجابني: يدي تؤلمني بشدة من جرﱠاء العملية التي أجريت لي صباح اليوم، ولا أستطيع النوم، وليس هناك من يخفف عني ألمي. قلت له: وأين والدك؟ رد علي : والدي متوفي منذ سنتين، وأنا أكبر إخوتي،  وأمي في البيت مع إخوتي لأنها لا تستطيع أن تتركهم لوحدهم، وبيتنا في قرية بعيدة عن المستشفى. سألته: ومن يرافقك إذاً؟ قال: معي خالي، ولكنه لا يجلس معي كثيراً، وهو طوال الوقت خارج الغرفة.

لا أعلم لم تذكرت وقتها كثيراً من المشاهد المؤلمة لعدد من مظاهر اليتم التي ما برحت ذاكرتي تحتفظ بها طوال سنين مضت. هل جال في خاطري صالح وإخوته جيراننا البعيدين والذين خرجوا من المدرسة تباعاً بعد وفاة والدهم، وأكبرهم لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره، لأنهم ربما لم يجدوا من يشعرهم بأن الحياة فيها كثير من الأشياء الجميلة؟ وهل سأنسى ملامح تلك الطفلة ذات العشر سنوات بملابسها البالية، وشعرها المنكوش، وقد اقتربت  مني يوماً في أحد ميادين القاهرة طلباً لبعض المال كي تتمكن من شراء وجبة عشاء لأخيها الصغير الذي كانت تمسكه بإحدى يديها؟ وهل سأسامح ذلك الصديق الذي  أرسل لي بريداً الكترونياً يحوي صورة تم التقاطها في إحدى دور الأيتام لطفل رسم صورة  لوالدته على الأرض ونام بحضنها؟ بل وهل سأغفر لصديق آخر ما فعله بمشاعري حين عرض علي صورة طفلة تبكي على قبر أمها، وهي تحمل حقيبتها المدرسية ؟وقتها ظلت الصورتان تراودان مخيلتي وتقلق منامي لعدة ليال قبل أن أتناساهما كما يفعل كثير من البشر عندما تتغلب قسوتهم على مشاعرهم.

أتساءل أحياناً عندما تقترب مني ابنتي ذات السنتين ، لتوقظني من نومي العميق،  كي أشاركها لعبها ولهوها، وابتسامتها تغطي وجهها، بينما صدى ضحكاتها يملأ أرجاء الغرفة. ترى لو لم أكن موجوداً على هذه الحياة، فهل ستجد من يلاعبها؟و هل هناك من سيتحمل إزعاجها البريء له دون غضب أو تبرم؟ وهل ستلاقي من سيحتضنها في حنان لو سالت دموعها بسبب ملامح قسوة بسيطة لم تحتملها؟ ومن سيعتني بها إن مرضت في ليلة ما؟

وأتساءل كذلك عندما تتغلـﱠــى عليﱠ "مودﱠه " في دلال كي آخذها إلى مسقط في عطلة نهاية الأسبوع ، أو عندما تتصل بي ليلاً قبل عودتي إلى البيت كي أحضر لها عشاءً  تحبه، أو تنتظر عودتي ظهراً من عملي كي تبشرني بعلامة كاملة حصلت عليها في إحدى المواد، أو تطلب مني أن أشرح لها درساً صعـب عليها فهمه. ترى هل يستطع أقرانها الأيتام أن يفعلوا مثلها؟ وهل يجدوا من "يتغلوا عليه" كي يلبي لهم طلباتهم؟ وهل هناك من سيربت على ظهورهم في حنان أبوي، وهل يجدون من يقوم بتغطيتهم ليلاً خوفاً عليهم من برد الحياة؟

كل ذلك يجعلني أتساءل في ألم:كل منا يعرف في محيطه الأسري أو العائلي أو المجتمعي عدداً من الأيتام، فماذا فعلنا لأجلهم؟ وما هي مظاهر اهتمامنا بهم؟ وهل تتعدى تلك المظاهر بعض العطف والشفقة، وقليلاً من الملابس والمال في بعض المناسبات؟

كان المجتمع في السابق متماسكاً متكافلاً  رحيماً ببعضه البعض. كان للواحد منا عشرات الآباء والأمهات والأخوة، و كانت كثير من الأسر المقتدرة تحتضن اليتامى وتحرص أشد الحرص على الاهتمام بهم وحماية حقوقهم، وكان الرجل يكفل جاره ويعتني بأحوال أسرته في غيابه أو وفاته، وكانت المرأة تعتبر نفسها أماً بديلة لأبناء من تتوفى من جاراتها أو قريباتها، فتحسن الاعتناء بهم، وتحاول تعويضهم عن حنان الأم، بل إن بعضهن يصعب عليها أن ترى ابن جارتها يصرخ من الجوع لمجرد أن والدته قد تأخرت في جلب الماء، أو إعداد الطعام، فتبادر إلى إرضاعه حتى ولو لم يطل غياب والدته عنه. وكانت الجدات يحطن أحفادهن بالرعاية الكافية، والعناية الكبيرة، فهن الصدر الحنون لهم لو ضايقتهم قسوة (مبرﱠرة ) من والدهم، أو أزعجهم عتاب (مطلوب ) من أمهم، فيكون التعويض بفتح صندوق الهدايا، وسرد القصص والحكايات القديمة، و(هدهدة) ذلك الحفيد في حنان حتى ينام، فما بالكم لو كان هذا الحفيد يتيماً؟

أما الآن فلربما تغير المشهد كثيراً، وفقدنا في زحمة ما ندﱠعيه من تسارع العصر، وهموم الحياة كثيراً من قيمنا وعاداتنا الجميلة في عدد من أنماط العلاقات الإنسانية، لعل من بينها الاهتمام بكفالة الأيتام ورعايتهم، فلم يعد المجتمع يعطي هذه الفئة الاهتمام (الإنساني) الكافي الذي تحتاجه.

إن هؤلاء الأيتام ليسوا بحاجة فقط إلى أن نتصدق عليهم ببعض المال أو الهدايا، أو أن ندرجهم ضمن الفئات التي تستحق الإعانة، أو أن (تحسن) عليهم بعض الجهات بعدد من المقاعد الدراسية،فهذه أمور مفروغ منها ، وواجب ديني على الحكومة والمجتمع أن ينفذه ويقوم به على الوجه الأكمل، ولابد من المراجعة الشاملة، والتفعيل الأمثل لصناديق الزكاة، والأوقاف، والرعاية الاجتماعية، بحيث تؤدي دورها المطلوب لخدمة هذه الفئة في هذا المجال.

هم ربما لا يهمهم كثيراً كذلك  إقامة الجمعيات الخيرية ، والتي قد يقتصر دورها فقط على تقديم القليل من المساعدات المادية والعينية، والكثير من الشو الإعلامي، أو أن نخصص لهم يوماً واحداً في السنة كي نتذكرهم فيه، ونتعامل معهم يومها كأنهم (أنتيكات ) للعرض، وننظم لهم بعض الفعاليات الترفيهية،ونهديهم بعض الهدايا التذكارية البسيطة، مع شيء من الكلمات الموشـﱠــاة بحلو الكلام عن اليتيم وأهمية الاعتناء به، بينما نقضي باقي الوقت في التقاط الصور التذكارية مع راعي المناسبة، وفي التأكيد على أهمية أن تظهر صورنا في أخبار الصحف المحلية في اليوم التالي، مع ملاحظة أن كثير من هذه النوعية من الحفلات لا يراعى فيها الجانب النفسي لليتيم أحياناً، فبدلاً من أن تدخل الابتسامة في قلبه، فإنها تجدد في نفسه الألم والحزن، وتصر على أن تشعره بأن هناك ما ينقصه بعكس أقرانه الآخرين.

هم بحاجة لاهتمام من نوع آخر، بحاجة لمن يشعر بهم ويحس بما يعانوه. بحاجة لمن يكون لهم الأب الحنون، والأم الرءوم، والأخ الوفي، بحاجة لمن يهتم بمطالبهم النفسية قبل المادية، دون أن يشعرهم بالشفقة والتمييز بينهم وبين غيرهم من فئات المجتمع.

هم بحاجة إلى من يوفر لهم الإرشاد والتوجيه الثقافي والسلوكي، خاصة في سنوات مقتبل الحياة، وفترة المراهقة، ولو اهتم بعض منا بأن (يحتضن) يتيماً يعرفه، فيغدق عليه حنانه في غير مبالغة، ويراعي حاجاته النفسية، ويحاول تقويم تصرفاته السلوكية، ويكون قريباً منه بنصائحه وإرشاده كي يتلمس خطوات حياته حتى يصبح قادراً على تولي مسئولياته، لأصبح مجتمعنا في خير كثير.

مهما قلنا أو فعلنا ، فلن ندرك أبدا كيف هو شعور من يكتشف في لحظة أنه بدون أب أو أم، وصدق تعالى حين قال"وأما اليتيم فلا تقهر".


د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com


الخميس، 20 أكتوبر 2011

مواقف حياتيــة (5)


جريدة عمان - الخميس 20/11/2011م
هذه مواقف حياتية نصادفها يومياً.. نعرضها ليس من باب النقد، ولكن من أجل أن تكون الرؤية أكثر جمالاً ووضوحاً.
(1)
نظـﱠـــم برنامج الشباب التابع لإذاعة سلطنة عمان يوم الثامن عشر من أكتوبر الحالي حملة توعوية مهمة  للحد من الحوادث المرورية وأثرها السلبي على المجتمع، وقد وفـﱠـق القائمين على هذه الحملة من معدين ومقدمين في اختيار الفقرات واللقاءات والشخصيات التي تناولت الموضوع من مختلف أبعاده.
هذه الحملة تأتي استكمالاً لكثير من البرامج والإعلانات التوعوية المهمة في هذا الجانب و التي دأب البرنامج على تقديمها خلال دوراته البرامجية المتعددة.
تحية شكر وتقدير للقائمين على مثل هذه الجهود، وهناك الكثير من الظواهر التي تحتاج إلى مثل هذا الاهتمام كي يشعر المجتمع بمدى تأثيرها عليه سلباً أم إيجاباً.
(2)
تعمد (بعض) المعلمات إلى الإكثار من الحصول على الأجازات المرضية التي تخول لهن التغيب عن الدوام المدرسي،مما يؤثر سلباً على انتظام سير العملية التعليمية بمدارسهن، وحرمان قطاع مهم من الطلاب من حقهم الكامل في الرعاية التربوية. ومن بين المبررات التي تدفعهن نحو ذلك،  توزيعهن في مدارس تبعد كثيراً عن مقر إقامتهن مما يضطرهن لأخذ الإجازات بسبب المراجعات الطبية المتكررة، وحالات الوضع ، أو رعاية الأطفال.    
     يتطلب الحد من هذه الظاهرة تعاوناً أكبر بين وزارتي التربية والتعليم والصحة نحو الاتفاق على آلية معينة لمنح الأجازات، وتشكيل لجان طبية يعرض عليها من يتم استشعار عدم قدرته على العطاء، ومراجعة القوانين المنظمة لأجازات الأمومة والطفولة ، بالإضافة إلى الوقوف على معايير وبنود النقل الداخلي والخارجي، والبحث عن حلول أكثر نجاعة للحد من توزيع المعلمات في أماكن بعيدة عن مقر اقامتهن.
(3)
وأخيراً انفض سامر انتخابات مجلس الشورى في دورته السابعة، بعد أشهر من الحراك الاجتماعي والاقتصادي والفكري المرتبط بها. وعلى الرغم من تشاؤم البعض من جراء سطوة عاملي ( المال + القبيلة ) على نتائج تلك الانتخابات، إلا أنني لدي تفاؤل كبير بالتجربة الحالية، وأرى فيها مقدمة لتجربة أكثر نضجاً في الدورات القادمة ، فلأول مرة  يتم الحديث  بشكل جاد عن أدوار حقيقية للمجلس ينبغي أن يقوم بها كالتشريع ومراقبة أداء الحكومة، و تم طرح مصطلحات سياسية لم تكن مطروحة في السابق، كالعدالة الاجتماعية، والتغيير، والشفافية، ومكافحة الفساد. وتعرف المجتمع على  البرامج الانتخابية للمرشحين، ونظمت لقاءات جماهيرية مباشرة لم تكن متاحة في السابق. و كل ذلك من شأنه أن يثير حراكاً مجتمعياً مهماً خلال الفترة القادمة، ووعياً أكبر في مدى تقبل المجتمع لدور المجلس وأهميته، ويبشر بتحول سياسي قادم في أداء المجلس بدلاً من الدور الاجتماعي الغالب حالياً.
أدرك أن هذا التحول لن يأت بتلك السهولة، بل هو بحاجة لشيء من الحراك الفكري المتواصل، ومراجعة دقيقة للتجربة الحالية، ولبرامج انتخابية متوافقة مع الواقع السياسي والاجتماعي للمجتمع، ولأشخاص لديهم رصيد من الرضا والتقدير في المجتمع.  



(4)
"دروس خصوصية للطلاب في مادة.....". إعلان قرأته في واجهة إحدى المكتبات التي تبيع المستلزمات المدرسية.
كثيراً من مداد الحبر قد سال في التحذير من خطورة استشراء مثل هذه الظاهرة السلبية، وكثيراً من المقالات الفكرية قد دبجت في هذا الموضوع. ويبدو أن التهاون في اتخاذ الإجراءات الرادعة قد أغرى البعض نحو الظهور العلني والترويج لبضاعته.
لابد من وقفة مجتمعية تجاه هذه الظاهرة الدخيلة.
 (5)
وادي سال  - لمن لم يسمع عنه – هو أحد الأودية الجميلة التي تقع في قلب ولاية جعلان بني بو علي، وعلى بعد 31 كم منها،  ويمتاز  بمقومات طبيعية رائعة منها :اعتدال جوه طوال العام، وانبساط تربته، والبرك المائية الجميلة المنتشرة في أرجاءه، وكثرة أشجار الغاف التي تطوقه، مشكــﱢـلة غابات ظليلة متشابكة  تصلح للتخييم والاستجمام، مما يجعل الوادي متنفساً حقيقياً للكثير من الأسر والأفراد خلال فترة الإجازات .
كان الوادي يمتاز كذلك بخصوبة أراضيه، ووفرة مياهه، وكان يضرب به المثل في جودة (بطيخه) و(رطبه)، ولهذا كانت قراه مليئة بالسكان من قبائل شتى، وكان النشاط الزراعي والرعوي فيه على أشدﱠه. وفجأة حل المحل والجفاف بآباره، وهجره كثير من سكانه إلى مركز الولاية، وأصبحت كثير من بيوته ومزارعه في طي النسيان.
دعوة للمختصين في وزارتي السياحة، والزراعة لزيارة الوادي، وإيجاد خطط تنموية للنهوض بالنشاط الاقتصادي والسياحي فيه. هناك كثير من المشاريع المتنوعة التي يمكن أن تلاقي النجاح، وتعيد لهذا الوادي أهميته ومكانته.

(6)
كثيراً ما قرأنا عند تصفحنا للتاريخ الإسلامي عن شخصيات عظيمة  كانت توازي بانجازاتها وبطولاتها آلافاً من الرجال، ولهذا فقد سطعت شمس الحضارة الإسلامية على كثير من الأمم والشعوب، وانتشر تأثيرها في كافة أرجاء المعمورة.
أكتب هذا الكلام بعدما تابعت الصفقة التي تم التوصل لها بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، والتي تضمنت الإفراج عن 1000 معتقل فلسطيني مقابل الجندي الإسرائيلي المختطف جلعاد شاليط ، وعن حالة الفرح (الهستيرية) التي انتابت البعض على اعتباره انجازاً عظيماً  لنا، وهزيمة (نكراء) للطرف الآخر.
ألهذا الحد أصبح الإنسان العربي المسلم رخيصاً؟
(7)
من  جميل ما قاله الشاعر البهاء زهير:
يا أحسنَ الناسِ يا من لا أبوحُ به
                                       يا مَنْ تَجَنّى وَما أحْلى تَجَنّيهِ
قد أتعسَ اللهُ عيناً صرتَ توحشها
                                   وأسعَدَ الله قَلباً صرْتَ تأوِيهِ
مولايَ أصبحَ وجدي فيكَ مشتهراً
                               فكيفَ أسترهُ أمْ كيفَ أخفيهِ
وصارَ ذِكْريَ للواشي بهِ وَلَعٌ
                            لقد تكلفَ أمراً ليسَ يعنيهِ
فمنْ أذاعَ حديثاً كنتُ أكتمهُ
                        حتى وَجدتُ نَسيمَ الرّوْض يَرْويهِ
فيا رَسولي تَضَرّعْ في السّؤالِ لَهُ
                      عَسَاكَ تَعطِفُهُ نَحوي وتَثْنيهِ

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 17 أكتوبر 2011

"وانفـض السـامر"


   جريدة الرؤية - الاثنين 17/10/2011م
 في الوقت الذي توجـﱠــه فيه عشرات الألوف من الناخبين إلى صناديق الاقتراع لاختيار من يمثلهم في مجلس الشورى، وفي الوقت الذي فرح فيه الكثير من الموظفين بعدم ذهابهم إلى أماكن عملهم في هذا اليوم، بحجة ممارستهم لواجبهم الانتخابي، كان (العم) راشد نائماً ملء جفونه تحت ظل صخرة كبيرة اعتاد أن يرتاح بجوارها، بعد أن عاد من رحلته الصباحية اليومية في متابعة أحوال مزرعته المتواضعة، والتي تبدأ بعد صلاة الفجر، برغم سنوات عمره التي تجاوزت الثمانين، وكأنه غير مكترث بما يحدث حوله من حراك.
قد تكون سنوات عمره الكبيرة، وتواضع هيئته، وانشغاله اليومي بطلب الرزق، هي من بين الأسباب التي جعلته يبدو بعيداً عن المشهد، ولهذه الأسباب ربما لم يأته من يقنعه بأهمية تفعيل بطاقته الانتخابية،وممارسة حقه الانتخابي كمواطن صالح، وربما لم يسمع بمصطلحات كالانترنت و"الفيس بوك" و"التويتر" ومنتديات الحوار، كي يجد من يحاوره من خلف الشاشة حول أهمية الاختيار المناسب للمرشح، أو بمقاطعة التصويت كون المجلس قاصر السلطات. وربما لم  يأت من (يدس) في يده ورقة مالية كي يختار (فلان) كونه المرشح الأنسب للقضاء على الفساد، و لم يستدعه (رشيد) القبيلة ليحثـﱠـه على ضرورة اختيار (علان)ابن القبيلة، والذي سيسهم في الحد من المحسوبية، وقد تكون (أميته) القرائية قد منعته من الاطلاع على البرنامج الانتخابي للمرشح (ترتان )، والذي يؤكد على أن (صوتك أمانة)، ولهذا فإن عليك أن ترشح صاحب البرنامج لا أن تختار غيره.
       وربما لأحد هذه الأسباب كذلك لم يحرص على أن يفتح الراديو صباح ذلك اليوم ليستمع إلى جمل وعبارات رنانة من نوعية( العرس الديمقراطي )، و(الوعي العالي للمواطن)، و(قمة النضج الفكري) ، وعلى أن حرص المواطنين الكبير على إنجاح العملية الانتخابية، واقتناعهم بأهمية الدور الذي يقوم به المجلس  هو من دفعهم نحو التوجه إلى صناديق الاقتراع منذ الصباح الباكر، وحتى قبل أن تبدأ العملية الانتخابية، لكي يختاروا من يرونه مناسباً. وهي عبارات ما زالت تؤكد على سيادة مناخ (التطبيل) الإعلامي الفج، في الوقت الذي كانت فيه (باصات) النقل الجماعي تنقل مئات المرشـﱢــــحين إلى صناديق الاقتراع، وفي ذات الوقت الذي كانت فيه (القدور) تفوح بما لذ وطاب في الساحات القريبة من بيوت بعض المترشحين.
ومع أن كثيراً  من المترشحين قد حرصوا على (الزج) بفئة كبار السن والمعوزين أمثاله، في برامجهم الانتخابية، فإنـﱠﱠﱠـه لا يبدو مهتماً بمعرفة أسماء المرشحين الفائزين بعد أن انفض السامر، أو بما سيفعلونه من أجله، وأنا الذي لم يقدر لي أن رأيته يوماً ما مشغولاً بغير (جونيته) التي يحملها على ظهره في رحلة عودته وإيابه، وربما كذلك لأنه يدرك أن مثل هذه البرامج قد وضعت لمجرد( الشو ) الإعلامي، أو التسول الانتخابي لأصوات أمثاله، فأين هذه البرامج طوال الفترات الماضية؟ ولماذا لا يتم تذكرهم سوى في مواسم الانتخابات؟
قد لا يهتم العم (راشد) في غفوته تلك، بمعرفة  أن هناك من ينظر للأمر بسوداوية قائمة على حقيقة تحمل في طيـﱠـاتها أن الوعي بأهمية المجلس ودوره ما زال ضعيفاً وسط شرائح مجتمعية كبيرة، وأن السلبية (القاتلة) ما زالت تسيطر على فئات لا بأس بها من الشباب الذين يمكن أن يحدث على أيديهم التغيير المجتمعي الايجابي، وعلى أن سطوة المال، وانتشار ثقافة (القبيلة أولاً) مازالت تسهم في تحديد هوية كثير من الفائزين بمقاعد المجلس، وأن كل الجوانب الايجابية التي أبداها كثير من المترشحين من أفكار نيـﱢـرة ، وحماس متـﱠـقد، وطيبة زائدة،  وكرم حاتمي، وتواصل مجتمعي ملحوظ، وحرص على خدمة الناس، ، قد تذهب إلى بيات شتوي وصيفي مطوﱠل حتى الدورة القادمة.
وربما لن تحدثه أحلامه عن فريق آخر متفائل كثيراً بالتجربة الحالية، ويرى فيها مقدمة لتجربة أكثر نضجاً في المراحل القادمة، ولتحول سياسي قادم في أداء المجلس بدلاً من الدور الاجتماعي الغالب حالياً، وأن هذا الفريق يراهن على فوز عدد من الشخصيات الجديدة  التي ستأتي من خارج إطار ثقافة (المال والقبيلة)، وأن مجرد فوزهم يعد انتصاراً لفكرة التغيير التي يراهنون عليها مستقبلاً،  ومبررهم في تفاؤلهم هذا  هو حدوث إرهاصات كثيرة تدل على ذلك ، فلأول مرة  يتم الحديث  بشكل جاد عن أدوار حقيقية للمجلس ينبغي أن يقوم بها كالتشريع ومراقبة أداء الحكومة، بعد أن كانت الفكرة السائدة هي أن دور العضو ينحصر في مرافقة البعض لمقابلة المسئول الفلاني، أو المطالبة بخدمة مجتمعية معينة، أو كفالة شخص ما، ولأول مرة تطرح مصطلحات سياسية كسيادة دولة القانون، والعدالة الاجتماعية، والتغيير، والشفافية، ومكافحة الفساد،بعد أن كان الحديث عنها يعد من التابوهات المحرمة، ولأول مرة يتم وضع برامج انتخابية لكل مرشح، ولقاءات جماهيرية، وإدارة للحملات، بعد أن كان الاعتماد في السابق على السمعة القبلية أو الوضع المادي. صحيح أن كثير من هذه البرامج كانت غير ناضجة، وصحيح أن بعض المرشحين لم يكونوا على وعي كاف بما تتضمنه  برامجهم من أفكار (كبيرة)، ولكن كل ذلك من شأنه أن يثير حراكاً مجتمعياً مهماً خلال الفترة القادمة ، ويمكن أن تأتي الدورة الثامنة من عمر المجلس بعد (4) سنوات ، وقد تغيرت مفاهيم ومصطلحات كثيرة، ويمكن أن يلاحظ وقتها نضجاً أشمل في البرامج المقدمة، وتحديداً أدق لمحاور هذه البرامج، ووعياً أكبر في مدى تقبل المجتمع لدور المجلس وأهميته، وانحساراً ملحوظاً لعمليات التلاعب المتعلقة بالترشح، في ظل هذا الوعي، وحرصاً أكبر في عملية الترشح، خاصة في ظل اهتمام عدد من الشباب المثقف  بخوض التجربة، وفي ظل انفتاح (جزئي) في  حرية طرح بعض وسائل الإعلام، وفي ظل ثورة تكنولوجية هائلة متمثلة في المنتديات السياسية ومواقع التواصل الاجتماعي،  بشرط أن لا يمنع هذا التفاؤل من تسليط سهام النقد لأية ممارسات مجتمعية خاطئة أو قاصرة، لأنه بدون النقد والحوار والنقاش الفكري فلن يصل المجتمع إلى ما يصبو إليه، وما زال هناك مخاض عسير  للوصول إلى تجربة بعض المجتمعات المتقدمة ديمقراطياً، فالعبء الأكبر في التغيير يقع على المجتمع بمؤسساته المجتمعية، ومهما تغيرت مئات القوانين، وأعطيت آلاف السلطات والتشريعات، فلن يحدث ذلك التغيير المنتظر في ظل سلبية المجتمع.
قد يكون الأمر الوحيد الذي يشغل ( العم راشد) في غفوته الصباحية هو ماذا سيفعل خلال الساعات القادمة من عمل، وما كمية المحصول الذي سيجمعه في نهاية اليوم، وهل سيجد من يقف له كي يوصله إلى المكان الذي اعتاد أن يبيع فيه محصوله المتواضع كل يوم؟
إنني أفكر جدياً في أن أقنع  بعض زملائي كي نختاره مرشحاً لنا في الدورة القادمة، وقتها لن يتضمن برنامجه الانتخابي سوى جملة واحدة فقط "قليل من الكلام..كثير من العمل"
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com


الخميس، 13 أكتوبر 2011

مواقف حياتيــة (4)


جريدة عمان - الخميس 13/10/2011م
هذه مواقف حياتية نصادفها يومياً.. نعرضها ليس من باب النقد، ولكن من أجل أن تكون الرؤية أكثر جمالاً ووضوحاً.
(1)
    كثرت في الآونة الأخيرة حالات الإصابة بالأمراض الخبيثة كالسرطانات بأنواعها، والأورام الخبيثة، والتهاب الكبد الوبائي، وغيرها من هذه الأمراض الفتاكة، وأصبحنا نفجع كل يوم بحالات وفاة لعدد من الزملاء والأصدقاء والمعارف بسببها، والمؤلم أن بعضهم يفاجأ بأن المرض قد وصل مراحله النهائية دون أن يدر بذلك.
أما آن الأوان نحو التفكير في إقامة مراكز ومعاهد طبية متخصصة على أعلى مستوى تعنى بمثل هذه الأمراض؟
(2)
(هاتف البشرى)، (لتهنأ بما حزت من منصب)، (موطن الأحرار) نماذج لأغاني وطنية جميله طالما عشنا على معانيها المعبرة ، ومازالت تعيش في وجدان البعض منــﱠــا. ترى هل يعرف الجيل الحالي هذه الأغاني ، وهل سمعوا عن المرحوم (عبد الله الصفراوي) أو (نوال بنت سيف) وغيرهم ممن حملوا لواء الأغنية الوطنية في فترة من الزمن؟
نحتاج إلى مشروع وطني لجمع مثل هذه الأعمال وتوزيعها، علــﱠـها تحرك شيئاً من المشاعر الوطنية الجميلة التي نحن في أشد الحاجة إليها هذه الأيام.


(3)
1000 بعثة دراسية يتضمنها برنامج "الألف بعثة" لمرحلتي الماجستير والدكتوراه، والذي سيتم تطبيقه اعتباراً من العام الأكاديمي الحالي  2011/2012م ، بواقع (200) بعثة كل عام ، وذلك بناء على توجيهات سامية تؤكد مدى اهتمام القيادة الحكيمة بأهمية العلم ودوره في تقدم الأمم والشعوب.
السؤال المطروح هو عن  مصير هذه الكوادر بعد حصولها على الشهادات العليا في التخصصات المختلفة؟هل هناك خطط مدروسة للاستفادة منهم ومن حصيلة ما درسوه، وهل هناك مراكز علمية يمكن أن تستوعبهم؟ أم سيكون مصيرهم كمصير كثير ممن سبقوهم والذين  تعج بهم مكاتب المؤسسات الحكومية المختلفة؟
(4)
تضمنت كثير من البرامج الانتخابية للمترشحين لعضوية مجلس الشورى الاهتمام بفئات الفقراء وكبار السن والمعوقين كأحد المحاور الرئيسية ، واشتملت على خطط وفعاليات متنوعة في هذا الجانب.
هل هي قناعة منهم بضرورة الاهتمام بمثل هذه الفئات، وهل سيتم الاهتمام بهم بالفعل في حالة التوفيق أو عدمه ، أم أنها نوع من الشو الإعلامي، والتسـﱠـــول الانتخابي لأصواتهم.
(5)
عندما تذكر موانئ الشرق يأتي ميناء صور كرقم صعب بينها. لكن صور الحالية لا تمت بصلة لصور الميناء الشهير،  فمعظم بيوتها الأثرية قد هدمت، والبقية تنتظر الدور ، ومصانع سفنها التي انطلقت تجوب العالم حاملة مشاعل النور والحضارة قد أقفلت، وشخصياتها التي برعت في مجال الملاحة والفن والأدب وبقية المجالات  منزوية في صمت مؤلم تنتظر من يأتي لينهل  من فيض خبرتهم وخلاصة تجربتهم الحياتية.
 متى ستعود لصور  ريادتها التجارية والحضارية بين موانئ المنطقة، ومتى نرى خورها يعج بحركة السفن التجارية والسياحية، ومتى تعود عجلة العمل لمصانع سفنها التي دوت شهرتها الآفاق، وهل يمكن أن يتصدر المشهد إنشاء مركز ثقافي يحفظ تاريخ المكان ويوثق تراثه؟
(6)
يحدث أن يفكر أحدهم في مشروع تجاري ما قد تحتاجه المدينة، كافتتاح مطعم متخصص في مأكولات معينة، أو مقهى خاص بأنواع محددة من المشروبات، أو محل تقنيات معين، أو أي مشروع جديد آخر، وما إن يتم افتتاح هذا المشروع، إلا وتجد عشرات المشاريع المشابهة قد تم افتتاحها خلال فترة وجيزة، برغم عدم استيعاب السوق لها، الأمر الذي يترتب عليه إقفال بعض هذه المشاريع تباعاً، وحالة إحباط تصيب صاحب الفكرة الأساسية عندما يرى فكرته ومشروعه الذي تعب كثيراً من أجل تحقيقه عرضه للتقليد من قبل الآخرين.
أين الجهات المسئولة عن إعطاء التصاريح التجارية من هذه الظاهرة؟
 (7)
    حدث هذا المشهد أمام ناظري في عصر أحد الأيام، قطيع من الأغنام  يعبر أحد الساحات القريبة من البيت، وسط هذا القطيع (شاه) تعاني من كسر في إحدى رجليها، تمشي ببطء بجوار رفيقاتها اللواتي يحطن بها من كل جانب، ويحاولن مسايرتها في حركتها البطيئة في مشهد أدهشني وجعلني أتوقف مجبراً لتأمله.
تابعت المشهد حتى اختفى "القطيع" في إحدى الأزقة الجانبية، ولسان حالي يتساءل:ترى  هل نحتاج نحن بني البشر لمثل هذا التكافل والإحساس بالآخر؟
 (8)
من بكائيات الشاعرالعباسي ديك الجن الحمصي:
وَدَّعْتُها لِفِراقٍ فاشْتَكَتْ كَبِدِي
                                           إِذْ شَبّكَتْ يَدَها مِنْ لَوْعَةٍ بِيَدِي
وحاذَرَتْ أَعْيُنَ الواشِينَ فانْصَرَفَتْ
                                                 تَعَضُّ مِنْ غَيْظِها العُنّابَ بالبَرَدِ
فكانَ أَوَّلُ عَهْدِ العَيْنِ يومَ نَأَتْ
                       بالدَّمْعِ آخِرُ عَهْدِ القَلْبِ بالجَلَدِ

جَسَّ الطّبيبَ يَدي جَهْلاً فقلتُ لهُ
                   إِنَّ المَحَبّةَ في قَلْبي فَخَلِّ يَدي

ليسَ اصْفِراري لِحُمّى خامَرَتْ بَدَني
                                   لكنَّ نارَ الهوى تَلْتَاحُ في كَبِدِي

فقال هذا سَقَامٌ لا دَواءَ لَهُ
                                    إِلاَّ بِرُؤْيَةِ مَنْ تَهْواهُ يا سَنَدِي
د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الاثنين، 10 أكتوبر 2011

نحو سياسة إسكان أكثر واقعية


      جريدة الرؤية - الاثنين 10/10/2011م
تذكرون "أبو فاطمة"، صديقي القديم الذي حدثتكم عنه قبل فترة قريبة. اتصل بي منذ يومين طالباً لقائي على وجه السرعة. ذهبت إليه في مكانه المعتاد، وبعد السلام و السؤال عن الأخبار سألته: ما الذي يشغلك  يا أبا فاطمة لدرجة أنك تستعجل لقائي؟ رد علي : لدي أمر يحيرني فقلت أسألك علــﱠــك تستطيع مساعدتي في إيجاد تفسير له.قلت له: وما هذا الأمر الذي يشغلك ويؤرق منامك؟ فأجاب : قرأت تصريحاً قبل أيام لمعالي رئيس مجلس إدارة بنك الإسكان العماني يتحدث عن تحقيق البنك لصافي أرباح قدره (9)ملايين ريال عماني في العام الفائت.
 قلت له: وماذا في ذلك؟ أرى أن الخبر عادي ولا يستحق تلك الحيرة، بل يستحق التحية والتقدير.  ما الذي يجعلك تعتبر هذا الخبر لغزاً يصعب عليك فهمه؟
نظر إلي نظرة تمعن وبعد فترة صمت قصيرة بادرني بسؤاله: قل لي أنت من يملك هذا البنك،و ما الهدف من إنشاءه؟ أجبته: حسب علمي فالحكومة تساهم فيه بحوالي (60%)، وبقية النسبة لصناديق حكومية،وهو يسعى إلى دعم الحركة العمرانية في البلاد من خلال إتاحة  الفرصة للمواطن لامتلاك  المسكن الصحي ليعيش حياة كريمة، إيمانا من الحكومة بأن قضية الإسكان هي الركيزة الأساسية والعمود الفقري لباقي عوامل التنمية الأخــرى.
هنا قال أبو فاطمة: كلام نظري جميل ويستحق التصفيق، ولكن هل هذا هو الواقع فعلاً؟ أنا وأنت هل نشعر  بواقعية هذا الكلام؟ قل لي كيف مولت بناء بيتك؟
قلت له مرتبكاً: أخذت قرضاً من بنك تجاري بفائدة تقدر بنسبة (7%)، واستلمته بعد أسبوع من طلبي للقرض.
رد علي: أنت مواطن محدود الدخل بمقياس الحالة الاقتصادية الراهنة التي نعيشها، أليس من الأولى أن تذهب لبنك الإسكان العماني بدلاً من ذهابك لبنك تجاري خاص؟
رددت: بلى، ذهبت أكثر من مرة ، واستفسرت عن آلية الحصول على القرض، فأجابوني بأن نسبة الفائدة ستكون (8%) لأن دخلي يتجاوز (600) ريال، وأن علي أن أنتظر الدور، ولو كنت مستعجلاً فيمكن أن يتم تسريع دوري مقابل أن تكون نسبة الفائدة (9%)، وأخذوا بياناتي، ووعدوني بالاتصال، وحتى وقتك هذا لم يتصلوا بي.
رد علي بغضب: "بالذمة هذا كلام يقال"؟ بنك تساهم فيه الحكومة بحوالي (60%)،ومخصص أساساً لمساعدة المواطن، وتكون فيه نسبة الفائدة أعلى من فوائد البنوك التجارية؟بأي منطق يمكن لنا استيعاب هذا الكلام؟ ماذا يعني أن راتبك أكثر من (600) ريال أو حتى ألف ريال؟ هل هذا بالضرورة دليل على حسن وضعك الاجتماعي والاقتصادي؟ ألا يعي هؤلاء المسئولين تغير كثير من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية ، وحالة الغلاء التي نعيشها؟ ألا يدركوا أنه يمكن أن تكون لديك التزامات اجتماعية كثيرة قد تكون أكثر بكثير من التزامات كثير ممن تقل مداخيلهم الشهرية عنك؟بما أن البنك حكومي ، وبما أن الهدف منه هو مساعدة المواطن في تأمين المسكن المناسب ، فماذا سيضيرهم لو اقتصرت فائدة  البنك عند 1% مثلاً، كمصاريف إدارية ، ما دامت اشتراطات البنك قادرة على جعلك تدفع قسطك أولاً بأول دون تأخير؟إذاً لا تلم الشباب إذا توجه أكثرهم للبنوك الخاصة، وللجمعيات الأهلية، فبنك الإسكان أصبح ينطبق عليه المثل القائل"أسمع جعجعة ولا أرى طحناً".
والسبب في كل ذلك يا أبا فاطمة؟
 قال: السبب ببساطة أن بعض المسئولين لا يريدوا أن يرهقوا أنفسهم في التفكير ولو لدقائق محدودة، لو فكروا قليلاً لوجدوا أن هناك أشياء كثيرة  بحاجة لتغيير، لأن الزمن والظروف والتحديات قد تغيرت، ما زالت النظرة العامة تجاه الوزارة تنحصر في تخطيط وتوزيع الأراضي، وكذلك المساهمة في بناء بعض المساكن المتعلقة بفئة الضمان الاجتماعي.مازالوا لم يعوا أن  مسألة المسكن صارت أحد مؤشرات ميزان التنمية البشرية،وأن توفير المسكن بالإضافة إلى التعليم والصحة يشكلوا ثالوثاً اجتماعياً مهماً لا يجب التفريط في أحدها.
قلت له: تتكلم كثيراً يا أبا فاطمة دون أن تقدم لي مقترحاً وحيداً .
 رد علي: المقترحات كثيرة، ولو قام المسئولين بعمل صفحة على "الفيسبوك"، أو تخصيص مساحة تواصل معينة لأتتهم مئات المقترحات الوجيهة والمهمة. خذ معك على سبيل المثال :مادامت الحكومة تخصص مئات الملايين سنوياً لقطاعي التعليم والصحة، فأين هي حصة الإسكان؟ تخيل معي لو تم تخصيص مبلغ (100) مليون ريال سنوياً مثلاً لقطاع الإسكان، فكم من المشاريع الإسكانية سيتم إنشائها، وكم من القروض الميسرة سيتم توفيرها للمواطنين؟ لو افترضنا أن الحكومة ستقدم مبلغ (20) ألف ريال لكل شاب كمساهمة في بناء منزل ملائم، فهذا يعني أن هناك حوالي (5000) شاب يمكن أن يستفيدوا من هذه الخدمة سنوياً، وهو عدد معقول ومناسب، ووفق خطة زمنية محددة سيمكننا ذلك من توفير المسكن الملائم لقطاعات كبيرة من المواطنين، فما بالك لو تم ضخ جزء كبير من هذا المبلغ السنوي في ميزانية  بنك الإسكان،مع الحديث عن فوائد مخفضة، فهذا يعني أن ما ستدفعه الحكومة باليمين ستأخذه بالشمال، لأن الأقساط سيتم اقتطاعها مباشرة من رواتبهم الشهرية.
خذ معك مقترح آخر: لو قامت الحكومة مثلاً  بمشروع إسكاني وطني في كل ولاية  يقوم على أساس توفير الأرض وكامل الخدمات المتعلقة بها، والمساهمة في بناء الوحدة السكنية بنسبة معينة قد تصل في بعض الحالات  ل50% من قيمة الوحدة، ويأخذ هذا المشروع زخماً إعلاميا باعتباره سيسهم في الحد من مشكلة الإسكان، ويتم "إغراء" التجار والمقاولين في الاشتراك فيه بتقديم بعض المواد كالحديد والاسمنت على سبيل المثال بالمجان بواقع حصة معينة لكل منزل، أو عمل تخفيضات في سعر المتر المربع، مقابل أن تقوم الحكومة بمنحهم بعض الامتيازات كالإعفاءات الضريبية مثلاً، ألن يكن الوضع أفضل من الوضع الحالي ؟ خاصة أن البعض يترك أرضه الحكومية التي دفع رسومها، لأنها تقع في مكان بعيد لا تتوافر به الخدمات، ويضطر لشراء أرض قريبة بسعر عال، مما يؤثر على الوضع الاقتصادي لقطاع من المواطنين.
ختم أبو فاطمة كلامه وهو يستعد للذهاب: يا صديقي الكلام كثير وما أسهله، ولكن الأهم التنفيذ، متى ما اعتبرنا أن قضية الإسكان توازي في أهميتها قضايا أخرى كالتعليم أو الصحة أو الأمن، فإننا نستطيع أن نقدم خدمات أكثر ملامسة لوضع المواطن،وحجم تطلعاته، خاصة وأننا لا نعاني من كثافة سكانية عالية، أو قلة موارد، بقدر ما نحتاج لشيء من التنظيم، وإعادة النظر في كافة جوانب العملية الإسكانية بشيء من الهدوء والدقة، وقتها سنجد أننا قادرين على ابتكار الكثير من الحلول.

د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الخميس، 6 أكتوبر 2011

مواقف حياتيــة (3)


جريدة عمان - الخميس - 6/10/2011
هذه مواقف حياتية نصادفها يومياً.. نعرضها ليس من باب النقد، ولكن من أجل أن تكون الرؤية أكثر جمالاً ووضوحاً.
(1)
ارتفعت حرارة ابنتي البالغة من العمر سنتين، فقمت بإعطائها دواءاً خافضاً للحرارة، واصلت بعده النوم في سكون.ترى كيف كان سيكون حالها لو كان هذا المشهد قبل أربعين عاماً من الآن؟
عندما أشاهد بيوت العزل الصحي التي كان الأهالي يقيمونها لعزل المرضى قبل عصر النهضة، وعندما أمر على بعض المقابر الفردية أم الجماعية  التي كانت مخصصة لدفن الأموات من جراء بعض الأمراض المعدية ، وعندما يحكي لي البعض  عمن فقدهم من أبناء وإخوة وأقارب بسبب أمراض  أصبحت اليوم في عداد الأمراض البسيطة،كل ذلك يجعلني  أدرك وأقدر مدى الجهود التي تبذلها الحكومة في مجال الرعاية الصحية، وغيرها من المجالات على مدى سنوات النهضة.
فارق كبير بين ما كان عليه المجتمع سابقاً ، وبين ما تحقق طيلة السنوات الإحدى والأربعين.
ملاحظاتنا وانتقاداتنا لبعض الأمور المتعلقة بالأداء في المجالات الخدمية المختلفة،  لا يجب أن تجعلنا نلغي أو نقلل من تلك الجهود الصادقة التي بذلت ، وتلك المنجزات الجبارة التي تحققت بفضل حب صادق وثقة متبادلة بين قائد عظيم وشعب مخلص.



(2)
سكن معلمات في قرية بعيدة من قرى المنطقة الوسطى.القاطنات هن معلمات من مناطق تعليمية أخرى  اضطرتهن ظروفهن المعيشية  إلى قبول العمل في مدرسة  هذه القرية التي تبعد مئات الكيلومترات عن مكان إقامتهن.
السكن يعاني من  نواقص عديدة أهمها الأمان، وليس أقلها تصدع الأبواب والنوافذ، و انتشار الزواحف والحشرات السامة. لا أثر لأي مظهر من مظاهر الحياة  في تلك القرية بعد الخامسة عصراً، فلا وجود لمحلات تجارية  أو جيران سوى بعض العمالة الوافدة.الرعب هي الحالة النفسية الوحيدة التي تعرفها المعلمات بعد عودتهن من المدرسة في نهاية اليوم الدراسي،  في إحدى الغرف كان هناك  طفل يبكي بسبب اضطرار أمه أن تربطه في لحاف بجوار الشباك عند ذهابها للمدرسة كل صباح  لأنها لم تجد من يعتني به في قريتها الأصلية .
ما سبق سرده  ليس من "فانتازيا" الخيال، ولكنها قصة واقعية حكاها لي ولي أمر إحدى تلك المعلمات.
متى ستنتهي معاناة المعلمات المعينات في المناطق البعيدة؟
 (3)
عندما أتجول بالقرب من قلعة آل حمودة  بجعلان بني بو علي وما حولها من شواهد أثرية تنتابني الحسرة، ويستبد بي الضيق.فهذا المعلم الأثري المهم قد تداعت أركانه، وأصبح مرتعاً للحيوانات السائبة، والكلاب الضالة.ترى كم سيستمر هذا التراث صامداً؟ وأين تكمن المشكلة؟ أليس هناك من عقول تعي أهمية مثل هذه الشواهد؟
(4)
يبدو أن بعض الشباب قد تحولوا بقدرة قادر إلى مختصين ومدربين  في البرمجة اللغوية العصبية، والإرشاد النفسي. لا تندهش عندما تجد شاباً لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره  ويقدم نفسه إليك على أنه مدرب معتمد ومرشد نفسي واجتماعي، ومتخصص في مجال التوجيه و الإرشاد الأسري ،وبرامج تعديل السلوك، ولا تستغرب إذا ما قرأت إعلاناً عن أحد المعاهد التي تقدم  دورات  لأحد هؤلاء بأسعار مبالغ فيها. 
لست ضد أن يهتم الشباب بمثل هذه المجالات المهمة، ولكن هل يكفي حضورنا لدورة أو اثنتين ، أو حصولنا على شهادة ما، كي نتحول إلى مدربين وخبراء، وأصحاب معاهد متخصصة في هذا المجال؟ ثم ألا يتطلب التحول إلى عملية الإرشاد والتوجيه أن يحمل المرء قدراً كافياً من الخبرة الحياتية والعملية الكافية كي يستطيع أن يتعاطى مع القضايا الأسرية والمجتمعية المختلفة؟ وهل لثقافة المجتمع بمؤسساته وأفراده دور في تنامي هذه الظاهرة؟باختصار: هل أصبح الموضوع نوعاً من "البيزنس" لدى البعض؟
 (5)
ندوة "السلامة المرورية" ليست الفعالية الوحيدة التي يعتزم مجلس صور العام إقامتها، بل سبقتها العديد من الفعاليات المجتمعية المتنوعة، لعل من بينها فعاليات التكريم لعدد من الفئات المجتمعية  كمحفظي وحفظة  القرآن الكريم، والعاملين في مجال غسل وتكفين الأموات، في إشارة إلى دورهم المجتمعي المهم، إضافة إلى تكريم بعض الفرق الرياضية بالولاية،  كما أن هناك عدداً من الفعاليات التي ينتوي القائمين على المجلس تنفيذها مستقبلاً  كالندوة الخاصة بتفعيل دور مجالس الآباء والأمهات في المجتمع .المجلس من خلال هذه الأنشطة والفعاليات المتنوعة يؤكد على أن دوره لا يقتصر فقط على استضافة المناسبات الخاصة بالأفراح أو الأتراح فقط، بل يتعداه إلى أدوار مجتمعية أخرى مهمة.
هذه هي الشراكة المجتمعية المطلوبة التي ننادي بها، فالشراكة الحقيقية بين الدولة والأفراد هي من الأمور المهمة لنجاح أي مجتمع،  وإذا لم نقم نحن أبناء هذا الوطن الذين نعمنا من خير التنمية،  بهذه الأعمال التطوعية،فلن ننتظر الآخرين كي يقوموا بها.شكراً لكل صاحب مبادرة تطوعية.




 (6)
من روائع ما قال شاعر اليمن عبد الله البردوني في الحكمة:
وحدي  أعيش على الهموم ووحدتي     
                                                    بـالـيأس مـفعمة وجـوّي مـفعم
لـكـنّني  أهـوى الـهموم لأنّـها      
                                              فـكـرٌ  أفـسّر صـمتها و أتـرجم
أهـوى  الـحياة بـخيرها و بشّرها  
                                        و  أحـبّ أبـناء الـحياة و أرحـم
و أصـوغ " فلسفة الجراح " نشائداً  
                                           يـشدو  بها اللاهي و يشجي المؤلم


د.محمد بن حمد العريمي
Mh.oraimi@hotmail.com

الأحد، 2 أكتوبر 2011

ليسوا(أنتيكــات )


جريدة الرؤية - الاثنين - 3/10/2011
يجود علي أستاذي ربيع عنبر – وهو باحث مهتم بالموروث المحلي  وله جهوده البارزة والواضحة في هذا المجال – بنفحات تاريخية  جميلة من حين لآخر ، حين يدعوني لحضور بعض اللقاءات مع عدد من الشخصيات التي كان لها دور في صناعة التاريخ المحلي من خلال مجالاتهم المختلفة، سواء كانوا رواة تاريخ وأنساب، أم "نواخذة" سفن، أم بحارة، أم "وساتيد"، أم مهتمين بالفنون العمانية المغنـﱠـاة، أم شعراء، أو غيرهم من المجيدين في المجالات المختلفة.

وتقودني قدماي أحياناً نحو مجالس بعض "الوجهاء" الذين كانت لهم تجارب مجتمعية سياسية واجتماعية متنوعة، كي أقضي وقتاً مشوقاً بحضرة التاريخ العماني المروي، وأشعر وقتها كأني "تلميذ" صغير في مدرسة أساتذتها هم العمالقة الذين مروا بخبرات عديدة صقلت فكرهم، وأضافت لمعرفتهم الشيء الكثير.

لحظات جميلة أعيشها في حضرة هؤلاء، فعمق تجربتهم، وغزارة معلوماتهم، وتنوع اهتماماتهم، من الأمور التي تميز حواراتي معهم، والتي أستقي منها ما يجعلني أتشوق للقاءات أخرى .
وبرغم سعادتي وإعجابي بمدى الفائدة والحصيلة الثقافية المتنوعة التي أخرج بها من خلال مجالستي لأمثال هؤلاء "الكبار" ، برغم ألمي لما وصل إليه حال الكثير منهم، من قلة تقدير، وضعف اهتمام، ولعل ما يزيد ألمي هو ملامح الأسى التي تعتريهم عند سؤالي لهم: أين المجتمع من كل ما تملكونه من خبرة وإمكانات.

    مازالت ذاكرتي تحتفظ بتفاصيل حوار أجريته يوماً ما  مع أحد أصحاب الماحات (ورشة حدادة) ، وأذكر أنني سألته يومها عن نصيحته لشباب المستقبل، فقال لي: لا أنصحهم بشيء، فأنا بعد (55) سنة من العمل المتواصل في هذه الحرفة، لا أجد في هذه الورشة اليوم ما يسد رمقي بعد أن نافستني العمالة الوافدة ، وما حرصي على وجودي اليومي بها إلا لكي أمنع نفسي من البكاء على ماض رحل، ولكي يجد رفاقي مكاناً يواسون فيه أنفسهم، بعد سنوات طوال من العمل المتواصل في مختلف المجالات.

       كما ما زلت أتذكر قصة "الصائغ " الصوري  الذي أدهش الأديب العالمي المشهور وعبقري الرواية العربية "الطيب صالح" عندما زاره يوماً في محله، وجادله في تفسير بيت شعر عربي يتعلق ب"السيوف الهندية واليمانية". وقتها اعترف الطيب صالح ببراعة هذا العماني الذي ربما لم يهاجر يوماً إلى الشمال كما فعل هو.رأيت الألم على محيا هذا "الصائغ" عندما زرته يوماً، وهو نفس الأمر الذي تكرر في زيارات متناثرة لأصحاب حرف أخرى.

يتألم هؤلاء عندما تتعامل معهم وسائل الإعلام المحلية المختلفة، والجهات المسئولة عن الثقافة، باعتبارهم" أنتيكات" يمكن استضافتهم لدقائق بمقابل مادي بسيط لا يتوازى مع ما يمتلكونه من خبرات، وبغير مقابل في كثير من الأحيان، حالهم كحال الآخرين الذين لا يمتلكون "ربع" ما يمتلكه هؤلاء، وكأن الشهادة أو الشباب هو وحده من يبني الوطن.

كما يتألمون عندما يشاهدون برامج إعلامية يقدمها أمثالهم  في دول أخرى، يقدمون فيها عصارة فكرهم وتجربهم، ويشعرون من خلالها بمدى التقدير والامتنان تجاههم من خلال إتاحة مثل هذه المساحات الإعلامية ليقدموا لمجتمعهم رؤيتهم وتصوراتهم في المجالات التي برعوا فيها.
ويتألمون أكثر عندما يسمعون عن رغبة بعض المؤسسات الثقافية والفنية في تلك الدول، في تقديم السير الذاتية لأمثالهم ،من خلال كتب مطبوعة، أو تحويلها لبرامج وثائقية أو فنية، تحفظ تاريخهم، وفي نفس الوقت تحقق أعلى المبيعات، باعتبارهم شاهداً على كثير من التجارب والأحداث المختلفة على مدى سنوات طويلة .

وهنا ينبغي علينا أن نتوقف قليلاً لكي نقيــﱢـم  تعاملنا تجاه هؤلاء ، ونتساءل مع أنفسنا: ماذا قدمنا لهؤلاء الذين عايشوا ظروفاً صعبة في أوقات معينة، فلم يستكينوا، وشاركوا بكل همة ونشاط، ورغبة صادقة، في بناء لبنات الوطن، دون انتظار لتكريم، ألا نخشى أن نفقدهم يوماً دون أن نستفد مما يحملونه من خبرات حياتية يحتاجها المجتمع، وتعينه على التقدم والمنافسة.

هل فكـــﱠــر أحد معدي البرامج الإعلامية في تخصيص برنامج يقدمه بعض هؤلاء، كل يتحدث في مجاله، وهل خطر ببال أحد المنتجين في تقديم مسلسل أو فيلم وثائقي مستوحى من تجربة أحدهم؟ وهل اهتمت بعض مؤسسات التعليم العالي المختلفة في استضافة بعض هذه الشخصيات في تقديم محاضرات مختلفة كل في مجال تخصصه، يتم من خلالها ربط ما يدرسه الطلاب بتاريخ بلدهم في أي مجال كان، كما يحدث في بعض البلدان الأخرى؟ومتى سنرى المذكرات الخاصة بالعديد من الشخصيات العمانية التي أثرت البلد بعطاءاتها في مختلف الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية المختلفة.

ربما كانت هناك تجارب ومحاولات في هذا المجال، ولكن كثير منها كانت تجارب خجولة لم تكتمل، ولم تكن بالشكل الذي يشعر هؤلاء من خلالها بالرضا والامتنان.
وفي نفس الوقت ينبغي علينا أن نعيد العشرات من الحرفيين المجيدين في المجالات المختلفة، والذين تدهورت أوضاعهم الاقتصادية، وهجر كثير منهم حرفته، بسبب منافسة العمالة  الوافدة الرخيصة له في مجال عمله، وبسبب عدم وجود قوانين حامية ومشجعة له، وذلك من خلال إيجاد قوانين وتشريعات تحمي الحرف الأصيلة التي يعملون بها ، ومن خلال ترويج منتجاتهم ، وتسويقها في الأسواق والمعارض المحلية والدولية، ومن خلال توفير الأسواق الشعبية التي تجعلهم أكثر استقراراً وبالتالي أكثر إنتاجاً، وبنفس الوقت تحافظ على الإرث الحضاري للوطن.

   إن أمثال هؤلاء كثر في مجتمعنا العماني، هم بحاجة فقط لمن يمنحهم شيئاً من الاهتمام والتقدير، فهي دعوة للقائمين على  الجهات المنوط بها أمر الثقافة، ووسائل الإعلام المختلفة لتقديم تجربتهم للجيل القادم بالشكل الذي يتناسب وعطاءهم، فما أحوج هذا الجيل إلى من يقدم لهم خلاصة خبرة هؤلاء وكفاحهم وتضحياتهم، علـﱠـهم يجدون فيها ما يعينهم على مواجهة كثير من التحديات، ويرون فيها القدوة الإيجابية، في زمن اختلطت فيه كثير من القيم بتحديات العولمة.